دعم الصادرات يضع الصين على طريق النمو الاقتصادي المرتفع

بكين ترفع مساهمتها في الصادرات العالمية إلى أعلى مستوى في 50 عامًا

رافعة عملاقة تقوم بتحميل الحاويات على باخرة نقل للبضائع في أحد الموانئ الصينية (رويترز)
رافعة عملاقة تقوم بتحميل الحاويات على باخرة نقل للبضائع في أحد الموانئ الصينية (رويترز)
TT

دعم الصادرات يضع الصين على طريق النمو الاقتصادي المرتفع

رافعة عملاقة تقوم بتحميل الحاويات على باخرة نقل للبضائع في أحد الموانئ الصينية (رويترز)
رافعة عملاقة تقوم بتحميل الحاويات على باخرة نقل للبضائع في أحد الموانئ الصينية (رويترز)

في بداية العام الجاري، كانت الأسواق العالمية قلقة للغاية بشأن حالة الاقتصاد الصيني. وتأثرت الأسهم سلبًا إثر صدور سلسلة من التقارير الاقتصادية المخيبة للآمال. ومع ذلك، ظهرت سلسلة من البيانات الاقتصادية الإيجابية التي تشير إلى أن نوعًا من الاستقرار قد عاد إلى الاقتصاد الصيني. بالإضافة إلى ذلك، خفف قادة العالم في الآونة الأخيرة من المخاوف بشأن اقتصاد الصين، معترفين بأن الصين ما زالت تقدم بعض الخيارات الجيدة للمستثمرين حول العالم.
وبعد أن كانت الصين تمثل العائق الأساسي في مواصلة النمو العالمي، بدأت تُضيف مزيدا من التقدم في حركة التجارة العالمية عن طريق الاستحواذ على حصة أكبر في السوق من منافسيها. وتواصل الصين دعم قطاع التجارة الخارجية، على الرغم من الرياح المعاكسة الخارجية.
وارتفعت نسبة مساهمة الصين من الصادرات العالمية إلى 13.8 في المائة في عام 2015 من 12.3 في المائة في عام 2014. وذلك وفقًا للبيانات الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة «الأونكتاد»، وهو أعلى منذ عام 1968.
وذلك النجاح من شأنه أن يكذب توقعات واسعة النطاق بأن ارتفاع تكاليف العمالة الصينية، والعملة التي زادت نحو 20 في المائة مقابل الدولار في العقد الأخير، من شأنه أن يتسبب في فقد الصين حصتها في السوق العالمية لصالح منافسين أرخص. وفي الوقت نفسه، انخفضت واردات الصين من الدول الأخرى بشكل حاد - بانخفاض أكثر من 14 في المائة في عام 2015 - مما دفع بعض الاقتصاديين للإشارة إلى أن الصين تنشر استراتيجية «إحلال الواردات» التي تستنزف العلامات التجارية الأجنبية من أسواقها المحلية. ومثابرة الشركات الصينية في الأسواق الخارجية مبني بشكل كبير على الاستثمار في البنية التحتية واسعة النطاق وسلاسل التوريد المتكاملة في البلاد، مما يجعلها أسرع وأكثر موثوقية للشركات الأجنبية التي تستعين بمصادر خارجية لتغطية كل أو بعض إنتاجها.
ويقول تقرير صادر عن «إتش إس بي سي»، إن هيكل الصادرات الصينية قد لا يكون متطورا كما في الاقتصادات ذات الدخل المرتفع، لكن مع قوة عاملة أفضل تعليما وزيادة الاستثمار في الابتكار، ومنتجات البلاد ذات القيم المتواضعة، ذلك من شأنه أن يزيد من توسع الصادرات الصينية في الأسواق العالمية.
وتعمل بكين على تعزيز إجراءات جديدة لدعم صادرات الآلات والأجهزة الميكانيكية، وقال مجلس الوزراء الصيني، الأسبوع الماضي، إن الصين ستتخذ خطوات لدعم الصادرات، بما في ذلك تشجيع البنوك على تعزيز الإقراض والتوسع في التأمين على قروض الصادرات، وزيادة التخفيضات الضريبية لبعض الشركات، وذلك في أحدث خطوات تتخذها البلاد لدعم النمو.
وقال تشيان كه مينغ، نائب وزير التجارة: «نحن نوسع نطاق التأمين على الصادرات لتغطية المعدات على نطاق واسع. وكذلك نهدف إلى تحسين هيكل الضرائب ووضع محفزات إضافية لصادرات الآلات».
وتشمل التدابير وضع حزم شاملة لنقل المصانع من المناطق الساحلية إلى المناطق الداخلية، وإنشاء مراكز لزيادة المبيعات والتسويق، وتبسيط عملية التخليص الجمركي. وتأتي هذه التحركات بعد أن دعا رئيس مجلس الوزراء، لي كه تشيانغ، إلى مزيد من الدعم للتجارة الخارجية للصين خلال اجتماع مجلس الدولة، الأسبوع الماضي.
وقالت الحكومة، في بيان بعد اجتماع برئاسة رئيس الوزراء لي كه تشيانغ، إن «التجارة الخارجية جزء مهم من القوة المحركة للاقتصاد الوطني». وفي مارس (آذار) الماضي عادت صادرات الصين إلى النمو للمرة الأولى في تسعة أشهر في مؤشر جديد على استقرار ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لكن المسؤولين يتوخون الحذر بشأن توقعات التجارة. وتأتي هذه الزيادة بعد ثمانية أشهر من تراجع الصادرات الصينية لأكثر من 25 في المائة على مدار عام، حيث شهد فبراير (شباط) الماضي أكبر انخفاض للصادرات منذ ست سنوات.
