منتدى فرص الأعمال السعودي المصري ينطلق بحثًا عن «شراكة استراتيجية مستدامة»

الربيعة: الاستثمارات السعودية في مصر الأولى عربيًا بنحو 6 مليارات دولار وشركات تتجاوز 3100

د. توفيق الربيعة وزير التجارة السعودي خلال كلمته التي ألقاها في افتتاحيات أعمال منتدى فرص الأعمال السعودي ـ المصري الذي انطلق يوم أمس في القاهرة (واس)
د. توفيق الربيعة وزير التجارة السعودي خلال كلمته التي ألقاها في افتتاحيات أعمال منتدى فرص الأعمال السعودي ـ المصري الذي انطلق يوم أمس في القاهرة (واس)
TT

منتدى فرص الأعمال السعودي المصري ينطلق بحثًا عن «شراكة استراتيجية مستدامة»

د. توفيق الربيعة وزير التجارة السعودي خلال كلمته التي ألقاها في افتتاحيات أعمال منتدى فرص الأعمال السعودي ـ المصري الذي انطلق يوم أمس في القاهرة (واس)
د. توفيق الربيعة وزير التجارة السعودي خلال كلمته التي ألقاها في افتتاحيات أعمال منتدى فرص الأعمال السعودي ـ المصري الذي انطلق يوم أمس في القاهرة (واس)

