الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

يرى أن الربيع العربي شكل إحباطا تراكميا للأجيال

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي
TT

الدويحي: كل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة الصمت

الروائي السعودي أحمد الدويحي
الروائي السعودي أحمد الدويحي

أصدر الروائي السعودي أحمد الدويحي حتى الآن سبع روايات، بالإضافة لمجموعة كبيرة من القصص القصيرة. وهو، كما يقول، يعشق التجريب والمغامرة، و«لا يحب أن يمشي في الطريق نفسه مرتين»، مستشهدا بكلام الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه: «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها!».
في الحوار التالي الذي أجري في العاصمة السعودية، الرياض، حيث يقيم، يتحدث الدويحي عن تجربته الكتابية، متناولا قضايا التوظيف الآيديولوجي والسياسي في الأعمال الروائية، ومنها التجارب الشبابية:

* تبدو شديد الالتصاق بالقرية وعوالمها. إنها تبرز في روايتك الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية»، وكذلك في رواياتك السبع السابقة. ماذا تمثل لك القرية؟
- ليست كل عوالم وشخوص الروايات السابقة مستمدة من فضاء القرية، نعم.. الرواية الأولى «ريحانة» والمجاميع القصصية الأولى، «البديل - وقالت فجرها»، قد تكون قريبة جدا من فضاء القرية. غادرت عالم القرية الحميم، ولكنها ظلت لزمن غير قصير، تسكنني بشخوصها، لغتها، بيئتها، جمالها، ووجعها أيضا. حملتها معي وكتبتها، وكذلك الحال بالنسبة للرواية الأخيرة «غيوم امرأة استثنائية».
* لماذا هذا التعلق الشديد بالقرية؟
- لأني كلما عصرتني غربة المدينة، وشعرت بفقدان التواصل الحميمي، تشدني القرية فلا بد أن أستحضرها. كانت روايتي الأولى «ريحانة» ذات التكثيف اللغوي والتقطيع البنائي، التي تشبه الكتابة الشعرية أو القصة القصيرة، وربما المرحلة الزمنية ذاتها، تفرض علي، في تلك المرحلة، الكتابة من تلك المنطقة الفنية والفكرية، والتجربة ذاتها شكلت كتابة رواية، متسقة مع فضاء القرية. لكنّ عوالم الروايات الأخرى متنوعة ومختلفة. كانت كل كتابة، تأتي في سياقات أخرى مختلفة تنسجم مع عوالمها وفضائها وشخوصها وخطابها أيضا، تتكئ على تراكم معرفي، وخبرات تتماس مع عوالم موازية واقعية مع البحث عن التجديد.
* يبدو أنك كثير التجريب في أعمالك الروائية؟
- بالنسبة لي ككاتب، أعشق التجريب والمغامرة في كل مراحل حياتي الكتابية، وأسعى أن تكون كل كتابة تجربة ومغامرة مجترحة وجديدة من عالم جديد أسبر أغواره، فكل كتابة جديدة لا تأتي إلا بعد ممارسة صمت، وقراءة وتفكير طويل، تكسر نية في داخلي بأن العمل الذي كان قبله كان الأخير، ولكن أجد ذاتي مدفوعة لكتابة جديدة. الكتابة السردية كتابة كاشفة في كل مرحلة تراكمية.

