قضية الأدب الإسلامي في عصر الحداثة.. ترف ثقافي أم محاولة للاستقصاء؟

ظهر المصطلح قبل 3 عقود وأسست له رابطة عالمية انتقلت من الهند إلى السعودية

د. حسن الهويمل  -  د. مرزوق بن تنباك  -  د. معجب العدواني
د. حسن الهويمل - د. مرزوق بن تنباك - د. معجب العدواني
TT

قضية الأدب الإسلامي في عصر الحداثة.. ترف ثقافي أم محاولة للاستقصاء؟

د. حسن الهويمل  -  د. مرزوق بن تنباك  -  د. معجب العدواني
د. حسن الهويمل - د. مرزوق بن تنباك - د. معجب العدواني

ظهر مصطلح الأدب الإسلامي قبل أكثر من ثلاثة عقود من خلال دعوة بعض الأدباء الإسلاميين إلى التفكير في إنشاء مظلة تجمع صفوفهم وترفع صوتهم وصولاً إلى تحقيق التأصيل للأدب الإسلامي، ونقد المذاهب الأدبية العالمية، ومناهج النقد الحديثة، وإيضاح ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وتوج ذلك بإنشاء رابطة الأدب الإسلامي العالمية، اتخذت من بلكنو الهندية مقرًا لها وذلك عام 1986، ثم انتقل المقر إلى الرياض عام 2000.
«الشرق الأوسط» طرحت قضية الأدب الإسلامي ومدى صلاحية هذا التصنيف في هذا العصر الموسوم بعصر الحداثة، ودور هذا النوع من الأدب في أدلجة الأدب بعموميته، وتعويم تيارات الإسلام السياسي، وماذا يمكن أن يقدمه هذا الأدب لمجتمعات تنشد حداثتها، واستطلعت بهذا الخصوص رأي بعض الأدباء والنقاد من السعودية فكانت هذه الحصيلة.
يشدد الدكتور مرزوق بن تنباك الباحث والأكاديمي والأديب السعودي وعضو في هيئة التدريس بقسم اللغة العربية - كلية الآداب - جامعة الملك سعود، على أن المرحلة الحالية تجاوزت الدعوة لأدب إسلامي أو غيرها، لافتًا بالقول: «نحن اليوم دخلنا فيما هو أهم بكثير من الدعوة للأدب أيا كان نوعه، وأصبحنا في مرحلة البحث عن الوجود وما تراه يعصف في المحيط العربي والإسلامي، وهو لا يترك فرصة للترف الثقافي والاختلاف حول المناهج التي كانت سائدة في العقود الماضية. الفرز الكبير والتصنيفات الآيديولوجية الدينية والسياسية المعاصرة كانت أكبر من التوقف عند جنس من الأدب أو موضوعه، وقد انشغل الأدباء والمثقفون من كل طرف بما آلت إليه أحوال العرب في البلاد وأنت ترى أن هناك عددا من البلاد العربية أصبحت بلا حكومة ولا نظام مستقر وانتقل الحال من التنظير للأدب إلى الانخراط الفعلي فيما يسمى العمل الجهادي، وأسميه الفتنة الكبرى، وأصبح كل من كان ينظر له مشغولا فيما هو أكبر مما كان يدعو إليه.
وبخصوص اعتقاد دعاة الأدب الإسلامي باستمرارية مثل هذا الأدب في هذا العصر، يقول بن تنباك: «كانت الدعوة إلى الأدب الإسلامي في تلك الفترة مما يرونه ومن حقهم أن يروا ما شاءوا، وليس الاعتراض على صلاحه أو عدم صلاحه. الاعتراض كان على مبدأ تصنيف الأدب إلى إسلامي وغيره، وقد كان رأيي ينطلق من هذا المعنى. فرفضي في ذلك الوقت كان رفضًا للتصنيف من حيث المبدأ ولم أنظر للمضمون، لأن المضمون في الأدب يعبر عنه في جملته وضمن المعنى العام. وقد وجدت المعاني والمضامين الإسلامية وغير الإسلامية منذ القدم ولم يعترض النقاد على الاتجاهات أيا كان موضوعها، وإنما التصنيف هو موضوع الاعتراض. وقد وصفت بداية محاولات التصنيف تلك بأنها بدعة ونشرت ذلك في مجلة (المسلمون)، التي كانت تصدرها جامعة الإمام ويرأس تحريرها داود الشريان. في تلك الفترة قد بلغت الصحوة أوجها، ولم يستطع أحد أن يقف في طريق مدها الجارف حيث نشط دعاة الأدب الإسلامي بالندوات والمحاضرات وتأليف الكتب وتجميع المؤيدين لنظرية الأدب الإسلامي».
