رحل عن عالمنا مؤخرا الشخص الذي كانت فرنسا كلها تحبس أنفاسها عندما يظهر على الشاشة الصغيرة، كي يروي لها قصص التاريخ. إنه المؤرخ الشهير ألان ديكو، صاحب المؤلفات الكثيرة عن تاريخ فرنسا وأبطالها وشخصياتها، بل وعن شخصيات العالم كله. كما أنه عضو في الأكاديمية الفرنسية منذ نحو أربعين عاما. نذكر من بين مؤلفاته: «دانتون وروبسبيير»، و«فيكتور هيغو»، و«قصص خارقة للعادة»، و«موناكو وأمراؤها»، و«كان ذلك هو القرن العشرين»، و«الملفات السرية للقرن العشرين»، و«أسرار التاريخ».. إلخ. وفي واحد من كتبه الأخيرة، بعد أن تجاوز الثمانين، يروي ألان ديكو أهم قصة بالنسبة له: قصة حياته. فقد ولد عام 1925 بشمال فرنسا لعائلة برجوازية. وعندما بلغ سن الحادية عشرة، مرض مرضا خطيرا، واعتقد الأطباء أنه سيموت. ولكنه قرأ قصة ألكسندر دوما: «الكونت دي مونت كريستو»، فعاش ونسي الموت، أو مر من جانبه.
وعندما بلغ السادسة والعشرين، دشن على الراديو برنامجا شهيرا باسم: «منبر التاريخ»، أو «محكمة التاريخ»، استمر ستة وأربعين عاما! واستمعت إليه كل فرنسا، نظرا لطابعه التشويقي، والطريقة الرائعة التي كان يروي بها قصص تاريخ فرنسا. ومعلوم أن ألان ديكو حكواتي من الطراز الأول. ومن يستمع إليه مرة واحدة فإنه يجذبه كالمغناطيس إليه، فلا يكاد ينساه، ولكن هل حصل أن استمر برنامج إذاعي مدة نصف قرن تقريبا؟! شيء عجيب ولا يكاد يصدق. والدليل على ذلك هو أن ألان ديكو لا يكاد يصدق أن ذلك قد حصل بالفعل.
وعندما بلغ التاسعة والعشرين من عمره، سلموه مسؤولية برنامج تلفزيوني بعنوان: «الكاميرا تستكشف العصور والأزمان». وقد روى فيه قصص الملوك والأبطال في العصور الخوالي، من بينهم الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. ولقي البرنامج نجاحا منقطع النظير، واستمر عشر سنوات.
وعندما بلغ ألان ديكو الرابعة والأربعين عام 1969، سلموه برنامجا تاريخيا آخر على التلفزيون الفرنسي، وكان بعنوان: «ألان ديكو يحكي»، وقد استمر عشرين عاما، واستمعت إليه كل فرنسا، وكانت تحبس أنفاسها، كما قلنا، كل مساء، وهي تستمع لهذا المؤرخ المنقطع النظير، وهو يروي بصوته المعروف أهم حكايات التاريخ. وما كان أحد يستطيع أن ينام قبل أن يستمع إلى البرنامج كاملا. كان ذلك حدثا في تاريخ فرنسا والتلفزيون الفرنسي.
وقد نشر مضمون هذه البرامج لاحقا في ثمانية وستين مجلدا! وفي عام 1976 عينوه أستاذا لعلم التاريخ في الجامعة، على الرغم من أنه لا يمتلك الشهادات العلمية التي تخوله احتلال هذا المنصب. ولكن شهرته كانت قد طبقت الآفاق، وأصبح الرجل أسطورة. ولكنه أصيب بذبحة صدرية في العام نفسه، فأجروا له جراحة القلب المفتوح، ونجحت معه. ثم عاش عمرا مديدا، حيث مات الأسبوع الماضي عن عمر يناهز التسعين عاما.
وفي عام 1979 انتخبوه عضوا في الأكاديمية الفرنسية، وهو في الرابعة والخمسين من عمره. وهذا أكبر تكريم يمكن أن يحظى به كاتب فرنسي، منذ أيام فولتير، وفيكتور هيغو. ولكنه أصيب عام 1987 بذبحة صدرية ثانية، أشد خطرا من الأولى، ومع ذلك فقد تجاوز المحنة ولم يمت، وقال: «ليس الذنب ذنبي إذا كنت قد بقيت على قيد الحياة»!