* الإبداع بين جيلين
* تكتب في موقعك الإلكتروني عن رواد الإبداع وكبار المثقفين، كما ترصد أعمالا لشباب.. كيف تقارن بين التجربتين؟
- يتابع موقعي رصد الإبداع، حيث إن جيل ما قبل التقنية الحديثة، تجاوزتهم هذه المنحة العظيمة التي ينتسب إليها هذا الجيل. كتاباتي عن شخصيات مثل: عبد الكريم الجهيمان، وإبراهيم الحميدان، وعبد الرحمن منيف، وعبد الله نور، وفائز أبا، ومحمد الثبيتي، وفهد الخليوي تأتي من باب الوفاء لرواد تعلمنا الكثير من إنتاجهم.
لكني أيضا أتابع أعمال الشباب أمثال: رواية «اتجاهات البوصلة» لنوره الغامدي، و«سقف الكفاية» لمحمد علوان، و«ساق الغراب» ليحيى سبعى، و«بنات الرياض» لرجاء عالم، وروايات أخرى لأصدقاء كخالد المرضي، وطاهر الزهراني، وعبد الواحد الأنصاري، ومحمد خضر، وكل هذا بهدف المتابعة، وحرق المراحل لربط الأجيال ببعضها، ليقيني التام أن الفن السردي، فن حميمي وتراكمي للأجيال.
والواقع أن الأجيال الحديثة أوفر حظا منا، فقد تهيأت لهم الأجهزة الحديثة التي يسرت لهم الكتابة والقراءة والتواصل مع الآخر، وسهلت إمكانية قراءة نتاجهم بحرية، وهي خدمة عظيمة عانينا من فقدها، فقد قرأت بواسطة التقنية الحديثة، كتبا كثيرة طالما تمنيتها، وكنت محروما من قراءتها.
* لكنك تحدثت ذات مرة أن «من يريد كتابة الرواية فليبدأ بعد سن الأربعين»..
- كل الفنون الأدبية، تدخل في النسيج الروائي وأيضا الفلكلور، ويحضر التاريخي والسياسي والأسطوري والذاتي، والكلام اليومي الشفاهي، كل هذا المنجز يحتاج إلى تراكم زمني، وكما يقال فإن الرواية، هي فن حضاري وبنت للمدينة، أي تحتاج إلى تراكم زمني وحياتي وحركة، وأعرف أسماء روائية عربية وعالمية، لم تكتب الرواية إلا بعد هذا العمر، حينها تكون قد توفرت لكاتبها كل مقومات المعرفة، ولا أستبعد بطبيعة الحال روح المغامرة، وحضور كتابات روائية في سن مبكرة كيوميات، لكن عادة نحن كقراء، نجوس في الشخصية عبر مراحل تاريخها، لنستبطن عوالمها وأزمنتها.
* ألا تلاحظ أن جيل اليوم أكثر إنتاجا، فنحن أمام تدفق كتابي وروائي شبابي؟
- ما تسميه بالتدفق الكتابي الروائي الشبابي، يأتي في سياق تداول الحضور الفني، أي بمعنى أن كل جنس أدبي سيفرض حضوره في كل مرحلة، فإذا كان الشعر سيد الفنون، موجودا وحاضرا متفردا في الثمانينات والتسعينات، والشعر على كل حال سيكون حاضرا على الدوام، فإن القصة القصيرة أيضا فرضت حضورها في تلك الفترة، وكانت جنسا أدبيا منافسا للشعر في تلك المرحلة، والرواية فرضت حضورها في مرحلة معينة، وبلغ الإصدار الروائي في العام الواحد 100 رواية، وهو عدد كبير جدا على مجتمع محافظ كان يحرم الرواية تقريبا أو ينظر لها بريبة وشك، لأنه لا يريد كشف المستور ويضع عددا من الخطوط الحمر، ولا شك أن هناك روايات جيدة وأخرى ضعيفة، ولكن كنا بحاجة إلى كل هذا الحراك، وتوقعت أن يتبعه في مرحلة تالية حركة نقدية لفرز هذا الركام، ولكن ما زال المردود ضعيفا مقارنة بالأمنيات.

