سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

استخدم شخصية فرانكشتاين رمزا يعبر عن مشكلات العراق الراهنة

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
TT

سعداوي: علينا أن نعترف بأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا

أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر
أحمد سعداوي حاملا روايته المرشحة لجائزة بوكر

تفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين، إذ تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع.
لم يكن مستغربا وصول اسم أحمد سعداوي إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2014 فالكاتب العراقي الشاب، 40 سنة، لفت الأنظار إليه بشكل ملحوظ بعد صدور روايته الثالثة «فرانكشتاين في بغداد» (2013، منشورات الجمل) التي تتناول ثيمة العنف، إحدى أكثر القضايا إلحاحا في الساحة العراقية اليوم وذلك بأسلوب غرائبي يتجاوز حدود الواقع مما «يوفر متعة أكبر للقارئ ويطل من زاوية غير معهودة».
فيما يلي نص الحوار مع أحمد سعداوي.
* ثيمة «فرانكشتاين» نجدها في الكثير من أفلام الرعب الأميركية وتعود أصلها إلى رواية «فرانكشتاين» للكاتبة البريطانية ماري شيلي. هل «فرانكشتاين في بغداد» هي استيحاء لتلك الثيمة وإسقاطها على الواقع العراقي؟
- في الرواية هناك إشارتان إلى فرانكشتاين بهذا الاسم الصريح، الأولى في تعليق الصحافية الألمانية على ما كان يرويه هادي العتاك في المقهى، حين أشارت إلى محمود السوادي بأن هذا الرجل يستوحي قصته من فيلم لروبرت دي نيرو، والمقصود به طبعا هو فيلم فرانكشتاين. والإشارة الثانية ما قام به رئيس تحرير مجلة «الحقيقة»، علي باهر السعيدي، بتغيير عنوان مقالة محمود السوادي من «أساطير من الشارع العراقي» إلى «فرانكشتاين في بغداد»، أما خارج هاتين الإشارتين فإن مجتمع المدينة الذي تعامل مع شخصية الوحش الغريب كان يسميه «الشسمه» أو «الذي لا اسم له»، ولربما لم يكن معنيا بأنه يشبه فرانكشتاين أو لا.
في كل الأحوال فإن فرانكشتاين بغداد فيه معالجة مختلفة عن فرانكشتاين ماري شيلي، وهو هنا رمز مكثف يعبر عن مشكلات العراق الراهنة، كما أن أجواء الرعب الفرانكشتاينية كانت حاضرة بقوة خلال الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية.
* حدثنا عن شخصية «الشسمه» أو فرانكشتاين، تلك الجثة التي «لا تشير إلى شخص أو كائن محدد» وطبيعة «المهمة النبيلة» التي يقوم بها هذا الكائن ذو «الهيئة البشعة وفم كأنه جرح في الوجه»؟
- داخل العمارة الهيكل في حي الدورة التي اتخذها «الشسمه» مقرا له، يتم في واقع الأمر، وبطريقة تمثيلية سردية، التشريح الدلالي لرمزية الشسمه. فنرى أنه يحمل ثلاث قراءات، وكل قراءة أنتجها أحد المجانين الثلاثة. القراءة الأولى؛ أن هذا الشسمه بما أنه مكون من جذاذات عراقيين من مختلف الأعراق والطوائف والإثنيات فإنه العراقي الكامل، أو المثال النادر لذوبان الجميع في هوية واحدة، وهي المعضلة المزمنة التي ظل يعاني منها العراق على مدار تشكله منذ بدايات القرن العشرين إلى اليوم، وتفجرت مشكلة الهوية الوطنية بصورة عنيفة ما بعد إسقاط نظام صدام حسين. حيث تلاشت الهوية الوطنية وفق الوصفة الإدماجية التذويبية التي اعتمدت على مدى قرن.
