حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

الباحثون وتلامذة العلامة ومريدوه ما زالوا يكتشفون مزيدًا من إنتاجه

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر
TT

حمد الجاسر.. تاريخ حافل بالسير والتراجم

العلامة حمد الجاسر
العلامة حمد الجاسر

عجيب هو تراث العلّامة حمد الجاسر، فعلى الرغم من مرور خمسة عشر عامًا على وفاته، ومن التصاق الباحثين بتراثه، فإنهم وتلامذته ومريدوه، ما زالوا يكتشفون بين فترة وأخرى مزيدًا من كتاباته ومقالاته وبحوثه، وذلك على الرغم من جهود مركز حمد الجاسر الثقافي ومكتبة الملك فهد الوطنية، في رصد ما كتبه ونشره منذ أن بدأ - وعمره ثلاثة وعشرون عامًا - يمارس الكتابة في الصحف المحلية والعربية والمطبوعات الثقافية المتخصّصة عبر نحو سبعين عامًا من عمره الذي تجاوز التسعين، فأصدرت المكتبة والمركز كشّافين يضمّان فهارس ما أمكن تتبّعه من مقالاته وبحوثه المنشورة.
تضمّنت الدراسة الببليوغرافية التي أصدرتها مكتبة الملك فهد الوطنية في طبعتها الأولى عام 1995 كشافًا بعناوين 1117 من المقالات والبحوث التي نشرها حتى ذلك التاريخ في المجلات فقط، في حين بلغ إجمالي ما تضمّنته الدراسة نفسها في طبعتها الثانية الصادرة عام 2005 كشافًا بعناوين 640 مقالة وبحثًا بعد أن دمجت المقالات والبحوث المتعددة الحلقات تحت عنوان موحّد، ورصد مركز حمد الجاسر الثقافي في كشافه الصادر عام 2007 ما مجموعه ثلاثة آلاف عنوان لمقالاته وبحوثه، ومع هذا، ظل المركز والمكتبة والباحثون يكتشفون بين الحين والآخر أعدادًا جديدة من المقالات، لم تتضمنها الفهارس المذكورة.
المعروف أن حمد الجاسر ولد عام 1910 في بلدة البرود، الواقعة في ناحية السر من إقليم الوشم في عالية نجد غربي الرياض، وتوفي عام 2000 مستشفيًا في أميركا ودفن بالرياض، أما أقدم كتاباته، فقد بدأ بنشرها عام 1932 في جريدتي «أم القرى» و«صوت الحجاز» - البلاد حاليًّا «وفي مجلة «المنهل»، ثم صار ينشر معظم إنتاجه في صحيفة «اليمامة»، التي أصدرها عام 1953 وهي أول مطبوعة صحافية ظهرت في العاصمة (الرياض) ثم استمر ينشر مقالاته في مجلة «اليمامة» وجريدة «الرياض» الصادرتين عن مؤسسة اليمامة الصحافية، وكان هو أول من تولّى الإشراف على تحريرهما، ثم أصبح يخص مجلة «العرب»، الصادرة عام 1966 عن دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر التي أسسها في ذلك العام أيضًا، بمعظم مقالاته البحثية المعمّقة.
ومن بين الصحف والمجلات التي كانت تنشر مقالاته بالإضافة إلى تلك المذكورة؛ مجلة «المنهل» و«الفيصل» و«المجلة العربية» و«الحرس الوطني» و«القافلة» و«الدارة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق»، و«مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة»، و«الرسالة المصرية»، و«البيان الكويتية»، و«الجزيرة»، و«المسائية»، و«عكاظ»، و«الشرق الأوسط»، و«القصيم»، و«الوطن»، و«الندوة»، و«الحياة»، و«الاقتصادية»، و«المدينة»، وأخبار الظهران»، وصحف أخرى.
قاربت مؤلّفاته 30 عنوانًا منها 6 اشتملت على أكثر من جزء، وفاقت الكتب التي حقّقها 17 عنوانًا منها 4 تتكوّن من أكثر من جزء، وبلغت المؤلّفات التي أشرف على طباعتها وعلَّق على حواشيها 8 كتب، وذلك بالإضافة إلى الإصدارات التي حملت اسمه وظهرت بعد وفاته.