وبخصوص رؤيته بشأن الأدب الإسلامي وهل يعد غطاء لأدلجة الأدب، وتعويم تيارات الإسلام السياسي. ويضيف ابن تنباك: «ليس المراد هو التفتيش عن نيات الناس، المقصود أن هناك حراكا قويا للفرز، وهذا ما لم يحدث في كل العصور الإسلامية بغض النظر عن الغاية من ذلك وكان من الموضوعية ومن الرؤية النقدية المجردة أن يعترض النقد على قضية أدبية طرحت للنقاش ورأيت أن لي رأيا في هذه القضية، فحاولت أن أمارس حقي في نقد الاتجاه الذي حمل رؤية يدلس بها حتى يقبلها المجتمع وتجد من الأنصار الكثير، حيث إن ظاهر الحركة النقدية مبرر بالميل الطبيعي من الشعب المسلم الذي يحب أن يرى الإسلام وشعره، وكل ما فيه صالحا ومفيدا ونافعا وهو الشيء الذي جعل الكثير ممن له رؤية نقدية يحجم عن مناقشة دعاة الأدب الإسلامي، والأمر مفهوم من وجهة النظر الموضوعية، لكن التخصص ومعرفة بواطن الأمور يجعل المرء لا يقف مع الناس على حساب التخصص، ومعرفة المناهج التي سار عليها القدماء من النقاد الذين قبلوا مجمل الأدب إسلامية وغير إسلامية. وقد كان أدب الجاهلية قبل الإسلام هو المثل الأعلى للمسلمين ولم يناقض ذلك إسلامهم ولم يجدوا في دراسته وتفضيله على كثير من أدب المسلمين بأسا ولا ممنوعا، لا شرعا ولا عقلا، وقد كانت قصائد الجاهليين هي النموذج الأعلى في كل ما خلفه النقاد المسلمون من تراث ما زلنا نعيش عليه ونردده في كل ما يتعلق في جمال الشعر وقيمه الخالدة، كما لم تجعل النماذج الرائعة من الشعر الإسلامي القديم النقاد المسلمين يعزلونها ويخرجونها من مسار الأدب العام إلى مسارات تخصها وتنكر غيرها.
وزاد بالقول: «أما التعويم كما ذكرت، فالاتجاه الذي سلكه دعاة التصنيف المحدثون في نخل الشعر القديم وتوظيف النصوص لما يوافق رؤيتهم شيء طبيعي أن يبحثوا عما يؤيد حجتهم ورأيهم الذي يرون وهو أمر مقبول في البحوث العلمية ولا تنسى أن الشعر في القديم كان هو الأداة الفاعلة والمؤثرة، بل كان هو الصحيفة الناطقة في لسان السياسيين والمعين القوي لهم، وليس هناك حزب سياسي في تراثنا القديم إلا كان الشعر وكان الشعراء هم الذين ينشرون الدعوة لهذا الحزب أو لذاك، وقد انغمس الشعراء في القديم في الخلافات السياسية وعبر كل فريق منهم عن رأي حزبه الذي ينتمي إليه وجماعته التي يدافع عنها ومارسوا السياسة مبكرا ودافعوا عن الساسة وحطبوا في حبلهم وبرروا مواقفهم وحروبهم وانتصرت كل مجموعة من الشعراء لتيار سياسي يرون أنه يخدم مصالحهم السياسية وباختصار لا يمكن عزل الشاعر ولا الشعر عن السياسة، لأن السياسة إدارة المجتمع وهم جزء مهم من مجتمعاتهم التي يعيشون فيها ولهم رأيهم فيما يعمل الناس وما يقبلون وما يرفضون.
