«إيكو».. جهاز إلكتروني متجدد في ميدان «الحوسبة الشخصية»

ابتكارات «أمازون» قد تقلب موازين عالم الإلكترونيات

«إيكو».. جهاز إلكتروني متجدد في ميدان «الحوسبة الشخصية»
TT

«إيكو».. جهاز إلكتروني متجدد في ميدان «الحوسبة الشخصية»

«إيكو».. جهاز إلكتروني متجدد في ميدان «الحوسبة الشخصية»

طيلة السنوات الخمس الماضية، عكفت شركات الإلكترونيات الكبرى على مستوى العالم على البحث عن فتح جديد، عن مبتكر إلكتروني جديد ليخلف الهاتف الذكي في فئة الأجهزة الإلكترونية التي لا يمكن للمرء الاستغناء عنها.
وفي خضم مساعيها، طرحت الشركات المختلفة ساعات رقمية وأجهزة لمتابعة مؤشرات اللياقة البدنية، وشتى أنواع النظارات الكومبيوترية، ووصلات يمكن إلحاقها بالتلفزيون تفوق في عددها البرامج التي يمكن للمرء مشاهدتها في التلفزيون نفسه!
* «الجهاز الأعظم»
ورغم كل ما سبق، فإن المرشح الواعد لحمل لقب «الجهاز الإلكتروني الأعظم» خلال الفترة المقبلة ليس من مبتكرات أي من «آبل» أو «غوغل» أو «فيسبوك» أو «مايكروسوفت»، وإنما جاء من «أمازون» في صورة «إيكو» Echo، الكومبيوتر المنزلي من دون شاشة الذي يمكن التحكم فيه من خلال الصوت. ويأتي ذلك رغم أن آخر مغامرات «أمازون» الكبرى في عالم الأجهزة الإلكترونية للمستهلكين، وهو «فاير فون»، مني بفشل ذريع، ما سبب حرجًا بالغًا للشركة.
إلا أن الوضع قد يكون مختلفًا هذه المرة، فبعد مرور ما يزيد قليلاً عن العام على طرحه بالأسواق، نجح «إيكو» في التحول من مجرد أداة يمكن استغلالها في خلق تجربة احتيال أو تلاعب، إلى أخرى تحمل إمكانات واعدة. وكلما طال أمد استخدامي لهذا الجهاز، زاد إيماني بإمكانياته الواعدة على نحو يحمل أصداء تجربتي في استخدام «آيفون» للمرة الأولى، إنه الشعور بأن الجهاز الذي تحمله بيديك يفتح الباب أمام عالم جديد هائل في مجال الحوسبة الشخصية، ويوسع دائرة الدور الذي تلعبه الكومبيوترات في صياغة شكل مستقبلنا.
أما الأمر الأكثر إثارة بخصوص «إيكو» فهو أنه يبدو وكأنه جاء من العدم. في الواقع، لا يتسم الجهاز بشكل لافت، بل ويصعب على المرء شرح استخداماته، حيث لا يعدو كونه جهازا صغيرا ثابتا يمكنك وضعه بأي مكان في المنزل، ويمكنك مخاطبته باسم «أليكسا». ويتولى الجهاز أداء مجموعة متنوعة من المهام يمكنك بالفعل القيام بها باستخدام هاتفك، مثل تشغيل موسيقى، وقراءة الأخبار ونشرات الطقس، والاحتفاظ بقائمة تسوق.
ومع ذلك، يملك «إيكو» القدرة على التسلل إلى روتينك اليومي ليصبح جزءًا لا يتجزأ منه، حيث يعيد طلب شراء فشار الذرة من أجلك، أو يتصل بخدمة «أوبر» لحجز سيارة لك، وعندما يطلب أطفالك من «أليكسا» إضافة مصاصات إلى قائمة التسوق، تتملكك الرغبة في أن تصبح كل جوانب حياتك تحت إدارة «أليكسا»!
* تفوق «أمازون»