وباستثناء كتاب بعنوان «من أصداء الذكريات؛ علماء عرفتهم ففقدتهم» الذي نسبه الدكتور عبد الله الجبوري (من العراق) إلى حمد الجاسر بعد وفاته بثماني سنوات وصدر عام 2008 وجمع فيه عددًا من مراثي الجاسر ومن ضمنها التراجم، فإنه لم يسبق لموضوع هذه المحاضرة أن تناوله باحث آخر، وذلك على الرغم من أن المراثي والسير والتراجم قد حظيت بقدر كبير من اهتماماته، إذ نشر في أثناء حياته 6 كتب تقوم محتوياتها على سير شخصيات بأعينهم، وقد تضمّن كتاب د. الجبوري مقدمة موجزة تتحدث عن منهج الجاسر في كتابة المراثي والسير، واستخدم فيه - على طريقة الجاسر - صور بعض المراسلات المتبادلة بين الجاسر أو الجبوري من جهة، وبين الشخصيات المترجمة من جهة أخرى، ومن ضمن الأعلام الأربعين الذين أوردهم د. الجبوري في كتابه ممن رثاهم وترجم لهم الجاسر؛ أبو الأعلى المودودي، وخير الدين الزركلي، والشيخ عبد الرحمن السعدي، وطه حسين، ومصطفى الشهابي (رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق) وعبد القدوس الأنصاري، وعبد الله الخيّال، ومحب الدين الخطيب، ومحمد حسن عوّاد، ومحمد سرور الصبان، ومحمد بن عبد العزيز المانع، ومحمد حسين نصيف، والنجل الأكبر لحمد الجاسر (محمد) الذي توفي في حادث طائرة بلبنان عام 1975.
من مؤلفاته التي خصّصها بالكامل للسير، كتابه (أبو علي الهَجري وأبحاثه في تحديد المواضع، 1968 في 450 صفحة) وهو - كما يقول الجاسر - هارون بن زَكَرِيَّا الهجري الأديب الشاعر والنحوي، صاحب كتاب (التعليقات والنوادر) من أهل هجَر البحرين (الأحساء) عاش في آخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع، عُرف في القديم بطريق علماء المغرب الأقصى كابن حزم، وعن طريق علماء الشرق في الهند كالميمني.
ومثل كتابه «ابن عربي موطّد الحكم الأموي في نجد» صدر عام 1993 وتناول فيه سيرة إبراهيم بن عربي أطول ولاة بني أمية زمنًا في ولايته (32 عامًا) ويقع الكتاب في 300 صفحة.
ومن أطول السير التي كتبها، وإن لم يفرد لها كتابًا مستقلاً، ترجمة إبراهيم بن إسحاق الحربي من علماء القرن الثالث الهجري في مقدمة كتاب «المناسك»، الذي حقّقه الجاسر عام 1969 وقدّم له بمقدمة ضافية (260 صفحة) عن الحربي، ظنًّا منه أنه المؤلف، حتى عدّها البعض كتابًا قائمًا بذاته، وعندما أعاد الجاسر نشر الكتاب عام 1999 حذف المقدمة المذكورة اقتناعًا بنقاش علمي جرى في حينه مع د.عبد الله الوهيبي.
وقد أصدر الجاسر في أثناء حياته كتبًا تقوم محتوياتها على مجموعة متجانسة من السير والتراجم، منها كتابه (مع الشعراء 1980) الذي ترجم فيه لكل من عبد الله بن همّام السلولي، والصمّة بن عبد الله القشيري، وجحدر العُكِلي، ويزيد بن الطثريّة، والقحيف العقيلي، وعروة بن أذينة، ومحمد بن صالح الحسني، ومحمد بن عبد الملك الأسدي، وابن المقرّب الأحسائي، كما تحدث فيه عن سير بعض مؤلفي كتب الشعر، مثل محمد بن سلّام الجُمحي مؤلف كتاب «طبقات فحول الشعراء» - قراءة محمود شاكر وشرحه وكتاب «شعر الدعوة الإسلامية» لعبد الرحمن رأفت الباشا، ودواوين كل من الشعراء حاتم الطائي، وزهير بن أبي سلمى المُزني، والحادرة الغطفاني، وزيد الخيل الطائي، والمتوكّل الليثي، وأبو دهبل الجُمحي، وعبد الله بن الزبير الأسدي، وجميل بن معْمر العُذري، والطِّرماح بن حكيم الطائي.
ومنها أيضًا كتابه «رحّالة غربيّون في بلادنا» 1997 الذي تقصّى فيه سير بعض الرحالة الغربيين الذين مَرُّوا بشمال الجزيرة العربية وقلبها، مثل: بوركهارت، وسادلر، وتاميزييه، وسنوك هورخرونيه، وشارل هوبير، ولويس بيلي، وألويس موزل، وعبد الله فيلبي، وغيرهم.
ومنها أيضًا كتبه عن الأنساب، وكتابه «باهلة، القبيلة المفترى عليها» هذا بالإضافة إلى الكتب التي أشرف على طبعها ومنها كتاب «معجم المطبوعات العربية في السعودية» للدكتور علي جواد الطاهر، الذي يرتكز في مادة مجلداته الأربعة على سيَر كل المؤلّفين وتراجمهم.