* الرواية سيرة مجتمع
* أصدرت ثلاثية بعنوان: «المكتوب مرة أخرى».. هل كانت تمثل بالنسبة إليك سيرة شخصية؟
- السيرة الذاتية جزء مهم، يدخل بالضرورة في النسيج الروائي، وثلاثية «المكتوب مرة أخرى» رواية أفتخر بها، وهي الرواية التي كتبتها بمتعة شديدة، وقيل عنها الكثير، ولكنها للأسف لم تقرأ جيدا، ولم تنقد ولم تعط حقها أيضا من الدراسات، وأصدقك أن هذا يوجعني ويحزنني كثيرا. هذه الرواية هي ثالثة رواياتي، وأعتبرها سنام الفعل الكتابي، لأنها كما ذكرت تعتبر رواية الروائي، ودعني أكن صريحا جدا بعد هذا الزمن، فقد كانت رواية تلازمني في كل مكان، وربما أعتبرها البعض مذكرات والبعض يعتبرها سيرة ذاتية، وهم هنا لم يستطيعوا أن يتجاوزوا خيطا رفيعا، يفصل بين هذه العوالم وبين سيرتي الذاتية. وببساطة فقد كنت أسقط رؤيتي وفلسفتي الكتابية على الواقع من خلال شخوصي الروائية، وهم عدد من أصدقائي الكتاب والروائيين والشعراء، ومنهم: إبراهيم الحميدان وعبده خال في شكل رمزي بالكناسين، وفلسفتي في ذلك أن الروائي كالكناس، يلتقط كل شيء من الشارع ويتفحصه، وربما أن غالبية الشخوص هم من أعضاء «جماعة السرد» بالرياض التي كنت سكرتيرا لها.
* انتقدت ظاهرة طغيان الأحداث السياسية والدينية على الكتابة الروائية.. لماذا؟
- بعض الروايات حملت في نسيجها الكتابي مظاهر التحولات في المجتمع المحلي، وحتما سيحدث ذلك وكنت أحد الذين تناولوا هذه المواضيع في رواياتي. لقد عاصرت هذه الحروب من موقعي كشاهد، وعشت كصحافي وكتبت فصولا من روايتي «ثلاثية المكتوب مرة أخرى» من بغداد، وكانت حينها تخوض الحرب مع إيران، وتسمى في ذلك الوقت البوابة الشرقية، حيث أسقطت في هذه الرواية فلسفتي ورؤيتي للكتابة والحياة في هذه الرواية.
وحينما أقول إن قضايا مثل حروب الخليج والصحوة والطفرة الاقتصادية، طغت على مواضيع الرواية المحلية فلست مجافيا للحقيقة، ولكننا لا نريد عناوين فضفاضة لهذا المواضيع، لمجرد الحضور وتسجيل تجربة وموقف بل نرغب في التشخيص والتحليل والقراءة والتأمل، وهذا يعيدني للتأكيد مرة أخرى على ضرورة أن يحصل الكاتب الروائي على قدر كافٍ من التجربة والمعرفة والنضج، فكل ملمح من هذه المواضيع يستحق أن يكون محورا مستقلا، كما أن الدين أيضا يدخل في النسيج الكتابي الروائي كالقيم المجتمعية، وظاهرة الصحوة أحدثت شيئا من الصدام المجتمعي، فالوطن شاسع وكبير ويتشكل من شرائح متنوعة، ولكن الصحوة حاولت أن تخطف كل الشرائح من وراء ستار التدين، وأستطيع الآن أن أسمي روايات كثيرة، تخندقت حول هذه المواضيع، وهذا شيء طبيعي. وبعض هذه الروايات، كانت جرأة تناولها سبب شهرتها، فكسرت «التابو» المجتمعي والسياسي والديني، وسنرى مستقبلا مع اتساع رقعة الحرية، روايات تعزف على الطائفية والعنصرية للأسف. الفن الروائي يبحث في الجذر الإنساني، ويجب أن يظل عالما وفنا رفيعا، يعكس تفاصيل لعالم واقعي وموازيا له.
* هناك من يصرّ على كتابة رواية فاقعة بالآيديولوجيا الدينية والسياسية. ما رأيك أنت؟
- الفنون بعمومها فعل إنساني للمتعة، غير أن الخطاب السياسي جزء من مكوناتها ويدخل في نسيجها، ولكن أرفض أن يكون طاغيا من دون مبرر، وإلا لتحولت الرواية إلى منشور سياسي، وفقدت قيمتها الفنية والموضوعية، وربما تجد في رواية عدة خطابات متجاورة، وهذا يضيف للرواية، فالبعد السياسي، يفرض نفسه دائما ولو لم يشأ الكاتب، فربما تجد أحد شخوص الرواية له موقف سياسي، والتصنيف في هذه الحالة مقبول، لكن أن ينطلق الكاتب ذاته من فرضية سياسية، فأعتقد أنه من الصعب قبولها وربما نجاحها أيضا، إلا إذا طغت نواح ترفع من قيمة النص.

