الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

يرى أن الربيع العربي شكل إحباطا تراكميا للأجيال

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي
TT

الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي

أصدر الروائي السعودي أحمد الدويحي حتى الآن سبع روايات، بالإضافة لمجموعة كبيرة من القصص القصيرة. وهو، كما يقول، يعشق التجريب والمغامرة، و«لا يحب أن يمشي في الطريق نفسه مرتين»، مستشهدا بكلام الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه: «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها!».
في الحوار التالي الذي أجري في العاصمة السعودية، الرياض، حيث يقيم، يتحدث الدويحي عن تجربته الكتابية، متناولا قضايا التوظيف الآيديولوجي والسياسي في الأعمال الروائية، ومنها التجارب الشبابية:

* تبدو شديد الالتصاق بالقرية وعوالمها. إنها تبرز في روايتك الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية»، وكذلك في رواياتك السبع السابقة. ماذا تمثل لك القرية؟
- ليست كل عوالم وشخوص الروايات السابقة مستمدة من فضاء القرية، نعم.. الرواية الأولى «ريحانة» والمجاميع القصصية الأولى، «البديل - وقالت فجرها»، قد تكون قريبة جدا من فضاء القرية. غادرت عالم القرية الحميم، ولكنها ظلت لزمن غير قصير، تسكنني بشخوصها، لغتها، بيئتها، جمالها، ووجعها أيضا. حملتها معي وكتبتها، وكذلك الحال بالنسبة للرواية الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية».
* لماذا هذا التعلق الشديد بالقرية؟
- لأني كلما عصرتني غربة المدينة، وشعرت بفقدان التواصل الحميمي، تشدني القرية فلا بد أن أستحضرها. كانت روايتي الأولى «ريحانة» ذات التكثيف اللغوي والتقطيع البنائي، التي تشبه الكتابة الشعرية أو القصة القصيرة، وربما المرحلة الزمنية ذاتها، تفرض علي، في تلك المرحلة، الكتابة من تلك المنطقة الفنية والفكرية، والتجربة ذاتها شكلت كتابة رواية، متسقة مع فضاء القرية. لكنّ عوالم الروايات الأخرى متنوعة ومختلفة. كانت كل كتابة، تأتي في سياقات أخرى مختلفة تنسجم مع عوالمها وفضائها وشخوصها وخطابها أيضا، تتكئ على تراكم معرفي، وخبرات تتماس مع عوالم موازية واقعية مع البحث عن التجديد.
* يبدو أنك كثير التجريب في أعمالك الروائية؟
- بالنسبة لي ككاتب، أعشق التجريب والمغامرة في كل مراحل حياتي الكتابية، وأسعى أن تكون كل كتابة تجربة ومغامرة مجترحة وجديدة من عالم جديد أسبر أغواره، فكل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة صمت، وقراءة وتفكير طويل، تكسر نية في داخلي بأن العمل الذي كان قبله كان الأخير، ولكن أجد ذاتي مدفوعة لكتابة جديدة. الكتابة السردية كتابة كاشفة في كل مرحلة تراكمية.