وبعد وفاته عام 2000 عكف مركز حمد الجاسر الثقافي على جمع المقالات المتجانسة موضوعاتُها ومن ثمّ إصدارها في كتب تحمل عناوين يجمعها، ومن تلك الجهود تصنيف المقالات التي كان ينشرها في «المجلة العربية»، بدءًا من عام 1986 ولمدة أحد عشر عامًا تحت عنوان «من سوانح الذكريات»، حيث أصدرها المركز عام 2006 في مجلدين، ثم أصدرها في العام الماضي في طبعة ثانية، وسجلت المقالات ذكرياته منذ طفولته وحتى هجرته إلى لبنان (1961) وتضمّن الكتاب حلقات موسّعة وهوامش مليئة بسير بعض الشخصيات؛ منهم أحمد محمد العربي والوزير عبد الله بن سليمان.
ومن كتب السير التي أصدرها مركز حمد الجاسر الثقافي بعد وفاته، كتاب «مؤرخو نجد من أهلها» 2015، الذي تضمّن حلقات نشرها على فترات في «اليمامة والرياض والعرب» ومحاضرات ألقاها في جامعة الملك سعود ثم نشرتها مجلة الجامعة، وقد سرد فيها بإيجاز سير المؤرّخين النجديين القدامى والمعاصرين، كعثمان بن بشر، وأحمد بن بسام، وأحمد المنقور، وابن يوسف، وابن عضيب، وابن غنام، ومحمد البسام، وابن سلوم، وابن خنين، وابن لعبون، وابن سند، وابن جريس، وابن حميّد، وضاري بن فهيد الرشيد، وإبراهيم بن عيسى، وابن مطلق، وعبد الله بن محمد البسام، وإبراهيم بن محمد القاضي، وإبراهيم بن ضويّان، وسليمان بن صالح الدّخيل، ومقبل الذكير، ومحمد العلي العبيّد، وصالح بن عثمان القاضي، وعبد الرحمن بن مانع، وعبد العزيز بن محمد القاضي، ود. عبد الله العثيمين، ومحمد بن عبد العزيز بن مانع، ومحمد بن عثمان القاضي، ومحمد بن عبد الله بن حُميْد صاحب كتاب (السحب الوابلة».
ويجري العمل في المركز على إعداد كتاب متعدّد الأجزاء يضمّ كل السير والتراجم المنشورة صحافيا ولم تتضمّنها كتبه، ومراجعتها والتعليق عليها، وتحتوي على سير أعلام قدماء وأعلام معاصرين، وتراجم مؤلفين قام الجاسر بعرض كتبهم ونقدها، وتشمل تلك التراجم شخصيّات معاصرة عزيزة على نفسه، ولها منزلة رفيعة في خاطره، ولما توفّوا عبّر عن مشاعره نحوهم بمقالات رثاء، ممزوجة بمعلومات عن سيرهم، وسيشمل الجزء الأول من الكتاب نحو 40 من الأعلام العرب والمسلمين القدامى الذين دوّن العلّامة الجاسر سيرهم، أمثال الخزرجي (المؤرخ) والزبير بن بكّار (أحد أعلام العلم والأدب في جزيرة العرب) وتقي الدين الفاسي (مؤرخ مكة المكرمة في القرن السابع الهجري) والهمْداني (المؤرخ) وإسحاق بن إبراهيم بن أبي حُميضة (من ولاة اليمامة في العهد العباسي) وبنت الخُسّ الإيادية (إحدى حكيمات العرب) وحسن بن عبد الله بن وفاء (أديب من الطائف كان مجهولا) وأبان بن عثمان بن عفان (أول مدوّن للسيرة النبوية) والحسين بن أحمد الأعرابي (المعروف بالأسود الغُندجاني) وعبد العزيز بن زُرارة (المعروف بفتى العرب) والعلاء بن الحضرمي (أول أمير للمنطقة الشرقية - البحرين) وعبد القادر الجزيري الحنبلي (مؤرخ مصري مغمور) والشاعر العرْجي (من عرْج الطائف، قائل: أضاعوني وأي فتى أضاعوا) وعبد الله بن المبارك بن بشيّر (أديب أحسائي مغمور)، والشاعر الأحوص وسلمى البيشية، والصحابي أبو هُريرة، والإمام الشوكاني.
بينما سيشمل الجزء الثاني سيَر نحو 60 من الأعلام المحليّين والعرب والمسلمين المعاصرين، من بينهم الشاعر خالد الفرج (رائد شعر الملاحم بالملك عبد العزيز) وعبد العزيز الميمني (من علماء القارة الهندية) وعبد المحسن المنقور، ومحمد حسين زيدان، وأحمد السباعي، وحسين سرحان، ومحمد أحمد العقيلي (مؤرخ المخلاف السليماني) والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وإبراهيم فودة، وعبد الله عريف، وعبد العزيز الرفاعي، ومحمد عمر توفيق، وأحمد بن راشد المبارك، ومحمد سعيد كمال، وحسن بن عبد الله آل الشيخ، وعبد الله بن زيد آل محمود، وأحمد بن محمد العربي، وهاشم يوسف الزواوي، وعلي حسن فدعق، ومحسن باروم، والشيخ عبد الله عبد العزيز العنقري.