القراءة الثانية؛ أن هذا الوحش هو المخلص، بما أنه يحمل رغبة الثأر لكل الضحايا، لذا فإن جلب العدالة للضحايا المتكاثرين في عراق اليوم يعني تحقيق الخلاص للجميع. وهنا نرى طيفا للرؤى الميتافيزيقية عن فكرة المخلص، وكيف أن الخلاص يلقى دائما، وفق هذه الرؤية، على عاتق شخص واحد. والرواية تشكك ضمنا من أن الخلاص يمكن أن يتحقق على يد شخص واحد، فهذه المطامح والآمال غالبا ما كانت مسارات تشكل الديكتاتوريات السياسية في بلداننا العربية والشرق أوسطية. وهي للأسف، عراقيا، ما زالت موجودة وفاعلة، ولم تنته بنهاية نظام صدام الديكتاتوري.
القراءة الثالثة؛ أن هذا الوحش هو قائد الخراب الشامل، وبدل تجرع الخراب بالتقطير وعلى شكل جرعات صغيرة فمن الأفضل أن يحل الخراب الشامل. وهنا يغدو الشسمه هو التجسد الدرامي لفكرة الخراب التي اشتعلت وظلت تتصاعد مثل كرة مسرعة على منحدر.
من هذه القراءات الثلاث يتشكل وجه فرانكشتاين العراقي، ليعكس هذا الوجه، في واقع الحال، جوهر ما كان يجري، وما زال، في أنفس المكونات والأعراق ونظرتها تجاه بعضها بعضا، ونظرة الجميع تجاه الخلاص، أو تجاه ما يمكن أن يكون هوية وطنية جامعة تشمل الجميع.
* ما يميز روايتك هو تناول المأساة العراقية من زاوية غرائبية، تختلف عن طرق السرد التقليدية في أعمال عدة تعاطت مع الموضوع العراقي نفسه. ففي «فرانكشتاين في بغداد» هناك شخصيات لا نصادفها في الحياة اليومية مثل «الساحر» و«السفسطائي» و«المجنون الصغير» و«المجنون الكبير» و«المجنون الأكبر». كيف تصف لنا هذه التجربة؟
- ظهرت هذه الشخصيات في الفصل العاشر الذي يتميز بأنه يجري على لسان الشسمه. وهي شخصيات رمزية جدا أكثر من كونها واقعية. ولكنها توحي بنماذج محورية وأساسية موجودة في الواقع العراقي. السفسطائي مثلا هو شخصية تقارب، داخل مجتمع الرواية، شخصية علي باهر السعيدي، وشخصية الساحر تشبه شخصية المنجم الكبير الذي يعمل في مكتب العميد سرور مجيد.
وبالإضافة إلى الحرية الأوسع في التمثيل والإحالة الرمزية الذي يوفره الإطار الفانتازي الذي جرت به معظم أجزاء الرواية، فإن الفانتازيا هنا توفر مساحة لمتعة أكبر في التناول والقراءة، والإطلالة من زاوية غير معهودة في النظر إلى واقع محتدم، كما أنه أعطى لمسة من المرح لطف القسوة الموجودة في الأحداث، ولمسة المرح هنا كأنها تريد أن تقول بأنه لا يوجد شيء نهائي. فالتناول شديد الميلودرامية والوصف الكئيب والجاد للمآسي يعطي إشارة مبطنة للقارئ بأن هذا واقع قدري دائم لا فكاك منه، وهذا منهج فيه ميل رومانتيكي غير واقعي. يعطي صورة مبالغ فيها للقارئ الغريب، ولا يمنح القارئ العراقي فرصة للتنفس، فيهرب من بشاعة يعرفها في الواقع ليراها معكوسة في النص الروائي مع إيحاءات بلا نهائية العذاب. وهذه قسوة كبيرة لا مبرر لها.
* في الفصل الثالث من الرواية وهو بعنوان «روح تائهة» تنتقل إلى عالم الأموات حيث أرواح الضحايا تبحث عن جثثها. هناك من يعتقد أن هذا قد يبعد العمل عن واقع العراق اليوم. ما تعليقك على ذلك؟
- هذا الفصل له وظيفة بنائية مع الفصول الأخرى، ويسرد كيف جاءت الروح التي حلت في «الشسمه»، كما أنه بشكل عام يعكس اعتقادات عامة تعتمل في أنفس الكثير ممن فقدوا أبناء وأحبة، ولم يعثروا على جثث كاملة لهم كي يدفنوها، فهم يتخيلون أن أرواح أبنائهم تظل محلقة تبحث عن جثثها. والصورة الأعمق أننا جميعا، خلال فوضى العنف، كنا نتحرك مثل أرواح تائهة، لا تعرف لحظة استقرار وشعور بالأمان.
هناك من القراء ممن تعاطف كثيرا مع هذا الفصل تمنى أن يكون أكثر طولا، وهو بالفعل أقصر فصول الرواية، وسبب هذا التعاطف هو المسحة الغنائية التي فيه. ولكني رأيت طوله مناسبا حتى لا تطغى المسحة الغنائية. وأن تبقى هذا اللمسة بالحدود المعقولة لتنوع الانفعالات الموجود في الرواية.
* هل العراق في هذا الزمن الذي يختفي فيه الكثيرون من دون سبب معقول بحاجة إلى فرانكشتاين يجسد ثقافة الثأر بكل معانيها؟
- بالتأكيد لا. وهذا ما أرادت الرواية إيصاله. فهذا الفرانكشتاين الذي ترى كل فئة نفسها فيه، يعكس في واقع الحال معايير خاصة جدا لمفاهيم العدالة والجزاء والثأر والقصاص، فمفهوم العدالة عند فئة حين يتم تطبيقه على الأرض يتحول إلى ظلم لدى الفئة الأخرى. وحين تسود المعايير الخاصة فإننا في الحقيقة سنعيش أجواء حرب أهلية.
فرانكشتاين العراقي يطلب الثأر للضحايا، ولكنه مكون من ضحايا تابعين لفئات متعددة، وكل فئة ترى في الفئة الأخرى عدوا، لهذا سينتهي هذا الفرانكشتاين إلى قتل نفسه بنفسه، وهو التمثيل الحكائي لعملية قتل الجميع للجميع على أرض الواقع. فرانكشتاين هنا يمثل التشخيص المرئي للأزمة الكبرى، ولا يمثل الحل.
* تقول إحدى الشخصيات «كل المآسي التي نمر بها لها مصدر واحد الخوف» إلى أي مدى يشغل الخوف عقول العراقيين اليوم؟
- أتذكر في الأيام الأولى للاحتلال وسقوط نظام صدام، كان الجيش الأميركي يقيم في معسكراته، ولا يقوم بشيء لحفظ الأمن العام داخل بغداد. كانت المدينة دون أي شرطي. وكذلك الأمر مع مدن عراقية أخرى، وظل هذا الحال لعدة أسابيع. كنا نعيش في لحظة تصفير غريبة جدا. وفي تلك الفترة كان من الممكن في الأحياء الشيعية أن يهتف شخص ما خلال الليل بشائعة ما لإشعال الأجواء بإطلاقات رصاص متلاحقة تستمر أحيانا حتى ساعات الفجر الأولى. وهذه الإطلاقات والأسلحة غنمها المسلحون من معسكرات الجيش العراقي السابق المتروكة. ولا يشغل أحد باله بالتحقق من حقيقة هذه الشائعة. لأن الخوف الشديد يجعلها حقيقة واقعة.
في الضفة الأخرى، أغلقت المحال التجارية في أحد أسواق مدينة الموصل أبوابها، مع شائعة قوية جعلت الجميع يغادر بسرعة، بأن الشيعة قادمون. ثم تبين لاحقا أنهم بضعة أفراد من الشيعة التركمان كانوا يسيرون في موكب عزاء حسيني. وتكمن المفارقة هنا أن الموصل تربض في الشمال في محيط سني وبعيدة تماما عن أي كثافة سكانية شيعية.
هذا الخوف الذي انطلق مثل مارد من القمقم ما زال يتحرك في أنفس العراقيين بأشكال مختلفة، وهو في الحقيقة ما جعل عراقيين كثر يسلمون قياد أمرهم إلى المسلحين والمتطرفين خلال أيام العنف الطائفي في 2006 - 2007 بحيث بإمكانك أن تسمع مثقفين علمانيين يدافعون عن الميليشيات الدينية لا لشيء إلا لاعتقادهم أن هذه الميليشيات تحميهم وعائلاتهم.
* يحفل عملك بمجموعة من الثنائيات المتناقضة مثل جسد «الشسمه» المكون من لحوم «ضحايا» و«مجرمين»، «الوجه الملائكي» للقديس كوركيس و«هيئته الحربية»، شكل هادي العتاك «المنفر» ومهمته «النبيلة». لماذا لجأت إلى هذه الثنائيات؟