وحول ما يمكن أن يقدم الأدب الإسلامي لمجتمعات تنشد الحداثة، يشير الدكتور مرزوق بن تنباك إلى أن الأدب بغض النظر عن مضمونه إسلاميًا أو غير إسلامي، يقدم أشياء كثيرة ومهمة لأنه بالمردود العام هو تصور للحياة التي يعيشها المجتمع وتفاعل وجداني لا تمنع وحدانية المبدع للأدب من مشاركة المجتمع له فيما يبدع فيه، وميزة الأدب أن المبدع فرد أو أفراد والمتلقي هم الجمهور العريض الذي يتفاعل مع ما يقدمه الأديب ويستجيب سريعا معه ويتفاعل في كل ما يطرح المفكرون. الأدب أوسع العلوم الإنسانية مساحة للتفاعل الإيجابي في كل الأحوال وتأثيره كبير على العامة والخاصة وفي العصر الحديث لم يتزحزح الأدب عن مكانته التي كانت له في كل العصور. ولعل ما تراه الآن ويصلك بالناس من الشرق والغرب هو الأدب أكثر من أي شيء آخر، فالإعلام والشعر والقصة والرواية والأفلام وما على خشبة المسرح من تمثيل للحياة بكل تفاصيلها صغيرها وكبيرها وما يقبل منها وما يرفض هو في مجمله داخل ضمن الإطار الضخم الذي نسميه الأدب الكبير ولا تستغني الحداثة عما لا يستغني الناس عنه.
ومع أنني أعترض منذ القديم على تصنيف الأدب، إلا أنني لا أصادر حق المبدعين في مضامين الأدب ورسالته الإنسانية إن كان محتواه يحمل رؤية إسلامية فمن حق المبدع أن يرسم إبداعه وموضوع أدبه ولا أرى تحريم ذلك الحق ولا تجريمه، فالفكر الإسلامي ثري في تاريخه كله ومملوء بالجوانب المشرقة التي أبدعها الأدباء المسلمون والفلاسفة، ولم يحدث أن منع الناس العقل من الإنتاج الفكري من أجل أنه إسلامي، الإسلام قدم للبشرية عباقرة في كل العلوم النظرية، والأدب أهم هذه العلوم وأكثرها انتشارا في الآفاق، وقد عرف العالم أدب المسلمين وتتلمذوا على الجميل منه، وحسبك أن تعرف أن «ألف ليلة وليلة» هي أدب للمسلمين وتراث لهم، وتعرف مكانتها في التراث العالمي ولو لم يكن للاعتراض على تصنيف الأدب الإسلامي إلا أن «ألف ليلة وليلة» ستخرج منه حسب شروط منظريه لكفى ذلك سببًا للاعتراض.
ومن جانبه يرى الدكتور معجب العدواني، أستاذ النقد والنظرية المشارك في قسم اللغة العربية وآدابها - كلية الآداب - جامعة الملك سعود في الرياض، أن الإشكال ليس في كون المصطلح (الأدب الإسلامي) أطلّ علينا في عصر موسوم بالحداثة، وتهيمن عليه آفاق ما بعدها فحسب، بل في كونه مصطلحًا يتناقض أوله مع آخره، وفي كونه يصنف المنتج الإبداعي ويضعه في صندوق مغلق، ووفقًا لذلك يعارض ما هو غير إسلامي، وفي كونه منطلقًا من تفكير أحادي (غير حواري)، وغير منتم إلى أساس فكري؛ يقدس المضمون، ويهمل التركيب، ولنبدأ من المفردة الأولى (الأدب)؛ وهي مفردة تشير إلى جانب الكتابة الإبداعية التي لا تقف لدى ما هو مألوف ومعتاد في اللغة، وتسعى إلى نمو المجتمعات الإنسانية بما يتوافق مع مبادئ الحق والخير والجمال.
