إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

لماذا لا يخرج الإسرائيليون إلى الشوارع لإسقاط الحكومة التي تعدمهم الأمل؟

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد
TT

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

إسرائيل.. الاستثناء الوحيد

أيضا في إسرائيل ارتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». ارتفع عدة مرات، بدأت في صيف العام 2011. تأثرا بمظاهرات واعتصامات ميدان التحرير في القاهرة وغيرها من الميادين العربية، وتجدد في سنة 2014 ثم في مارس (آذار) 2015. لكن لهيبها خبا المرة تلو الأخرى. وبنيامين نتنياهو، الذي يجمع المراقبون على أنه أضعف رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، والذي تقول استطلاعات الرأي إن أداءه في إدارة الحكم لا يتعدى 4.6 من 10. ما زال يتربع على سدة الحكم. ولا يوجد أمل حقيقي لتغييره في الظاهر.. وظلت إسرائيل الاستثناء الوحيد في المنطقة التي لم يطلها ما يسمى «الربيع».
فلماذا يا ترى؟ هذا السؤال يطرح بقوة واستغراب في كل مكان. يطرحه السياسيون في العالم، ويجاهرون به في أحاديثهم مع سياسيين إسرائيليين. يطرحه الناس في إسرائيل نفسها. وفي الشهر الماضي قاله عدد من قادة اليهود الأميركيين، القلقين على إسرائيل من إسرائيل. وفي العادة يتوصلون إلى الاستنتاج بأن السبب يكمن في التحول الإسرائيلي إلى اليمين والمزيد من اليمين.

هل حقا الاتجاه يمينا هو السبب في تأخير التغيير في إسرائيل؟ يجيب كثير من الخبراء والسياسيين، بـ«لا».. فما يعرف باليسار في إسرائيل: «حزب العمل» اليوم، الذي يتزعم المعارضة، كان قد حكم إسرائيل منذ قيامها، بل كان مسيطرا على قيادة الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في سنة 1897. وقد ارتكب أقسى الموبقات خلال حكمه. لا يقول ذلك العرب الفلسطينيون الذين وقعوا ضحية هذه السياسات فحسب، بل يقوله كبار الخبراء والمهنيين الموضوعيين في إسرائيل نفسها.
هو الذي شرد الشعب الفلسطيني. عندما انتصر على العرب سنة 1948، لم يتصرف كمنتصر ذكي ينهي الصراع بكبرياء، بل عمل كل ما في وسعه – ومعه الكثير من العرب والفلسطينيين - لكي لا تقوم دولة فلسطينية وفق قرار التقسيم. ثم تبرع لخوض حرب ليست له ضد مصر في سنة 1956 (العدوان الثلاثي). ثم خاض حربا أخرى سنة 1967 وحقق فيها انتصارا أكبر من انتصاره السابق، إذ احتل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء المصرية والجولان السوري. وهنا أيضا تصرف كمن يدوخ في سكرة النصر.
وعندما وافق الرئيس المصري جمال عبد الناصر على مشروع روجرز، صدته «حكومة اليسار» الإسرائيلية وصاحت رئيسة الحكومة، غولدا مائير: «أين هو الشعب الفلسطيني؟». وعندما عرض الرئيس المصري أنور السادات تسوية للصراع، رفضوه باشمئزاز. فكانت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. التي حارب فيها الأميركيون مباشرة لإنقاذ إسرائيل من هزيمة. ثم راحوا يطلقون مشاريع الاستيطان والتهويد في القدس وبقية الأراضي المحتلة.
فقط في سنة 1977 انتصر اليمين وتسلم الحكم. وعلى الرغم من أن هذا اليمين نفذ الفظائع، في غزوة الليطاني وفي حرب لبنان الأولى وفي حروب لاحقة وفي مشاريع الاستيطان المكثف، إلا أنه - اليمين - شهد تغييرا واسعا باتجاه اليسار. فهو الذي كان يؤمن بأن «أرض إسرائيل – فلسطين – كلها خاضعة لليهود»، وفي نشيده القومي الخاص به يتحدث عن إسرائيل كل المنطقة الممتدة من النيل حتى الفرات، تراجع عن مواقفه بشكل حاد وفي اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، أزالوا المستوطنات في سيناء وأعادوا الأراضي المصرية حتى آخر حبة تراب، وكانت تلك سابقة تاريخية وقانونية. واعترفوا، خلال تلك الاتفاقيات، لأول مرة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لم يوافقوا في حينه على دولة فلسطينية، بل حاولوا إبادة منظمة التحرير الفلسطينية (في حرب لبنان)، لكن الاعتراف بتقرير المصير وضع أساسا لهذا الحق في الوعي الإسرائيلي.
