«ملتقى الشارقة للخط» انطلق ويستمر حتى السادس من شهر يونيو (حزيران) المقبل، في احتفاء يتضمن المعارض، وورشات العمل، والمحاضرات والندوات، إضافة إلى عروض لأفلام حول فن صناعة الورق وأنواع الخطوط وتطورها. ويحضر الملتقى، الذي يستمر شهرين كاملين، 737 فنان خط، حيث بإمكان أهالي الشارقة والزائرين الاستمتاع بمحتويات 56 معرضًا، بعضها يكتفي بالخط العربي ومختلف ابتكاراته وثمة أخرى تنفتح على فناني الخطوط بأنواعها، ومن بين هؤلاء من دمج العربي باللاتيني والصيني والروسي والياباني. بالمختصر عيد للخط تشهده الشارقة، لا سيما الخط العربي، وقد خصص البينالي الذي يعقد كل سنتين مرة وتنظمه «دائرة الثقافة والإعلام»، في دورته السابعة هذه لـ«النقطة» باعتبارها إحدى العناصر المهمة في تمييز الحروف أو إنهاء الجملة. وهو عنوان طريف، إذ اجتهد المشاركون في تبيان جماليات النقطة ووظائفها وتفننوا في الابتكارات حولها. فقد حول الفنان الإماراتي جمال حبروش السويدي، النقاط التي جسدها بشكلها المربع والمكعب إلى قافلة تسير في صحراء من الرمال، تحت إضاءة جعلت حبات الرمل ذهبًا مشعًا، في تجهيز جميل عرض على مدخل «دار الخط» التي تعتبر في العادة، وعلى مدار السنة، مقرًا للخطاطين والراغبين في تعلم هذا الفن.
وتقام غالبية المعارض حول ما يعرف في الشارقة باسم «ساحة الخط»، حيث تمتلئ القاعات المحيطة بالساحة بأعمال فنانين آتين من دول عربية وغيرهم من إيران، تركيا، باكستان، الصين، ودول أجنبية مثل فرنسا وسويسرا وألمانيا وغيرها.
تربيع النقطة وتدويرها أو تكعيبها والاشتغال على البعد الثلاثي، وجعل النقطة مرتكز اللوحة أو منطلقا لجملة بحيث تبرز وكأنها الأساس والمحور، هو ما اشتغل عليه الكثير من الفنانين، مثل السعودي عباس بو مجداد الذي خطط في إحدى لوحاته عبارة «يا حنّان يا منّان»، بحيث وضع الكلمتين المحتويتين على النون واحدتهما عكس الأخرى، لتبدوان وكأنهما دائرتان متقابلتان ومتضادتان. وكتب أسامة الحمزاوي من سوريا سورة يس بخط منمنم أسود داخل إطار اتخذ شكل قطعة مكعبة ذهبية اللون. وإن بقي غالبية الفنانين يستلهمون من القرآن آياته ليتفننوا في كتابتها ومن الشعر العربي أبياته ليمتعوا الناظر بقراءتها، فقد تفنن عبد الناصر المصري من سوريا بكتابة كلمة «نقطة» في مرتين متعاكستين ليلعب على النقاط الخمس التي تحتويها، ولجأ البعض إلى الرقمية ليشتغل أشكالا جديدة لم تكن متاحة من قبل كما هو حال مصمم الغرافيك والعمارة الداخلية السوري الطي عامر. الفنان الإيراني الفرنسي بهمن بناهي، انتهج أسلوبًا خاصًا واختار كلمة «هو» ليلعب بحروفها في كثير من أعماله لعل أجملها تلك التي سماها حديقة هو، حيث جعلها أشبه بمنمنمات فسيفسائية تداخلت فيها الألوان والزخارف.
الحروف العربية مطواعة وموحية، وثمة من اختار جملة واحدة وسبح في منحياتها ليرسم وجوهًا أو أجسادًا هلامية وأشكالاً تجريدية كما محمد نباتي من إيران الذي لعب على حروف «إن الله جميل يحب الجمال»، أو نصر الدين زيتوني من ألمانيا الذي اختار «جوهر الثروة الإحسان»، أو يحيى أو بسعده من تركيا الذي اختار ما بدا له من كلمات ليصنع جماليات بصرية ليست بالضرورة مرتبطة بالمعنى.