وفي أواخر الثمانينات أصبح وزيرا في الحكومة الفرنسية رغما عنه! وقد فعل المستحيل كي يتحاشى المنصب؛ لأنه يبعده عن هوايته المفضلة: كتابة التاريخ. ولكنه لم يستطع الاعتذار، أو قل لم يستطع أن يتملص، فرئيس الوزراء ميشال روكار، ألح عليه في تسلم وزارة الفرنكفونية؛ لأنه أشهر مؤرخ في فرنسا، وأكبر ضليع في لغتها وتاريخها. ثم لأنه عضو في الأكاديمية الفرنسية، فقد اجتمعت فيه كل الصفات الضرورية لتسلم هذا المنصب الهادف إلى نشر اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية في شتى أنحاء العالم، كما يهدف إلى الدفاع عنها في مواجهة الهجمة الأنغلوسكسونية.
ثم يتحدث ألان ديكو عن زيارته للبابا من أجل أخذ نصائحه ومشورته، بخصوص الحرب الأهلية اللبنانية التي كانت في أوجها آنذاك. ومعلوم أن المناطق المسيحية كانت تتعرض لقصف شديد، ولذلك طلب الرئيس ميتران من وزرائه أن يقطعوا إجازاتهم الصيفية، كي يذهبوا إلى العواصم العربية من أجل تهدئة الموقف في بيروت، وأرسل بعضهم إلى الرياض، والبعض الآخر إلى القاهرة أو عَمان، وطلبوا من ألان ديكو وزير الفرنكفونية، أن يذهب إلى بيروت بعد مقابلة البابا بمقره الصيفي في إيطاليا.
وعندما دخل على البابا أحس بالخشوع والرهبة ككل مسيحي، ووجد البابا في حالة غضب شديد؛ لأن الجماعة الدولية تسكت على ما يجري في لبنان من مجازر تصيب المسيحيين خاصة. وقال للوزير الفرنسي: «ينبغي أن تفعلوا كل شيء لإيقاف المجزرة»، ثم نهض البابا وانتهت المقابلة خلال نصف ساعة فقط، وكان البابا يوحنا بولس الثاني قد ختمها بقوله: «أنا لا أستطيع إلا أن أصلي، وأما أنتم فعليكم أن تتحملوا مسؤوليتكم كاملة»، ووعده ألان ديكو بالتحرك في الاتجاهات كافة، من أجل إيقاف الحرب الأهلية الدائرة في بلد عزيز على قلب روما وفرنسا والغرب كله؛ لأنه همزة الوصل بين المسيحية والإسلام، أو بين العرب وأوروبا.
ثم قال له البابا: «هذه الحرب عبثية، ولا معنى لها، فالطائفة المسيحية كانت تعيش في وئام وسلام مع إخوانهم المسلمين، فلماذا تغيرت الأمور إذن؟ لماذا يقتل بعضهم بعضا؟ إنهم ينتمون إلى الشعب ذاته. هذه المجزرة ينبغي أن تتوقف، وفي أسرع وقت ممكن».
ثم يروي ألان ديكو بعدئذ قصة رحلته إلى بيروت في ظروف خطرة جدا، وقد حطت به الطائرة في قبرص أولا، قبل أن يأخذ قاربا إلى الشواطئ اللبنانية، ومعلوم أن مطار بيروت كان مقفلا بسبب الحرب الأهلية.
8:50 دقيقه
رحيل آلان ديكو.. أكبر حكواتي في تاريخ فرنسا
https://aawsat.com/home/article/613236/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%86-%D8%AF%D9%8A%D9%83%D9%88-%D8%A3%D9%83%D8%A8%D8%B1-%D8%AD%D9%83%D9%88%D8%A7%D8%AA%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7
رحيل آلان ديكو.. أكبر حكواتي في تاريخ فرنسا
مؤرخ شهير وعضو في الأكاديمية الفرنسية على مدى 40 عامًا
ألان ديكو
- باريس: هاشم صالح
- باريس: هاشم صالح
رحيل آلان ديكو.. أكبر حكواتي في تاريخ فرنسا
ألان ديكو
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