وقال مجلس الوزراء إن الحكومة ستتبنى أيضًا سياسات استيراد استباقية من خلال دعم استيراد المعدات والتكنولوجيا المتطورة. وستزيد الحكومة الاستثمارات في الطرق والسكك الحديدية والمطارات في المناطق الأشد فقرًا، وتشجع الأقاليم المتأخرة في التنمية بغرب ووسط البلاد على جذب استثمارات من الأقاليم الشرقية الأكثر تقدمًا.
كذلك قامت الصين بتصدير طائرات عسكرية من دون طيار إلى أكثر من عشر دول، بموجب عقود بمئات ملايين الدولارات، كما تعتزم بيع طائرات مشابهة يمكن استخدامها لإطلاق قذائف يتم توجيهها بالليزر، حسبما أفاد الإعلام الصيني الرسمي نهاية الأسبوع الماضي. وتقدمت الصين على فرنسا وألمانيا لتحتل المرتبة الثالثة في العالم في تصدير الأسلحة مع زيادة 88 في المائة في صادراتها بين 2011 و2015 مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، بحسب معهد ستوكهولم للأبحاث الدولية من أجل السلام في العالم.
وتخاطب الحكومة الصينية البنوك المحلية لدعم صادرات الصلب، للمساعدة في الحد من وفرة المعروض المحلي، بعد أن سجل الإنتاج الصيني من الصلب مستوى قياسيا مرتفعًا خلال مارس الماضي، إذ شجع ارتفاع الأسعار والأرباح المصانع التي أغلقت أو علقت نشاطها على استئناف الإنتاج، وذلك رغم الضغوط التي تتعرض لها بكين لكبح الإنتاج وتخفيف تخمة المعروض العالمي. وقالت رابطة صناعة الحديد والصلب الصينية إن إنتاج مارس بلغ 70.65 مليون طن، مما يعني 834 مليون طن على أساس سنوي. مثل هذه السياسات قد لا تكون موضع ترحيب في الولايات المتحدة، حيث دعا المرشح الرئاسي الجمهوري، دونالد ترامب، إلى رفع الرسوم الجمركية بنسبة 45 في المائة على الواردات الصينية بشكل عام.
وقالت وزيرة التجارة الأميركية بيني بريتزكر، والممثل التجاري للولايات المتحدة مايكل فرومان، في بيان صحافي: «ما لم تبدأ الصين في اتخاذ خطوات سريعة وملموسة لتقليص إنتاجها وطاقتها الزائدين على الحاجة، فإن المشكلات الهيكلية الأساسية في الصناعة ستستمر، ولن يكون أمام الحكومات الواقعة تحت ذلك التأثير - بما فيها الولايات المتحدة - من خيار سوى أخذ إجراء تجاري لتفادي إلحاق الضرر بصناعاتها المحلية وعمالها».
وتواجه بكين فعليًا ضغوطات من الولايات المتحدة وأوروبا لوقف الاستراتيجية التي تحاول إزالة تراكم مخزون الصلب من خلال التصدير بأسعار منخفضة بشكل غير عادل. وفرضت واشنطن رسوم مكافحة الإغراق خلال مارس الماضي على واردات الصلب الصينية. وفي الشهر نفسه أعلنت واشنطن رسوم مكافحة إغراق تصل إلى 266 في المائة في بعض واردات الصلب الصينية.
رغم ذلك، تركز الصين على إضافة مزيد من الابتكار الصناعي لصنع منتجات بتكلفة أقل، لكن جودة مقبولة. وقال لي جيان، رئيس قسم أبحاث التجارة الخارجية في الأكاديمية الصينية للتجارة الدولية والتعاون الاقتصادي، إن «الصين وضعت الشركات تحت ضغط الفترة الماضية لرفع المستوى». وأضاف أن «الظروف المحيطة بالتجارة الخارجية خلال عام 2016 لا تزال على حد سواء معقدة وقاتمة».
فلا يزال الطلب العالمي ضعيفا، مما قد يعرقل التجارة الخارجية للصين التي انخفضت بنسبة 7 في المائة على أساس سنوي في عام 2015. ولكن قدمت بيانات مارس الماضي بعض الراحة مع ارتفاع الصادرات بنسبة 19 في المائة على أساس سنوي. ودفعت التدابير التي اتخذتها الحكومة الصينية منذ بداية العام إلى إعطاء مؤشر نحو استمرار تحقيق نمو مرتفع مع تحقيق مزيد من إعادة هيكلة الاقتصاد. يأتي ذلك بعد أن أظهرت بيانات صدرت - في وقت سابق من أبريل (نيسان) الجاري - بعض التخفيف في انكماش أسعار المنتجين للصين.
وانخفض مؤشر أسعار المنتجين - خلال مارس - وهو مؤشر رئيسي للمشكلات التي تعاني منها القطاعات الصناعية والتصدير في الصين، بنسبة 4.3 في المائة، متراجعًا قليلا من معدل الانخفاض البالغ 4.9 في المائة في فبراير.
وتظهر المؤشرات الاقتصادية الأخرى أيضًا أن الاقتصاد قد وصل إلى مستوى معين من الاستقرار. وارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.8 في المائة في مارس، وهو أعلى من متوسط 5.4 في المائة المسجلة في يناير (كانون الثاني) وفبراير. وتجاوزت مبيعات التجزئة معظم التوقعات لترتفع بنسبة 10.5 في المائة. وفاق النمو في استثمارات الأصول الثابتة أيضا التوقعات، ليسجل 10.7 في المائة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.