ويضيف: «أما المفردة الأخرى (الإسلامي) فقد وضعت في غير سياقها في حقبة سابقة؛ نتيجة جهود بعض الدعاة في ترسيخها؛ فظهر لدينا زواج إسلامي وزي إسلامي وشريط إسلامي، وغير ذلك من القوالب التي لم يسبق لها سابقة في التاريخ الإسلامي والإنساني، ولا تشي إلا برؤية أحادية، تستبعد الآخر القريب، وتقصي البعيد. وتبلورت تلك الأفكار المشتتة في اتجاه بدا جاهزًا للتطرف، وكان أكثر قابلية للصراع. وبالنظر إلى موقع رابطة الأدب الإسلامي الشبكي يمكننا تأكيد أزمة صياغة هذا المصطلح، وضعف منجزه إبداعًا ونقدًا، مع كثرة الوعود وندرة النتائج».
ويؤكد العدواني على أن وصف هذا الأدب بـ«الإسلامي» يستبعد لدى من يؤسس لذلك النظر إلى تراثنا الشعري والسردي؛ فالمعلقات أدب غير إسلامي، وكتاب «ألف ليلة وليلة» ومثله كتاب «كليلة ودمنة» والسير العربية القديمة لا علاقة لها بالأدب. وهذا يحدث نوعًا من الارتباك لدى الأجيال العربية، ويؤثر على الدارسين من الأمم الأخرى، إلى جانب خلق فجوة في تلقينا لآداب الشعوب الأخرى في شرق الأرض وغربها؛ فهل يمكن استبعاد تلقي تلك الآداب نظير تلقينا لمصطلح صيغ بصورة تهمل البعد الفني مقابل الاحتفاء بالأبعاد المضمونية.
واعتبر الدكتور معجب العدواني أن مصطلح «الأدب الإسلامي» وقع في خطأ «الجزئية» الذي يرسخ له في مبدأ القبول والرفض، وكان اتجاههم - ولا يزال - مرسخًا ملامح فكر أحادي، لا يمكن القبول به في حقل الأدب الذي يعارض الأحادية، ويدعو إلى التعددية؛ ولو عدنا إلى الحضارة العربية سنلمح الخطأ الكبير الذي وقع فيه بعض دارسي الإعجاز القرآني، وتداركه من تبعهم من الباحثين المتميزين في الثقافة العربية؛ إذ إن تقديس القرآن الكريم والرغبة في تبجيله واحترامه قاد بعض الأوائل مثل الرماني والخطابي والباقلاني إلى قولبة إعجاز القرآن في أبعاد مضمونية؛ مثل: الإخبار عن أحوال الأمم السابقة، والتنبؤ بما يقع للأمم اللاحقة، مما جعل هذا يقود إلى إشكالية كبرى في تناول درس الإعجاز؛ وتضع هذا التصور غير العلمي في وضع أخطر، ويتمثل ذلك في كون الإعجاز سيظل في بعض القرآن، وليس كله، ولذلك كان الباحثون من الأجيال اللاحقة أكثر وعيًا ومعرفة؛ فما وجدوا وسيلة أفضل في إبراز الإعجاز من التركيز على اللغة؛ فبنى القاضي عبد الجبار الأسد آبادي نظرية «الضم»، المعتمدة على أن الإعجاز يكمن في ضم الكلام إلى بعضه بصفة مخصوصة، وتلاه عبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية «النظم»، وكلتا النظريتين تتجاوزان أزمة «الجزئية» في الإعجاز إلى مبدأ الشمولية. وهو ما يغيب عن هذا الاتجاه، ولذلك أتساءل كيف يصنف الأسد آبادي والجرجاني في منظور هذا المصطلح؟ وفي اتجاه أصحابه؟
ويرى الدكتور حسن بن فهد الهويمل، رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، والناقد والأكاديمي المعروف، وعضو مجلس أمناء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، أن «مؤشرات الثراء تعدد الخطابات، وتنوع الاتجاهات، والعصر يتسع لكل القيم والمبادئ التي تخدم الإنسان في دنياه وأخراه. ولا يمكن مصادرة أي خطاب بهذه القطعيات. الصلاح وعدم الصلاح. الأدب الإسلامي مرتبط بالكلمة الطيبة، والقول السديد، وبقاؤه معزز ببقاء الفضيلة، والذكر الحكيم. وأخطاء المنتمين لأي خطاب - لا نحمّل المبادئ - يجب أن نفرق بين المبادئ والممارسات. وكيف لا يكون الأدب الإسلامي صالحًا، وما سواه صالح. هذه مصادرة، وإقصاء».
