الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

يرى أن الربيع العربي شكل إحباطا تراكميا للأجيال

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي
TT

الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي

أصدر الروائي السعودي أحمد الدويحي حتى الآن سبع روايات، بالإضافة لمجموعة كبيرة من القصص القصيرة. وهو، كما يقول، يعشق التجريب والمغامرة، و«لا يحب أن يمشي في الطريق نفسه مرتين»، مستشهدا بكلام الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه: «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها!».
في الحوار التالي الذي أجري في العاصمة السعودية، الرياض، حيث يقيم، يتحدث الدويحي عن تجربته الكتابية، متناولا قضايا التوظيف الآيديولوجي والسياسي في الأعمال الروائية، ومنها التجارب الشبابية:

* تبدو شديد الالتصاق بالقرية وعوالمها. إنها تبرز في روايتك الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية»، وكذلك في رواياتك السبع السابقة. ماذا تمثل لك القرية؟
- ليست كل عوالم وشخوص الروايات السابقة مستمدة من فضاء القرية، نعم.. الرواية الأولى «ريحانة» والمجاميع القصصية الأولى، «البديل - وقالت فجرها»، قد تكون قريبة جدا من فضاء القرية. غادرت عالم القرية الحميم، ولكنها ظلت لزمن غير قصير، تسكنني بشخوصها، لغتها، بيئتها، جمالها، ووجعها أيضا. حملتها معي وكتبتها، وكذلك الحال بالنسبة للرواية الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية».
* لماذا هذا التعلق الشديد بالقرية؟
- لأني كلما عصرتني غربة المدينة، وشعرت بفقدان التواصل الحميمي، تشدني القرية فلا بد أن أستحضرها. كانت روايتي الأولى «ريحانة» ذات التكثيف اللغوي والتقطيع البنائي، التي تشبه الكتابة الشعرية أو القصة القصيرة، وربما المرحلة الزمنية ذاتها، تفرض علي، في تلك المرحلة، الكتابة من تلك المنطقة الفنية والفكرية، والتجربة ذاتها شكلت كتابة رواية، متسقة مع فضاء القرية. لكنّ عوالم الروايات الأخرى متنوعة ومختلفة. كانت كل كتابة، تأتي في سياقات أخرى مختلفة تنسجم مع عوالمها وفضائها وشخوصها وخطابها أيضا، تتكئ على تراكم معرفي، وخبرات تتماس مع عوالم موازية واقعية مع البحث عن التجديد.
* يبدو أنك كثير التجريب في أعمالك الروائية؟
- بالنسبة لي ككاتب، أعشق التجريب والمغامرة في كل مراحل حياتي الكتابية، وأسعى أن تكون كل كتابة تجربة ومغامرة مجترحة وجديدة من عالم جديد أسبر أغواره، فكل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة صمت، وقراءة وتفكير طويل، تكسر نية في داخلي بأن العمل الذي كان قبله كان الأخير، ولكن أجد ذاتي مدفوعة لكتابة جديدة. الكتابة السردية كتابة كاشفة في كل مرحلة تراكمية.

* الإبداع بين جيلين
* تكتب في موقعك الإلكتروني عن رواد الإبداع وكبار المثقفين، كما ترصد أعمالا لشباب.. كيف تقارن بين التجربتين؟
- يتابع موقعي رصد الإبداع، حيث إن جيل ما قبل التقنية الحديثة، تجاوزتهم هذه المنحة العظيمة التي ينتسب إليها هذا الجيل. كتاباتي عن شخصيات مثل: عبد الكريم الجهيمان، وإبراهيم الحميدان، وعبد الرحمن منيف، وعبد الله نور، وفائز أبا، ومحمد الثبيتي، وفهد الخليوي تأتي من باب الوفاء لرواد تعلمنا الكثير من إنتاجهم.
لكني أيضا أتابع أعمال الشباب أمثال: رواية «اتجاهات البوصلة» لنوره الغامدي، و«سقف الكفاية» لمحمد علوان، و«ساق الغراب» ليحيى سبعى، و«بنات الرياض» لرجاء عالم، وروايات أخرى لأصدقاء كخالد المرضي، وطاهر الزهراني، وعبد الواحد الأنصاري، ومحمد خضر، وكل هذا بهدف المتابعة، وحرق المراحل لربط الأجيال ببعضها، ليقيني التام أن الفن السردي، فن حميمي وتراكمي للأجيال.
والواقع أن الأجيال الحديثة أوفر حظا منا، فقد تهيأت لهم الأجهزة الحديثة التي يسرت لهم الكتابة والقراءة والتواصل مع الآخر، وسهلت إمكانية قراءة نتاجهم بحرية، وهي خدمة عظيمة عانينا من فقدها، فقد قرأت بواسطة التقنية الحديثة، كتبا كثيرة طالما تمنيتها، وكنت محروما من قراءتها.
* لكنك تحدثت ذات مرة أن «من يريد كتابة الرواية فليبدأ بعد سن الأربعين»..
- كل الفنون الأدبية، تدخل في النسيج الروائي وأيضا الفلكلور، ويحضر التاريخي والسياسي والأسطوري والذاتي، والكلام اليومي الشفاهي، كل هذا المنجز يحتاج إلى تراكم زمني، وكما يقال فإن الرواية، هي فن حضاري وبنت للمدينة، أي تحتاج إلى تراكم زمني وحياتي وحركة، وأعرف أسماء روائية عربية وعالمية، لم تكتب الرواية إلا بعد هذا العمر، حينها تكون قد توفرت لكاتبها كل مقومات المعرفة، ولا أستبعد بطبيعة الحال روح المغامرة، وحضور كتابات روائية في سن مبكرة كيوميات، لكن عادة نحن كقراء، نجوس في الشخصية عبر مراحل تاريخها، لنستبطن عوالمها وأزمنتها.
* ألا تلاحظ أن جيل اليوم أكثر إنتاجا، فنحن أمام تدفق كتابي وروائي شبابي؟
- ما تسميه بالتدفق الكتابي الروائي الشبابي، يأتي في سياق تداول الحضور الفني، أي بمعنى أن كل جنس أدبي سيفرض حضوره في كل مرحلة، فإذا كان الشعر سيد الفنون، موجودا وحاضرا متفردا في الثمانينات والتسعينات، والشعر على كل حال سيكون حاضرا على الدوام، فإن القصة القصيرة أيضا فرضت حضورها في تلك الفترة، وكانت جنسا أدبيا منافسا للشعر في تلك المرحلة، والرواية فرضت حضورها في مرحلة معينة، وبلغ الإصدار الروائي في العام الواحد 100 رواية، وهو عدد كبير جدا على مجتمع محافظ كان يحرم الرواية تقريبا أو ينظر لها بريبة وشك، لأنه لا يريد كشف المستور ويضع عددا من الخطوط الحمر، ولا شك أن هناك روايات جيدة وأخرى ضعيفة، ولكن كنا بحاجة إلى كل هذا الحراك، وتوقعت أن يتبعه في مرحلة تالية حركة نقدية لفرز هذا الركام، ولكن ما زال المردود ضعيفا مقارنة بالأمنيات.

