نقاد مغاربة: جوائز الرواية العربية «ظاهرة صحية» ينبغي تعميمها

لا تمثل مقياسًا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين

الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق  لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي  محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
TT

نقاد مغاربة: جوائز الرواية العربية «ظاهرة صحية» ينبغي تعميمها

الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق  لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي  محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)
الناقد والروائي محمد برادة خلال تسلمه «جائزة المغرب للكتاب» (2015) في صنف «السرديات والمحكيات» عن روايته «بعيدًا عن الضوضاء قريبًا من السكات» من عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة المغربية و حسن نجمي الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» و الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم («الشرق الأوسط»)

بقدر ما يلقى إطلاق مزيد من الجوائز الأدبية المخصصة لجنس الرواية ترحيبًا من طرف المثقفين وعموم المهتمين، تطرح الأسئلة بصدد خلفيات وتداعيات هذا التوجه على المشهد الثقافي العربي، في ظل «صراع» الأجناس الأدبية وتزايد الحديث عن «هيمنة» جنس الرواية مقابل «تراجع» مكانة الشعر و«إهمال» أجناس أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار كل هذا الكم الكبير من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة، مع التساؤل إن كان يعبر عن حاجة إبداعية، أم أن للجوائز المغرية المخصصة للرواية دورًا في ذلك، بما توفره من شهرة وعائد مالي.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض في الجوائز، بشكل عام، «امتحانا للعمل الأدبي»، يتساءل كثيرون عن المعايير التي تتحكم في جوائز الرواية، مثلا، مطالبين بأن تكون هذه المعايير «واضحة وبعيدة عن المصالح»، من دون أن ينكروا أن «جوائز الرواية خلقت حيوية في المشهد الثقافي العربي»، و«ساعدت على تحفيز المبدعين»، و«صنعت من الروائي شخصية يهتم بها الناس»، إلى درجة أن مجرد الظهور في القائمة الطويلة أو القصيرة لجائزة ما، صار يعتبر «حالة اعتبارية في الوسط الثقافي والمجتمعي».
ويرى حسن نجمي، الشاعر والروائي والرئيس السابق لـ«اتحاد كتاب المغرب» أن «الجوائز التي بدأت تتراكم في الساحة الأدبية تعبر عن لحظة نضج في سيرورة العمل الثقافي العربي»، مشددًا على أن «الجائزة، في حد ذاتها، كيفما كان مستواها وقيمتها المادية هي تجسيد ملموس لثقافة الاعتراف. هذه الثقافة التي نحن في أمس الحاجة إليها في أوساطنا الفكرية والإبداعية والثقافية وغيرها»، مبرزا أن «الجوائز التي ظهرت حتى الآن أعطت عدة إشارات كريمة وثمينة، خصوصًا من حيث إعادة الاعتبار للفعل الإبداعي والأدبي في الوطن العربي»، مشيرًا، في هذا الصدد، إلى «تكريم أسماء أدبية مرجعية كبرى»، و«الانتباه إلى أسماء جديدة أو شابة فرضت نفسها على لجان التحكيم بقوة منجزها الأدبي لا بما تمتلكه من حيثيات أو صيت معين».
ومع ذلك، يستدرك نجمي: «ينبغي القول بأننا ما زلنا في حاجة إلى المزيد من الجوائز، نظرًا لتنوع الحقول وتعدد الأجناس الإبداعية والفنية والجمالية، وكذا تعدد الحقول العلمية أو المعرفية والفكرية التي تحتاج إلى تكريم وتثمين وتقدير وتشجيع، خصوصًا في الساحة الأدبية والفكرية المغربية والمغاربية».
ودعا نجمي إلى «الإلحاح بقوة على توفير كل أسباب المصداقية من حيث أنظمة وقوانين هذه الجوائز، وصدقية ونزاهة وموضوعية لجان التحكيم ولجان القراءة، فما أكثر ما لاحظنا أن عددا من اللجان تتاح فيها الفرصة للتلامذة كي يحكموا أو يبثوا في منجزات أساتذتهم، مثلما لاحظنا كذلك أن أشخاصا لا علاقة لهم بالسرد يتصدرون موقع التحكيم والبت في جوائز مخصصة للروايات، وما إلى ذلك من الحالات».
وختم نجمي وجهة نظره بالإشارة إلى أن «بعض اللجان في بعض الجوائز العربية لا تتغير أو لا يتغير أعضاؤها، وهذا يضر بموضوعية ومصداقية الجائزة، خصوصا في ساحة ثقافية معطوبة كالساحة العربية التي نعرف طبيعة تعقيداتها الاجتماعية - الثقافية والضغوط التي يمكنها أن تمارس على هذا العضو أو ذاك مهما كانت درجة موضوعيته وصرامته».
من جهته، يعتقد الناقد والمترجم المغربي محمد آيت العميم بأن الجوائز المخصصة للرواية في العالم العربي تبقى «مهمة» و«ظاهرة صحية» لعدة أسباب، أهمها «اعتبار الأدب»، و«التحفيز المادي والمعنوي» الذي يخصص للمبدعين، داعيًا، في الوقت نفسه، إلى «عدم التركيز على جنس بعينه»، وإلى «أن ترقى الجوائز العربية إلى مستوى الجوائز العالمية»، مشددًا على أن «الجوائز لا ينبغي أن تكون مقياسا للحكم على قيمة الإبداع»، مشيرًا، في هذا الصدد، إلى أن «كثيرا من الكتاب العالميين الكبار أخطأتهم الجوائز»، ممثلا لذلك بالأرجنتيني خورخي لويس بورخيس والفرنسي مارسيل بروست.
ويرى آيت العميم أن المظاهر الإيجابية، التي يمكن رصدها، بصدد جوائز الرواية العربية، تستبطن بعض الأعراض السلبية، من بينها التأثر السلبي الذي طال الكتابة الروائية، بسبب «تسرع الكتابة من أجل اقتناص الجوائز»، علاوة على أن «الكتابة أصبحت موجهة للموضوعات التي يمكن أن تكون هاجسا عند لجنة التحكيم، بشكل يجعلنا أمام كتابة تحت الطلب، وهو ما يعني أن الكتابة لم تعد تعبيرا عن قلق وجودي، بقدر ما أصبحت تعبيرا عن ذكاء تجاري وتسويقي».
ولاحظ آيت العميم أن «أغلب الجوائز، التي يسيل لعاب الكتاب عليها، تهم الرواية، وفي هذا نوع من التقزيم للأجناس الأخرى»، مشيرًا إلى أن «الكل صار يبحث عن روايته، كما صرنا إلى كتاب رحل قفزوا إلى جنس الرواية، مع بعض الاستثناءات، التي تهم عددا من الشعراء الذين توفقوا في الكتابة تحت سقف الرواية، استطاعوا أن يفيدوا هذا الجنس الإبداعي من خلال الشحنة الشاعرية التي تميزهم، ممثلا لذلك بمحمد الأشعري، الذي فازت روايته «القوس والفراشة» بجائزة «البوكر» (2011) مناصفة مع «طوق الحمام» للروائية السعودية رجاء عالم، وبحسن نجمي في «جيرترود» وطارق بكاري في «نوميديا» وياسين عدنان في «هوت ماروك»، خاتما وجهة نظره بالتشديد على أنه «بعيدا عن (طعم) الجائزة، هناك فلتات مهمة جاءت من أراضٍ شعرية، الشيء الذي يؤكد أن الشعراء مؤهلون لكتابة روايات مهمة».