وبشأن مصطلح الأدب الإسلامي، وهل يعد غطاء لأدلجة الأدب، وتعويم تيارات الإسلام السياسي، يعلق الدكتور الهويمل بالقول: «لست معنيًا بصراع المفاهيم، وتطاحن (الآيديولوجيات)، أنا عربي، مسلم، لي تراثي، وقيمي».
وأضاف: «همي حماية الأدب بكل أنواعه وأشكاله من العهر، والكفر، وأدب الاعتراف الشائن. قضيتي الكلمة الطيبة، تحت أي لافتة، والحداثة عصفت بمشاهدنا، وفرقت كلمتنا وأنشأت الأحقاد، والضغائن، ثم ثوت في أرض المنشأ ليأتي (ما بعد الحداثة)».
ويشدد رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية، على القول: «أنا أربأ بنفسي أن أكون بوقًا لأي طارئ. الكلمة الطيبة باقية، ما بقي الذكر الحكيم الذي تعهد الله بحفظه، وليس لدي اعتراض على المتغيرات الشكلية، والفنية، والدلالية متى استجابت لذوائقنا، وسدت حاجاتنا، وكرست وجودنا بوصفنا ننتمي إلى (حضارة عربية إسلامية)، سطعت شمسها على الغرب باعتراف المنصفين منهم، والحق ضالتنا فإذا كان في الوافد حق، فهو قضيتنا تحت أي مسمى، ليكن حداثيًا أو ليبراليًا أو ماركسيًا. ولكن ليس شرطًا أن يحمل مسماه لا بد أن نذيبه في كياننا، وأن يحمل مسمياتنا. وفي النهاية نحن جزء من الحضارة الإنسانية، وإن حرصنا على الاستقلالية، والحضور بسماتنا وخصوصياتنا. وهدفي ألا نكون متذيلين طاعمين، كاسين، نرقب المنعم المتفضل، وعندنا ما يغني، ويقيني، ومشاهدنا ترحب بكل قادم. متى ما عرف لنا حقنا، وأتاح لنا فرصة الندية، والوجود الكريم».
واعتبر الهويمل أن الفرق بينه وبين «المتحدثنين» أننا معًا رتعنا في منجزات الغير. «وأضفت المنتج لمكتسَبي متعدد المصادر». فيما أضاف غيري نفسه إلى مكتسبه، ملغيًا ذاته، متنكرًا لتراثه، معاد لعشيرته، «فأنا حداثي شعاره الأصالة، ودثاره المعاصرة، و(المتحدثن) شعاره ودثاره الحداثة».
وحول ما يمكن للأدب الإسلامي أن يقدمه لمجتمعات تنشد حداثتها، أجاب رئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية بقوله: «الحداثة خطاب من مئات الخطابات، ولا يمكن إعطاؤها أكبر من حجمها. ثم إنها مصطلح انطفأ بعد ضربات مصطلح (البعديات) ما بعد الحداثة. ما بعد البنيوية سمعنا بمذاهب و(آيديولوجيات) هيمنت، ورحلت، دون أن تترك أثرًا. ومصطلح الأدب الإسلامي، مصطلح من هذه المصطلحات، لا يمكن أن يحتكر رهاناتنا، ولا أن يلغي تطلعاتنا. إنه رؤية لمجموعة من الأدباء الأكاديميين، يسعى لتكريس الكلمة الطيبة، والقول السديد. واهتمامي به لا يلغي اهتمامي بما سواه. سؤالي الملح. ما الحداثة التي تتطلبها الأمة؟، هل هي قطع الصلة بالتراث، والأصالة، والكلمة الطيبة. أم هي مجرد التجديد، والتحديث؟، مؤكدًا على أن التجديد مطلوب في كل شيء حتى في الدين. الحداثة مصطلح غربي له مكونات قد لا يكون تحقيقها في صالحنا، فلنأخذ منها ما يوافق حضارتنا العربية الإسلامية، ولننبذ ما لا يوافق مكوناتنا».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended