«سينما كون» يبحث في تقنيات الفيلم والمشاريع المستقبلية

يحضره لفيف كبير من أصحاب القرارات النافذة في لاس فيغاس

«سينما كون» يبحث في تقنيات الفيلم والمشاريع المستقبلية
TT

«سينما كون» يبحث في تقنيات الفيلم والمشاريع المستقبلية

«سينما كون» يبحث في تقنيات الفيلم والمشاريع المستقبلية

في هذا الشهر من كل عام تستقبل مدينة لاس فيغاس جمهورًا غفيرًا من السينمائيين يختلف عن جمهور أي محفل آخر.
على امتداد أربعة أيام فقط. تتلألأ السينما كما تفعل المدينة الشهيرة بمرابعها الليلية طوال العام. هنا في هذه المدينة التي تحيط بها الصحراء، والتي أوى إليها رجل العصابات بنجامين بغزي سيغل في مطلع الأربعينات بانيًا إمبراطورية مالية من وراء طاولات القمار. أسس الكازينو الكبير الأول («فلامينغو») وسرعان ما ألهب الحماس فإذا بالمدينة تتحوّل إلى عاصمة القمار منذ ذلك الحين يقصدها كل من يريد أن يدفن ثروته (أو بعضًا منها) تحت الأضواء.
لأربعة أيام يختلف المقصود بالنسبة لهذه المدينة. فالجمعية الوطنية لمالكي صالات السينما (NATO) تقيم في الأسبوع الثاني من كل أبريل (نيسان) تظاهرة سينمائية كبيرة لا تشببها أي تظاهرة أخرى. هذا الشهر امتدت من الحادي عشر إلى يوم أمس الرابع عشر من الشهر. واسمها المعلن والمتداول هو «سينما كون» (Cinema Con اختصارًا لكلمتي Cinema Conference) وهو اسم حديث نسبيًا (لبضع سنوات فقط)، إذ سبق لهذا المؤتمر أن انطلق، سنة 2001 تحت اسم «شو وست» لكن الجمعية، وبعد عشر سنوات من انطلاقه، قررت تغيير اسمه إلى هذا الحالي.

هوارد هيوز
الاسم فقط هو الذي تغيّر. الباقي ما زال على حاله وهو ضخم وكبير: من مؤتمرات صحافية وإعلامية تتضمن دراسات عن الأسواق المحلية والعالمية، إلى معرض لآخر المنتجات التقنية الخاصة بالعروض، إلى حفلات من العروض السينمائية الخاصة للجديد القادم ومن استعراض شيق وموجز للسينمائيين الذين تدعم شركات هوليوود الكبرى أعمالهم المقبلة إلى الحفلات الساهرة التي تشمل حضور ولائم ضخمة تتسع لألوف الشخصيات الحاضرة.
معظم من يحضر هذا المؤتمر، لا يحضر مهرجانات السينما التقليدية. لن تجد، مثلاً، نقاد سينما (باستثناء هذا الناقد)، لأن معظمهم فصل بين سينما الفن وسينما الترفيه. ولن تجد مخرجين كثيرين ولا منتجين صغارًا يسعون لبيع أفلامهم (كما يحدث في صندانس مثلاً). ما تجده جوقة من كبار المسؤولين في شركات واستديوهات هوليوود الرئيسية. رؤساء الأقسام الكبرى في كل استديو ومديرو مجالس الإدارة وكثير منهم يتردد في السفر حتى إلى «كان» الكامن على بعد شهر واحد أو نحوه.
الممثلون الحاضرون مرتبطون أيضًا بما في جعبة الاستوديوهات من أفلام. هذا العام حضر الممثل والمخرج وورن بايتي بعد غياب سنوات مديدة عن الظهور. السبب المباشر أنه محور تكريم الجمعية الذي يتم سنويًا بانتخاب سينمائي أمضى دهرًا في العمل وحقق وضعًا يشبه الأسطورة. بيتي، الذي لعب دور بنجامين سيغال في فيلم «بغزي» في العام 1991، هو من أفضل من يستحق هذا التكريم بالفعل. لكن السبب الآخر هو أنه يعمل على إنجاز فيلمه الجديد (الأول له منذ 2001 عندما ظهر في فيلم عادي الأثر هو «تاون أند كإنتري») الذي ما زال بلا عنوان لكن موضوعه هو المنتج الثلاثيناتي والأربعيناتي هوارد هيوز الذي كان موضوع فيلم مارتن سكورسيزي «الملاح» قبل عدة سنوات.
سألته قبل أن يخطفه المنتج أرنون ميلشان بعيدًا عن السبب الذي من أجله طال أمد عودته إلى الشاشة، فقال: «لم أعن أن يستمر غيابي طويلاً. ليس أنني لم أدرس مشاريع خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة، لكن لا شيء استهواني بالفعل. هذا المشروع (عن هوارد هيوز) أعمل عليه منذ أربع سنوات، وهو بات جاهزًا الآن للبدء بتصويره. أعتقد أننا سنصوّر في سبتمبر (أيلول) المقبل».
الغالب، كما علمت من مصدر آخر، أن الشركة التي يرأسها ميلشان (نيو ليجندري) هي من ستقوم بإنتاجه، بينما تقوم فوكس بتوزيعه تبعًا لعقد مبرم بين شركة الإنتاج وفوكس التي كانت حاضرة هنا عبر أعمال منجزة عرضت منها مقتطفات مختلفة لمن يريد التوقف عند آخر إنتاجاتها.
والحقيقة أن لا أحد يشعر بالتنافس على الحضور في أي مهرجان أو تظاهرة أو مؤتمر كما يتبدّى الأمر هنا. كل استديو وشركة كبيرة رمت سهامها النارية في استعراض قوّة يثير محب السينما ولو أنه يدرك أن معظم الإنتاجات لن تحقق مراميها الفنية جيّدًا.

عودة السينيراما
لذلك حين يقول توم روثمان، رئيس مجلس إدارة صوني، إن «التكنولوجيا تأتي في المرتبة الثانية بعد القصّة» فإن المستمع له لا بد أن يتساءل عما إذا كانت هوليوود تعني ذلك، كون معظم الإنتاجات حاليًا تحتفل بالتقنيات المبهرة بينما تحط القصص التي من المفترض بها فعلاً أن تأتي فوق كل الاهتمامات الأخرى، في موضع ثانوي وأحيانا (كحال فيلم «دَدبول» مثلاً) بلا موضع على الإطلاق.
صوني هنا لتعزيز فيلم آنغ لي المقبل «مسيرة بيلي لين نصف الزمنية». المخرج الذي قدّم، فيما قدّم، «حياة باي» قبل سنين حضر المؤتمر وتحدث قليلاً عن المشروع بينما تولّى رئيس صوني غالب الحديث. السبب في قول توم روثمان أن التقنية تأتي بعد القصّة يعود إلى أن الفيلم الذي يدور حول مجنّد اسمه بيلي لِن، ويقوم بدوره ممثل جديد اسمه جو ألوين، جاء من مصدر أدبي وُضع كمذكرات تحت العنوان نفسه، واستهوى المخرج لي الذي لم يجهد طويلاً قبل أن يجد في صوني البيت الذي سينقل الرواية إلى الشاشة. المؤلف بن فاونتين قصّ حكاية مجنّد شاب خدم خلال الغزو الأميركي للعراق قبل عودته إلى الولايات المتحدة برؤية مختلفة عن نفسه والعالم عن تلك التي كان يكتنزها قبل اشتراكه في الحرب.
عرضت الشركة نحو 20 دقيقة من الفيلم بعضها ليس جاهزًا تمامًا ليتبين أن التقنية لا تأتي هنا بعيدة عن الاهتمام الأول. فالفيلم مصوّر بنظامي 3D و4D، وعلاوة على ذلك تم تصويره بسرعة كادرات تبلغ 124 كادرًا في الثانية (عوض 24 كادرًا في الثانية). هذا ما يذكر أن فيلم «حياة باي» تمتع بحكاية قويّة الجانب، لكنه حفل برغبة المخرج توفير ما استطاع توفيره من تفاصيل تصويرية ومؤثرات بصرية.
هذا يؤكد أنه بصرف النظر عن موضع القصّة في أي فيلم فإن التأكيد على التقنيات يسبق كل شيء آخر هذه الأيام ويتبدّى في «سينما كون» كما لا يتبدّى في أي مكان آخر على هذا النحو الجامع. فمن بين ما اكتشفناه هنا أن الفيلم المقبل للممثل إيثان هوك «24 ساعة للحياة» سيعود إلى نظام سينيراما الذي قام، حين ابتداعه في الخمسينات ثم انتشاره في أواخر الستينات، على عرض الفيلم على شكل نصف دائري. منذ ذلك الحين تم تطوير هذه القدرات و«24 ساعة للحياة» هو أحد الأفلام التي يتم تحضيرها على هذا النحو (فيلم جديد آخر ينتهج الطريقة ذاتها هو «هروب باركو»).
لا ننسى أن فيلم كوينتن تارنتينو «الكارهون الثمانية» أعاد للحياة نظام الـ70 ملم بعد غياب عقود. والواضح أن السينما إنما باتت تدافع عن نفسها كما هي العادة سابقًا إزاء كل بدعة مضادة. فالحديث عن «سكرينينغ روم» (نظام تجاوز صالات السينما مباشرة إلى البيت لقاء 50 دولار للفيلم) ما زال جاريًا بين حفنة مؤيدة وغالبية معارضة. وهذه الغالبية تشمل بالطبع جمعية «ناتو» التي تبذخ على هذه التظاهرة الثرية.

وورن بيتي كما يبدو اليوم و آنغ لي خلال تصوير فيلمه الجديد



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.