* الرواية السياسية
* كتبت مرة أن الحداثة الشعرية في فترة السبعينات والثمانينات كانت أطهر ما جاء في المشهد الثقافي.. ماذا تقصد بذلك؟
- كانت حركة الحداثة الشعرية حدثا ثقافيا مهما جدا في حينه، فهناك مجتمع محافظ جدا، ولا يمارس أي فاعلية ثقافية أخرى غير الشعر، وهو مجتمع يتعاطى الشعر في كان مكان، كما يتعاطى القهوة، وبالذات الشعر الشعبي، فالذي لا يقول الشعر يحفظه وهو مستمع جيد له، والذائقة الشعرية شائعة بامتياز، وطبيعي أن يكون الشعر التقليدي هو السائد، ولكن حضور شعر الحداثة بما فيه من غموض، وأشكال فنية ومعان ومفردات وأبنية وخطاب أيضا، كان يشكل صداما ورفضا مجتمعيا وتمت مواجهته بقسوة، فالشعر الذي كان يكتبه السياب في بغداد وأجياله في المدن العربية، كان صداه يتردد لدى محمد حسن عواد.
وحين أقول إن حركة الحداثة الشعرية، هي أطهر ما جاء به المشهد الثقافي، فمرد ذلك إلى الهزة المجتمعية التي حملتها تلك الحركة، وكانت تخاطب الوعي الإنساني بجماليات فنية، وتحرض المخيلة لرؤية عوالم مستقبلية، وتنشد العلو والحب والرقي، وهي تواجه القسوة والتهم والمصادرة، ولكنها كانت باكورة لنتاج أجناس أدبية متنوعة.
* اعتبر بعض النقاد أن روايتك «مدن الدخان» نوع من «الهذيان الواقعي».. هل ننتظر رواية عن «مدن الربيع العربي»؟
- واضح أن هناك ملمحا سياسيا في نسيج رواية «مدن الدخان»، وأريد أن أوضح شيئا مهما عن تجربتي الروائية، فالواقع أنني لا أكتب إلا كما قال ريلكة (الشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه) في إحدى عباراته «لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم تكتبها..!»، بهذا المعنى كانت كتابتي الفنية بداية من المجموعة القصصية الأولى، وقد قلت كلاما بهذا المعنى مرات، وأحب أن أضيف أنني لا أحب أن أمضي في نفس الطريق مرتين، بمعنى آخر حين أكتب فإنني أجترح ذاتي، ولا أسمح لنفسي أن أقع في ذات الجرح مرتين، فالكتابة مغامرة وكشف عن مناطق بكر في الذاكرة، وهنا يمكن تجاوز المأزق الفني، فالهذيان والواقعي والتسجيلي والرمزي والسريالي كلها أشكال فنية، تؤدي في النهاية إلى خدمة النص، وقد يجتمع في النص عبر النسيج الروائي أكثر من شكل، حسب ما تتطلبه الكتابة النوعية.
ورواية «غيوم امرأة استثنائية» الأخيرة، هي أيضا رواية سياسية بامتياز، وهي أيضا رواية لا تمر من نفس خطوط رواية «مدن الدخان»، فالرواية ميدانها وفضاؤها وشخصياتها، تتجلى من فضاء التواصل المجتمعي (فيسبوك وتوتير)، وهو فضاء افتراضي ولكن بالحوار والتواصل المستمر، أصبح فضاء واقعيا في ظل التحولات العربية، وقد حضرت أكثر الشخصيات من الشخصيات الفاعلة فيما يسمى بالربيع العربي، وأقول ما يسمى بالربيع العربي لأنه فعلا شكل إحباطا تراكميا للأجيال العربية.



علماء الآثار يعثرون على حطام سفينة قديمة قبالة الإسكندرية

اكتشاف حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة سواحل الإسكندرية (الشرق الأوسط)
اكتشاف حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة سواحل الإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

علماء الآثار يعثرون على حطام سفينة قديمة قبالة الإسكندرية

اكتشاف حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة سواحل الإسكندرية (الشرق الأوسط)
اكتشاف حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة سواحل الإسكندرية (الشرق الأوسط)

أعلن علماء الآثار البحرية، الاثنين، اكتشاف حطام سفينة ترفيهية مصرية قديمة عمرها 2000 عام تحت المياه قبالة سواحل الإسكندرية.

ووفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، عثر غواصون على هيكل السفينة الذي يزيد طوله على 35 متراً وعرضه نحو 7 أمتار، تحت المياه في ميناء جزيرة أنتيرودوس، حسبما أعلن المعهد الأوروبي للآثار البحرية في بيان.

ووجدت على السفينة كتابات يونانية «قد تعود إلى النصف الأول من القرن الأول للميلاد» و«تدعم فرضية أن السفينة بُنيت في الإسكندرية».

وأضاف المعهد ومقره في الإسكندرية أن السفينة «كانت على ما يبدو تضم مقصورة مزينة بشكل فاخر، وكانت تُشغّل بالمجاذيف فقط».

أسس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد. وضربت سلسلة من الزلازل وأمواج المد ساحلها ما أدى إلى غرق جزيرة أنتيرودوس التي اكتُشفت عام 1996.

على مر السنين، عثر الغواصون على تماثيل وعملات معدنية وكنوزاً أخرى في الجزيرة الغارقة، بعضها معروض في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية.

ونشر مدير المعهد الأوروبي للآثار البحرية فرانك غوديو، مؤخراً، تقريراً عن أنتيرودوس ومعبد إيزيس فيها، استناداً إلى عمليات استكشاف تحت الماء أُجريت منذ تسعينات القرن الماضي.

وأكد المعهد أن الأبحاث المستقبلية حول الحطام المكتشف حديثاً «تبشر برحلة شيقة في حياة مصر الرومانية القديمة وديانتها وثرواتها ومجاريها المائية».

والإسكندرية موطن لآثار قديمة وكنوز تاريخية، لكن ثاني أكبر مدينة في مصر عرضة بشكل خاص لتداعيات تغير المناخ وارتفاع منسوب مياه البحر، إذ تغمرها المياه بأكثر من 3 مليمترات كل عام.

وتقول الأمم المتحدة إنه في أفضل السيناريوهات سيكون ثلث الإسكندرية مغموراً بالمياه أو غير صالح للسكن بحلول 2050.


«عزيزتي كاسندرا»... نافذة على الحياة الخاصة لجين أوستن

جين اوستن
جين اوستن
TT

«عزيزتي كاسندرا»... نافذة على الحياة الخاصة لجين أوستن

جين اوستن
جين اوستن

بمناسبة مرور 250 عاماً على ميلاد الكاتبة البريطانية جين أوستن، أصدرت دار نشر «فينيتيود» الفرنسية كتاباً جديداً بعنوان: «عزيزتي كاسندرا»، يضم رسائل تبادلتها الروائية مع أختها الكبرى كاسندرا.

الحدث، وفق تقارير الصحافة الأدبية، مهم، فنحن إذا استثنينا بعض المذكرات المختصرة التي نشرها أقارب جين أوستن في القرن الـ19، ورغم المكانة الرفيعة التي تحظى بها الكاتبة اليوم، فإن ما نملكه من معطيات عن حياتها لا يزال محدوداً نسبياً. ولذا؛ فإن مبادرة دار النشر «فينيتيود» جاءت لتقدّم فتحاً لافتاً، حيث أصدرت لأول مرة النص الكامل للرسائل المتبادلة بينها وبين شقيقتها، وهي تقدر بنحو 89 رسالة تبادلتها الأختان بين يناير (كانون الثاني) 1769 وأبريل (نيسان) 1816، بينما كان الباحثون قد قدروا عدد الرسائل التي كتبتها جين في حياتها بنحو 300، لم يبقَ منها سوى 116، حيث حرقت كاسندرا جزءاً منها؛ حمايةً لسمعة جين بعد وفاتها، خصوصاً أن كثيراً منها تضمن تعليقات غير مُحبّذة أو جارحة بحق بعض الأقارب والأصدقاء، أو إشارات إلى مسائل خاصة بالصحة والعلاقات.

«عزيزتي كاسندرا» ليست مجرد مراسلات عائلية بين أختين تجمعهما علاقة قوية، بل وثائق تاريخية تكشف عن امرأة رفضت الخضوع لتقاليد عصرها... اختارت الكتابة على الزواج المريح، وحولت معاناتها الشخصية إلى فن راقٍ، حيث نرى جين أوستن الحقيقية: المرأة الذكية، والساخرة، والمحبة لعائلتها، والملتزمة بفنها حتى النفس الأخير.

