قضية الأدب الإسلامي في عصر الحداثة.. ترف ثقافي أم محاولة للاستقصاء؟

ظهر المصطلح قبل 3 عقود وأسست له رابطة عالمية انتقلت من الهند إلى السعودية

د. حسن الهويمل  -  د. مرزوق بن تنباك  -  د. معجب العدواني
د. حسن الهويمل - د. مرزوق بن تنباك - د. معجب العدواني
TT

قضية الأدب الإسلامي في عصر الحداثة.. ترف ثقافي أم محاولة للاستقصاء؟

د. حسن الهويمل  -  د. مرزوق بن تنباك  -  د. معجب العدواني
د. حسن الهويمل - د. مرزوق بن تنباك - د. معجب العدواني

ظهر مصطلح الأدب الإسلامي قبل أكثر من ثلاثة عقود من خلال دعوة بعض الأدباء الإسلاميين إلى التفكير في إنشاء مظلة تجمع صفوفهم وترفع صوتهم وصولاً إلى تحقيق التأصيل للأدب الإسلامي، ونقد المذاهب الأدبية العالمية، ومناهج النقد الحديثة، وإيضاح ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وتوج ذلك بإنشاء رابطة الأدب الإسلامي العالمية، اتخذت من بلكنو الهندية مقرًا لها وذلك عام 1986، ثم انتقل المقر إلى الرياض عام 2000.
«الشرق الأوسط» طرحت قضية الأدب الإسلامي ومدى صلاحية هذا التصنيف في هذا العصر الموسوم بعصر الحداثة، ودور هذا النوع من الأدب في أدلجة الأدب بعموميته، وتعويم تيارات الإسلام السياسي، وماذا يمكن أن يقدمه هذا الأدب لمجتمعات تنشد حداثتها، واستطلعت بهذا الخصوص رأي بعض الأدباء والنقاد من السعودية فكانت هذه الحصيلة.
يشدد الدكتور مرزوق بن تنباك الباحث والأكاديمي والأديب السعودي وعضو في هيئة التدريس بقسم اللغة العربية - كلية الآداب - جامعة الملك سعود، على أن المرحلة الحالية تجاوزت الدعوة لأدب إسلامي أو غيرها، لافتًا بالقول: «نحن اليوم دخلنا فيما هو أهم بكثير من الدعوة للأدب أيا كان نوعه، وأصبحنا في مرحلة البحث عن الوجود وما تراه يعصف في المحيط العربي والإسلامي، وهو لا يترك فرصة للترف الثقافي والاختلاف حول المناهج التي كانت سائدة في العقود الماضية. الفرز الكبير والتصنيفات الآيديولوجية الدينية والسياسية المعاصرة كانت أكبر من التوقف عند جنس من الأدب أو موضوعه، وقد انشغل الأدباء والمثقفون من كل طرف بما آلت إليه أحوال العرب في البلاد وأنت ترى أن هناك عددا من البلاد العربية أصبحت بلا حكومة ولا نظام مستقر وانتقل الحال من التنظير للأدب إلى الانخراط الفعلي فيما يسمى العمل الجهادي، وأسميه الفتنة الكبرى، وأصبح كل من كان ينظر له مشغولا فيما هو أكبر مما كان يدعو إليه.
وبخصوص اعتقاد دعاة الأدب الإسلامي باستمرارية مثل هذا الأدب في هذا العصر، يقول بن تنباك: «كانت الدعوة إلى الأدب الإسلامي في تلك الفترة مما يرونه ومن حقهم أن يروا ما شاءوا، وليس الاعتراض على صلاحه أو عدم صلاحه. الاعتراض كان على مبدأ تصنيف الأدب إلى إسلامي وغيره، وقد كان رأيي ينطلق من هذا المعنى. فرفضي في ذلك الوقت كان رفضًا للتصنيف من حيث المبدأ ولم أنظر للمضمون، لأن المضمون في الأدب يعبر عنه في جملته وضمن المعنى العام. وقد وجدت المعاني والمضامين الإسلامية وغير الإسلامية منذ القدم ولم يعترض النقاد على الاتجاهات أيا كان موضوعها، وإنما التصنيف هو موضوع الاعتراض. وقد وصفت بداية محاولات التصنيف تلك بأنها بدعة ونشرت ذلك في مجلة (المسلمون)، التي كانت تصدرها جامعة الإمام ويرأس تحريرها داود الشريان. في تلك الفترة قد بلغت الصحوة أوجها، ولم يستطع أحد أن يقف في طريق مدها الجارف حيث نشط دعاة الأدب الإسلامي بالندوات والمحاضرات وتأليف الكتب وتجميع المؤيدين لنظرية الأدب الإسلامي».