- في القراءة التي تجعل ماركوركيس أحد مصادر تشكل الشسمه، فإن العجوز إيليشوا فهمت أن الوحش البشع جاء من الجانب الحربي من شخصية ماركوركيس. أما الجانب الملائكي فهو الذي جلب لها الحفيد دانيال. لذلك هي أخذت معها الوجه الملائكي من صورة القديس فقط حين سافرت وتركت بيتها.
أما قضية لحوم الضحايا والمجرمين، فهذا التناقض هو ما نعيشه في واقع الحال. فلا أحد يستطيع اليوم أن يدعي بأنه ضحية كاملة، وأنه لم يساهم، بشكل من الإشكال، في إدامة جو العنف وإنتاج الضحايا. هناك قصص كثيرة في الواقع اليومي، كتبت عن بعضها في الصحافة، تشير إلى حالات التشفي بالضحايا الذين يسقطون، لا لشيء إلا لأنهم من مكون وطائفة أخرى. وهذا المتشفي لا يمكن له أن يدعي أنه بريء من الدم أو على الأقل من المسؤولية الأخلاقية عن الدم. حتى الصامت والذي يحاول أن يقف على الحياد، فهو تخل عن إمكانية أن يقوم بدور إيجابي ما، مهما كان صغيرا، لإيقاف دوامة العنف. وإذا كان هناك درس بليغ ولحظة أخلاقية مهمة يمكن أن نقف عندها اليوم كعراقيين فهي هذه اللحظة؛ حين نعترف بأننا لسنا ضحايا كاملين، وأننا ساهمنا في إنتاج الضحايا بشكل من الأشكال.
أما ما يتعلق بهادي العتاك فهو الذي ادعى أن مهمته نبيلة، بينما كان الشسمه الذي ولد على يديه يقول بأنه مجرد قناة لخلق أمر أكبر منه.
* ما المراحل التي مرت بها كتابة «فرانكشتاين في بغداد»، وما الجديد الذي أضافته على أعمالك الروائية السابقة «الزمن الجميل» و«إنه يحلم أو يلعب أو يموت»؟
- استغرقت كتابة الرواية نحو أربع سنوات، منذ تخلق الصورة الأولى عن الرواية وحتى اكتمالها كنص جاهز للطبع، ولكن تخلل ذلك توقفات كثيرة، واستغرقت وقتا ليس بالقصير في عملية البحث وإجراء مقابلات والتقاط صور وجمع معلومات كثيرة. لم أستخدمها كلها. وظهر أول مقطع من الرواية منشورا في موقع «كيكا» على النت في صيف 2008. ولكنه كان من المسودة الأولى، كما ظهر من هذه المسودة فصلان بالعربي والإنجليزي في أنطولوجيا بلومزبيري التي أعدتها لنصوص الفائزين في مسابقة بيروت 39 لأفضل الكتاب العرب دون سن 40 في أبريل (نيسان) 2011.
عمليا كتبت ثلاث مسودات للرواية، وصنعت جداول واستخدمت أقلام ماجيك ملونة في تحديد مسارات الشخصيات وكثافة حضورها داخل النص وأشياء كثيرة أخرى، وأنفقت وقتا في المراجعة والتدقيق، من أجل أن تخرج الرواية بشكل متكامل قدر الإمكان.
* ماذا يعني لك وصول ثالث رواياتك إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)؟ وهل كنت تتوقع ذلك؟
- أنا كنت أتوقع أن تحقق الرواية تأثيرا طيبا لدى القراء، وهذا ما تحقق، بحيث نفدت الطبعة العربية الأولى من الرواية حتى قبل ظهور نتائج البوكر في القائمة الطويلة. أما عن البوكر نفسها، فأنا لم أضع في حساباتي أنها ستشارك أو لا تشارك، فالقرار هنا عائد للناشر وليس المؤلف. وكنت سعيدا بالطبع حين دفعها الناشر إلى المسابقة رغم أني لم أفاتحه بذلك، ورغم ثقتي بالعمل الذي قدمته لكن من الصعب الادعاء بالتوقعات الممكنة، خصوصا مع الحجم الكبير للمشاركات (156 رواية) في هذه الدورة من البوكر العربية.
وصول الرواية إلى القائمة القصيرة هو حدث مهم، وهو بحد ذاته شهادة تضاف إلى الرواية، ووفر لها مساحة أكبر من الانتشار. أما إذا صارت هي البوكر 2014 فهذا ما سيكون حدثا مهما ليس على المستوى الشخصي فحسب، وإنما للرواية العراقية الجديدة بشكل عام.



أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.


وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
TT

وجوه تشكيلية أموية من قصر الحير الغربي

رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر
رسوم جدارية محفوظة بمتحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غربي تدمر

خرج فن التصوير الأموي من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، حين نشر العالم التشيكي ألويسس موزيل بحثاً تناول فيه جداريات بناء في بادية الأردن، يُعرف باسم قصير عمرة. تبيّن يومها أن هذه الجداريات تمتدّ على مدى ثلاثمائة وثمانين متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسّطي؛ مّا يجعلها مادة لدراسة تطور الرسم التصويري بتقاليده الراسخة في القرن الثامن، ونشوء الفن الأموي المنبثق من هذه التقاليد. تواصلت الاكتشافات خلال العقود التالية، وظهرت أبنية أموية أخرى حوى بعض منها جداريات مشابهة، بقيت منها شواهد معدودة، وقد عمدت البعثات الأثرية المختصة إلى جمعها وحفظها. تبرز في هذا الميدان مجموعة شواهد محفوظة في متحف دمشق الوطني، مصدرها قصر يقع جنوب غربي تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي.

تمّ اكتشاف هذه الشواهد خلال أعمال المسح والتنقيب التي أجرتها بعثة فرنسية في موقع قصر الحير الغربي بين عامَي 1936 و1938. وهي بدت أشبه بشذرات مبعثرة، تمّ جمعها وتوثيقها، قبل العمل على حفظها وتثبيت كلّ منها على لوح مستقل. هكذا تحوّلت هذه الشذرات عينات تشكيلية، منها ما جاء على شكل زخارف متعدّدة الأشكال والأنماط، ومنها ما جاء على شكل عناصر نباتية محوّرة، ومنها ما جاء على شكل تصاوير آدمية تتمثّل في وجوه وقامات فقدت الكثير من مكوّناتها. يعرض متحف دمشق الوطني وجهين من هذه الوجوه، حلّ كلّ منهما على لوح خاص به. يتشابه هذان اللوحان في الحجم بشكل عام، وهما مربّعان، وأكبرهما طوله 39 سنتيمتراً، وعرضه 41 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه أنثوي صُوّر في وضعيّة نصف جانبية. في المقابل، يبلغ طول اللوح الآخر 37 سنتيمتراً، وعرضه 34 سنتيمتراً، ويحوي بقايا وجه رجولي صُوّر كذلك في وضعيّة نصف جانبية.