* الإبداع بين جيلين
* تكتب في موقعك الإلكتروني عن رواد الإبداع وكبار المثقفين، كما ترصد أعمالا لشباب.. كيف تقارن بين التجربتين؟
- يتابع موقعي رصد الإبداع، حيث إن جيل ما قبل التقنية الحديثة، تجاوزتهم هذه المنحة العظيمة التي ينتسب إليها هذا الجيل. كتاباتي عن شخصيات مثل: عبد الكريم الجهيمان، وإبراهيم الحميدان، وعبد الرحمن منيف، وعبد الله نور، وفائز أبا، ومحمد الثبيتي، وفهد الخليوي تأتي من باب الوفاء لرواد تعلمنا الكثير من إنتاجهم.
لكني أيضا أتابع أعمال الشباب أمثال: رواية «اتجاهات البوصلة» لنوره الغامدي، و«سقف الكفاية» لمحمد علوان، و«ساق الغراب» ليحيى سبعى، و«بنات الرياض» لرجاء عالم، وروايات أخرى لأصدقاء كخالد المرضي، وطاهر الزهراني، وعبد الواحد الأنصاري، ومحمد خضر، وكل هذا بهدف المتابعة، وحرق المراحل لربط الأجيال ببعضها، ليقيني التام أن الفن السردي، فن حميمي وتراكمي للأجيال.
والواقع أن الأجيال الحديثة أوفر حظا منا، فقد تهيأت لهم الأجهزة الحديثة التي يسرت لهم الكتابة والقراءة والتواصل مع الآخر، وسهلت إمكانية قراءة نتاجهم بحرية، وهي خدمة عظيمة عانينا من فقدها، فقد قرأت بواسطة التقنية الحديثة، كتبا كثيرة طالما تمنيتها، وكنت محروما من قراءتها.
* لكنك تحدثت ذات مرة أن «من يريد كتابة الرواية فليبدأ بعد سن الأربعين»..
- كل الفنون الأدبية، تدخل في النسيج الروائي وأيضا الفلكلور، ويحضر التاريخي والسياسي والأسطوري والذاتي، والكلام اليومي الشفاهي، كل هذا المنجز يحتاج إلى تراكم زمني، وكما يقال فإن الرواية، هي فن حضاري وبنت للمدينة، أي تحتاج إلى تراكم زمني وحياتي وحركة، وأعرف أسماء روائية عربية وعالمية، لم تكتب الرواية إلا بعد هذا العمر، حينها تكون قد توفرت لكاتبها كل مقومات المعرفة، ولا أستبعد بطبيعة الحال روح المغامرة، وحضور كتابات روائية في سن مبكرة كيوميات، لكن عادة نحن كقراء، نجوس في الشخصية عبر مراحل تاريخها، لنستبطن عوالمها وأزمنتها.
* ألا تلاحظ أن جيل اليوم أكثر إنتاجا، فنحن أمام تدفق كتابي وروائي شبابي؟
- ما تسميه بالتدفق الكتابي الروائي الشبابي، يأتي في سياق تداول الحضور الفني، أي بمعنى أن كل جنس أدبي سيفرض حضوره في كل مرحلة، فإذا كان الشعر سيد الفنون، موجودا وحاضرا متفردا في الثمانينات والتسعينات، والشعر على كل حال سيكون حاضرا على الدوام، فإن القصة القصيرة أيضا فرضت حضورها في تلك الفترة، وكانت جنسا أدبيا منافسا للشعر في تلك المرحلة، والرواية فرضت حضورها في مرحلة معينة، وبلغ الإصدار الروائي في العام الواحد 100 رواية، وهو عدد كبير جدا على مجتمع محافظ كان يحرم الرواية تقريبا أو ينظر لها بريبة وشك، لأنه لا يريد كشف المستور ويضع عددا من الخطوط الحمر، ولا شك أن هناك روايات جيدة وأخرى ضعيفة، ولكن كنا بحاجة إلى كل هذا الحراك، وتوقعت أن يتبعه في مرحلة تالية حركة نقدية لفرز هذا الركام، ولكن ما زال المردود ضعيفا مقارنة بالأمنيات.

* الرواية سيرة مجتمع
* أصدرت ثلاثية بعنوان: «المكتوب مرة أخرى».. هل كانت تمثل بالنسبة إليك سيرة شخصية؟
- السيرة الذاتية جزء مهم، يدخل بالضرورة في النسيج الروائي، وثلاثية «المكتوب مرة أخرى» رواية أفتخر بها، وهي الرواية التي كتبتها بمتعة شديدة، وقيل عنها الكثير، ولكنها للأسف لم تقرأ جيدا، ولم تنقد ولم تعط حقها أيضا من الدراسات، وأصدقك أن هذا يوجعني ويحزنني كثيرا. هذه الرواية هي ثالثة رواياتي، وأعتبرها سنام الفعل الكتابي، لأنها كما ذكرت تعتبر رواية الروائي، ودعني أكن صريحا جدا بعد هذا الزمن، فقد كانت رواية تلازمني في كل مكان، وربما أعتبرها البعض مذكرات والبعض يعتبرها سيرة ذاتية، وهم هنا لم يستطيعوا أن يتجاوزوا خيطا رفيعا، يفصل بين هذه العوالم وبين سيرتي الذاتية. وببساطة فقد كنت أسقط رؤيتي وفلسفتي الكتابية على الواقع من خلال شخوصي الروائية، وهم عدد من أصدقائي الكتاب والروائيين والشعراء، ومنهم: إبراهيم الحميدان وعبده خال في شكل رمزي بالكناسين، وفلسفتي في ذلك أن الروائي كالكناس، يلتقط كل شيء من الشارع ويتفحصه، وربما أن غالبية الشخوص هم من أعضاء «جماعة السرد» بالرياض التي كنت سكرتيرا لها.
* انتقدت ظاهرة طغيان الأحداث السياسية والدينية على الكتابة الروائية.. لماذا؟
- بعض الروايات حملت في نسيجها الكتابي مظاهر التحولات في المجتمع المحلي، وحتما سيحدث ذلك وكنت أحد الذين تناولوا هذه المواضيع في رواياتي. لقد عاصرت هذه الحروب من موقعي كشاهد، وعشت كصحافي وكتبت فصولا من روايتي «ثلاثية المكتوب مرة أخرى» من بغداد، وكانت حينها تخوض الحرب مع إيران، وتسمى في ذلك الوقت البوابة الشرقية، حيث أسقطت في هذه الرواية فلسفتي ورؤيتي للكتابة والحياة في هذه الرواية.
وحينما أقول إن قضايا مثل حروب الخليج والصحوة والطفرة الاقتصادية، طغت على مواضيع الرواية المحلية فلست مجافيا للحقيقة، ولكننا لا نريد عناوين فضفاضة لهذا المواضيع، لمجرد الحضور وتسجيل تجربة وموقف بل نرغب في التشخيص والتحليل والقراءة والتأمل، وهذا يعيدني للتأكيد مرة أخرى على ضرورة أن يحصل الكاتب الروائي على قدر كافٍ من التجربة والمعرفة والنضج، فكل ملمح من هذه المواضيع يستحق أن يكون محورا مستقلا، كما أن الدين أيضا يدخل في النسيج الكتابي الروائي كالقيم المجتمعية، وظاهرة الصحوة أحدثت شيئا من الصدام المجتمعي، فالوطن شاسع وكبير ويتشكل من شرائح متنوعة، ولكن الصحوة حاولت أن تخطف كل الشرائح من وراء ستار التدين، وأستطيع الآن أن أسمي روايات كثيرة، تخندقت حول هذه المواضيع، وهذا شيء طبيعي. وبعض هذه الروايات، كانت جرأة تناولها سبب شهرتها، فكسرت «التابو» المجتمعي والسياسي والديني، وسنرى مستقبلا مع اتساع رقعة الحرية، روايات تعزف على الطائفية والعنصرية للأسف. الفن الروائي يبحث في الجذر الإنساني، ويجب أن يظل عالما وفنا رفيعا، يعكس تفاصيل لعالم واقعي وموازيا له.
* هناك من يصرّ على كتابة رواية فاقعة بالآيديولوجيا الدينية والسياسية. ما رأيك أنت؟
- الفنون بعمومها فعل إنساني للمتعة، غير أن الخطاب السياسي جزء من مكوناتها ويدخل في نسيجها، ولكن أرفض أن يكون طاغيا من دون مبرر، وإلا لتحولت الرواية إلى منشور سياسي، وفقدت قيمتها الفنية والموضوعية، وربما تجد في رواية عدة خطابات متجاورة، وهذا يضيف للرواية، فالبعد السياسي، يفرض نفسه دائما ولو لم يشأ الكاتب، فربما تجد أحد شخوص الرواية له موقف سياسي، والتصنيف في هذه الحالة مقبول، لكن أن ينطلق الكاتب ذاته من فرضية سياسية، فأعتقد أنه من الصعب قبولها وربما نجاحها أيضا، إلا إذا طغت نواح ترفع من قيمة النص.