وبخصوص رؤيته بشأن الأدب الإسلامي وهل يعد غطاء لأدلجة الأدب، وتعويم تيارات الإسلام السياسي. ويضيف ابن تنباك: «ليس المراد هو التفتيش عن نيات الناس، المقصود أن هناك حراكا قويا للفرز، وهذا ما لم يحدث في كل العصور الإسلامية بغض النظر عن الغاية من ذلك وكان من الموضوعية ومن الرؤية النقدية المجردة أن يعترض النقد على قضية أدبية طرحت للنقاش ورأيت أن لي رأيا في هذه القضية، فحاولت أن أمارس حقي في نقد الاتجاه الذي حمل رؤية يدلس بها حتى يقبلها المجتمع وتجد من الأنصار الكثير، حيث إن ظاهر الحركة النقدية مبرر بالميل الطبيعي من الشعب المسلم الذي يحب أن يرى الإسلام وشعره، وكل ما فيه صالحا ومفيدا ونافعا وهو الشيء الذي جعل الكثير ممن له رؤية نقدية يحجم عن مناقشة دعاة الأدب الإسلامي، والأمر مفهوم من وجهة النظر الموضوعية، لكن التخصص ومعرفة بواطن الأمور يجعل المرء لا يقف مع الناس على حساب التخصص، ومعرفة المناهج التي سار عليها القدماء من النقاد الذين قبلوا مجمل الأدب إسلامية وغير إسلامية. وقد كان أدب الجاهلية قبل الإسلام هو المثل الأعلى للمسلمين ولم يناقض ذلك إسلامهم ولم يجدوا في دراسته وتفضيله على كثير من أدب المسلمين بأسا ولا ممنوعا، لا شرعا ولا عقلا، وقد كانت قصائد الجاهليين هي النموذج الأعلى في كل ما خلفه النقاد المسلمون من تراث ما زلنا نعيش عليه ونردده في كل ما يتعلق في جمال الشعر وقيمه الخالدة، كما لم تجعل النماذج الرائعة من الشعر الإسلامي القديم النقاد المسلمين يعزلونها ويخرجونها من مسار الأدب العام إلى مسارات تخصها وتنكر غيرها.
وزاد بالقول: «أما التعويم كما ذكرت، فالاتجاه الذي سلكه دعاة التصنيف المحدثون في نخل الشعر القديم وتوظيف النصوص لما يوافق رؤيتهم شيء طبيعي أن يبحثوا عما يؤيد حجتهم ورأيهم الذي يرون وهو أمر مقبول في البحوث العلمية ولا تنسى أن الشعر في القديم كان هو الأداة الفاعلة والمؤثرة، بل كان هو الصحيفة الناطقة في لسان السياسيين والمعين القوي لهم، وليس هناك حزب سياسي في تراثنا القديم إلا كان الشعر وكان الشعراء هم الذين ينشرون الدعوة لهذا الحزب أو لذاك، وقد انغمس الشعراء في القديم في الخلافات السياسية وعبر كل فريق منهم عن رأي حزبه الذي ينتمي إليه وجماعته التي يدافع عنها ومارسوا السياسة مبكرا ودافعوا عن الساسة وحطبوا في حبلهم وبرروا مواقفهم وحروبهم وانتصرت كل مجموعة من الشعراء لتيار سياسي يرون أنه يخدم مصالحهم السياسية وباختصار لا يمكن عزل الشاعر ولا الشعر عن السياسة، لأن السياسة إدارة المجتمع وهم جزء مهم من مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ولهم رأيهم فيما يعمل الناس وما يقبلون وما يرفضون.
