اتساع نفوذ «داعش ليبيا» يضعف سلطات طرابلس

سيطر على مقر خلوة القذافي في قلعة السدادة

عناصر من «داعش ليبيا» في شريط للتنظيم الإرهابي من «ولاية برقة» يحمل اسم «جند الخلافة»
عناصر من «داعش ليبيا» في شريط للتنظيم الإرهابي من «ولاية برقة» يحمل اسم «جند الخلافة»
TT

اتساع نفوذ «داعش ليبيا» يضعف سلطات طرابلس

عناصر من «داعش ليبيا» في شريط للتنظيم الإرهابي من «ولاية برقة» يحمل اسم «جند الخلافة»
عناصر من «داعش ليبيا» في شريط للتنظيم الإرهابي من «ولاية برقة» يحمل اسم «جند الخلافة»

من الصعب العبور من مدينة بنغازي إلى طرابلس، من الطريق الساحلي المحاذي للبحر المتوسط. هذا الطريق الرئيسي بين شرق البلاد وغربها، والذي يمتد لنحو ألف كيلومتر، يسيطر عليه تنظيم داعش، خاصة في سرت التي تقع في المنتصف بين أكبر مدينتين في هذا البلد شاسع المساحة.
طوال العامين الماضيين كان أبناء بنغازي يتحايلون للوصول إلى أقاربهم في طرابلس؛ وذلك بالالتفاف عبر الدروب الصحراوية الجنوبية التي تمر من مدينة ودان، أي جنوب سرت وبني وليد، ثم تصعد مرة أخرى شمالا في اتجاه طرابلس. لكن هذا الطريق، أيضا، أصبح أخيرا مصدرا خطرا بسبب وصول «الدواعش» إلى هذا العمق في الصحراء. استغل تنظيم داعش الفوضى التي ضربت هذه الدولة الصحراوية، لكي يتوسع بقدر ما يستطيع، لكن كثرة المناطق التي أصبح يتواجد فيها انعكست بالسلب على فاعلية التنظيم، وعلى سلطته المركزية التي يتولى إدارتها انطلاقا من العاصمة طرابلس، ووفقا لمصادر عسكرية ليبية، أسس «داعش»، في أحدث تحرك له في هذا البلد الغني بالنفط، مقرا جديدا له في موقع يسمى «قلعة السدادة» كان محببا للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، حيث إنه كان يمضي فيه «خلوته» الصحراوية جنوب مدينة بني وليد.
ويثير نمو «داعش» في ليبيا قلق الحكومات الغربية، التي تخشى من أن يستغل التنظيم الفوضى السياسية المستمرة لتكرار نجاحه في السيطرة على أراض في العراق وسوريا. ويأتي هذا بالتزامن مع قول قائد القوات الأميركية في أفريقيا، الجنرال ديفيد رودريغيز، الأسبوع الماضي: «إن عدد مسلحي تنظيم داعش تضاعف في ليبيا إلى ما بين 4 آلاف و6 آلاف مسلح خلال فترة تتراوح بين عام وعام ونصف العام. واستشهد رودريغيز بتقييمات المخابرات الأميركية لنمو التنظيم في ليبيا بقوله: إنهم «يواجهون نمو (داعش) في مناطق عدة في أنحاء ليبيا».
وتقول المصادر العسكرية الليبية: «إن (داعش) موجود في مدن عدة تقع على ساحل البحر، هي درنة وبنغازي وسرت وطرابلس وصبراتة، وأن المسافة بين أول نقطة وآخر نقطة تقدر بنحو 1600 كيلومتر؛ ما تسبب في ضعف قدرة التنظيم على الالتزام تجاه مقاتليه في هذه المدن، وهذا عرضه للهزيمة في درنة، وفي صبراتة، إضافة إلى فشله في السيطرة على الهلال النفطي المجاور لسرت من ناحية الشرق، رغم محاولاته المستمرة منذ أواخر عام 2014 حتى الآن».