مع فناني الغرافيك ديزاين والغرافيتي ودخول التكنولوجيا الرقمية على الفن، لم يعد الخط العربي محصورا بطابعه الكلاسيكي، وإن كان غالبية الفنانين بقوا مخلصين لتراث حروفي، يحاولون أن يستخرجوا منه جديدًا ممكنًا.
جاءت الندوات واللقاءات الحوارية، لتعطي بعدًا آخر للأعمال المعروضة. وبعد يومين من افتتاح الملتقى عرض فيلم حول «التعبيرية اللونية»، لمحمد النوري، وجاء الباحث والفنان التركي مصطفى أوغور درمان، ليلقي محاضرة باللغة التركية حول حياة الخطاط التركي الشهير إسماعيل حقي الطغرائي، بمناسبة مرور 70 عامًا على وفاته. أهمية هذا الخطاط الكبير، ليس فقط أنه كان من أشهر خطاطي عصره، وأكثرهم إبداعا، بل هو أحد الذين عاشوا مفصل الانتقال من الحرف العربي إلى اللاتيني، في تركيا. شرح الباحث مصطفى أوغور درمان، بمساعدة الباحث السوري محمد تميم الذي كان يترجم له إلى العربية، بكثير من المحبة، «أي صدمة تلقاها الخطاطون بعد قرار أتاتورك، حيث أن هؤلاء وجدوا فجأة في ثلاثينات القرن الماضي أن مهنتهم أصبحت لعنة عليهم وسبة». ويشرح درمان أن كتابة الآيات القرآنية والأحاديث باللغة العربية كانت مسموحة، لكن العقاب كان يلحق من يكتب النصوص العثمانية بالحرف العربي، وهذا القانون لا يزال ساري المفعول إلى اليوم. ومما قاله المحاضر، أنه بعد ذلك، وفي خمسينات القرن الماضي، لم يعد للخط العربي تلميذ واحد. وإجابة على سؤال، حول عدم اهتمام الأتراك بالإبداع الحروفي بالخط اللاتيني، أوضح درمان: «أن الشعب التركي فتح عينيه على روائع الخط العربي، ولم تستطع الحروف اللاتينية رغم استخدامها في الكتابة، من إغراء الأتراك بجمالياتها.
هكذا افتتحت الشارقة ملتقاها الذي كرسته للخط العربي عمومًا والنقطة بشكل خاص، وتنتهي الأنشطة في يونيو المقبل بمجموعة شيقة من ورش العمل التي تدور حول مواضيع مثل: «تصميم الشعار بالخط العربي وإخراجه غرافيكيًا»، «شرح قواعد خط الإجازة»، «الرقة والجمال في الخط الفارسي»، «خطوط المصاحف ومميزات خط النسخ»، «تخريج الحروف من بعضها في الرقعة»، «كيفية عمل الوحدة الزخرفية»، ومواضيع أخرى مثل «الكتابة بالذهب»، و«الفرمان وعلاقته بالخط الديواني». وهناك ورش أكثر تخصصًا تركز على: «كيفية بري القلم»، أو حتى «أنواع الأحبار وكيفية استخدامها»، و«أسس تصميم الشعار بالخط العربي».
8:23 دقيقه
«النقطة» بجمالياتها محور «ملتقى الشارقة للخط»
https://aawsat.com/home/article/625366/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9%C2%BB-%D8%A8%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%AD%D9%88%D8%B1-%C2%AB%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AE%D8%B7%C2%BB
«النقطة» بجمالياتها محور «ملتقى الشارقة للخط»
56 معرضًا بحضور 737 فنانًا في بينالي الدورة السابعة
الفنان الإيراني-الفرنسي بهمن بناهي مع أعماله
«النقطة» بجمالياتها محور «ملتقى الشارقة للخط»
الفنان الإيراني-الفرنسي بهمن بناهي مع أعماله
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