وعندما تمكن اليسار بقيادة إسحق رابين من الفوز في الانتخابات سنة 1992، وقع اتفاقيات أوسلو، والتي على الرغم من كل ما شابها من ملاحظات وانتقادات، إنما دفعت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة خطوة كبيرة إلى الأمام، وأدت إلى وضع اللبنات الأولى لهذه الدولة بواسطة السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد اغتال اليمين المتطرف رابين وعاد اليمين إلى الحكم بقيادة بنيامين نتنياهو (1996)، فتبنى اتفاقيات أوسلو وانسحب من الخليل ومن 13 في المائة إضافية من أراضي الضفة الغربية.
وعندما تولى الحكم آرئيل شارون، رمز التطرف اليميني، انسحب من قطاع غزة حتى آخر شبر. صحيح أنه فعل ذلك من دون تنسيق مع القيادة الفلسطينية، بدافع الغطرسة وغرور القوة، لكنه سجل سابقة أخرى في إزالة كل المستوطنات والانسحاب من أرض غزة المحتلة عام 1967 بنسبة 100 في المائة. وكان شارون قد قبل مشروع «خريطة الطريق» الأميركي لتسوية الصراع، وهو مشروع مليء بالثقوب لكنه يرمي في النهاية إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وفي 27 مايو (أيار) من سنة 2003، أي بعد يومين من مصادقة حكومته على مبادئ خريطة الطريق، وقف شارون أمام قادة حزبه وقال: «تحت احتلالنا يعيش ملايين الفلسطينيين في نابلس ورام الله وجنين وبيت لحم والخليل، ونحن، حكومة إسرائيل، برئاسة الليكود، نريد (إنهاء الاحتلال)، السيئ لإسرائيل».
وعندما لاحظ شارون أن المتطرفين في الليكود يتآمرون لإسقاطه، شق حزبه. وأقام مع شيمعون بيريس حزب «كديما»، الذي فاز في الانتخابات. وشُل شارون وراح في غيبوبة طويلة، فتولى الحكم من بعده إيهود أولمرت، وهو أيضا من غلاة اليمين. وشن حربا ثانية على لبنان وأخرى على غزة، لكنه دخل في مفاوضات متقدمة على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. ومع أن كلمة «لو» لا تجدي نفعا في السياسة، إلا أن هناك قناعة واضحة بأن أولمرت كان سيتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني على تسوية «دولتين لشعبين» لولا سقوطه في قضية فساد.
المشكلة إذن ليست في يمينية الإسرائيليين، بل في ضحالة وضيق أفق السياسيين. الإسرائيليون تعبوا وأرادوا إسقاط نتنياهو الفاشل، وخرجوا في صيف 2011 بعشرات الألوف إلى الشوارع، بشكل يومي. وبلغ عددهم ذات مرة 400 ألف متظاهر. لكن نتنياهو دبر لهم حربا. فقد اغتال قائد حماس أحمد الجعبري، وتوقع أن ترد حماس عليه بقوة. وحصل ما توقعه: حماس أطلقت الصواريخ على البلدات الإسرائيلية وهو رد بحرب. وعندما تجدد النشاط الاحتجاجي للإسرائيليين، راح يثير أجواء حرب على إيران بحجة تدمير مشروعها النووي. ثم دبر حربا ثانية على غزة في سنة 2014. وعندما جاء موعد الانتخابات وبدا أنه سيخسرها، خرج بدعوته الهستيرية في يوم الانتخابات يحذر الناخبين اليهود من أن العرب يتدفقون بعشرات الألوف على صناديق الاقتراع بحملة منظمة ممولة من الخارج لإسقاطه. فحصل على 30 مقعدا (ربع عدد مقاعد البرلمان)، قسم كبير منها جاءته من المستوطنين ومن مصوتي حلفائه ليبرمان (الذي هبط من 13 إلى 6 مقاعد) ونفتالي بنيت (الذي هبط من 12 إلى 8 مقاعد).