وعن مدى إمكانية أن تمثل الجوائز مقياسًا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين، يرى الباحث والناقد المغربي إدريس خضراوي أن «الجوائز الأدبية لها تأثيرها الذي لا يمكن نكرانه على مستوى تقدير الكتابة، وتداوليتها والدفع بها إلى دائرة ضوء الاهتمام العربي، وكذلك العالمي عبر الترجمة إلى عدة لغات عالمية. غير أن هذه الجوائز لا تمثل، دائما، مقياسا دقيقا للحكم على وضعية الكتابة ورسوخها في حقل ثقافي معين. لذلك يصعب أن نتبيّن، فقط، انطلاقًا من هذا التقدير علامات تدلّ على صورة معينة لوضعية الرواية ومكانتها في السياق العربي والعالمي. فمما لا شك فيه أن للمؤسسات الراعية للجوائز، وكذلك للجان القراءة مقاييسها واعتباراتها التي تتحكم في تقديرها لنص من النصوص، مما يعني أن ما يجري تقديره أو تتويجه بالجائزة قد لا يشكل بالضرورة أهم وأنضج ما أنتج في مجال الرواية في ثقافة بعينها من حيث الاقتراحات الجمالية والفنية. وهذا لا يعني تقليلا من أهمية النصوص المتوجة أو المحتمل تتويجها. لذلك تتباين الآراء والتقييمات والتصورات بين القراء والمهتمين عندما يتم الإعلان عن قوائم هذه الجوائز وصولا إلى النتائج النهائية».
ما يذهب إليه نجمي وآيت العميم والخضراوي يجد صداه في التساؤلات التي تقترحها الروائية والناقدة المغربية زهور كرام، تحت عنوان «الرواية العربية من النقد إلى الجوائز الأدبية»، حول «وظيفية تعدد الجوائز الأدبية في المشهد العربي»، وهذا «التنافس بين المؤسسات العربية في تخصيص جوائز خاصة بجنس الرواية، وتحفيز الروائيين للمشاركة بكثافة من خلال رواياتهم»، مشيرة إلى أن الرواية تشهد، في المشهد العربي الراهن، «تجاذبًا من نوع خاص، ليس له علاقة بمناخ التفكير أي النقد، بقدر ما له علاقة بالجوائز الأدبية التي تخصص لهذا الجنس»، ملاحظة أن المؤسسات العربية صارت تتنافس في «ضخ الأموال من أجل جلب اهتمام الروائيين»، مشددة على أنه يبقى «من حقنا التساؤل عن دواعي التنافس، من دون أن يعني ذلك تقييد حرية الروائي في الانخراط في الجوائز، أو اتخاذ موقف من ظاهرة الجوائز»، من جهة أن التجربة تثبت «أهمية الجوائز في التعرف على التجارب الروائية العربية المختلفة»، والتي «تعبر عن اختلاف أسئلة السياقات العربية»، بعدما «ظلت فكرة المرجع الإبداعي عائقًا أمام النظر النقدي في كثير من التجارب، وخصوصية أشكال كتاباتها، كما جعلت كتابًا مغمورين في بلدانهم يتم اكتشافهم بفضل الجوائز». لذلك ترى أن «الوضع مؤهل للتطور إذا تم استثمار ظاهرة الجائزة الأدبية لصالح الرواية والنقد العربيين، من خلال خلق مناخ صحي لانتعاش أسئلة الرواية وتلقيها»، قبل أن تستدرك، قائلة إن طبيعة التساؤل، في هذا المقام، لها علاقة بـ«تعددية الجوائز حول جنس أدبي واحد»، طارحة، في هذا السياق، جملة أسئلة تخص «طبيعة هذا التجاذب بين المؤسسات العربية لخلق جوائز سنوية للرواية»، وإن كان هذا «التجاذب من أجل الإعلاء من صوت الرواية» هو «إعلان رسمي عربي بأهمية الاهتمام بالرواية في تدبير الوعي المجتمعي العربي»، وتعبير عن «وضع ثقافي إبداعي صحي، يشخص موقع الرواية أو التخييل بشكل عام في التفكير العربي»؛ قبل أن تواصل تساؤلاتها، قائلة: «ألا يؤدي تعدد الجوائز في نفس السنة لنفس الجنس الأدبي إلى خلق نوع من الفوضى في الكتابة الروائية، لأن الإغراءات قد تؤدي إلى جعل الرواية كتابة تحت الطلب السنوي».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended