«بيت الحكمة» العباسي.. نتاج تعريب الديوان

التنافس البيروقراطي كان محركًا لترجمة تراث الأقدمين عند المسلمين

غلاف «العلوم الإنسانية وقيام النهضة الأوروبية»
غلاف «العلوم الإنسانية وقيام النهضة الأوروبية»
TT

«بيت الحكمة» العباسي.. نتاج تعريب الديوان

غلاف «العلوم الإنسانية وقيام النهضة الأوروبية»
غلاف «العلوم الإنسانية وقيام النهضة الأوروبية»

يحكي لنا ابن النديم في كتابه «الفهرست»، وهو أشمل وثيقة أحصت لنا الأعمال الفكرية إلى آخر القرن الرابع الهجري، قصة عن الخليفة العباسي المأمون (813 – 833م)، بأنه رأى في منامه «رجلا أبيض اللون، مشربا حمرة، واسع الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح الرأس، أشهل العينين، حسن الشمائل، جالسا على سريره. قال المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة. فقلت. من أنت؟ قال. أنا أرسطوطاليس. فسررت به وقلت: أيها الحكيم، أسالك؟ قال: سل. قلت: ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع. قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند الجمهور. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم لا ثم؟».
تروى هذه الرؤيا عادة من أجل فهم لماذا قام المسلمون بترجمة العلوم المسماة «عقلية»، أو كما كانت تسمى أيضا «علوم الأقدمين»، أو «الأوائل»، أو «العلوم الدخيلة». وكما نلاحظ أنها قصة خرافية لا يمكن التعويل عليها لتفسير حركة هائلة من الترجمة، لنقل تراث الشعوب الأخرى إلى العربية، وبوعي شديد مخطط له، ومدعم من طرف الخلفاء، وبمؤسسة كاملة الأركان، لهذا الشأن سميت «بيت الحكمة». فما الأسباب العميقة لهذا الارتماء في حضن الثقافة العقلية العالمية آنذاك؟ لماذا كثرت الفلسفة والعلوم القديمة في التربة الإسلامية؟ ولم لجأ المسلمون إلى ترجمة العلوم من الأجانب؟ وما الحاجة إلى ذلك؟
لقد عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل، منارات فكرية كثيرة كانت عبارة عن مراكز علمية قائمة الأركان، مثل «أكاديمية أفلاطون» التي تأسست سنة 387 ق.م، وليسيوم أرسطو الذي ظهر سنة 335 ق.م، ومدرسة الإسكندرية بمصر التي حافظت على تقاليد اليونان، وأنجبت كثيرا من العلماء ذائعي الصيت، مثل غالينوس في الطب، وإقليدس في الرياضيات.. بل إن التراث الإغريقي سينتقل أيضا نحو سوريا، خصوصا في مركز «نصيبين» و«الرها»، التي كانت من أشهر المدارس الطبية في أواخر القرن الخامس الميلادي.. ليرحل بعد ذلك بعض السوريين، خصوصا النساطرة منهم، نحو الدولة الساسانية هربا من اضطهاد أباطرة بيزنطة وأساقفتها للمذهب النسطوري (نسبة إلى البطريرك نسطور)، المخالف عقديا لتعاليم الكنيسة حول طبيعة المسيح. لتتشكل مدرسة كبرى في جنديسابور، لتصبح في أواخر القرن السادس الميلادي، أعظم مركز ثقافي، بل واسطة للتلاقح الحضاري بين النسطوريين بلغتهم السريانية (أي النسخة المعدلة عن الآرامية التي كانت لغة المسيح عليه السلام)، والثقافة الفارسية بلغتها الفهلوية.
وإذا علمنا أن مدينة جنديسابور قد فتحها المسلمون، فسيجعلنا هذا، نفهم كيف سينتقل التراث الإغريقي ممزوجا بالسورية والفارسية إلى الثقافة الإسلامية العربية.
في حقيقة الأمر، نجد أن الفاعلية العلمية لم تتوقف مطلقا.. فهي ظلت مستمرة وتبحث عن أرض يسودها الدعم والترحاب كي تنتعش، وهي ترتحل دورانا مع الحرية، وتضيق مع التشدد والاضطهاد.. فبؤر المدارس العلمية تسافر ولا يهمها اللغة أو الدين أو النموذج السياسي المتبع، بل العلم يبحث فقط عن مجال للتنافسية بحرية، والاشتغال دون خوف أو اضطهاد. فالرياضيات أو الطب أو الفلك.. وغيرها، تكلمت يوما باليونانية، ثم بعد ذلك بالسريانية، فالفارسية، ثم بالعربية، وبعدها باللاتينية. والإشكاليات هي هي. كما أن هذه العلوم، يمكن أن توجد بأرض مسيحية أو إسلامية.. بوذية أو مجوسية، فالانتماء الديني واللغوي لا يؤثر مطلقا على العلم.
لقد آن الأوان للحسم مع بعض المنطلقات الخاصة بالعلم، وعلى رأسها أنه يجب التفرقة بوضوح بين الأسباب المحركة للعلم والعوامل المساعدة في تحرك العلم، فالعلم سبب حركته في ذاته، فالإشكالات العلمية كما هي.. منطقها خاص، سواء أكانت عند ناطق باليونانية أو السوريانية أو الهندية أو الفارسية أو العربية أو اللاتينية، فما طرحه فيثاغورس وإقليدس بالإغريقية، من قضايا في الرياضيات، بقي كما هو عند الرياضيين العرب، وما أنجزه بطليموس الإغريقي في الفلك، بقي كما هو عند الفلكيين العرب، وما طرحه أبقراط أو غالينوس في الطب، لن يتأثر بنقله إلى العربية. والشيء نفسه يقال عن الانتماء العقدي، فالعلم لا يبالي بذلك، فالعلماء يتواصلون فيما بينهم، مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية.. وهو ما يجعلنا نفهم لماذا مثلا، كان يلقب بطليموس من طرف الفلكيين العرب بـ«الفاضل» على الدوام، على الرغم من الاختلاف الجذري معه لغة وعقيدة.
أما أن للعلم عوامل مساعدة، فهذا يعني أن المؤثرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إما أنها تدفع بالعلم أو تكبحه، فهي تلعب دور المسرع أو المبطئ. فكلما تم تخصيص هوامش للعمل العلمي، وتشجيع العلماء على العطاء، وتوفير جو العمل بتنافس لا يهدد الحياة، فإن هذا يؤدي إلى استقطاب الباحثين من كل أنحاء المعمورة، للانخراط في المشكلات العلمية التي لا انتماء لها، فهي عقلية، والعقل أعدل قسمة بين البشر، كما يقول ديكارت.
هذا بالضبط ما حدث في «بيت الحكمة» العباسي، فهو كان عاملا مدعما للانخراط في أكبر ورشة علمية عرفتها القرون الوسطى.. فكيف ذلك؟
اتصل العرب بعد الإسلام بالحضارات القديمة، وحرصوا على جمع مخطوطاتها، وشرائها، خصوصا الإغريقية منها، والتنقيب عن بعضها المهمل في الأقبية والسراديب، بل المثير هو التنازل للبيزنطيين عن تعويضات الحرب، مقابل تقديم المخطوطات العلمية، خاصة في العهد العباسي، وبالضبط في زمن المأمون. وبهذا يكون العرب وبحماسة منقطعة النظير قد قاموا بأكبر عملية إنقاذ للتراث الإنساني، خصوصا اليوناني منه، الذي كان عرضة للفساد والتلف جراء الإهمال.