* الرواية سيرة مجتمع
* أصدرت ثلاثية بعنوان: «المكتوب مرة أخرى».. هل كانت تمثل بالنسبة إليك سيرة شخصية؟
- السيرة الذاتية جزء مهم، يدخل بالضرورة في النسيج الروائي، وثلاثية «المكتوب مرة أخرى» رواية أفتخر بها، وهي الرواية التي كتبتها بمتعة شديدة، وقيل عنها الكثير، ولكنها للأسف لم تقرأ جيدا، ولم تنقد ولم تعط حقها أيضا من الدراسات، وأصدقك أن هذا يوجعني ويحزنني كثيرا. هذه الرواية هي ثالثة رواياتي، وأعتبرها سنام الفعل الكتابي، لأنها كما ذكرت تعتبر رواية الروائي، ودعني أكن صريحا جدا بعد هذا الزمن، فقد كانت رواية تلازمني في كل مكان، وربما أعتبرها البعض مذكرات والبعض يعتبرها سيرة ذاتية، وهم هنا لم يستطيعوا أن يتجاوزوا خيطا رفيعا، يفصل بين هذه العوالم وبين سيرتي الذاتية. وببساطة فقد كنت أسقط رؤيتي وفلسفتي الكتابية على الواقع من خلال شخوصي الروائية، وهم عدد من أصدقائي الكتاب والروائيين والشعراء، ومنهم: إبراهيم الحميدان وعبده خال في شكل رمزي بالكناسين، وفلسفتي في ذلك أن الروائي كالكناس، يلتقط كل شيء من الشارع ويتفحصه، وربما أن غالبية الشخوص هم من أعضاء «جماعة السرد» بالرياض التي كنت سكرتيرا لها.
* انتقدت ظاهرة طغيان الأحداث السياسية والدينية على الكتابة الروائية.. لماذا؟
- بعض الروايات حملت في نسيجها الكتابي مظاهر التحولات في المجتمع المحلي، وحتما سيحدث ذلك وكنت أحد الذين تناولوا هذه المواضيع في رواياتي. لقد عاصرت هذه الحروب من موقعي كشاهد، وعشت كصحافي وكتبت فصولا من روايتي «ثلاثية المكتوب مرة أخرى» من بغداد، وكانت حينها تخوض الحرب مع إيران، وتسمى في ذلك الوقت البوابة الشرقية، حيث أسقطت في هذه الرواية فلسفتي ورؤيتي للكتابة والحياة في هذه الرواية.
وحينما أقول إن قضايا مثل حروب الخليج والصحوة والطفرة الاقتصادية، طغت على مواضيع الرواية المحلية فلست مجافيا للحقيقة، ولكننا لا نريد عناوين فضفاضة لهذا المواضيع، لمجرد الحضور وتسجيل تجربة وموقف بل نرغب في التشخيص والتحليل والقراءة والتأمل، وهذا يعيدني للتأكيد مرة أخرى على ضرورة أن يحصل الكاتب الروائي على قدر كافٍ من التجربة والمعرفة والنضج، فكل ملمح من هذه المواضيع يستحق أن يكون محورا مستقلا، كما أن الدين أيضا يدخل في النسيج الكتابي الروائي كالقيم المجتمعية، وظاهرة الصحوة أحدثت شيئا من الصدام المجتمعي، فالوطن شاسع وكبير ويتشكل من شرائح متنوعة، ولكن الصحوة حاولت أن تخطف كل الشرائح من وراء ستار التدين، وأستطيع الآن أن أسمي روايات كثيرة، تخندقت حول هذه المواضيع، وهذا شيء طبيعي. وبعض هذه الروايات، كانت جرأة تناولها سبب شهرتها، فكسرت «التابو» المجتمعي والسياسي والديني، وسنرى مستقبلا مع اتساع رقعة الحرية، روايات تعزف على الطائفية والعنصرية للأسف. الفن الروائي يبحث في الجذر الإنساني، ويجب أن يظل عالما وفنا رفيعا، يعكس تفاصيل لعالم واقعي وموازيا له.
* هناك من يصرّ على كتابة رواية فاقعة بالآيديولوجيا الدينية والسياسية. ما رأيك أنت؟
- الفنون بعمومها فعل إنساني للمتعة، غير أن الخطاب السياسي جزء من مكوناتها ويدخل في نسيجها، ولكن أرفض أن يكون طاغيا من دون مبرر، وإلا لتحولت الرواية إلى منشور سياسي، وفقدت قيمتها الفنية والموضوعية، وربما تجد في رواية عدة خطابات متجاورة، وهذا يضيف للرواية، فالبعد السياسي، يفرض نفسه دائما ولو لم يشأ الكاتب، فربما تجد أحد شخوص الرواية له موقف سياسي، والتصنيف في هذه الحالة مقبول، لكن أن ينطلق الكاتب ذاته من فرضية سياسية، فأعتقد أنه من الصعب قبولها وربما نجاحها أيضا، إلا إذا طغت نواح ترفع من قيمة النص.