وحول ما يمكن أن يقدم الأدب الإسلامي لمجتمعات تنشد الحداثة، يشير الدكتور مرزوق بن تنباك إلى أن الأدب بغض النظر عن مضمونه إسلاميًا أو غير إسلامي، يقدم أشياء كثيرة ومهمة لأنه بالمردود العام هو تصور للحياة التي يعيشها المجتمع وتفاعل وجداني لا تمنع وحدانية المبدع للأدب من مشاركة المجتمع له فيما يبدع فيه، وميزة الأدب أن المبدع فرد أو أفراد والمتلقي هم الجمهور العريض الذي يتفاعل مع ما يقدمه الأديب ويستجيب سريعا معه ويتفاعل في كل ما يطرح المفكرون. الأدب أوسع العلوم الإنسانية مساحة للتفاعل الإيجابي في كل الأحوال وتأثيره كبير على العامة والخاصة وفي العصر الحديث لم يتزحزح الأدب عن مكانته التي كانت له في كل العصور. ولعل ما تراه الآن ويصلك بالناس من الشرق والغرب هو الأدب أكثر من أي شيء آخر، فالإعلام والشعر والقصة والرواية والأفلام وما على خشبة المسرح من تمثيل للحياة بكل تفاصيلها صغيرها وكبيرها وما يقبل منها وما يرفض هو في مجمله داخل ضمن الإطار الضخم الذي نسميه الأدب الكبير ولا تستغني الحداثة عما لا يستغني الناس عنه.
ومع أنني أعترض منذ القديم على تصنيف الأدب، إلا أنني لا أصادر حق المبدعين في مضامين الأدب ورسالته الإنسانية إن كان محتواه يحمل رؤية إسلامية فمن حق المبدع أن يرسم إبداعه وموضوع أدبه ولا أرى تحريم ذلك الحق ولا تجريمه، فالفكر الإسلامي ثري في تاريخه كله ومملوء بالجوانب المشرقة التي أبدعها الأدباء المسلمون والفلاسفة، ولم يحدث أن منع الناس العقل من الإنتاج الفكري من أجل أنه إسلامي، الإسلام قدم للبشرية عباقرة في كل العلوم النظرية، والأدب أهم هذه العلوم وأكثرها انتشارا في الآفاق، وقد عرف العالم أدب المسلمين وتتلمذوا على الجميل منه، وحسبك أن تعرف أن «ألف ليلة وليلة» هي أدب للمسلمين وتراث لهم، وتعرف مكانتها في التراث العالمي ولو لم يكن للاعتراض على تصنيف الأدب الإسلامي إلا أن «ألف ليلة وليلة» ستخرج منه حسب شروط منظريه لكفى ذلك سببًا للاعتراض.
ومن جانبه يرى الدكتور معجب العدواني، أستاذ النقد والنظرية المشارك في قسم اللغة العربية وآدابها - كلية الآداب - جامعة الملك سعود في الرياض، أن الإشكال ليس في كون المصطلح (الأدب الإسلامي) أطلّ علينا في عصر موسوم بالحداثة، وتهيمن عليه آفاق ما بعدها فحسب، بل في كونه مصطلحًا يتناقض أوله مع آخره، وفي كونه يصنف المنتج الإبداعي ويضعه في صندوق مغلق، ووفقًا لذلك يعارض ما هو غير إسلامي، وفي كونه منطلقًا من تفكير أحادي (غير حواري)، وغير منتم إلى أساس فكري؛ يقدس المضمون، ويهمل التركيب، ولنبدأ من المفردة الأولى (الأدب)؛ وهي مفردة تشير إلى جانب الكتابة الإبداعية التي لا تقف لدى ما هو مألوف ومعتاد في اللغة، وتسعى إلى نمو المجتمعات الإنسانية بما يتوافق مع مبادئ الحق والخير والجمال.