* الرواية السياسية
* كتبت مرة أن الحداثة الشعرية في فترة السبعينات والثمانينات كانت أطهر ما جاء في المشهد الثقافي.. ماذا تقصد بذلك؟
- كانت حركة الحداثة الشعرية حدثا ثقافيا مهما جدا في حينه، فهناك مجتمع محافظ جدا، ولا يمارس أي فاعلية ثقافية أخرى غير الشعر، وهو مجتمع يتعاطى الشعر في كان مكان، كما يتعاطى القهوة، وبالذات الشعر الشعبي، فالذي لا يقول الشعر يحفظه وهو مستمع جيد له، والذائقة الشعرية شائعة بامتياز، وطبيعي أن يكون الشعر التقليدي هو السائد، ولكن حضور شعر الحداثة بما فيه من غموض، وأشكال فنية ومعان ومفردات وأبنية وخطاب أيضا، كان يشكل صداما ورفضا مجتمعيا وتمت مواجهته بقسوة، فالشعر الذي كان يكتبه السياب في بغداد وأجياله في المدن العربية، كان صداه يتردد لدى محمد حسن عواد.
وحين أقول إن حركة الحداثة الشعرية، هي أطهر ما جاء به المشهد الثقافي، فمرد ذلك إلى الهزة المجتمعية التي حملتها تلك الحركة، وكانت تخاطب الوعي الإنساني بجماليات فنية، وتحرض المخيلة لرؤية عوالم مستقبلية، وتنشد العلو والحب والرقي، وهي تواجه القسوة والتهم والمصادرة، ولكنها كانت باكورة لنتاج أجناس أدبية متنوعة.
* اعتبر بعض النقاد أن روايتك «مدن الدخان» نوع من «الهذيان الواقعي».. هل ننتظر رواية عن «مدن الربيع العربي»؟
- واضح أن هناك ملمحا سياسيا في نسيج رواية «مدن الدخان»، وأريد أن أوضح شيئا مهما عن تجربتي الروائية، فالواقع أنني لا أكتب إلا كما قال ريلكة (الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه) في إحدى عباراته «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها..!»، بهذا المعنى كانت كتابتي الفنية بداية من المجموعة القصصية الأولى، وقد قلت كلاما بهذا المعنى مرات، وأحب أن أضيف أنني لا أحب أن أمضي في نفس الطريق مرتين، بمعنى آخر حين أكتب فإنني أجترح ذاتي، ولا أسمح لنفسي أن أقع في ذات الجرح مرتين، فالكتابة مغامرة وكشف عن مناطق بكر في الذاكرة، وهنا يمكن تجاوز المأزق الفني، فالهذيان والواقعي والتسجيلي والرمزي والسريالي كلها أشكال فنية، تؤدي في النهاية إلى خدمة النص، وقد يجتمع في النص عبر النسيج الروائي أكثر من شكل، حسب ما تتطلبه الكتابة النوعية.
ورواية «غيوم امرأة استثنائية» الأخيرة، هي أيضا رواية سياسية بامتياز، وهي أيضا رواية لا تمر من نفس خطوط رواية «مدن الدخان»، فالرواية ميدانها وفضاؤها وشخصياتها، تتجلى من فضاء التواصل المجتمعي (فيسبوك وتوتير)، وهو فضاء افتراضي ولكن بالحوار والتواصل المستمر، أصبح فضاء واقعيا في ظل التحولات العربية، وقد حضرت أكثر الشخصيات من الشخصيات الفاعلة فيما يسمى بالربيع العربي، وأقول ما يسمى بالربيع العربي لأنه فعلا شكل إحباطا تراكميا للأجيال العربية.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.