* الرواية السياسية
* كتبت مرة أن الحداثة الشعرية في فترة السبعينات والثمانينات كانت أطهر ما جاء في المشهد الثقافي.. ماذا تقصد بذلك؟
- كانت حركة الحداثة الشعرية حدثا ثقافيا مهما جدا في حينه، فهناك مجتمع محافظ جدا، ولا يمارس أي فاعلية ثقافية أخرى غير الشعر، وهو مجتمع يتعاطى الشعر في كان مكان، كما يتعاطى القهوة، وبالذات الشعر الشعبي، فالذي لا يقول الشعر يحفظه وهو مستمع جيد له، والذائقة الشعرية شائعة بامتياز، وطبيعي أن يكون الشعر التقليدي هو السائد، ولكن حضور شعر الحداثة بما فيه من غموض، وأشكال فنية ومعان ومفردات وأبنية وخطاب أيضا، كان يشكل صداما ورفضا مجتمعيا وتمت مواجهته بقسوة، فالشعر الذي كان يكتبه السياب في بغداد وأجياله في المدن العربية، كان صداه يتردد لدى محمد حسن عواد.
وحين أقول إن حركة الحداثة الشعرية، هي أطهر ما جاء به المشهد الثقافي، فمرد ذلك إلى الهزة المجتمعية التي حملتها تلك الحركة، وكانت تخاطب الوعي الإنساني بجماليات فنية، وتحرض المخيلة لرؤية عوالم مستقبلية، وتنشد العلو والحب والرقي، وهي تواجه القسوة والتهم والمصادرة، ولكنها كانت باكورة لنتاج أجناس أدبية متنوعة.
* اعتبر بعض النقاد أن روايتك «مدن الدخان» نوع من «الهذيان الواقعي».. هل ننتظر رواية عن «مدن الربيع العربي»؟
- واضح أن هناك ملمحا سياسيا في نسيج رواية «مدن الدخان»، وأريد أن أوضح شيئا مهما عن تجربتي الروائية، فالواقع أنني لا أكتب إلا كما قال ريلكة (الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه) في إحدى عباراته «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها..!»، بهذا المعنى كانت كتابتي الفنية بداية من المجموعة القصصية الأولى، وقد قلت كلاما بهذا المعنى مرات، وأحب أن أضيف أنني لا أحب أن أمضي في نفس الطريق مرتين، بمعنى آخر حين أكتب فإنني أجترح ذاتي، ولا أسمح لنفسي أن أقع في ذات الجرح مرتين، فالكتابة مغامرة وكشف عن مناطق بكر في الذاكرة، وهنا يمكن تجاوز المأزق الفني، فالهذيان والواقعي والتسجيلي والرمزي والسريالي كلها أشكال فنية، تؤدي في النهاية إلى خدمة النص، وقد يجتمع في النص عبر النسيج الروائي أكثر من شكل، حسب ما تتطلبه الكتابة النوعية.
ورواية «غيوم امرأة استثنائية» الأخيرة، هي أيضا رواية سياسية بامتياز، وهي أيضا رواية لا تمر من نفس خطوط رواية «مدن الدخان»، فالرواية ميدانها وفضاؤها وشخصياتها، تتجلى من فضاء التواصل المجتمعي (فيسبوك وتوتير)، وهو فضاء افتراضي ولكن بالحوار والتواصل المستمر، أصبح فضاء واقعيا في ظل التحولات العربية، وقد حضرت أكثر الشخصيات من الشخصيات الفاعلة فيما يسمى بالربيع العربي، وأقول ما يسمى بالربيع العربي لأنه فعلا شكل إحباطا تراكميا للأجيال العربية.



رحيل محمد هاشم مؤسس دار «ميريت» بعد رحلة عطاء استثنائية

رحيل محمد هاشم مؤسس دار «ميريت» بعد رحلة عطاء استثنائية
TT

رحيل محمد هاشم مؤسس دار «ميريت» بعد رحلة عطاء استثنائية

رحيل محمد هاشم مؤسس دار «ميريت» بعد رحلة عطاء استثنائية

رحل في الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة الناشر المصري محمد هاشم، مؤسس ومدير دار «ميريت للنشر»، عن عمر يناهز 68 عاماً، بعد رحلة كبيرة مع صناعة الكتاب، فقد كان نموذجاً للناشر المثقف، صاحب الموقف الطليعي ثقافياً وسياسياً، وجعل من «ميريت» أحد أهم المنافذ الثقافية في القاهرة، وأحدث طفرة في صناعة النشر، وفتح من خلالها نافذة كبيرة للعديد من الأجيال ليروا إبداعاتهم منشورة بين دفتي كتاب، بعد أن كان النشر عقبةً كبيرةً تواجه كل مبدع مصري، ويضطر للوقوف سنواتٍ على أبواب دور النشر الحكومية.

أسس الراحل «دار ميريت» في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، لتشكل هي و«دار شرقيات»، التي تأسست في الفترة نفسها تقريباً، رئة ثقافية أسهمت في احتضان جيل التسعينات في الرواية والشعر والنقد، وتقديمهم للحياة الثقافية والأدبية، ودشنت كثيراً من التجارب الطليعية التي لم تكن حصلت على الاعتراف الأدبي بعد، فكانت فضاءً للاحتفاء بكل إبداع جديد ومختلف، وظلت تمارس الدور نفسه في العقدين الأولين من الألفية الجديدة، فكثير من الأجيال الراهنة الذين أصبحوا نجوماً في الشعر والرواية والقصة، بدأوا مشوارهم الإبداعي من «ميريت» أو من «شرقيات».

لم تكن «ميريت» مجرد دار نشر، فقد تحول مقرها الأول الشهير في شارع قصر النيل بوسط العاصمة المصرية إلى منتدى ثقافي دائم، وكان له رواد من مشاهير الثقافة المصرية والعربية، فعندما كنت تدخل تجد الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم جالساً بأريحية وكأنه في بيته، وكان من ضمن رواد الدار أيضاً الروائيان الراحلان خيري شلبي و إبراهيم أصلان، والناقد محمد بدوي، والروائي الراحل حمدي أبو جليل، والشاعر الراحل أسامة الديناصوري، وغيرهم كثيرون من رموز الحركة الثقافية المصرية، وكان كل شاب يريد أن يبدأ مشواره الإبداعي لا بد له أن يمر يوماً على «ميريت»، ليتعرف على «مطبخ» الثقافة المصرية، ويتقرب من رموزها، يسمعهم، ويتعلم منهم، ويحصل على فرصة أن يسمعوه ويتعرفوا إلى إبداعه، فيُمنح صك الاعتراف.

فازت «ميريت» بجائزة نادي القلم الدولي «هيرمان كيستن» (kesten PEN الفرع الألماني)، وتمنحها وزارة «هسه» للعلوم والفنون، وقدرها 10.000 يورو، وتمنح لكتاب المقالات والروائيين فى جميع أنحاء العالم لمن يتصدون للاضطهاد والقمع ويدافعون عن الحق والحرية، كما تمنح للناشرين لتقديمهم الدعم والرعاية للكتاب المضطهدين في نشر فكرهم ويؤمنون بالحق فى الحرية والتعبير عن الرأي.

لم يتوقف دور محمد هاشم عند حدود العمل الثقافي وصناعة الكتاب، فقد كان ناشطاً سياسياً، حتى أصبح مقر الدار ربما أكثر صخباً وحيويةً من مقرات بعض الأحزاب السياسية. وأثناء ثورة 25 يناير، وبسبب قرب الدار من ميدان التحرير، مركز الحراك الثوري آنذاك، كانت ملاذاً لكثير من أبناء الثورة، خصوصاً من المثقفين، سواء لالتقاط الأنفاس، أو متابعة الأخبار، أو حتى المبيت في الدار التي فتحت أبوابها على مصاريعها. كما كان هاشم ناشطاً في ثورة 30 يونيو ضد جماعة الإخوان، وشارك في الوقفات الاحتجاجية والاعتصامات التي أقيمت ضدهم، بل إن لافتات كثير من الوقفات ضدهم كانت تخرج من مقر الدار.

عن الراحل يقول الروائي والقاص محمد محمد مستجاب: «رغم أنني لم أكن من (شلة دار ميريت) التي اشتهرت في بداية الألفية، حيث كان يحضرها والدي رحمه الله (الروائي الراحل محمد مستجاب)، فإن علاقتي بعمنا محمد هاشم كانت بعد رحيل والدي في 2005، خصوصاً في إرسال أعمالي لإبداء الرأي فيها، ثم طلبه عملًا لي ليصدر عن (ميريت) لكن هذا لم يتحقق. لكن (ميريت) التي تنقلت من شارع قصر النيل ثم شارع صبري أبو علم ثم باب اللوق ظلت ظهراً حامياً للثقافة المصرية، وليس لي على المستوى الشخصي، وقد خرجت منها عدة مظاهرات تحمي مكتسبات ثورة يناير».

يضيف مستجاب: «محمد هاشم كان يرعى كثيراً من المواهب، ويحزن عندما يجدها انحرفت عن مسارها، واتجهت لشيء آخر بعيداً عن الكتابة. وسيظل اسمه غالياً على جميع الكتاب المصريين والعرب، ومنبراً طالما أحببناه وتعاركنا واختلفنا معه، لكنه كان دائماً مثل آبائنا؛ يعلم أننا سنعود كي نجد في حضرته الابتسامة، وفي جيبه النقود التي تدفئ أيامنا، والكتب التي تشعل خيالنا بالإبداع. برحيل (أبو ميريت)، خسرنا صرحاً ثقافياً حقيقياً في زمن العبث الثقافي».