ومن الكتابات المعمّقة في مجال السير التي خصّصها العلّامة الجاسر لشخصيات بعينها، مقالاته في تاريخ السعودية وسيرة المؤسس الملك عبد العزيز، بمناسبة الذكرى المئوية الميمونة لاستقرار موحّد البلاد في قاعدة حكمه سنة 1902 ويعكف مركز حمد الجاسر الثقافي، على جمع ما خطّه قلمه من مقالات صحافية منشورة على مدار الأعوام في سيرة الملك المؤسس وتاريخ الدولة، لإصداره في كتاب واحد، بإذن الله.
وبينما الحديث اليوم في جامعة الباحة وعن حمد الجاسر فلا يكتمل دون الإشارة إلى كتابه الصادر عام 1970 «في سراة غامد وزهران» وهي منطقة الباحة حاليًّا (600 صفحة) ألّفه في إثر زيارة قام بها في العام السابق لتأليفه، وضمّنه تبيانًا مفصلاً للجانب الجغرافي والتاريخي من المنطقة، مع إشارات واسعة لكثير من السير والتراجم لأعلام قبيلتي غامد وزهران ورموزها.
وهكذا، سار العلامة حمد الجاسر في كتابة السير والتراجم، فلم ينحُ منحى أغلب المترجمين وكتّاب السير، الذين تغلب الطريقة التقليدية السردية على أسلوبهم، بل كان يغوص بقدر معرفته بالشخص الذي يكتب عنه، موجِزًا أحيانا في أسطر، أو مسترسلاً في صفحات، أو في كتاب، في تحليل مفاتيح الشخصية، وبيئة تنشئته وظروف حياته وتعليمه، ثم يعرّج على منهجه التأليفي وإنتاجه، مع الحرص الشديد على التوثيق والعناية الكاملة بالهوامش، حتى صار كثير من مقالاته المعمّقة في السير والتراجم - كما رأينا - بحوثًا متكاملة وافية، بمنزلة كتب قابلة للإصدار بمفردها.
وخلاصة القول، كان الجاسر مولعًا بالسير والتراجم، حيثما كتب، وفي أي موضوع طرق، فهو يدبّج مقالاته ويُذيّل صفحات كتبه بالهوامش التي توضّح سِير من يأتي على ذكرهم، ومن قرأ في سوانح ذكرياته، وجد متعة في السياحة مع أفكاره وتسلسلها، وانجذب مع الغوص في متونها وهوامشها، حتى عُدّت السوانح واحدةً من أنفس الذكريات والسير الذاتية في الأدب السعودي، ومن أفضل ما كُتب في وصف البيئة المحلية في فترة تأسيس السعودية، عن الحياة في عموم مناطق البلاد، وعن بيئة البادية والحاضرة، وأحوال القرية وزراعتها ومعيشتها وملابسها وتعليمها واقتصادها، ونشأة الهُجر والإخوان فيها، وذلك لجمال الأسلوب، وسلامة العبارة، وبلاغة الكلمات من دون تكلّف، وتدفّق الأفكار، ودقة التوثيق، وشفافية التشخيص، وصراحة القول والشهادة والأحكام.
ومع أن العلّامة حمد الجاسر كان ينشر مقالاته وأبحاثه في مطبوعات صحافية داخليّة وخارجية كما ذكر، إلا أن الأغلبيّة منها كانت تنشر في مجلتي «اليمامة» و«العرب» الأثيرتين على نفسه، وكان يحافظ عند تحرير مقالاته وبحوثه على اتّباع رسم معيّن لبعض الكلمات، ويشرف على النشر بنفسه، وقام مركز حمد الجاسر الثقافي مؤخرًا بمسح أعداد مجلة «العرب»، التي بلغت الخمسين من العمر هذا العام، وبتكشيف مقالاتها وتخزينها رقميًّا على أقراص مدمجة، وبإتاحتها للباحثين، جنبًا إلى جنب مع شقيقتها الرائدة «اليمامة»، التي كانت تصدر في الخمسينات، حيث أعاد المركز طباعة أعدادها السابقة ورقيًّا، بعد أن تمّت معالجتها فنّيًا.

* موجز محاضرة في معرض الكتاب بجامعة الباحة 12 أبريل (نيسان) 2016



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر.


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».