ويضيف، أن «الضغوط الدولية وضربات الطيران لمواقع (داعش)، أسهمت في إرباك تحركات التنظيم». ويقول «إن التنظيم كان على سبيل المثال يحرك مقاتليه في درنة عن طريق منظومة اتصالات موجودة في مراكب في البحر المتوسط، إلا أنه لوحظ خلال الأسابيع الماضية، تراجع النشاط على هذه المنظومة، وهو ما جرى تفسيره بأنه رغبة التنظيم في الهرب من مراقبة الجيش الليبي». ويشير إلى أن الأجهزة الأمنية رصدت تعليمات أصدرها قيادي في «داعش» بمدينة سرت، يدعى «أبو الليث الليبي»، لقيادي في درنة يدعى «البرعصي»، بالتوقف عن استخدام أجهزة الاتصال من البحر.
ويواجه «دواعش» درنة حصارا يفرضه الجيش الليبي على المدينة منذ أكثر من عامين، كما يواجه التنظيم حراكا كبيرا مناوئا له من شباب المدينة، ومن جماعات أخرى، بمن في ذلك «مجموعة الصحوات» التي كبدت عناصر التنظيم خسائر كبيرة خلال الشهور الماضية؛ ما أدى إلى طرد التنظيم من وسط المدينة، وتراجعه إلى منطقة الفتايح وبعض التخوم الجبلية المجاورة. كما أدى ذلك إلى هرب مئات من المقاتلين الدواعش إلى سرت، غالبيتهم من الأجانب.
أما في أقصى الغرب، أي في مدينة صبراتة، فيتعرض التنظيم لهزائم متكررة منذ ظهوره بقوة أواخر العام الماضي هناك، كما تلقى ضربات من الطيران الأميركي قبل شهرين، إلى جانب تقدم قوات تابعة للجيش الوطني الليبي من بلدات عدة قريبة من صبراتة؛ ما شجع العناصر المحلية الرافضة لوجود داعش في صبراتة، إلى تشكيل مجموعات لطرد التنظيم من المنطقة.
ومن بين قيادات التنظيم في صبراتة، وفقا لإفادة من مصادر أمنية في المدينة، رجل يدعى «الديالي»، كان قد دخل إلى البلاد عبر مطار معيتيقة الذي يوجد في طرابلس وتسيطر عليه الميليشيات المتطرفة. وصدرت تعليمات لـ«الديالي» للخروج من صبراتة والتوجه إلى شرق البلاد، مرورا بالعاصمة. ويقول ضابط في الغرفة الأمنية في طرابلس، إنه «توجد مؤشرات على ارتباك التنظيم.. لقد لاحظنا كثرة تحركات لقياداته العليا والوسطى بين طرابلس وسرت وصبراتة، والآن يبدو أن لديهم خطة جديدة للتحصن في مناطق صحراوية وجبلية في الجنوب».
وقام زعيم «داعش» في طرابلس ويدعى «المدهوني»، وهو ليبي يحمل جواز سفر عراقيا منذ عام 2012، باستدعاء عديد من القيادات المنتشرة في درنة وسرت وصبراتة، لكن بدا وجود بطء في الانتقال من المدن البعيدة إلى العاصمة، خاصة مع تحقيق الجيش الوطني الليبي تقدما على محاور عدة، وسيطرته على طرق مهمة حول بنغازي، إضافة إلى تزايد المراقبة الدولية ضمن الاستعدادات لمواجهة «داعش» في ليبيا. ولم يتمكن قياديان في داعش سرت، هما بـ«أبو سراج»، و«أبو الليث»، من الانتقال من سرت إلى صبراتة بالعناصر التي طلبها المدهوني إلا بعد 3 أيام من الموعد المفترض؛ ما أصاب قيادات التنظيم بالغضب، وتلقيها توبيخا من «الشيخ ياسين» المسؤول عن داعش ليبيا، في مكتب الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي بالعراق.
كان يفترض أن يتوجه أبو الليث مع نحو 30 مقاتلا من «دواعش تونس» ممن انتهوا من تلقي تدريبات في سرت، إلى صبراتة، وهي بلدة ليبية قريبة من الحدود مع تونس. وأراد التنظيم تعزيز قدراته في صبراتة، وفقا للمصادر العسكرية الليبية، لكن تأخر وصول المدد من قادة مبعثرين عدة في مدن ليبية بعيدة، ومنهم أبو الليث، ومن معه من مقاتلين، تسبب في وقوع خسائر فادحة في صفوف تنظيم صبراتة، وفرار عدد منهم إلى الصحراء الجنوبية.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية في بلدة زليتن الواقعة على بعد نحو 150 كيلومترا شرق طرابلس، بين مصراتة وبني وليد، أن قائد «داعش» في هذه البلدة يدعى «الفيتوري»، وأنه قام خلال الأسابيع القليلة الماضية، بتسيير استعراض للدواعش في البلدة، وأن هذا أصاب قيادات التنظيم في طرابلس بالغضب، حيث بدا أن القادة الكبار في العاصمة لا يريدون في الوقت الراهن الإعلان على الملأ بوجود «داعش» هناك.