ويقول الروائي سامح الجباس: «قدم محمد هاشم للثقافة المصرية والعربية أهم الأسماء التي تملأ الساحة الأدبية المصرية الآن، كلهم كانوا مجرد كتاب شبان هواة خرجوا من عباءة (ميريت)، وانطلقوا بعدها نجوماً في ساحة الأدب، وأنا منهم. ففي عام 2005 حملت في يدي أول مخطوط لكتاب أرغب في نشره، وذهبت مباشرة إلى (ميريت)، أهم وأشهر دار نشر خاصة وقتها، واستقبلني صاحب الدار محمد هاشم بحفاوة كأنني كاتب معروف. وحتى نهاية 2010 كنت زائراً شهرياً للدار، ومنها قرأت لكل هذا الجيل من الكتاب، فقد كانت ملتقى الكتاب، فيها كنت تقابل أحمد فؤاد نجم وخيري شلبي وحمدي أبو جليل وعلاء الأسواني والسيد ياسين وغيرهم من الصحافيين والفنانين. وكانت أبوابها مفتوحة دائماً للشباب روائيين، وشعراء، ومطربين، وموسيقيين. وفيها ندوات يومية تقريباً».

ويكمل الجباس: «مرت السنوات، وتعرضت (ميريت) لهزات زلزالية حتى أوشكت الدار على التوقف. وانتقلت الدار من مكان إلى آخر في نطاق وسط البلد. وكنت حتى بداية هذا العام حريصاً على أن أزورها كلما انتقلت من مكان إلى آخر ولو مرة واحدة في العام، تقديراً لموقف هاشم معي في بداياتي، فقد نشرت في الدار عام 2006، ثم انتقلت للنشر بعدها في أكثر من دار نشر، لكني كنت أدين بالفضل والامتنان لهذا الرجل. فتح محمد هاشم الباب لعشرات الكتاب ونسي نفسه، نسي أنه نشر رواية وحيدة بعنوان (ملاعب مفتوحة)، وقلت له في آخر زيارة منذ شهور إنه يجب أن يعيد طباعتها. سيظل اسم محمد هاشم، وتجربة (دار ميريت)، وستظل أفضاله تحيط بالكثيرين، مهما تنكروا له، وقد حان دور اتحاد الناشرين لتكريم اسم هذا الرجل. الكلام والذكريات عن محمد هاشم ودار ميريت يحتاج إلى صفحات وصفحات من الحب والامتنان، والكثير من الحزن والأسف».

ويروي الشاعر سمير درويش، رئيس تحرير مجلة «ميريت» التي كانت تصدر عن الدار، تجربته مع الناشر الراحل، قائلاً: «كان رجلاً جريئاً كريماً، طيِّباً بشوشاً محبّاً للحياة والناس. ذهبت له بمشروعي لإصدار مجلة ثقافية تنويرية، فوافق دون قيد أو شرط، وطوال خمس سنوات لم يتدخل ولا مرة، رغم أنه كان يصدُّ عنَّا ويحمينا».

محمد هاشم في «ميريت»، مع حسني سليمان في «شرقيات»، صنعا طفرة كبيرة في عالم النشر الثقافي منذ منتصف التسعينيات، سارا الخطوة الأولى التي فتحت طريق التحديث حتى اليوم.


أوانٍ فخارية من مدافن دار كليب الأثرية في البحرين

قطع فخارية من محفوظات متحف البحرين الوطني بالمنامة مصدرها موقع مدافن دار كليب في المحافظة الشمالية
قطع فخارية من محفوظات متحف البحرين الوطني بالمنامة مصدرها موقع مدافن دار كليب في المحافظة الشمالية
TT

أوانٍ فخارية من مدافن دار كليب الأثرية في البحرين

قطع فخارية من محفوظات متحف البحرين الوطني بالمنامة مصدرها موقع مدافن دار كليب في المحافظة الشمالية
قطع فخارية من محفوظات متحف البحرين الوطني بالمنامة مصدرها موقع مدافن دار كليب في المحافظة الشمالية

تحوي مملكة البحرين سلسلة من المقابر الأثرية، تُعرف باسم «تلال مدافن دلمون»، سُجلت ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لـ«منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (اليونيسكو) في صيف 2019. تضم هذه السلسلة في الواقع مجموعات عدة من المدافن، منها مجموعة تقع في أقصى جنوب مدينة حمد، وتجاور قرية دار كليب التي تبعد عن المنامة نحو 25 كيلومتراً. بدأ استكشاف «مدافن دار كليب» في عام 1965، حيث عمد باحثان يعملان لحساب «شركة نفط البحرين» (بابكو) إلى إجراء أول أعمال المسح فيه. وصل هذا الخبر إلى البعثة الدنماركية التي كانت تعمل في هذه الناحية من الخليج خلال تلك الفترة، فباشرت دراسة الموقع بشكل معمّق. توالت مواسم التنقيب خلال العقود التالية، وأدت إلى الكشف عن مجموعات متنوعة من اللقى، منها مجموعة من الأواني الفخارية تعود إلى حقب متلاحقة من الزمن.

تحمل «تلال مدافن دلمون» اسم إقليم برز شرق الجزيرة العربية خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، كما تشهد المصادر السومرية، وكانت جزيرة البحرين حاضرة من حواضر هذا الإقليم الوسيط الذي شكل حلقة وصل بين بلدان الشرق القديم، الأوسط والأدنى. خرج من هذه المدافن عدد كبير من القطع الفخارية تعكس هذه التعددية، منها مجموعة من القطع مصدرها حقل «مدافن دار كليب» الذي يمثّل كما يبدو الطور الأخير من تلك الحقبة الغنية. تبرز في هذا الميدان بضع أوانٍ تتميز بحلل زخرفية تبدو غير مألوفة في محيطها، منها آنية على شكل زهريّة من الحجم الصغير، كشفت عنها بعثة محليّة في منتصف تسعينات القرن الماضي، وهي اليوم من محفوظات متحف البحرين الوطني بالمنامة. يبلغ طول هذه الزهرية المخروطية 12 سنتيمتراً، وعرضها 9 سنتيمترات، وهي من نتاج القرنين الأخيرين من الألفية الثانية قبل الميلاد، كما يؤكّد أهل الاختصاص، وتكوينها بسيط، ويغلب عليه اللون العسلي المائل إلى الأخضر الزيتي.

تُزين القسم الأعلى من هذه الزهرية شبكة من الخطوط الأفقية الدائرية، تحوي في وسطها خطاً متعرّجاً. خُطت هذه الشبكة باللون الأسود، وتقابلها شبكة مشابهة مختزلة تزيّن القسم الأسفل منها. بين هاتين الشبكتين، تحضر شبكة عريضة تحتلّ القسم الأوسط، وقوامها زخرفة نباتية متناسقة تعتمد طرازاً مكرّساً، يُعرف في قاموس الفنون باسم «بيبال»، أي شجرة التين الهندسية المقدسة. خطّت هذه الزخرفة النباتية كذلك باللون الأسود، وتتشكّل من أربعة أغصان أفقية تحمل أطرافها سلسلة من الأوراق اللوزية المرصوصة بشكل تعادلي في بناء محكم، وفقاً لنسق فني اعتُمد بشكل واسع في المناطق الشمالية الغربية من جنوب آسيا، وبات من خصائص حضارة وادي السند التي توهّجت على مدى قرون من الزمن، وبلغت نواحي عديدة من الشرق الأدنى وجنوب آسيا.

تبدو زهرية دار كليب على الأرجح من نتاج وادي السند، وتشهد للروابط الثقافية المتواصلة التي جمعت بين هذا الوادي وإقليم دلمون. لا نجد ما يماثل هذه الآنية في هذا الميراث، غير أننا نقع على قطعة تشابهها بشكل كبير، مصدرها المناطق الشرقية من المملكة العربية السعودية، وهي قطعة شبه مجهولة، قدّمت عالمة الآثار غرايس بوركهولدر تعريفاً بها ضمن كتاب لها صدر عام 1984، تناول مجموعة من اللقى الأثرية تمّ اكتشافها في هذه المناطق الشرقية.

خرجت من مدافن دار كليب كذلك مجموعة من القطع الفخارية تعود إلى الحقبة التي أطلق فيها المستكشفون الإغريقيون على جزيرة البحرين اسم تايلوس، وهي الحقبة التي تمتد من القرن الثالث قبل الميلاد إلى فترة دخول الإسلام. تُشكّل هذه القطع مجموعة من مجموعات مشابهة خرجت من المدافن المجاورة، وتحوي قطعاً تتفرّد في بعض الأحيان في تكوينها، منها قطعة من الفخار المزجّج، عُثر عليها خلال حملة محليّة تمّت بين عام 1993 وعام 1994، وهي من محفوظات المتحف الوطني بالمنامة.

صُنعت هذه الآنية بين القرن الأول والقرن الثاني للميلاد على الأرجح، وفقاً لتقنية نشأت قديماً في جنوب بلاد ما بين النهرين، وهي على شكل جرة لها عنق طويل، طولها 32.5 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. تشابه هذه الجرة في تكوينها العام جرة معاصرة لها خرجت من الموقع نفسه، وتتميّز بعروة على شكل مجسّم حيواني، تحل مكان العروة التقليدية المجرّدة من أي شكل تصويري. يصعب تحديد نوعية هذه البهيمة، والأرجح أنها تمثل كبشاً ذا قرنين مستديرين، وتشكّل امتداداً لتقليد قديم، تبدو شواهده محدودة في هذه الناحية من الجزيرة العربية.

يحضر هذا الكبش في قالب جامد تغيب عنه أي حركة ظاهرة، وتبدو قوائمه الأربع ثابتة في وضعية واحدة ثابتة، يغلب عليها طابع التحوير والتجريد. يتبع تكوين رأس هذه البهيمة هذا النسق، ويتميّز بقرنين عريضين صيغا على شكل هلالين متوازيين.


آخر ما قاله سعد الله ونوس عن «الخفقة السوداء في الرأس»

سعد الله ونوس كما بدا في الفيلم
سعد الله ونوس كما بدا في الفيلم
TT

آخر ما قاله سعد الله ونوس عن «الخفقة السوداء في الرأس»

سعد الله ونوس كما بدا في الفيلم
سعد الله ونوس كما بدا في الفيلم

مصعد المستشفى لا يكفّ عن الرنين، بينما المرضى وزوارهم يخرجون ويدخلون إليه. الممرات أشبه بنفق معتم. أطباء يعاينون صورة شعاعية، قبل أن تظهر لنا الكاميرا سعد الله ونوس على سرير المرض شاحباً، متعباً، هزيلاً، وقد فقد شعره، يتناول الدواء من يد شخص إلى جانبه، وتثبّت الممرضة إبرة المصل في ذراعه.