الإسرائيليون ببساطة محبطون. كل محاولاتهم لإسقاط نتنياهو قد فشلت. والمعارضة بالمقابل لم تطرح لهم بديلا مقنعا. قادتها باهتون ومتقاتلون، لا يتفقون على وحدة لأن كلا منهم يريد أن يكون رئيسا لهذه الوحدة. فإذا أضفنا إلى ذلك التوتر القائم في المنطقة وظاهرة «داعش»، والذي يستغله نتنياهو ليخيف الإسرائيليين، وأضفنا أخطاء عربية غير قليلة في التعاطي مع الجمهور الإسرائيلي، وإلى جانب هذا الوضع الاقتصادي الجيد وازدهار التكنولوجيا العالية ومستوى المعيشة العالي وانهيار الجيشين السوري والعراقي، فإننا نجد هذا الإسرائيلي ليس محبطا فحسب بل أيضا مطمئن بأنه لا يواجه خطرا ماحقا. يريد التغيير، ولكنه لا يخوض نضالا شرسا لتحقيقه.
الخبير المتابع للتطورات السياسية في إسرائيل، يوناتان شمؤور، يعتبر الأمر مجرد غباء وخوف، أو بالأحرى تخويف. فيقول: «قياسًا إلى يهود العالم، فإن الإسرائيليين أغبياء، فالدولة المستقلة قد لحست عقولهم! لماذا يأتون بثلاث كتائب للقيام بحملة عسكرية صغيرة في غزة للاشتباك مع بضع مئات من مقاتلي حماس، بل ولا تخضعهم، بينما كانت هذه الكتائب الثلاث ذات يوم تكفي لإلحاق الهزيمة بالجيش المصري؟ إسرائيل 2016. لا يوجد أي تهديد وجودي حقيقي لسكان الدولة، فالجيوش العربية المحيطة بها مفككة أو هي صدئة. الاقتصاد مزدهر. ومن جهة الثراء القومي، الناتج المحلي الخام، تندرج إسرائيل في مصاف أغنى (25) دولة في العالم، لكن الشعور السائد هو أن كل شيء ينهار. عندما يقوم الجميع بالسفر في إجازة إلى الخارج، فإنهم ينزعون عن أعناقهم أيقونات نجمة داود، ويخلعون الثياب المكتوب عليه كلمات بالعبرية. ليس بالأمر اللطيف أن تكون إسرائيليًا خارج البلاد. دولة اليهود فقدت القدرة على التفكير بوضوح وبذهن صاف. الحكمة ليست مجرد «آي كيو» عال، إنها شرط إلزامي، لكنه ليس كافيًا بالقطْع. الحكمة، على الدوام، هي الشجاعة قبل كل شيء. الغباء الإسرائيلي لم يبدأ من اليوم. دعامات الحماقة وضعت قبل سنين، وحجارة البلاهة التي تُبنى بها جدران هذا المكان تتزايد طوال الوقت، وتقوي السور الذي يوصد العقل. نزلت المصيبة على إسرائيل عام 1967. تلك الحرب، التي اعتبرها العائدون منها بسلام – أعجوبة، بدأت تشوش المنظومة. خلال أسبوع تضخمت إسرائيل ليصبح حجمها أربعة أضعاف ما كان عليه قبل ذلك. مذيعو نشرات الأخبار كانوا ينتشون كل ليلة وهم يعلنون عن حالة الطقس: جبل الشيخ، قناة السويس، شرم الشيخ. إمبراطورية. عام 1979 (توقيع اتفاقيات كامب ديفيد)، كان يُفترض أن يكون صفعة إيقاظ. يمكن التوقف عن التضحية بالعقل لصالح نظرية النهضة العبرية. انتهى. نجحنا. حقًا نجحنا. يوجد سلام. المعادلة وضحت للجميع. بعد مائة عام، الدول العربية تعترف بدولة إسرائيل الصهيونية. الثمن هو التنازل عن الحلم بالإمبراطورية والانكفاء إلى خطوط وقف إطلاق النار من العام 1949. التي تُعرف بالحدود الدولية لإسرائيل.