ويضيف: «أما المفردة الأخرى (الإسلامي) فقد وضعت في غير سياقها في حقبة سابقة؛ نتيجة جهود بعض الدعاة في ترسيخها؛ فظهر لدينا زواج إسلامي وزي إسلامي وشريط إسلامي، وغير ذلك من القوالب التي لم يسبق لها سابقة في التاريخ الإسلامي والإنساني، ولا تشي إلا برؤية أحادية، تستبعد الآخر القريب، وتقصي البعيد. وتبلورت تلك الأفكار المشتتة في اتجاه بدا جاهزًا للتطرف، وكان أكثر قابلية للصراع. وبالنظر إلى موقع رابطة الأدب الإسلامي الشبكي يمكننا تأكيد أزمة صياغة هذا المصطلح، وضعف منجزه إبداعًا ونقدًا، مع كثرة الوعود وندرة النتائج».
ويؤكد العدواني على أن وصف هذا الأدب بـ«الإسلامي» يستبعد لدى من يؤسس لذلك النظر إلى تراثنا الشعري والسردي؛ فالمعلقات أدب غير إسلامي، وكتاب «ألف ليلة وليلة» ومثله كتاب «كليلة ودمنة» والسير العربية القديمة لا علاقة لها بالأدب. وهذا يحدث نوعًا من الارتباك لدى الأجيال العربية، ويؤثر على الدارسين من الأمم الأخرى، إلى جانب خلق فجوة في تلقينا لآداب الشعوب الأخرى في شرق الأرض وغربها؛ فهل يمكن استبعاد تلقي تلك الآداب نظير تلقينا لمصطلح صيغ بصورة تهمل البعد الفني مقابل الاحتفاء بالأبعاد المضمونية.
واعتبر الدكتور معجب العدواني أن مصطلح «الأدب الإسلامي» وقع في خطأ «الجزئية» الذي يرسخ له في مبدأ القبول والرفض، وكان اتجاههم - ولا يزال - مرسخًا ملامح فكر أحادي، لا يمكن القبول به في حقل الأدب الذي يعارض الأحادية، ويدعو إلى التعددية؛ ولو عدنا إلى الحضارة العربية سنلمح الخطأ الكبير الذي وقع فيه بعض دارسي الإعجاز القرآني، وتداركه من تبعهم من الباحثين المتميزين في الثقافة العربية؛ إذ إن تقديس القرآن الكريم والرغبة في تبجيله واحترامه قاد بعض الأوائل مثل الرماني والخطابي والباقلاني إلى قولبة إعجاز القرآن في أبعاد مضمونية؛ مثل: الإخبار عن أحوال الأمم السابقة، والتنبؤ بما يقع للأمم اللاحقة، مما جعل هذا يقود إلى إشكالية كبرى في تناول درس الإعجاز؛ وتضع هذا التصور غير العلمي في وضع أخطر، ويتمثل ذلك في كون الإعجاز سيظل في بعض القرآن، وليس كله، ولذلك كان الباحثون من الأجيال اللاحقة أكثر وعيًا ومعرفة؛ فما وجدوا وسيلة أفضل في إبراز الإعجاز من التركيز على اللغة؛ فبنى القاضي عبد الجبار الأسد آبادي نظرية «الضم»، المعتمدة على أن الإعجاز يكمن في ضم الكلام إلى بعضه بصفة مخصوصة، وتلاه عبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية «النظم»، وكلتا النظريتين تتجاوزان أزمة «الجزئية» في الإعجاز إلى مبدأ الشمولية. وهو ما يغيب عن هذا الاتجاه، ولذلك أتساءل كيف يصنف الأسد آبادي والجرجاني في منظور هذا المصطلح؟ وفي اتجاه أصحابه؟
ويرى الدكتور حسن بن فهد الهويمل، رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، والناقد والأكاديمي المعروف، وعضو مجلس أمناء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، أن «مؤشرات الثراء تعدد الخطابات، وتنوع الاتجاهات، والعصر يتسع لكل القيم والمبادئ التي تخدم الإنسان في دنياه وأخراه. ولا يمكن مصادرة أي خطاب بهذه القطعيات. الصلاح وعدم الصلاح. الأدب الإسلامي مرتبط بالكلمة الطيبة، والقول السديد، وبقاؤه معزز ببقاء الفضيلة، والذكر الحكيم. وأخطاء المنتمين لأي خطاب - لا نحمّل المبادئ - يجب أن نفرق بين المبادئ والممارسات. وكيف لا يكون الأدب الإسلامي صالحًا، وما سواه صالح. هذه مصادرة، وإقصاء».