في رسائلها المبكرة، تكشف جين، البالغة من العمر 20 عاماً، لأختها وكاتمة سّرها كاسندرا عن علاقة عاطفية مع المحامي الآيرلندي الشاب توم ليفروي، التي يُعتقد أنها ألهمت شخصية «السيد دارسي» في روايتها «كبرياء وتحامل»، حيث كتبت إلى كاسندرا في 9 يناير 1796: «كاسندرا... أخشى أن أخبرك كيف تصرفت أنا وصديقي الآيرلندي. تخيلي كل ما هو صادم وفاضح في الرقص والجلوس معاً...». وفي 15 يناير، كتبت إليها مجدداً بنبرة مختلطة؛ بين الدعابة والأسى: «اليوم هو اليوم الذي سأغازل فيه توم ليفروي لآخر مرة، وحين تصل إليك هذه الرسالة، فسيكون كل شيء قد انتهى. دموعي تنهمر وأنا أكتب هذه الفكرة الكئيبة».

واللافت أن جين بدأت كتابة المّسودة الأولى لرواية «كبرياء وتحامل» في أكتوبر (تشرين الأول) 1796، أي بعد أشهر قليلة من رحيل ليفروي إلى لندن لإكمال دراسته القانونية؛ مما يعزز فرضية تأثير هذه التجربة العاطفية على إبداعها الروائي. وعكس الرواية التي حملت نهاية سعيدة، فان جين لم تتزوج توم بسبب وضعها المادي ومعارضة العائلة هذه العلاقة. وهو ما تُظهره رسائل أخرى مكتوبة بين عامي 1801 و1806، حيث تبدو في مواجهة تحديات مالية واجتماعية قاسية، بعد أن قرّر والدها التقاعد والانتقال إلى مدينة باث، وهو ما صدم جين بعمق، حيث كتبت في 5 مايو (أيار) 1801 واصفة بلهجة ساخرة: «المنظر الأول لباث في طقس جميل لا يوافق توقعاتي. أعتقد أنني أرى بوضوح أكثر من خلال المطر...». وتضيف في موضع آخر: «كل شيء بخار وظلال ودخان وارتباك».

وفاة والدها المفاجئة عام 1805، تركت جين وكاسندرا ووالدتهما في وضع مالي صعب، حيث اضطررن إلى الاعتماد على المساعدات السنوية من الأشقاء الذكور، والتنقل بين منازل الأقارب.

خلال هذه الفترة العصيبة، توقفت جين بشكل شبه كلي عن الكتابة، حيث بدأت رواية «ذا واتسونز» لكنها لم تكملها، والرواية تتحدث عن قسّ مريض فقير وبناته الأربع غير المتزوجات؛ مما فُسر بأنه صدى واضح لمحنتها الشخصية. الاستقرار لم يأتِ إلا في عام 1809 عندما وفر لهن شقيقها الغني إدوارد منزلاً في تشاوتون، حيث عاشت جين أكثر سنواتها إنتاجاً أدبياَ هناك مع كاسندرا التي تولت إدارة المنزل، لكي تتفرغ جين للكتابة. في هذه الفترة، أنتجت خمساً من أشهر رواياتها: «العقل والعاطفة» و«كبرياء وتحامل» و«متنزه مانسفيلد» و«إيما» و«إقناع». ورغم وضعها المادي، فإن جين أوستن لم تكن تقبل بالنفاق أو بالتنازل عن مبادئها، وهو ما وثقّته الرسائل بشكل غير مباشر من خلال قصّة خطبة هاريس بيغ ويذر، الذي فاجأها بعرض زواج خلال زيارتها عائلته في مانيداون بارك. وبعد قبولها العرض، غيّرت رأيها في الصباح التالي، وفرّت إلى باث مع شقيقتها كاسندرا في حالة من الاضطراب الشديد.

هذا الرفض لم يكن مجرد قرار عاطفي، بل كان قراراً مصيرياً رفضت فيه جين الأمان المالي والمكانة الاجتماعية من أجل مبادئها. وقد انعكست هذه التجربة في رواياتها، خصوصاً في شخصية «شارلوت لوكاس» في «كبرياء وتحامل» التي قبلت بالزواج من «السيد كولينز» لأسباب مادية، وفي علاقة «فاني» و«هنري» في «متنزه مانسفيلد». وقد كتبت جين لاحقاً في إحدى رسائلها عام 1814 ناصحة: «كل شيء يُفضّل، أو يُحتمل، ما عدا الزواج من دون عاطفة».