هكذا يبدأ «الوثائقي» المعنون: «هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء»، الذي صوره المخرج عمر أميرالاي، مع صديقه الكاتب المسرحي سعد الله ونوس، قبل فترة قصيرة من وفاته يوم 15 مايو (أيار) 1997، وعرض يوم 28/11، في سينما متروبوليس ببيروت.الكلمة الأخيرةالفيلم بمثابة وصية، أو لنقل الكلمة الأخيرة التي تركها لنا هذا الكاتب الكبير بنصوصه كما بانخراطه الكامل في القضايا التي أحاطت به. منذ البدء يصارح أميرالاي سعد الله ونوس، الواقف «على حافة تخوم رجراجة بين الحياة والموت»، أنه جاءه ليستنطقه كشاهد على مرحلة «لتكون لسان حال جيلنا في هذا الصراع».

الفيلم سجل بعد اتفاق أوسلو، ونوس متوجس مما سيأتي، مزاجه جنائزي، ليس فقط بسبب المرض، بل بسبب الحالة العامة أيضاً. ثمة شرطان للسلام لم يتحققا بالنسبة لسعد الله ونوس. أن يحصل تغيير جوهري وجذري في البنى الاجتماعية والسياسية في إسرائيل. وأن يحصل الشيء نفسه في البلاد العربية من جهة أخرى. عندها التاريخ قد يجبرنا وتحت وطأة اليأس على التغيير والتجدد. نكبة 1948 «أقولها حرفياً إن إسرائيل سرقت السنوات الجميلة من عمري، وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاماً، مثلاً، الكثير من الفرح، والكثير من الإمكانات»، يقول ونوس في مطلع الفيلم الذي عرض في سينما «متروبوليس» في بيروت قبل أيام، إلى جانب فيلم آخر «إلِيبسِس» للمخرجة ساندرا إيشيه تتحاور فيه مع عمر أميرالاي ضمن فعالية «حواران على أهبة الموت» لـ«سينماتك بيروت».

مات «رائد المسرح السياسي»، سعد الله ونوس بعد صراع طويل مع سرطان في البلعوم كان يفترض ألا يمهله أكثر من ستة أشهر بحسب الأطباء، لكنه بقوة الكتابة تمكن من المقاومة خمس سنوات. ومن حسن حظنا أنها كانت من أغزر فترات حياته إبداعاً، كتب خلالها أروع مسرحياته، وشارك في هذا «الوثائقي» البديع الذي تحدث خلاله عن العلاقة العضوية التي ربطته بالقضية الفلسطينية، وأحداث المنطقة كيف عاشها بروحه وضميره ووجدانه، حتى لتشعر وهو يتحدث أن المآسي التي مرّت نهشت جسده، حتى أودت به، وهذا ما يعتقده هو نفسه.

عمر أميرالاي

أميرالاي الساخر حد البكاء بقدر ما يبدو سعد الله ونوس حزيناً ومكفهراً، نرى صديقه عمر أميرالاي حين تحاوره المخرجة الفرنسية، في الفيلم الثاني، ساخراً هزلياً بمرارة، حتى تختلط الدموع بالقهقهات. ويجيب على الأسئلة باعتباره يعيش في عام 2030 خاصة وأن كل التوقعات في الخمسين سنة الماضية، حصلت، ولم يعد من مكان للخيال. لقد أصبح كل شيء واقعاً، وما سيحدث غداً نعرفه اليوم. فهو كسوري - كما يقول - يعيش خارج الزمان والمكان. والسوريون واللبنانيون يتقاسمون الشيء نفسه. فهما توأمان سياميان لا يوجد جرّاح يمكنه أن يفصل مصير أحدهما عن الآخر، المقرون بـ«اليأس».

«أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء» (1997) يكتسب أهميته من حيث أنه اختصار لوجع جيل كامل في ساعة سينمائية مكثفة. تبدأ من نكبة 48 حيث فتح ونوس عينيه على قصة شابين من قريته «حسين البحر» تطوعاً في جيش الإنقاذ، ليحررا فلسطين من الذين جاءوا ليحتلوها. كان ترقّب مغمّس بالرهبة والخوف على مصيرهما. لكن الشعور تطور بمرور السنوات: «كنا نكبر وتكبر القضية معنا».

يسير الفيلم على وقع نقاط المصل وصوتها وهي تتدحرج ببطء إلى عروق ونوس. «كنا بلاداً فقيرة» لكن مع كل الهموم اليومية الكثيرة «كنا نحمل هموم القضية وتحولاتها على كواهلنا النحيلة، المتعبة».هزيمة 1967 لحظة حاسمة بعد أن استقر في الأذهان عبر سنوات الكذب والتدجيل أن نكبة 1948 كانت نتيجة الخيانة والأسلحة الفاسدة، وأنها لم تكن أبداً بسبب ضعف القدرة القتالية عند الجندي العربي. «زرعوا في أذهاننا أن مسألة هزيمة إسرائيل هي مسألة ممكنة، في أي لحظة».لذلك جاءت هزيمة 67 مدويّة. «لم أتصور أن القوات العربية في مصر بالذات، وكذلك في سوريا هي من الضعف والتفكك إلى الحد الذي بدت فيه خلال الأيام الستة». وعدت الأنظمة العربية بأنها ستحمي الوطن وأنها المؤهلة للقتال، ولم تفعل شيئاً إلا مراكمة الهزائم.