وبشأن مصطلح الأدب الإسلامي، وهل يعد غطاء لأدلجة الأدب، وتعويم تيارات الإسلام السياسي، يعلق الدكتور الهويمل بالقول: «لست معنيًا بصراع المفاهيم، وتطاحن (الآيديولوجيات)، أنا عربي، مسلم، لي تراثي، وقيمي».
وأضاف: «همي حماية الأدب بكل أنواعه وأشكاله من العهر، والكفر، وأدب الاعتراف الشائن. قضيتي الكلمة الطيبة، تحت أي لافتة، والحداثة عصفت بمشاهدنا، وفرقت كلمتنا وأنشأت الأحقاد، والضغائن، ثم ثوت في أرض المنشأ ليأتي (ما بعد الحداثة)».
ويشدد رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، على القول: «أنا أربأ بنفسي أن أكون بوقًا لأي طارئ. الكلمة الطيبة باقية، ما بقي الذكر الحكيم الذي تعهد الله بحفظه، وليس لدي اعتراض على المتغيرات الشكلية، والفنية، والدلالية متى استجابت لذوائقنا، وسدت حاجاتنا، وكرست وجودنا بوصفنا ننتمي إلى (حضارة عربية إسلامية)، سطعت شمسها على الغرب باعتراف المنصفين منهم، والحق ضالتنا فإذا كان في الوافد حق، فهو قضيتنا تحت أي مسمى، ليكن حداثيًا أو ليبراليًا أو ماركسيًا. ولكن ليس شرطًا أن يحمل مسماه لا بد أن نذيبه في كياننا، وأن يحمل مسمياتنا. وفي النهاية نحن جزء من الحضارة الإنسانية، وإن حرصنا على الاستقلالية، والحضور بسماتنا وخصوصياتنا. وهدفي ألا نكون متذيلين طاعمين، كاسين، نرقب المنعم المتفضل، وعندنا ما يغني، ويقيني، ومشاهدنا ترحب بكل قادم. متى ما عرف لنا حقنا، وأتاح لنا فرصة الندية، والوجود الكريم».
واعتبر الهويمل أن الفرق بينه وبين «المتحدثنين» أننا معًا رتعنا في منجزات الغير. «وأضفت المنتج لمكتسَبي متعدد المصادر». فيما أضاف غيري نفسه إلى مكتسبه، ملغيًا ذاته، متنكرًا لتراثه، معاد لعشيرته، «فأنا حداثي شعاره الأصالة، ودثاره المعاصرة، و(المتحدثن) شعاره ودثاره الحداثة».
وحول ما يمكن للأدب الإسلامي أن يقدمه لمجتمعات تنشد حداثتها، أجاب رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بقوله: «الحداثة خطاب من مئات الخطابات، ولا يمكن إعطاؤها أكبر من حجمها. ثم إنها مصطلح انطفأ بعد ضربات مصطلح (البعديات) ما بعد الحداثة. ما بعد البنيوية سمعنا بمذاهب و(آيديولوجيات) هيمنت، ورحلت، دون أن تترك أثرًا. ومصطلح الأدب الإسلامي، مصطلح من هذه المصطلحات، لا يمكن أن يحتكر رهاناتنا، ولا أن يلغي تطلعاتنا. إنه رؤية لمجموعة من الأدباء الأكاديميين، يسعى لتكريس الكلمة الطيبة، والقول السديد. واهتمامي به لا يلغي اهتمامي بما سواه. سؤالي الملح. ما الحداثة التي تتطلبها الأمة؟، هل هي قطع الصلة بالتراث، والأصالة، والكلمة الطيبة. أم هي مجرد التجديد، والتحديث؟، مؤكدًا على أن التجديد مطلوب في كل شيء حتى في الدين. الحداثة مصطلح غربي له مكونات قد لا يكون تحقيقها في صالحنا، فلنأخذ منها ما يوافق حضارتنا العربية الإسلامية، ولننبذ ما لا يوافق مكوناتنا».



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.