وعبر هذا الأسلوب الخفي، نجحت «أمازون» في التفوق على «آبل» و«غوغل»، السيدين المتوجين بعالم الهواتف الذكية، من خلال جهاز يحمل في طياته إمكانية أن يصبح قوة مهيمنة داخل واحدة من أكثر البيئات حميمية: المنازل.
إذا كنت تظن أن هذا القول ينطوي على بعض المبالغة، فعليك إذن مطالعة بعض المراجعات الخاصة بـ«إيكو» على موقع «أمازون»، فقد نجح «إيكو» في اجتذاب عدد نجمات يفوق ما حصل عليه حفل توزيع جوائز الأوسكار. ورغم انتهاج «أمازون» سياسة عدم الكشف عن أرقام المبيعات، فمن الواضح أنها تولي استثمارات ضخمة لـ«إيكو». وقد استعانت «أمازون» بإعلانات خلال بطولة «سوبر باول» للترويج للجهاز الجديد، وكشفت النقاب الأسبوع الماضي عن نسختين جديدتين منه، إحداهما يمكن حملها والأخرى مصممة لدمجها بأنظمة السماعات القائمة.
من جانبه، قال سكوت وينغو، رئيس «تشانيل أدفايزر»، شركة استشارات بمجال التجارة الإلكترونية، إن المؤشرات الأولى توحي بأن «إيكو» في طريقه لأن يصبح النشاط التجاري الأول، أي الرئيسي لـ«أمازون». وأضاف: «إنه واحد من أكثر الأجهزة مبيعًا عبر أمازون. وبالنسبة لأمازون، من غير المعتاد أن ينفد رصيدها من شيء، لكن في ما يخص إيكو، نجد أن مخزونا منه يكفي لأسبوعين فقط عادة يتوفر لديها قبل أن ينفد لبضعة أيام، لذا لا يملك المرء سوى الاعتقاد بأنها تواجه مشكلة في تصنيع عدد كافٍ من هذه الأجهزة». وأشار وينغو إلى أن «إيكو»، الذي تبيعه «أمازون» مقابل 180 دولارا فقط عبر موقعها، يجري بيعه عبر موقع «إيباي» عبر ما يتراوح بين 200 و300 دولار.
جدير بالذكر أنه لدى كشفها النقاب عن «إيكو» عبر فيديو ساذج أواخر عام 2014، في أعقاب إخفاق «فاير فون»، قوبل بموجة واسعة من التهكم. وخلال الفيديو، لم تتضح استخدامات «إيكو» في نسخته الأولى.
* إقبال كبير
مع ذلك، يبقى هناك سببان وراء مثل هذا الإقبال الكبير من جانب المستخدمين على «إيكو»، أولاً: من السهل تعلم كيفية استخدامه، بجانب أن قدراته على التعرف على الصوت أكثر إبهارًا عن تلك الموجودة بأجهزة أخرى بمجال المساعدة الصوتية (مثل «سيري» من «آبل»، أو «غوغل ناو»). الأهم من ذلك أن الجهاز مستمر في اكتساب قدرات وإمكانات جديدة.
وخلال مقابلة أجريت معه الأسبوع الماضي، قال ديف ليمب، نائب رئيس «أمازون» لشؤون الأجهزة، إن الشركة ابتكرت «إيكو» لأنها رأت إمكانات مثيرة وراء التقدم الذي أحرز بمجال تكنولوجيا الميكروفون، والتعرف على الصوت، والترابط السحابي.
من جانبهم، قضى مهندسو «أمازون» سنوات في تزويد «إيكو» بقدرات استثنائية. على خلاف الحال مع الأجهزة المساعدة المنافسة، يمكن تفعيل «إيكو» من بُعد بينما تقف عند الطرف الآخر من الغرفة («سيري» يعمل فقط من على بعد قدمين)، وبمقدور «إيكو» فك شفرة صوتك داخل البيئات الصاخبة، حتى عندما يشغل موسيقى.