الرسائل أظهرت أيضاً شخصية جين المحترفة الحريصة على التفاصيل والدقة في تحرّي المعلومات، حيث نراها تناقش أختها تفاصيل عن سفن البحرية لتضمن دقة الوصف في «متنزه مانسفيلد»، وقد غيرت كثيراً من التفاصيل بعد أن استشارت شقيقها الضابط.

في رسائلها الأخيرة (1816 - 1817)، ورغم المرض الذي بدأ ينهش جسدها الذي يُعتقد اليوم أنه كان مرض «أديسون»، فإن جين استمرت في الكتابة بروح متفائلة، حيث بدأت رواية «ساندايتون»، لكنها لم تكملها بسبب ضعفها. وفي إحدى رسائلها الأخيرة لأختها كاسندرا في يناير عام 1817، كتبت بروحها المرحة المعتادة رغم معاناتها الواضحة، قائلة: «أعيشُ غالباً على الأريكة، لكني حصلت على تصريح بالمشي من غرفةٍ إلى أخرى؛ خرجتُ مرةً أتنفس الهواء بعد أن تناولت قرص دواء، ووُضعت على كرسيٍّ محمول...»، وهي عبارةٌ تُظهِرُ قدرتها على المزاح رغم المرض.


«الأوسلاندر»... بُعدٌ آخر للمنفى

«الأوسلاندر»... بُعدٌ آخر للمنفى
TT

«الأوسلاندر»... بُعدٌ آخر للمنفى

«الأوسلاندر»... بُعدٌ آخر للمنفى

يقدّم خالد إبراهيم في الجزء الأوّل من ثلاثيته الروائية «الأوسلاندر- تشريع الغربة اختبار الفقد»، (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 265 صفحة)، نصاً يؤسّس لمرحلة تكوّن إنسان يدفعه وطنه إلى التخلي عنه، ويستقبله بلد آخر بصفته «أجنبياً» لا بصفته ذاتاً كاملة. يتموضع هذا الجزء بوصفه بناءً تمهيدياً لمشروع سردي أطول، يقدّم الشخصيات والفضاء واللغة والحدث من دون إغلاق أي سؤال، بل عبر تثبيت قاعدة الانطلاق فقط.

يتمحور السرد حول حركة انتقال واحدة: خروج من فضاء مهدَّد في الوطن الأول، ودخول إلى فضاء منضبط وبارد في بلد اللجوء. غير أنّ الكاتب لا يتعامل مع هذه الحركة بوصفها رحلةً درامية أو ملحمة عبور، بل على أنها تحوّل بطيء في إيقاع حياة بطل واحد هو «شفان»، الذي يُعاد تشكيله داخل نظام كامل من الملفات والمقابلات والاستمارات وأسئلة الهوية، بحيث يُطلَب منه أن يسوّغ وجوده باستمرار. الحدث الرئيس ليس سلسلة وقائع، بل اصطدام يومي بين ما يراه «شفان» في نفسه وبين ما تراه المؤسسة عنه.

قوّة السرد تكمن في تجنّب الروائي الإفراط الدرامي؛ فلا مطاردات البتة، ولا مشاهد عبر الحدود، ولا بكائيات... إنما ثمة توتر منخفض يستمدّ قوته من الانتظار الطويل، وبطء الإجراءات، وقلق المستقبل. يكتب الروائي تجربة اللجوء بطريقة أقرب إلى الواقع منها إلى الصورة التلفزيونية. وبذلك يصبح الشعور بالاختناق البارد هو المسرح الداخلي للرواية، لا مشاهد العنف أو المآسي الصارخة.

شخصية «شفان» تُبنى عبر طبقات شفّافة، فلا يُقدَّم بطلاً ولا ضحية، بل إنساناً عادياً يحمل ذاكرة قاسية لكنه يعيش لحظة الحاضر تحت سطوة إجراءات يومية. الماضي يظهر بوظيفة تفسيرية لا استطرادية، بحيث لا يطغى على الحاضر. كما أن التغيير في الرواية ليس طفرة ناتجة عن حدث كبير، بل حصيلة مواقف صغيرة متراكمة، منها: تعلُّم الوقوف أمام الموظف، وكبح الغضب أمام النظرة المتعالية، وفهم شروط المكان الجديد... تكلفة الخطأ عالية، لذا يأتي النضج بطيئاً وحذراً.