وقال مصدر أمني على اتصال بالغرفة الأمنية في زليتن: إن التنظيم أحال «الفيتوري» للتحقيق معه أمام أحد زعماء التنظيم في سرت يدعى «المهاجر»، وإنه كان من بين كلمات التوبيخ التي تعرض لها زعيم التنظيم في زليتن، قول «المدهوني» له: «لا نريد استعراضا ولا إعلانا.. لا نريد تصرفات صبيانية. لا نريد أن تخربوا ما نرتب له».
ويبدو أن الخلل لا يتعلق فقط بقيادات الصف الثاني في داعش ليبيا، ولكن الارتباك يظهر أنه وصل أيضا إلى مركز قيادة «داعش» في طرابلس. فبعد أن لوَّح بتوجيه ضربات لحكومة التوافق الوطني الليبي برئاسة فايز السراج، خلال الأسبوعين الماضيين، بدت الشروخ تضرب قيادة التنظيم في العاصمة، وفقا لما رصدته مصادر أمنية مختصة في غرفة عمليات طرابلس.
ويقول ضابط في الغرفة الأمنية: إنه يبدو أن القيادات الليبية في التنظيم تتعرض لضغوط من بعض الأطراف في مكتب البغدادي في الموصل.. «يبدو من الرسائل المتبادلة بين الشيخ ياسين في الموصل، وقادة داعش في سرت وطرابلس، أن ياسين يسعى لخلق بدائل في الشخصيات التي تدير التنظيم، ويسعى لإعادة نشر جانب من العناصر بعيدا عن المدن التي أصبحت مرصودة، ويمكن أن تتعرض لضربات من الطيران الدولي، مثل سرت».
وفي تحرك مفاجئ، يعده مراقبون أمنيون هنا دليلا على تراجع التوافق بين مكتب البغدادي وممثل «داعش ليبيا» المدهوني، سافر أبو الليث، القيادي في التنظيم في سرت، بعد ذلك بأيام عدة، إلى سوريا ثم إلى مالي، بتعليمات مباشرة من مكتب البغدادي، دون إخطار المدهوني. ويضيف أحد ضباط التحقيق ممن يتابعون نشاط داعش في ليبيا، إن المدهوني علم بسفر أبو الليث، عن طريق المصادفة، وذلك حين اتصل بمساعد لأبو الليث في سرت يدعى «الشيخ الشاعري».
ويقول الضابط المشار إليه: إن المدهوني شعر بالغضب من هذا التصرف، وفقا لما جرى رصده من الأجهزة الأمنية الأسبوع الماضي، حيث أخبر المدهوني مساعد أبو الليث بقوله إن «هذا لا يصح»، وأنه «كان يجب أن يخبرني أولا. توجد أعمال معطلة في سرت وفي درنة وصبراتة. سأتصل بالشيخ ياسين؛ لأن سفر أبو الليث يضر بنا».
وعقب عودة أبو الليث بأيام وصل إلى مدينة سرت مئات عدة من المقاتلين الأجانب الجدد ممن يوالون التنظيم المتطرف، أي خلال الأسبوعين الماضيين فقط، كما وصلت سبايا من سوريا والعراق، من بينهن يزيديات.. كانت الأجواء في المدينة، التي هجرها عدد كبير من سكانها، هادئة، لكن بين حين وآخر تسمع أصوات إطلاق نار وتفجيرات، بينما تصل الأخبار من الجبهة الشرقية، أي من تخوم مدينة إجدابيا، عن تقدم مطّرد في تمركزات قوات الجيش الوطني، بالتزامن مع بدء المجلس الرئاسي بقيادة السراج ترسيخ أقدامه في العاصمة للعمل كحكومة جامعة لكل الليبيين.