تحني المرأة وجهها انحناءة بسيطة، وتبدو شاخصة، محدّقة بعينين واسعتين. الرأس دائري ومكتنز، يعلوه منديل أبيض عريض يلتف من حوله بثناياه الموشّحة باللون الأحمر القاني، كاشفاً عن غرّة قصيرة تعلو الجبين، وخصلتين متعرجتين تتدليّان على الخدّين. العينان ضخمتان، وهما لوزيتّان، وهدباهما مكحّلان باللون الأسود. الجفنان ظاهران، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان سُطرا كذلك بالأسوَد الحالك. صلبة العين بيضاء، تتوسّطها قزحية سوداء أشبه ببؤبؤ ضخم. الأنف ناتئ وقصير، وتكوينه محدّد بخيط جليّ يخلو من التظليل والتجسيم. الثغر ضائع للأسف، وما بقي منه يقتصر على طرف شفة ترسم كما يبدو ابتسامة خجولة. تخرج الأذنان من خلف الخصلتين الطويلتين، ويزيّن كلّا منهما حلق تتدلّى منه حبّتان لؤلؤيتان. يظهر طرف الصدر الأعلى، ويكسوه رداء كحلي. يبين أعلى الكتفين، ويكشف عن قامة ترفع ذراعيها نحو الأعلى. تظهر اليد اليمنى، وهي تقبض بأصابعها على مروحة تتكون من قضيب تعلوه قماشة مستطيلة زُيّنت بشبكة زخرفية. وتظهر راحة اليد اليسرى التي تساقطت، وبات من الصعب تحديد حركتها. تحضر هذه القامة الأنثوية وسط فضاء تزيّنه سلسلة من الأوراق النباتية المسطّحة، صيغت باللون النبيذي، وتظهر في أعلى اللوح بقايا إطار يتكوّن من سلسلة من الحبات اللؤلؤية.

في اللوح الثاني، وجه رجل يعتمر خوذة مقبّبة، توحي بأنّه ينتمي إلى ما يُعرف بـ«مجتمع الجيش». الوجه بيضاوي، وعيناه واسعتان وشاخصتان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. ينسل خيط الأنف المستقيم من بين هذا الحاجبين، ويتصل بشارب كثيف ينسدل طرفاه حول الفم المطبق. يرفع هذا الجندي يده في اتجاه ذقنه، في حركة تعكس حالة تأمليّة. يطل هذا الوجه سط فضاء ملبّد، تزيّنه في الأصل كتل نباتية بقي منها طيفها. يحيط بهذا الفضاء إطار على شكل شريط عريض مجرّد، بقي منه الجزء الأعلى، في موازاة الخوذة المقبّبة. يعكس الأسلوب المتبع في صياغة هذا الوجه أثر التقليد الهلنستي الشرقي الذي ساد في بقاع من الشرق الأدنى. ويماثل في زيّه العسكري وجهين يحضران في جداريات قصير عمرة. من جهة أخرى، يعكس الأسلوب المتبع في صياغة الوجه الأنثوي أثر الطراز الساساني، ويكشف عن نموذج تشكيلي مبتكر، اتّضحت ملامحه في مرحلة لاحقة، في مطلع الحقبة العباسية.

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية... والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوح ثالث يحمل وجوهاً أشبه بمسوخ بشرية، والثابت أن هذه الوجوه تعود إلى لوحة جامعة، احتار أهل الاختصاص في تحديد هويّة موضوعها. يبلغ طول هذا اللوح 35 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً، ويجمع بين وجهين متقابلين، يعلوهما وجه ثالث يحضر بشكل أفقي. يظهر في الطرف وجه رابع تميّز ببشرته الداكنة. ويكشف الرسم التوثيقي الخاص بهذه الجدارية عن وجه خامس، يحمل الملامح نفسها. في التقليد الروماني، برز طراز خاص يعمد إلى تصوير شعوب أقاصي الأرض كمسوخ، ويبدو أن هذه الجدارية الأموية تنتمي بشكل ما إلى هذا الطراز، غير أن هذه القراءة التأويلية تبقى افتراضية.

إلى جانب هذه الألواح، ألواح أخرى من الحجم الصغير، تمثّل عينات من قاموس الفن التشكيلي الأموي، ومنها على سبيل المثل لوح صغير، طوله 17 سنتيمتراً وعرضه 21 سنتيمتراً، يحوي شبكة زخرفية تتبنّى الطراز الذي ساد في صياغة الألواح المنقوشة التي حفلت بها المواقع الأموية. تأخذ الوحدات الهندسية المجدولة هنا طابعاً تشكيلياً، وتعكس نمطاً يندمج في قوالب مسبكة، تجمع بين العناصر الهندسية المجرّدة، والعناصر التصويرية المتعدّدة الأشكال والأنواع.