خلفيات مثيرة عن بعض وجوه التطرّف في حي مولنبيك ببروكسل

خلفيات مثيرة عن بعض وجوه التطرّف في حي مولنبيك ببروكسل

معلم بلجيكي درّس «الإسلام المسلح» للشباب الغاضب
الاثنين - 11 رجب 1437 هـ - 18 أبريل 2016 مـ
عوائل مغاربية في أحد شوارع ضاحية مولنبيك بعد هجمات بروكسل (نيويورك تايمز)

عاش تحت العوارض الخشبية في شقة علوية صغيرة في حي مولنبيك بالعاصمة البلجيكية بروكسل، وصار معروفا لبعض أتباعه بأنه «سانتا كلوز الجهاد». كان يتسم بلحية كثة وكرش منتفخ، وعرف عنه منح الأموال والنصائح بسخاء للشباب المسلم الصغير والشغوف بالهجرة والقتال في سوريا والصومال، أو العيث فسادًا في أوروبا. وعندما ضبطت الشرطة البلجيكية الحاسوب الخاص بالرجل، واسمه خالد زركاني، عام 2014. عثرت على كنز من أدبيات التطرّف اللابس مسوح الإسلام، بما في ذلك كتاب يحمل عنوان «38 طريقة للمشاركة في الجهاد»، وكتاب آخر بعنوان «16 أمرًا لا غنى عنهم قبل السفر إلى سوريا». وفي يوليو (تموز)، أصدر القضاة في بلجيكا حكما بالسجن لمدة 12 سنة بحق الرجل إثر إدانته بالمشاركة في أنشطة منظمة إرهابية، ووصفوه بـ«النموذج الأصلي لمرشدي الفتن والضلالات» الذي «ينشر الأفكار المتطرفة بين الشباب الساذج والجاهل والشغوف».
ولكن خلال الأشهر التي أعقبت الحكم ومنذ تلك الأوقات بدأت الصورة الكاملة لأعمال زركاني الدؤوبة في شوارع مولنبيك وخارجها في الظهور بوضوح، إذ إن الشبكة التي عمل على تغذيتها برزت على سطح الأحداث كعنصر من العناصر المركزية في هجمات باريس وبروكسل – إلى جانب إحدى الشبكات في فرنسا التي أعلنت السلطات الشهر الماضي أنها ألقت القبض عليها وأحبطت أنشطتها.
المدعي العام الاتحادي البلجيكي برنار ميشال قال في فبراير (شباط) الماضي: «تسبب خالد زركاني في انحراف جيل كامل من الشباب البلجيكي الصغير، وخصوصًا في حي مولنبيك ذي الأغلبية المسلمة». وللعلم، أثناء محاكمة الرجل البالغ من العمر (42 سنة)، أنكر ضلوعه في أعمال الإرهاب. ولقد رفض محاميه في بروكسل، ستيف لامبير، التعليق على هذا المقال. لكن وثائق المحكمة إلى جانب المقابلات الشخصية مع عدد من سكان مولنبيك وغيرهم من الناشطين، فضلا عن المسؤولين الأمنيين في بلجيكا، تشير إلى وجود اتصالات مباشرة أو غير مباشرة للرجل مع كثير من الشخصيات المهمة التي لقيت حتفها أخيرًا أو هي الآن رهن الاعتقال فيما يتعلق بالمذبحة الإرهابية التي وقعت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بالعاصمة الفرنسية باريس والتي أسفرت عن مقتل 130 شخصا إلى جانب التفجيرات الإرهابية التي نفذت في بروكسل الشهر الماضي وحصدت أرواح 32 شخصا.
وهناك محمد أبريني، المقيم سابقًا في حي مولنبيك، الذي، وفقا لتصريحات السلطات البلجيكية السبت الماضي، كان قد اعترف بأنه هو «رجل القبعة»، الذي التقطته كاميرات المراقبة مرافقًا للعنصرين الانتحاريين ثم انطلق بعد ذلك منفردًا عنهما. أما شقيقه الأصغر سليمان، فقد سافر إلى سوريا بمساعدة زركاني، وفقا للمسؤولين الأمنيين الذين فضلوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مصرح لهم بالتعليق على المقالات الصحافية. وذكرت التقارير الإخبارية أن شقيق أبريني الأصغر لقي حتفه في عام 2014 أثناء القتال في صفوف تنظيم داعش الإرهابي في سوريا.
أما رضا كريكيت، وهو من المقاتلين السابقين في الحرب الأهلية السورية وقد ألقي القبض عليه بواسطة الشرطة الفرنسية الشهر الماضي على خلفية اتصاله بالهجمات المروعة، كان قد قضى بعض الوقت في شقة زركاني في حي مولنبيك ببروكسل وأعاره سيارة من نوع مرسيدس مسجلة في فرنسا، كما أفاد ممثلو الادعاء.
يقول المحققون في بلجيكا إن عبد الحميد أباعود، وهو أيضًا مقيم سابق في حي مولنبيك والذي أشرف على هجمات نوفمبر الماضي في باريس، كان من تلامذة زركاني. ويعتقد أن نجيم العشراوي - الذي تشتبه السلطات في أنه صانع القنابل التي استخدمت في هجمات باريس وبروكسل - على صلات وثيقة بالشبكة ذاتها. وحسب أقوال حواء كيتا، وهي مواطنة مهاجرة إلى بروكسل من مالي، أن ابنها، يوني ماين، تعرض للتطرف خلال بضعة شهور تحت تأثير المدعو زركاني. (وتعتقد أن ابنها قد مات في المعارك الدائرة في سوريا عام 2014). في حين قالت متحدثة من داخل شقتها في أحد المباني الشاهقة في بروكسل واصفة زركاني، المسجون حاليًا: «إنه كالساحر، بل إنه الشيطان نفسه».
دور زركاني في مولنبيك، وهو الرجل العبوس الذي يعرف الشوارع والطرقات أكثر مما يعرف مكان المسجد، يساعد في تفسير السبب في أن منطقة صغيرة وغير فقيرة من العاصمة البلجيكية ظلت على اتصال دائم فيما يتعلق بالتحقيقات الإرهابية الجارية. كما يسلط الضوء كذلك على التحوّل الواضح خلال العقد الماضي من المناقشات الدينية، الغامضة في أغلب الأحيان، للأجيال السابقة من الجهاديين المرتبطين بفكر تنظيم «القاعدة» إلى ما وصفته هند فريحي، التي ألفت كتابا حول حي مولنبيك، بأنه «إسلام العصابات».
وحسب فريحي، وهي مواطنة بلجيكية من أصول مغربية، أنها عندما بدأت أبحاثها أول الأمر عن حي مولنبيك قبل عشر سنوات كاملة «كان الحس الراديكالي تهيمن عليه حفنة من رجال الدين المتطرفين الضالعين في النصوص الدينية وتفسيراتها المختلفة. ولقد شهد هذا المد تحوّرًا معتبرًا تحت دعاية تنظيم داعش الجديدة، صوب تشكيل مشروع إجرامي يقوده التآزر والتناظر ما بين اللصوصية والإسلاموية». وتابعت فريحي قائلة: «يجتذب (داعش) أتباعه من فئة المجرمين واللصوص وقطاع الطرق وأفراد العصابات لأن التنظيم الإرهابي في حاجة ماسة إلى خبراتهم في الأسلحة، والمنازل الآمنة، والتخفي بعيدا عن الأنظار. وإذا ما مزجنا ذلك مع القليل من الدعاوى الإسلاموية المتطرفة، تجد نفسك تمامًا أمام الأمر الواقع الحالي في حي مولنبيك».
من ناحية أخرى، يتتبع البعض جذور الراديكالية في مولنبيك إلى عقد التسعينات من القرن الماضي، عندما أسس بسام العياشي، وهو مهاجر سوري وصاحب مطعم سابق: «المركز الإسلامي البلجيكي». وكان «المركز» عبارة عن مسجد مؤقت صار محل الدعوة ونشر الفكر المتشدد. ولقد حذر السكان والمسؤولون المحليون السلطات مرارًا وتكرارًا من أن ذلك المسجد يأوي ويشجع المتطرفين.
وهنا يذكر فيليب مورو، عمدة حي مولنبيك في الفترة بين عام 1993 وعام 2012، أنه عندما التقى مع العياشي: «كان من الواضح أنه شخصية متطرّفة للغاية»، إلا أنه اعتبر الأمر برمته ضمن مسؤوليات جهاز الأمن الاتحادي البلجيكي، وليس من مسؤوليات البلديات وأفراد مجالسها من أمثاله.
أما يوهان ليمان، وهو عالم أنثروبولوجيا ومن الناشطين الاجتماعيين في حي مولنبيك، فقال إنه دق ناقوس الخطر حول أنشطة «المركز» لكنه لم يتلق استجابة تذكر من جانب السلطات - وهذا، حتى بعدما أصبح معروفًا أن بسام العياشي حضر رسميًا حفل زفاف أحد متشدّدي تنظيم «القاعدة» من الذين كانوا ضالعين في هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001. إلى جانب ضلوعه في جريمة اغتيال القائد الأفغاني الراحل أحمد شاه مسعود الذي كان يعارض أسامة بن لادن وعملياته في أفغانستان.
ولقد رفع ليمان، الذي كان يعمل في لجنة حكومية لمناهضة التمييز، دعوى قضائية يتهم فيها «المركز» بتعزيز وترويج معاداة السامية والآراء المناهضة للولايات المتحدة. ومن ثم قضت المحكمة في عام 2006 بأن «المركز» انغمس في خطابات الكراهية، كما قال. وفي الوقت نفسه، داهمت الشرطة البلجيكية منزل العياشي وضبطت كثيرا من الحواسيب والمستندات. ومن ثم انتقل العياشي إلى سوريا برفقة نجله، الذي قتل فيما بعد خلال إحدى المعارك ضد قوات النظام السوري. ولم يرد العياشي حتى الآن على طلب التعليق على هذا المقال.
لقد انتقل زركاني، وهو من أصول مغربية وأصبح مقيما قانونا في بلجيكا منذ عام 2002، للعيش على هامش الحياة التي أرسى دعائمها العياشي من قبل، غير أنه لم يلفت إليه الانتباه كثيرًا، كما قال السكان والجيران في مولنبيك. وفي حين أن «المركز الإسلامي البلجيكي» قد عبر عن صورة زاهدة وجامدة من الإسلام التي كانت ذات جاذبية جدًا متواضعة من جانب الشباب الذين يحبون تناول الكحوليات والتسكع في الطرقات والحانات ليلاً، فإن زركاني، كما يقول المحققون في بلجيكا، كان قادرا على سد الفجوة من خلال توجيه الطاقات الإجرامية لدى الشباب المنحرفين.
*خدمة: «نيويورك تايمز»


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

فيديو