إلى جوار «شفان» تتحرك شخصيات ترسم محيط التجربة. فـ«خبات» لا يظهر بوصفه نموذجاً مثالياً بل مهاجراً متعباً، يساعد ويتردد ويخاف، فتنعكس فيه صورة احتمال آخر لمصير «شفان». أمّا «بروين» فتمثل خطاً عاطفياً محتَملاً لا يكتمل، لأن المنفى لا يمنح علاقة مستقرة بسهولة. الحوار بينهما مشحون بالحذر، كأنّ كل كلمة اختبار لخطوة آتية قد تُبنى أو تُلغى. بهذا تُظهر الرواية بعداً آخر للمنفى: المنفى عن الطمأنينة العاطفية، لا عن الوطن وحده فقط. أما الظلّ فيأتي بوصفه أداة فنية ذكية تتيح مساءلة الذات من دون تنظير مباشر. إنه صوت عميق يسأل عن جدوى الرحيل، وإمكان العودة، ومعنى العيش بين هويتين، مما يمنح البنية النفسية للرواية بعداً هادئاً، يكشف عمّا هو أعمق من السرد المباشر.

المكان في «الأوسلاندر» ليس فضاءً جغرافياً بل شبكة ضغط. الوطن الأول يُستحضر بإشارات موجزة تكفي لتبيان أنّ وراء الخروج خوفاً حقيقياً. بينما البلد الأوروبي لا يرسمه الروائي جحيماً ولا فردوساً، بل منظومة صلبة في إجراءاتها، دقيقة إلى حدّ الإرهاق والاختناق. حيث تكفي غرف الإيواء الضيقة، والأسرّة المتجاورة، والمطابخ المشتركة، وأرقام الانتظار، والممرّات الرسمية، لتأسيس شعور الرقابة المستمرة. حتى الأماكن المفتوحة كالغابة أو المقهى تُستخدم كتخفيف مؤقت من الجدران لا كرموز فلسفية.

الزمن في الرواية يُبنى بنظامين؛ أحدهما زمن إداري تحدّده المواعيد والدوائر والرسائل، وثانيهما زمن داخلي يتشكّل في لحظات الانتظار الطويلة، حيث يتسلل الماضي إلى الوعي من دون أن يخطف مركزية الحاضر. فلا قفزات زمنية معقدة ولا نهايات مغلقة. إنها قطعة من مسار أطول، مرحلة من تشكّل هوية «الأوسلاندر» التي من المفروض أن تُستكمل في الجزأين التاليين.

وبوصف اللغة عنصراً رئيساً ومهماً في بناء العالم السردي، يختار خالد إبراهيم، القادم من الشعر، لغة نثرية اقتصادية، بجمل قصيرة، ومشاهد محكمة، بلا زخرفة أو استعارات مبهرة. هذا الخيار الجمالي يكسر السرديات المعتادة حول اللجوء، التي كثيراً ما استدرجت الخطاب العاطفي أو الإنشائي. هنا تُستخدم اللغة أداة إضاءة، لا وسيلة لاستدرار التعاطف. ورغم ذلك يسمح الكاتب لجملته أحياناً بأن تتباطأ وتتأمل، لكنها تبقى لحظات عابرة لا تغيّر من نبرة الأساس.

لا يحصل قارئ رواية «الأوسلاندر» في نهاية الجزء الأول على أي يقين حول مصير «شفان»... الماضي مفتوح على تهديد محتمل، والحاضر لم يتحول إلى إقامة مستقرة، والمستقبل لا يظهر إلا من زاوية الشك. هذه اللّاخاتمة ليست ضعفاً، بل هي جزء من مشروع الرواية كما نعتقد: ترك الباب مشرعاً أمام التكوين المستمر لشخص يتشكّل تحت ضغط تصنيف قاسٍ اسمه «الأوسلاندر».

بهذا الاشتغال الدقيق على الشخصية والزمان والمكان واللغة، يقدّم الجزء الأول من «الأوسلاندر» نموذجاً لرواية تُراكم ولا تُعلن، وتكشف ولا تستعرض، وبذلك تضع القارئ داخل التجربة لا خارجها.