وفي حال منح البرلمان الليبي الثقة لحكومة السراج، فإنه يمكنها طلب مساعدة دولية للتخلص من «داعش». وفي تصريحاته، قال قائد القوات الأميركية في أفريقيا، الجنرال رودريغيز: «إن التحدي أمام حكومة الوحدة الوطنية، ليس فقط في جمع الليبيين معا من أجل مستقبل ليبيا، ولكن أيضا من أجل التخلص من تنظيم داعش»، مشيرا إلى أن معقل «داعش» في ليبيا هو مدينة سرت، لكن التنظيم له وجود أيضا في درنة وبنغازي في الشرق وصبراتة في الغرب. وقال أيضا: إن قوات الجيش الوطني الليبي نجحت في تقليص نمو المتشددين.. «في بنغازي ودرنة حارب الجيش الليبي ضد داعش وجعل من الأصعب لهم العمل وكذلك في صبراتة».
ووفقا للمصادر الليبية، فإن غالبية الدواعش في سرت من الأجانب، ولهذا تبدي قياداتهم في هذه المدينة تخوفا من الانتشار جنوبا، لعدم معرفتهم بالدروب والطرق، قائلا إن الطلائع التي اتجهت للجنوب وتمركزت بالفعل خلال الأيام القليلة الماضية في مقر خلوة القذافي في قلعة السدادة، اصطدمت مع قوات محلية من بني وليد ومن بلدات منتشرة على طريق النهر الصناعي وحتى الطريق بين سبها وطرابلس، منها مزدة وودان، ما كبد الدواعش خسائر فادحة.
ويقول قيادي محلي في بلدة ودان المجاورة: «قتل قائد محلي لميليشيا مسلحة في البلدة، وهنا قام مقاتلو المدينة بهجوم مرتد على الدواعش وقتلوا منهم كثيرين». معروف أن داعش لا يعلن عن عدد قتلاه، وهم تراجعوا إلى قلعة السدادة التي جاءوا منها.
وكان الجنرال رودريغيز أوضح، أن «داعش ليبيا» ليس لديه أشخاص محليون يعرفون عن ليبيا بقدر ما كان لديهم في العراق وسوريا.. «الليبيون مختلفون أيضا في الطريقة التي يعاملون بها الأجانب» و«كل ذلك له تأثير»، مشيرا إلى أن الضربات الجوية الأميركية في ليبيا استهدفت تنظيم داعش، لكن تلك الجهود مركزة على أهداف تشكل تهديدا مباشرا على المصالح الأميركية والأفراد الأميركيين.
التحضير، لكي يتوجه «داعش» إلى الجنوب، يتركز على مناطق جغرافية محددة، هي مدينة بني وليد وما حولها، بطلب من مكتب البغدادي. وتقع استراحة قلعة السدادة، أو ما يصفه البعض بمقر خلوة القذافي، في نطاق المدينة التي تقع إلى الجنوب من مصراتة، وإلى الغرب من سرت. ويقوم التنظيم في الوقت الحالي، بحسب المصادر الأمنية، بدراسة جغرافية بني وليد.. «دراسة الجغرافيا الحديثة الموجودة على أرض الواقع اليوم، وليس الاعتماد على الخرائط القديمة». ويستعين التنظيم في ذلك بغطاء من شخصيات محلية تتستر تحت اسم «لجنة لتطوير المدينة»، مستغلا في ذلك حالة الفوضى التي تمر بها البلاد.
وتحرك موكب مكون من أكثر من 20 سيارة دفع رباعي لترتيب الإقامة في مقر خلوة القذافي، وهو مكان يقع أعلى تبة مرتفعة وسط فضاء صحراوي. ويحيط بالتبة أشجار النخيل وبعض الحدائق التي تروى بمياه العيون. يوجد في المكان أجهزة عديدة، منها مولدات كهربائية ومواتير ضخ المياه ومركز للاتصالات، وأدوات تبريد، وغيرها. وقال مسؤول أمني ليبي: «إن من بين الدواعش الأجانب الذين وصلوا إلى تلك المنطقة، قيادي جزائري يدعى (بوجرة)، وأن هذا الأخير جرى رصد دخوله إلى ليبيا لأول مرة يوم الرابع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن طريق مطار معيتيقة».
وأوضح مسؤول في الغرفة الأمنية الليبية، أن تنظيم داعش تسلم دفعة جديدة من «أسيرات جلبهن التنظيم من سوريا والعراق»، مشيرا إلى أن هذه الدفعة دخلت عبر ميناء سرت البحري يوم الثالث من الشهر الماضي. وتسلم هذه المجموعة التي وصل عددها إلى 40 امرأة وفتاة، أغلبهن يزيديات والباقي سوريات، أحد مسؤولي التنظيم في سرت ويدعى «الأنصاري». وبعد أكثر من شهر من وصولهن، ومع شعور التنظيم ببعد المسافات بين قادته ووجود تصرفات خرقاء من البعض، قرر الدفع بهن إلى قلعة السدادة، تمهيدا لبحث الإجراءات بشأنهن، حيث جاء من بين الاقتراحات التي رصدتها الأجهزة الأمنية «بيعهن لمن يريد».
لكن بعد ذلك بأيام عدة، جاءت تعليمات من «الشيخ ياسين» من مكتب البغدادي، بنقل الأسيرات من مقر خلوة القذافي في منطقة السدادة، والتوجه بهن إلى طرابلس العاصمة، وترك أمر التصرف تجاههن، لقيادات داعشية في طرابلس تتواصل بشكل مباشر مع الشيخ ياسين. وقال مصدر أمني: إن هذا الإجراء زاد من حالة الشقاق بين زعماء داعش، وأثار استغراب الطلائع التي وصلت إلى السدادة.. «اتضح أن هناك عناصر في العاصمة يجري تحريكها بتعليمات من مكتب البغدادي دون المرور على زعيم داعش ليبيا، المعروف بالمدهوني».
وبحسب المصادر الأمنية، كشفت هذه الواقعة عن تأسيس «داعش ليبيا»، بتعليمات من مكتب البغدادي، ودون تنسيق مع المدهوني، خلايا صغيرة أصبحت موزعة داخل العاصمة الليبية وفي مناطق أخرى، وتديرها شخصيات غامضة، منها رجل يدعي آدم الأسدي، وشخص يسمى أيمن الشيشاني، وآخر اسمه موفق عزام، وأنيس العراقي ورشاد التركماني، وغيرهم. ومن مواقع هذه الخلايا، طريق السواني قرب «مزرعة المقصبي» عند مصنع «آجر السواني»، وأخرى في منطقة «الفلاح القديمة» على طريق «دار البيجو»، وثالثة في طريق المطار بمنطقة سيدي سليم، ورابعة خلف «مزرعة سعيد راشد»، وخامسة في «غوط الشعال»، وفي ضاحية جنزور قرب المساكن المقابلة لمعسكر «سيدي بلال»، وغيرها.
وفي المقابل، جرى توجيه قيادات أخرى كانت تعمل بالقرب من المدهوني، إلى التحرك على رأس مجاميع منتشرة في سرت، إلى المناطق الواقعة جنوب بني وليد، والتي تعد منطقة السدادة مركزا لها. وتضم استراحة السدادة خيمة من الجدران المسلحة، كانت تخص معمر القذافي. تبدو خرسانة الخيمة على شكل أروقة عليها سقف.
وفي السنوات الأخيرة من حكمه، كما يقول مسؤول قبلي في مدينة بني وليد، اعتاد القذافي الإقامة هناك لأيام عدة، كل شهرين أو ثلاثة، وكان يأتي إليه شعراء لإلقاء القصائد التي تمجده، رغم خلافاته التاريخية مع مدينة بني وليد المجاورة. وبعد عام 2011 دخلت عناصر من المتطرفين إلى هذا المقر، لكنها لم تفضل الإقامة فيه لفترة طويلة.. «استخدمته لتعذيب أنصار النظام السابق حتى أواخر عام 2012، وبعد ذلك انتقل المسلحون بمن معهم من مساجين إلى مدن الشمال».
ويقع مقر خلوة القذافي، الذي كان مهجورا حتى أسابيع قليلة مضت، أعلى تبة مرتفعة. وتوجد في الموقع أيضا «كرافانات» ومبان سكنية عدة، وهو مجهز للإقامة فيه لفترت طويلة إذا جرى ترميمه. وتقول المصادر: «إن عناصر (داعش) التي وصلت إلى هناك أخذت في إصلاح الموقع، وتركيب أبواب ونوافذ وتشغيل مولد الكهرباء وتسليك (مجارير) المياه، وبناء الأروقة الأسمنتية التي كانت قد تهدمت من الخيمة أثناء الانتفاضة المسلحة في 2011».



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.