وقد جند الخلفاء العباسيون، وبرعاية واعية ومستنيرة، جماعة علمية هائلة، معظمها من السريان، للقيام بمهمة تعريب العلم. ولعل أشهر المترجمين المشهود لهم بالدقة والنقل المنقح، هو حنين بن إسحاق الذي كان يقال إنه يأخذ وزن الكتاب المترجم ذهبا. ولم يكن «بيت الحكمة» يضم المترجمين فقط، بل النساخين والخازنين والمناولين، الذين هم حلقة الوصل بين «بيت الحكمة» ورواده. فبحق، كان «بيت الحكمة» ملتقى الحضارات آنذاك، وجمع في جوفه تراث البشرية. لكن يبقى لافتا للنظر أن الكتب المنقولة عن اليونانية، كانت محصورا في فنون العلم والفلسفة من دون أن تتعداها إلى الأدب والشعر أو الروحانيات، فلم يترجم العرب مثلا هوميروس أو سوفوكل، فهم كان لديهم ما يكفي من الفصاحة والبيان، ولديهم الإسلام.
ويؤكد جورج صليبا، في كتابه «العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية»، الذي ترجمه د. محمود حداد (ط.1، عن دار أبوظبي للثقافة والتراث/ كلمة، 2011)، على أن عملية الترجمة وإرادة استملاك المسلمين للعلوم القديمة، تمت مباشرة مع عملية إصلاح الديوان وتعريبه، من طرف عبد الملك بن مروان الأموي، فمن المعروف أن هذا الخليفة هو من سك الدينار العربي متخليا عن النقود البيزنطية، بالإضافة إلى أنه هو من أمر بتعريب الدواوين الذي كان يشتغل به الأجانب بالخصوص. وكما هو معلوم، فإن موظف الديوان يحتاج إلى عمليات حسابية معقدة لحساب الخراج، مما يجعل ترجمة الرياضيات أمرا ملحا، ناهيك بأن وقت دفع الضرائب مرتبط بالتقويم، مما يفرض المعرفة الفلكية. وهو ما يؤكد أن ترجمة الكتب الفلكية قد بدأ في وقت مبكر عن العصر العباسي. ولتأكيد هذا الأمر، يضرب جورج صليبا مثالا واضحا، وهو ترجمة الحجاج بن مطر لكتاب «المجسطي» لبطليموس، سنة 829م، فهو نعم تم في عهد المأمون، لكن الاطلاع على الترجمة يثير الدهشة، فقد تمت بلغة عربية سليمة ونقية، ومصطلحات تقنية ناضجة وممتازة، مع تصحيح للأخطاء، وسهولة في القراءة، مما يعني أنه لو كانت الترجمة قد تمت في عهد المأمون حقا، فلا محالة كانت ستكون رديئة كأي محاولة أولى في أي ترجمة جديدة، فأكيد أن الحجاج بن مطر كانت بين يديه ترجمات سابقة مكنته من أن يقدم ترجمته الأكثر دقة.
يرى صليبا أن تعريب الديوان كان محركا نحو مزيد من الترجمة، ويفسر ذلك كالتالي: فما دام أن الأجانب هم من كانوا يسيطرون على الدواوين، فإن التعريب أصبح يهدد عملهم، لأن العربي سيتمكن من احتلال مكانهم بسهولة، وهو ما سيجعلهم في بطالة، ويضطرهم إلى رفع الإيقاع والذهاب إلى معلومات أكثر دقة، وإلى مزيد من الاجتهاد لخلق حاجات جديدة، حفاظا على مواقعهم وضمانا لبقائهم، مما يستدعي الاتجاه صوب المصادر لاسترجاع مكانتهم. باختصار، يريد صليبا أن يؤكد على أن الترجمة كانت جراء تنافس كبير بين البيروقراطيين، فإصلاحات عبد الملك بن مروان الخاصة بالدواوين، أجبرت الموظفين، الأجانب بالخصوص، وتأمينا لرزقهم، على اللجوء إلى المعرفة الأكثر تخصصا، مما زاد من حمى الترجمة.
إن أطروحة جورج صليبا، توضح أن الترجمة لم تكن حركة من أجل تقليد ثقافة أرقى، بل الأمر انطلق وتم لدواع إدارية صرفة.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».