أيضًا، عمل «أمازون» على ضمان استجابة «إيكو» بسرعة كبيرة. وقال ليمب: «خلال الفترة الأولى لطرح الجهاز، استغرق تنفيذ أمر تشغيل الموسيقى ما بين ثماني أو تسع ثوان، وعندما يكون الحال كذلك يصبح من المتعذر استخدام الجهاز. الآن، أصبح تنفيذ مثل هذا الأمر يستغرق في الغالب ما بين 1000 مليثانية و1200 مليثانية».
وبالفعل، نجحت هذه السرعة في إحداث اختلاف جوهري، إذ ومقارنة بصعوبة الحديث إلى «سيري» يبدو الحديث إلى «أليكسا» طبيعيًا، وأقرب إلى الحديث إلى بشر عن الحديث إلى آلة، وحتى عندما يفهم طلبك على نحو خاطئ، الأمر الذي كثيرًا ما يتكرر خلال الأيام الأولى لتعاملك مع «إيكو»، لا يبدو أنك ستتكبد ثمنًا فادحًا لتجريبك التعامل معه.
الأهم من ذلك، تمامًا مثلما كان الحال خلال الأيام الأولى لـ«آيفون»، نجحت «أمازون» في تحويل «إيكو» إلى نظام بيئي جديد. ويتدفق المطورون لخلق تطبيقات، أو مهارات حسب وصف «أمازون»، للجهاز يمكن التحكم بها صوتيًا. وبالنسبة لـ«إيكو»، هناك أكثر من 300 مهارة، بداية من مهارات تافهة، واحدة منها تجعل «أليكسا» تصدر أصواتا وقحة حال صدور أمر لها بذلك، وصولاً إلى الأكثر أهمية، مثل قراءة الإيصالات وحل المسائل الرياضية والدخول في محادثات، ونقلك في جولة عبر ألعاب تقوم على المغامرة، علاوة على كثير من الإمكانات الأخرى.
* تقنيات المنزل الذكي
من ناحيتها، تبدي الشركات المنتجة للأجهزة المنزلية الرقمية، مثل «نست»، اهتمامًا كبيرًا بالمسارعة إلى جعل منتجاتها قادرة على التكيف مع «إيكو». والآن، أصبح باستطاعة «أليكسا» التحكم في المصابيح المتصلة بشبكة الإنترنت، وأجهزة الثرموستات المنزلية، علاوة على مجموعة أخرى متنوعة من الأجهزة المنزلية. وقريبًا لن تكون بحاجة إلى «إيكو» للحديث إلى «أليكسا»، وإنما ستجدها في جهاز التبريد أو السيارة أو الفرن!
وتثير استراتيجية «أمازون» في التعامل مع «إيكو» في الأذهان خدمات «أمازون» المرتبطة بالإنترنت، ونشاطها التجاري السحابي الذي تقدر قيمته بعدة مليارات من الدولار.
والملاحظ أن «إيكو» يرتبط بالنشاط التجاري الرئيس لـ«أمازون»، أي بمتاجرها، فعندما تصدر أمرًا إلى «إيكو» بإعادة شراء فشار الذرة، فإنه يمرر الأمر عبر «أمازون» بالتأكيد. ومع ذلك، أوضح وينغو أن الشركة حرصت على ترك مجال الجهاز مفتوحًا نسبيًا حتى الآن، حيث باستطاعة جهات بيع التجزئة الأخرى والشركات المصنعة لمنتجات بناء تطبيقات خاصة بها تسمح لـ«إيكو» بالتفاعل مع متاجرها. ومع ذلك، فإن «إيكو» لا يخلو من عيوب، فلا يزال يستقبل حتى الآن بعض الأوامر الصادرة إليه بصورة خاطئة، ولا يزال يشعر المرء لدى التعامل معه بافتقاره إلى سمات مهمة. ويتفق ليمب، من جانبه، مع هذا القول، مؤكدًا أن فريق العمل داخل «أمازون» لا يزال يعمل على إضافة إمكانات جديدة للجهاز. أيضًا، يواجه الجهاز مشكلة التوزيع المحدود على مستوى بيع التجزئة. ومن الأفضل أن تسارع «أمازون» لحل المشكلات المتعلقة بـ«إيكو» لأنه رغم عدم وجود أجهزة منافسة له حاليًا، فإن هذا الوضع قد يتبدل قريبًا.