«المناطق (المحتلة) وقعت بأيدي إسرائيل أيام حكم اليسار. المستوطنات أنشئت بأيدي حكومات «المعراخ»: ليفي اشكول، يغئال الون، غولدا مائير، إسحاق رابين، شيمعون بيريس. جميعهم نظفوا أياديهم من أثر الإسمنت في احتفالات وضع حجر الأساس. جرثومة الغباء بدأت تتكاثر. لكن يومها أيضًا، حاولت السلطة تبرير أفعالها بشكل منطقي. هنا لم تكن فلسطين أبدًا.
احتللنا الأرض من الأردن، وها قد تنازلت عنها. مستعدون لانسحاب يضمن الأمن، كومة من الكلمات الجوفاء، التي لم توصل إلى أي مكان، سوى إلى فقدان السلطة ومجيء مناحيم بيغن. وهو أيضًا، باتفاقية السلام مع مصر، التي أصرت على شمل البند الفلسطيني – حاول التمسّك بمنطق ما: سنقيم الحكم الذاتي – قال. مثل كاتالونيا في إسبانيا، ومثل اسكوتلندا في بريطانيا، ومثل بورتوريكو في الولايات المتحدة الأميركية. هنالك الكثير من هذا، فلماذا لا يكون هنا. رحل بيغن، وجاء رابين، وجاء أوسلو، وجاء القاتل. وهنا ظهر بيبي (نتنياهو). نتنياهو يفهم جيدًا نظرية القطيع. وعلومه بالبقر تجعله يبث موجات وتذبذبات من الخوف، تجعل الجماهير المذعورة تصطف كتفًا إلى كتف. الذعر والهلع هما أضمن وأنجح سبيل لتكتيل القطيع. نتنياهو نجح في تكتيل الناس وتحويلهم إلى قطيع، مستعينًا بالتخويف الدائم: الإرهاب، إيران، ما يسمى «حزب الله»، حماس، أولاد المقصات، العرب – أولئك الذين في الخارج، وأولئك الذين بين ظهرانينا. الخوف ثم الخوف ثم الخوف. إسرائيل تحولت إلى قطيع مذعور. العقل، المسحوق أصلاً، يبدو مثل خرقة حقيرة. العقل هو اليسار: خائن وعدو. ومن أجل التحكم بالإسرائيليين، يريدهم بيبي خائفين مذعورين. وهذه مشكلة، لأن الإسرائيلي شجاع. ولكي يعود ليصبح خوّافًا، فمن الواجب تهويده. هذه هي معادلة حكم بيبي. هذه هي الخدعة التي تمكنه من الصمود والبقاء. هذا هو أكبر الاختراعات. من الصباح وحتى المساء. في كل خطاب. في كل مقولة. في كل ظهور أمام الناس – ظهوره هو، أو حاشية السلطة، أو رفاقه في الائتلاف، أو جوقة المعقبين. في البوستات، والمقابلات، ومشاريع القوانين، وقرارات الوزراء. يهوّدون كل ما أمكن: الفنون، التربية والتعليم، الحياة. كلنا يهود، يهود، يهود. دولة يهودية، وليقل الجميع إننا هكذا. عندما تقع عملية معادية – والعمليات لا تنتهي أبدا – تضرب المهدّة (المطرقة الثقيلة) الإسرائيلية بأقصى قوتها: العرب يُعملون بنا قتلاً لأننا يهود. هم «لا يقتلون»، ولا «يضربون»، ولا «يقاتلون» – بل يُعملون قتلاً.
مثلما فعلوا باليهود في بلاد المهجر. ايخمان (النازي) الذي حرق (اليهود) والفتاة العربية التي هجمت بالمقص – سيّان. اليهودي (Jew) يبقى هو اليهودي (Jew)، والأغيار هم الأغيار! لا ينفع وصف هذه المقولة بأنها أكذوبة، ماذا ينفع إن أنت حاولت القول: إن العرب يحاربون الإسرائيليين لأنهم محتلون؟ الكذب والحقيقة هما اصطلاحان ينتميان إلى العالم المنطقي. ولكن نحن نغوص في المشاعر. المشاعر اليهودية. كل عملية فلسطينية تعزّز قوة بيبي. كل حدث كهذا يمكّنه من وسم المزيد من البهائم بطبعة اليهودي. الخوف، الذي يخدمه أيّما خدمة، هو أفضل أداة لنفي العقل والمنطق، وهو المطلوب بالذات لمواصلة الاحتلال.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».