البكاء مع بلوغ النهاية مشاهد استسلام الجنود كانت مؤلمة. «الصدمة حادة وعنيفة، إذ أحس الجميع أنهم مطعونون بكبريائهم، أنهم مهانون حتى العظم». مشاهد تتخلل المقابلة، منها الأطفال المشردون في الخيام، يأكلون الخبز اليابس مع الشاي، عبد الناصر يعترف بمسؤوليته بعد الهزيمة ويتنحى، جنود إسرائيليون يقصفون بالطائرات، جنود عرب يستسلمون. تتالى المشاهد التي تدعو كلها لمزيد من الانكسار.يكاشفنا ونوس وكأنما يستعيد اللحظة حية. عندما تأكدت الهزيمة «شعرت أنني سأموت في تلك اللحظة، شعرت أنني أختنق.» بكى وبكى، وشعر أنها النهاية. وأن عمراً قد انتهى، وأن التاريخ قد توقف، وأن وجوده قد انطوى.

أهمية حرب 73 أنها كشفت بعد هزيمة ساحقة، أن إسرائيل ليست حصناً منيعاً لا يمكن مسّه، وليست تلك الدولة غير القابلة لأن تجرح وتخسر معارك. «لذلك صفقنا كثيراً. عندما قامت حرب 1973. مجرد شعورنا بأن جنودنا يستطيعون أن يقاتلوا، أعاد لنا شيئاً من الثقة المضعضعة والمعدومة بالذات».

لكن هذه الحرب، من ناحية أخرى، في رأي ونوس، أجهضت الفوران المبشّر بعد 67، وربما أنها كانت في ذهن بعض من شاركوا فيها مقدمة لما أتى بعدها.لم يبقَ سوى الانتحارحين زار أنور السادات إسرائيل أصاب ونوس الذهول. جلس وكتب «أنا الجنازة والمشيعون معاً». كان ذلك آخر نص، ومن بعده التزم سعد الله ونوس الصمت. كان متوتراً ولا يستطيع السيطرة على نفسه بعد أن أنهى كتابة ذلك النص. «تناولت حبة النوم، وحاولت أن أخرج من حالتي. بعد ساعتين أو أقل استيقظت أشد توتراً وضيقاً وكانت الظلمة شاملة أمامي. في تلك الليلة أقدمت على محاولة الانتحار الجدية».

في فترة الصمت الطويلة المغمسة بالاكتئاب، أمضى معظم وقته في القراءة والتأمّل، وفي مواجهة أسئلة التاريخ الموجعة، إلى أن أنعشت مشاعره انتفاضة 1989 وحفزته على كسر الصمت. في تلك السنة بدأ يخطط لكتابة مسرحيته «الاغتصاب». لم يكن غريباً أن يكسر صمته بمسرحية تتناول الصراع العربي الإسرائيلي، وتحاول تحليل بنية النخبة الحاكمة في إسرائيل.

عندما راودته فكرة المصالحةنهاية المسرحية، أثارت الجدل، لأنها تضمنت حواراً بينه وبين طبيب نفسي إسرائيلي، يردد طوال المسرحية مقتطفات من سفر إرمية مستنزلاً اللعنات على السياسة العدوانية للنخبة الحاكمة في إسرائيل، والتي لا تؤدي فقط إلى الإجهاز على الفلسطيني، وإنما على تدمير الإنسان اليهودي أيضاً.

يعترف أنه في تلك اللحظة، كان يفتح باباً على الصلح، وأن إسرائيل في مسرحيته لم تعد حُرُم. «مجرد أن أقدم في المسرحية شخصية يهودية إيجابية تحتج على ما يحدث، وعلى ممارسات (الشين بيت) إزاء الفلسطينيين وعمليات التعذيب التي يقومون بها، مجرد أن أقدم شخصية من هذا النوع إنما يحمل في طياته تعاطفاً مع الإسرائيليين».

المشكلة في البلاد العربية أيضاً، بهذه البنى المتخلفة التي لم تحدّث و«تجعل من شعوبها كماً بشرياً مهملاً» حيث لا يجد المواطن أمامه سوى أن «يطأطئ رأسه».

العلاقة بين القصف والسرطانيعتقد سعد الله ونوس أن ثمة علاقة مباشرة بين حرب الخليج التي أجهزت على بقية الآمال الموجودة لدى العرب، وبدء شعوره بالإصابة بالورم أثناء الحرب، وخلال القصف الجوي الوحشي الذي كانت تقوم به الولايات المتحدة الأميركية ضد العراق. ثم جاءت مفاوضات مدريد بعد هزيمة العراق التي يصفها بـ«الاستسلام» لأنها «لا يمكن أن تكون بداية لسلام حقيقي». الاتفاقات التي تمخضت عنها «ما هي إلا فصل من فصول هذه الحرب الدائرة التي يمكن أن تطول بيننا وبين إسرائيل».

إسرائيل غدت حقيقة تاريخية، غير أنه بقراءة متأنية يستنتج أنها لا تملك مقومات الاستمرار، هي مشروع خاسر. «لا حياة لها إلا إذا اندمجت كجزء في الكل، لا كمخفر مهمته أن يدمّر المنطقة، ويجعلها ممرغة باستمرار في الهزيمة والتخلف والتفتت».يسأله أميرالاي: «هل سنموت، وفينا العلة التي اسمها إسرائيل؟»يجيب: «على الأقل بالنسبة لي شخصياً، من المؤكد أن هذا سيحدث».

أميرالاي رحل هو الآخر عام 2011. ولم يشكّ ونوس بأن جيله كله سيمضي و«في رأسه تلوح هذه الخفقة السوداء الشبيهة بعلامة، هي علامة الخيبة التي تذوق مرارتها على مدّ عمره. لأن إسرائيل ستكون باقية حين يذهب جيلنا إلى نهاية حياته».