أيضا في إسرائيل ارتفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». ارتفع عدة مرات، بدأت في صيف العام 2011. تأثرا بمظاهرات واعتصامات ميدان التحرير في القاهرة وغيرها من الميادين العربية، وتجدد في سنة 2014 ثم في مارس (آذار) 2015. لكن لهيبها خبا المرة تلو الأخرى. وبنيامين نتنياهو، الذي يجمع المراقبون على أنه أضعف رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، والذي تقول استطلاعات الرأي إن أداءه في إدارة الحكم لا يتعدى 4.6 من 10. ما زال يتربع على سدة الحكم. ولا يوجد أمل حقيقي لتغييره في الظاهر.. وظلت إسرائيل الاستثناء الوحيد في المنطقة التي لم يطلها ما يسمى «الربيع».
فلماذا يا ترى؟ هذا السؤال يطرح بقوة واستغراب في كل مكان. يطرحه السياسيون في العالم، ويجاهرون به في أحاديثهم مع سياسيين إسرائيليين. يطرحه الناس في إسرائيل نفسها. وفي الشهر الماضي قاله عدد من قادة اليهود الأميركيين، القلقين على إسرائيل من إسرائيل. وفي العادة يتوصلون إلى الاستنتاج بأن السبب يكمن في التحول الإسرائيلي إلى اليمين والمزيد من اليمين.
هل حقا الاتجاه يمينا هو السبب في تأخير التغيير في إسرائيل؟ يجيب كثير من الخبراء والسياسيين، بـ«لا».. فما يعرف باليسار في إسرائيل: «حزب العمل» اليوم، الذي يتزعم المعارضة، كان قد حكم إسرائيل منذ قيامها، بل كان مسيطرا على قيادة الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في سنة 1897. وقد ارتكب أقسى الموبقات خلال حكمه. لا يقول ذلك العرب الفلسطينيون الذين وقعوا ضحية هذه السياسات فحسب، بل يقوله كبار الخبراء والمهنيين الموضوعيين في إسرائيل نفسها.
هو الذي شرد الشعب الفلسطيني. عندما انتصر على العرب سنة 1948، لم يتصرف كمنتصر ذكي ينهي الصراع بكبرياء، بل عمل كل ما في وسعه – ومعه الكثير من العرب والفلسطينيين - لكي لا تقوم دولة فلسطينية وفق قرار التقسيم. ثم تبرع لخوض حرب ليست له ضد مصر في سنة 1956 (العدوان الثلاثي). ثم خاض حربا أخرى سنة 1967 وحقق فيها انتصارا أكبر من انتصاره السابق، إذ احتل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء المصرية والجولان السوري. وهنا أيضا تصرف كمن يدوخ في سكرة النصر.
وعندما وافق الرئيس المصري جمال عبد الناصر على مشروع روجرز، صدته «حكومة اليسار» الإسرائيلية وصاحت رئيسة الحكومة، غولدا مائير: «أين هو الشعب الفلسطيني؟». وعندما عرض الرئيس المصري أنور السادات تسوية للصراع، رفضوه باشمئزاز. فكانت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. التي حارب فيها الأميركيون مباشرة لإنقاذ إسرائيل من هزيمة. ثم راحوا يطلقون مشاريع الاستيطان والتهويد في القدس وبقية الأراضي المحتلة.
فقط في سنة 1977 انتصر اليمين وتسلم الحكم. وعلى الرغم من أن هذا اليمين نفذ الفظائع، في غزوة الليطاني وفي حرب لبنان الأولى وفي حروب لاحقة وفي مشاريع الاستيطان المكثف، إلا أنه - اليمين - شهد تغييرا واسعا باتجاه اليسار. فهو الذي كان يؤمن بأن «أرض إسرائيل – فلسطين – كلها خاضعة لليهود»، وفي نشيده القومي الخاص به يتحدث عن إسرائيل كل المنطقة الممتدة من النيل حتى الفرات، تراجع عن مواقفه بشكل حاد وفي اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر، أزالوا المستوطنات في سيناء وأعادوا الأراضي المصرية حتى آخر حبة تراب، وكانت تلك سابقة تاريخية وقانونية. واعترفوا، خلال تلك الاتفاقيات، لأول مرة بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. لم يوافقوا في حينه على دولة فلسطينية، بل حاولوا إبادة منظمة التحرير الفلسطينية (في حرب لبنان)، لكن الاعتراف بتقرير المصير وضع أساسا لهذا الحق في الوعي الإسرائيلي.
وعندما تمكن اليسار بقيادة إسحق رابين من الفوز في الانتخابات سنة 1992، وقع اتفاقيات أوسلو، والتي على الرغم من كل ما شابها من ملاحظات وانتقادات، إنما دفعت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة خطوة كبيرة إلى الأمام، وأدت إلى وضع اللبنات الأولى لهذه الدولة بواسطة السلطة الوطنية الفلسطينية. وقد اغتال اليمين المتطرف رابين وعاد اليمين إلى الحكم بقيادة بنيامين نتنياهو (1996)، فتبنى اتفاقيات أوسلو وانسحب من الخليل ومن 13 في المائة إضافية من أراضي الضفة الغربية.
وعندما تولى الحكم آرئيل شارون، رمز التطرف اليميني، انسحب من قطاع غزة حتى آخر شبر. صحيح أنه فعل ذلك من دون تنسيق مع القيادة الفلسطينية، بدافع الغطرسة وغرور القوة، لكنه سجل سابقة أخرى في إزالة كل المستوطنات والانسحاب من أرض غزة المحتلة عام 1967 بنسبة 100 في المائة. وكان شارون قد قبل مشروع «خريطة الطريق» الأميركي لتسوية الصراع، وهو مشروع مليء بالثقوب لكنه يرمي في النهاية إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية. وفي 27 مايو (أيار) من سنة 2003، أي بعد يومين من مصادقة حكومته على مبادئ خريطة الطريق، وقف شارون أمام قادة حزبه وقال: «تحت احتلالنا يعيش ملايين الفلسطينيين في نابلس ورام الله وجنين وبيت لحم والخليل، ونحن، حكومة إسرائيل، برئاسة الليكود، نريد (إنهاء الاحتلال)، السيئ لإسرائيل».
وعندما لاحظ شارون أن المتطرفين في الليكود يتآمرون لإسقاطه، شق حزبه. وأقام مع شيمعون بيريس حزب «كديما»، الذي فاز في الانتخابات. وشُل شارون وراح في غيبوبة طويلة، فتولى الحكم من بعده إيهود أولمرت، وهو أيضا من غلاة اليمين. وشن حربا ثانية على لبنان وأخرى على غزة، لكنه دخل في مفاوضات متقدمة على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية. ومع أن كلمة «لو» لا تجدي نفعا في السياسة، إلا أن هناك قناعة واضحة بأن أولمرت كان سيتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الفلسطيني على تسوية «دولتين لشعبين» لولا سقوطه في قضية فساد.
المشكلة إذن ليست في يمينية الإسرائيليين، بل في ضحالة وضيق أفق السياسيين. الإسرائيليون تعبوا وأرادوا إسقاط نتنياهو الفاشل، وخرجوا في صيف 2011 بعشرات الألوف إلى الشوارع، بشكل يومي. وبلغ عددهم ذات مرة 400 ألف متظاهر. لكن نتنياهو دبر لهم حربا. فقد اغتال قائد حماس أحمد الجعبري، وتوقع أن ترد حماس عليه بقوة. وحصل ما توقعه: حماس أطلقت الصواريخ على البلدات الإسرائيلية وهو رد بحرب. وعندما تجدد النشاط الاحتجاجي للإسرائيليين، راح يثير أجواء حرب على إيران بحجة تدمير مشروعها النووي. ثم دبر حربا ثانية على غزة في سنة 2014. وعندما جاء موعد الانتخابات وبدا أنه سيخسرها، خرج بدعوته الهستيرية في يوم الانتخابات يحذر الناخبين اليهود من أن العرب يتدفقون بعشرات الألوف على صناديق الاقتراع بحملة منظمة ممولة من الخارج لإسقاطه. فحصل على 30 مقعدا (ربع عدد مقاعد البرلمان)، قسم كبير منها جاءته من المستوطنين ومن مصوتي حلفائه ليبرمان (الذي هبط من 13 إلى 6 مقاعد) ونفتالي بنيت (الذي هبط من 12 إلى 8 مقاعد).
الإسرائيليون ببساطة محبطون. كل محاولاتهم لإسقاط نتنياهو قد فشلت. والمعارضة بالمقابل لم تطرح لهم بديلا مقنعا. قادتها باهتون ومتقاتلون، لا يتفقون على وحدة لأن كلا منهم يريد أن يكون رئيسا لهذه الوحدة. فإذا أضفنا إلى ذلك التوتر القائم في المنطقة وظاهرة «داعش»، والذي يستغله نتنياهو ليخيف الإسرائيليين، وأضفنا أخطاء عربية غير قليلة في التعاطي مع الجمهور الإسرائيلي، وإلى جانب هذا الوضع الاقتصادي الجيد وازدهار التكنولوجيا العالية ومستوى المعيشة العالي وانهيار الجيشين السوري والعراقي، فإننا نجد هذا الإسرائيلي ليس محبطا فحسب بل أيضا مطمئن بأنه لا يواجه خطرا ماحقا. يريد التغيير، ولكنه لا يخوض نضالا شرسا لتحقيقه.
الخبير المتابع للتطورات السياسية في إسرائيل، يوناتان شمؤور، يعتبر الأمر مجرد غباء وخوف، أو بالأحرى تخويف. فيقول: «قياسًا إلى يهود العالم، فإن الإسرائيليين أغبياء، فالدولة المستقلة قد لحست عقولهم! لماذا يأتون بثلاث كتائب للقيام بحملة عسكرية صغيرة في غزة للاشتباك مع بضع مئات من مقاتلي حماس، بل ولا تخضعهم، بينما كانت هذه الكتائب الثلاث ذات يوم تكفي لإلحاق الهزيمة بالجيش المصري؟ إسرائيل 2016. لا يوجد أي تهديد وجودي حقيقي لسكان الدولة، فالجيوش العربية المحيطة بها مفككة أو هي صدئة. الاقتصاد مزدهر. ومن جهة الثراء القومي، الناتج المحلي الخام، تندرج إسرائيل في مصاف أغنى (25) دولة في العالم، لكن الشعور السائد هو أن كل شيء ينهار. عندما يقوم الجميع بالسفر في إجازة إلى الخارج، فإنهم ينزعون عن أعناقهم أيقونات نجمة داود، ويخلعون الثياب المكتوب عليه كلمات بالعبرية. ليس بالأمر اللطيف أن تكون إسرائيليًا خارج البلاد. دولة اليهود فقدت القدرة على التفكير بوضوح وبذهن صاف. الحكمة ليست مجرد «آي كيو» عال، إنها شرط إلزامي، لكنه ليس كافيًا بالقطْع. الحكمة، على الدوام، هي الشجاعة قبل كل شيء. الغباء الإسرائيلي لم يبدأ من اليوم. دعامات الحماقة وضعت قبل سنين، وحجارة البلاهة التي تُبنى بها جدران هذا المكان تتزايد طوال الوقت، وتقوي السور الذي يوصد العقل. نزلت المصيبة على إسرائيل عام 1967. تلك الحرب، التي اعتبرها العائدون منها بسلام – أعجوبة، بدأت تشوش المنظومة. خلال أسبوع تضخمت إسرائيل ليصبح حجمها أربعة أضعاف ما كان عليه قبل ذلك. مذيعو نشرات الأخبار كانوا ينتشون كل ليلة وهم يعلنون عن حالة الطقس: جبل الشيخ، قناة السويس، شرم الشيخ. إمبراطورية. عام 1979 (توقيع اتفاقيات كامب ديفيد)، كان يُفترض أن يكون صفعة إيقاظ. يمكن التوقف عن التضحية بالعقل لصالح نظرية النهضة العبرية. انتهى. نجحنا. حقًا نجحنا. يوجد سلام. المعادلة وضحت للجميع. بعد مائة عام، الدول العربية تعترف بدولة إسرائيل الصهيونية. الثمن هو التنازل عن الحلم بالإمبراطورية والانكفاء إلى خطوط وقف إطلاق النار من العام 1949. التي تُعرف بالحدود الدولية لإسرائيل.
«المناطق (المحتلة) وقعت بأيدي إسرائيل أيام حكم اليسار. المستوطنات أنشئت بأيدي حكومات «المعراخ»: ليفي اشكول، يغئال الون، غولدا مائير، إسحاق رابين، شيمعون بيريس. جميعهم نظفوا أياديهم من أثر الإسمنت في احتفالات وضع حجر الأساس. جرثومة الغباء بدأت تتكاثر. لكن يومها أيضًا، حاولت السلطة تبرير أفعالها بشكل منطقي. هنا لم تكن فلسطين أبدًا.
احتللنا الأرض من الأردن، وها قد تنازلت عنها. مستعدون لانسحاب يضمن الأمن، كومة من الكلمات الجوفاء، التي لم توصل إلى أي مكان، سوى إلى فقدان السلطة ومجيء مناحيم بيغن. وهو أيضًا، باتفاقية السلام مع مصر، التي أصرت على شمل البند الفلسطيني – حاول التمسّك بمنطق ما: سنقيم الحكم الذاتي – قال. مثل كاتالونيا في إسبانيا، ومثل اسكوتلندا في بريطانيا، ومثل بورتوريكو في الولايات المتحدة الأميركية. هنالك الكثير من هذا، فلماذا لا يكون هنا. رحل بيغن، وجاء رابين، وجاء أوسلو، وجاء القاتل. وهنا ظهر بيبي (نتنياهو). نتنياهو يفهم جيدًا نظرية القطيع. وعلومه بالبقر تجعله يبث موجات وتذبذبات من الخوف، تجعل الجماهير المذعورة تصطف كتفًا إلى كتف. الذعر والهلع هما أضمن وأنجح سبيل لتكتيل القطيع. نتنياهو نجح في تكتيل الناس وتحويلهم إلى قطيع، مستعينًا بالتخويف الدائم: الإرهاب، إيران، ما يسمى «حزب الله»، حماس، أولاد المقصات، العرب – أولئك الذين في الخارج، وأولئك الذين بين ظهرانينا. الخوف ثم الخوف ثم الخوف. إسرائيل تحولت إلى قطيع مذعور. العقل، المسحوق أصلاً، يبدو مثل خرقة حقيرة. العقل هو اليسار: خائن وعدو. ومن أجل التحكم بالإسرائيليين، يريدهم بيبي خائفين مذعورين. وهذه مشكلة، لأن الإسرائيلي شجاع. ولكي يعود ليصبح خوّافًا، فمن الواجب تهويده. هذه هي معادلة حكم بيبي. هذه هي الخدعة التي تمكنه من الصمود والبقاء. هذا هو أكبر الاختراعات. من الصباح وحتى المساء. في كل خطاب. في كل مقولة. في كل ظهور أمام الناس – ظهوره هو، أو حاشية السلطة، أو رفاقه في الائتلاف، أو جوقة المعقبين. في البوستات، والمقابلات، ومشاريع القوانين، وقرارات الوزراء. يهوّدون كل ما أمكن: الفنون، التربية والتعليم، الحياة. كلنا يهود، يهود، يهود. دولة يهودية، وليقل الجميع إننا هكذا. عندما تقع عملية معادية – والعمليات لا تنتهي أبدا – تضرب المهدّة (المطرقة الثقيلة) الإسرائيلية بأقصى قوتها: العرب يُعملون بنا قتلاً لأننا يهود. هم «لا يقتلون»، ولا «يضربون»، ولا «يقاتلون» – بل يُعملون قتلاً.
مثلما فعلوا باليهود في بلاد المهجر. ايخمان (النازي) الذي حرق (اليهود) والفتاة العربية التي هجمت بالمقص – سيّان. اليهودي (Jew) يبقى هو اليهودي (Jew)، والأغيار هم الأغيار! لا ينفع وصف هذه المقولة بأنها أكذوبة، ماذا ينفع إن أنت حاولت القول: إن العرب يحاربون الإسرائيليين لأنهم محتلون؟ الكذب والحقيقة هما اصطلاحان ينتميان إلى العالم المنطقي. ولكن نحن نغوص في المشاعر. المشاعر اليهودية. كل عملية فلسطينية تعزّز قوة بيبي. كل حدث كهذا يمكّنه من وسم المزيد من البهائم بطبعة اليهودي. الخوف، الذي يخدمه أيّما خدمة، هو أفضل أداة لنفي العقل والمنطق، وهو المطلوب بالذات لمواصلة الاحتلال.