* خدمة «نيويورك تايمز».



«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.


روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
TT

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

لطالما سعى المهندسون في مجال الروبوتات إلى محاكاة ركوب الدراجة واحدة من أبسط القدرات البشرية ظاهرياً. لكن ما يبدو سهلاً للإنسان هو في الواقع عملية توازن معقدة تتطلب تعديلات مستمرة واتخاذ قرارات سريعة وتنسيقاً دقيقاً بين الحركة والثبات. واليوم يقترب الباحثون من تمكين الآلات من إتقان هذه المهارة، بل وتجاوزها.

يُظهر نظام روبوتي جديد أن الآلة القائمة على الدراجة لا تقتصر على الحفاظ على توازنها، بل يمكنها التحرك بسرعات عالية، والحفاظ على توازن ديناميكي، وتجاوز العقبات بطرق تحاكي مهارات متقدمة لدى راكبي الدراجات.

تصميم عالي الكفاءة

يرتكز هذا المشروع على سؤال أساسي في علم الروبوتات: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأداء بحد أدنى من التعقيد الميكانيكي؟

بدلاً من الاعتماد على عدد كبير من المحركات والمكونات، صمّم الفريق نظاماً بعدد محدود من الحركات المتحكم بها. ورغم ذلك، يتمكن الروبوت من تحقيق حركة مستقرة وسريعة ومناورات مرنة.

تكمن أهمية هذا النهج في أنه يخالف الأساليب التقليدية التي تعتمد على أنظمة معقدة لتحقيق التوازن. فالدراجة بطبيعتها غير مستقرة، وتتطلب تصحيحات مستمرة للبقاء في وضعية مستقيمة. ومحاكاة هذا السلوك في روبوت، خاصة عند السرعات العالية، تتطلب تحكماً دقيقاً واستجابة فورية من الحساسات.

بيئات واقعية متغيرة

ما يميز هذا النظام قدرته على التعامل ليس فقط مع الحركة السلسة، بل أيضاً مع التغيرات المفاجئة في البيئة. يستطيع الروبوت اكتشاف العقبات والتفاعل معها بشكل ديناميكي، مع الحفاظ على توازنه أثناء التنقل. وهذا ينقله من بيئة المختبرات إلى سيناريوهات أقرب للواقع وأكثر تعقيداً.

استُلهم التصميم من راكبي الدراجات المحترفين، خصوصاً في رياضات مثل ركوب الدراجات الجبلية أو الاستعراضية. يعتمد هؤلاء على الزخم والتوازن والتوقيت لتجاوز العقبات والتكيف الفوري مع البيئة. نقل هذه القدرات إلى نظام روبوتي يمثل خطوة نحو آلات قادرة على العمل في بيئات مشابهة.

أنظمة تحكم متكيفة

يعتمد أداء الروبوت على نظام تحكم يجمع بين تخطيط الحركة والتعديل اللحظي. فبدلاً من اتباع مسار ثابت، يقوم النظام بتقييم موقعه وتوازنه بشكل مستمر، ويجري تصحيحات سريعة عند الحاجة. هذا النهج يتيح له الحفاظ على السرعة دون فقدان الاستقرار. كما أن السرعة تضيف تحدياً إضافياً، إذ تقلل من زمن الاستجابة المتاح. لذلك، يتطلب الحفاظ على التوازن دقة في الاستشعار وسرعة في المعالجة، وهو ما يعكس تطوراً في كل من تصميم العتاد والخوارزميات.

تفاعل مع العقبات

ميزة أخرى لافتة هي قدرة الروبوت على التعامل مع العقبات بدلاً من مجرد تجنبها. يمكنه تجاوز بعض العوائق أو التفاعل معها مباشرة، ما يعكس مستوى أعلى من الحركة الذكية. هذا يتماشى مع توجهات أوسع لتطوير روبوتات قادرة على العمل في بيئات مصممة للبشر.

تتجاوز أهمية هذا الابتكار النظام نفسه. فالروبوت القائم على الدراجة يمثل نموذجاً فعالاً للحركة، خاصة في البيئات الضيقة أو المتغيرة. مقارنة بالأنظمة الأكبر، قد يوفر هذا التصميم كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة وسهولة في المناورة. كما يسهم هذا العمل في إعادة التفكير في كيفية تحقيق الرشاقة الحركية دون تعقيد ميكانيكي مفرط، ما قد يؤثر على تصميم الجيل القادم من الروبوتات.

يعتمد النظام على تصميم بسيط بعدد محدود من الحركات دون تعقيد ميكانيكي كبير (Bokser, et al)

نحو التطبيق العملي

قد يفتح هذا النهج المجال لتطبيقات مستقبلية في مجالات تتطلب السرعة والمرونة، مثل التنقل الحضري أو مهام الاستكشاف. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التجارب المخبرية والتطبيقات الواقعية، حيث تفرض البيئة الحقيقية تحديات إضافية مثل الأسطح غير المستوية والعوامل الجوية. مع ذلك، فإن التقدم واضح. ما كان يُعد تحدياً كبيراً. فالحفاظ على التوازن على عجلتين أصبح اليوم نقطة انطلاق نحو قدرات أكثر تعقيداً تشمل السرعة والتفاعل مع البيئة. ومع تطور هذا المجال، لم يعد الهدف مجرد منع الروبوت من السقوط، بل تمكينه من التحرك بثقة ومرونة في العالم الحقيقي، على غرار الإنسان.


تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.