انطلقت في مصر أمس أعمال منتدى فرص الأعمال السعودي المصري؛ بعنوان مستقبل الاستثمار والأعمال بين السعودية ومصر «نحو شراكة استراتيجية مستدامة»، بهدف تعريف المستثمرين بالفرص الاستثمارية ومقومات الاستثمار بالمملكة ومصر في القطاعات الزراعية، التجارية، الصناعية والطاقة المتجددة، واستعراض أبرز المشروعات الاستثمارية الحالية والمستقبلية، وذلك على هامش زيارة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز التي بدأها الخميس الماضي، وتستمر على مدار خمسة أيام.
وقال الدكتور توفيق الربيعة، وزير التجارة والصناعة السعودي، في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية للمنتدى، إن العلاقات بين المملكة ومصر تتسم بأسس وروابط قوية نظرا للمكانة والقدرات الكبيرة التي يتمتع بها البلدان على الأصعدة العربية والإسلامية والدولية، مشيرا إلى أن عدد المصريين في المملكة وفق إحصاءات رسمية، يقدر بنحو مليوني مصري، وتنتشر هذه الأعداد في مناطق المملكة كافة.
وأشار الدكتور الربيعة إلى أن حجم الاستثمارات السعودية يحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية المستثمرة في مصر، والمرتبة الثانية على مستوى الاستثمارات العالمية، بقيمة 50 مليار جنيه بعدد شركات تتجاوز 3100 شركة تم تأسيسها منذ عام 1970 حتى عام 2015.
وأضاف وزير التجارة والصناعة السعودي أن العلاقة المميزة بين المملكة ومصر توجت بالزيارة الحالية لخادم الحرمين والتي شهدت التوقيع على مجموعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وتوجها خادم الحرمين بالإعلان عن إقامة جسر الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي يسهم في الارتقاء بمستوى العلاقات الاقتصادية والتجارية والتبادل التجاري بين البلدين.
وشهد الملك سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أول من أمس، توقيع 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم في عدة مجالات منها الكهرباء والإسكان والطاقة النووية والزراعة والتجارة والصناعة، في قمة تاريخية أعلن فيها عن مشروع الربط البري بين البلدين عبر جسر الملك سلمان، ما يعزز فرص التبادل التجاري.
وأوضح الدكتور الربيعة أن الاستثمارات السعودية تتمثل في عدد من القطاعات أبرزها القطاع الصناعي، وتقدر بنحو 16 مليار جنيه، والقطاع الإنشائي يمثل 8 مليارات جنيه، وقطاع السياحة بقيمة 7 مليارات جنيه، وقطاع الاستثمار التمويلي بقيمة 6 مليارات.
وقال الدكتور الربيعة بأن الكثير من الإشكاليات المتعلقة برجال الأعمال السعوديين ذللت، معربا عن تطلعه إلى حل مشاكل الاستثمارات المتعثرة بشكل كامل.
من جانبه، أكد وزير التجارة والصناعة المصري الدكتور طارق قابيل أن الزيارة التاريخية والفعاليات المصاحبة لها تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين كما تمثل قوة دفع هائلة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية المشتركة خاصة في ظل التحديات الإقليمية والعالمية التي تحتم السعي نحو مزيد من التكامل والاندماج الاقتصادي لتحقيق المنفعة المشتركة لكلا الدولتين.
وأشار الوزير إلى أهمية الدور الذي يلعبه رجال القطاع الخاص في الجانبين لتحقيق التنمية المنشودة من خلال الشراكة والاستثمار في مشروعات مشتركة تعود بالفائدة على البلدين، وتحفز النمو الحقيقي لاقتصادهما، وتوفر المزيد من فرص العمل، وهو ما يلقي بمسؤولية كبيرة على الحكومتين لتوفير سبل توطيد وتطوير مثل هذه الشراكة وتمهيد الطريق لها وإزالة ما قد يقف أمامها من عقبات إجرائية.
وقال قابيل في كلمته خلال افتتاح المؤتمر إن الحكومة المصرية حرصت خلال الفترة الماضية على تطبيق خريطة طريق اقتصادية تضمنت مزيجا من الخطوات العاجلة والإصلاحات الهيكلية الضرورية شملت إصلاحات في السياسة المالية والضريبية وترشيد الدعم وإصدار تشريعات جديدة لجذب الاستثمار والبدء في تنفيذ مخطط قومي للتنمية العمرانية وإطلاق عدد كبير من المشروعات العملاقة التي تعتبر قاطرة لإنعاش الاقتصاد المصري ولعل أبرزها مشروع قناة السويس الجديدة، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وإنشاء أكثر من 5000كم من الطرق وبناء الكثير من محطات الطاقة وتوسيع 3 موانئ وبناء 3 موانئ أخرى وبناء 3 مدن جديدة بما فيها العاصمة الإدارية الجديدة ومشروع مدينة دمياط للأثاث ومشروع المثلث الذهبي.
وأشار إلى أن الاقتصاد المصري واجه خلال السنوات الخمس الماضية تحديات ومصاعب كثيرة تطلبت اتخاذ خطوات جادة نحو استعادة الثقة في الاقتصاد المصري عن طريق تطبيق إصلاحات تتسم بالشمولية والجدية وهو ما أسفر عن تحقيق بعض النتائج الإيجابية حيث بلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.2 في المائة، وتستهدف الحكومة الوصول بمعدل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 6 في المائة مع نهاية العام المالي 2018 - 2019. والعمل على تخفيض العجز المالي إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
ودعا قابيل قطاع الأعمال السعودي لضخ المزيد من الاستثمارات في السوق المصرية والاستفادة من الفرص المتاحة خاصة في ظل موقع مصر المتميز والذي جعلها مركزًا للتصنيع من أجل التصدير إلى أكثر من 1.6 مليار مستهلك في مناطق التجارة الحرة التي انضمت إليها مصر من دون جمارك أو حصص متضمنة الوطن العربي، ودول الاتحاد الأوروبي.
وأشاد الوزير المصري بجهود رجال الأعمال في البلدين لبناء تعاون اقتصادي مثمر، فضلا عن الإشادة بالجهود المبذولة من قبل منظمات الأعمال في البلدين لدعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين الجانبين ولعل تنظيم هذا المنتدى خير دليل علي ذلك لاستكمال الجهود المبذولة لتعريف رجال الأعمال من الجانبين بفرص التعاون المتاحة، مؤكدا على أن التواصل المستمر بين حكومتي البلدين ورواد الأعمال سيكون الضمان الأكيد والعامل الرئيسي لتوثيق الروابط الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين بما يؤدى لتحقيق المنفعة المشتركة المنشودة.
وحول العلاقات التجارية بين مصر والسعودية أوضح الوزير أن العلاقات المشتركة شهدت تطورًا سريعا خلال الفترة الأخيرة حيث انعكست جهود التنسيق والتشاور المستمر بين حكومتي البلدين بصورة إيجابية على حركة التجارة البينية وهو ما أدى إلى ارتفاع حجم التبادل التجاري في عام 2015 إلى ما قيمته 6.3 مليار دولار مقابل 5.3 مليار دولار في عام 2013. كما بلغت الاستثمارات السعودية في مصر نحو 6 مليارات دولار في أكثر من 3400 مشروع استثماري، بينما بلغت الاستثمارات المصرية في المملكة نحو 2.5 مليار دولار في أكثر من 1300 مشروع استثماري برأس مال مصري، لافتًا إلى أهمية بذل المزيد من الجهود لتحقيق التكامل الاقتصادي بين أكبر بلدين في الوطن العربي حيث تمثل الصادرات المصرية نحو 1 في المائة من إجمالي الواردات السعودية وتمثل الصادرات السعودية نحو 5 في المائة من إجمالي الواردات المصرية. وأشار قابيل إلى أن إقامة جسر الملك سلمان والذي يعد من أهم الجسور البرية التي ستربط السعودية بمصر عبر البحر الأحمر سيسهم في دعم تدفق وانسياب حركة التجارة والاستثمارات بين البلدين وكذا سيسهل من الوصول إلى أسواق أخرى عبر البلدين وهو الأمر الذي سينعكس إيجابا على تنمية التجارة بين مختلف الدول العربية والأجنبية.
من جهته، أوضح عبد الرحمن بن عبد المحسن الفضلي، وزير الزراعة السعودي في كلمته أمام المنتدى أن مصر تتمتع بفرص جاذبة للاستثمار في القطاع الزراعي والتصنيع الغذائي، وقال: إن وزارة الزراعة في المملكة تعمل في هذا الجانب بالشراكة مع القطاع الخاص على تنمية وتعزيز التعاون والاستثمار في القطاع الزراعي مع مصر، للإسهام في التنمية الاقتصادية وتحقيق الأمن الغذائي وإيجاد فرص عمل لأبناء مصر الشقيقة.
وبين الوزير أن حكومة خادم الحرمين تولي أهمية كبيرة لتعزيز التعاون بين البلدين في شتى المجالات، ومنها المجال الزراعي، مشيرا إلى وجود تنسيق مستمر بين وزارتي الزراعة في البلدين وكذلك من خلال مجلس التنسيق السعودي المصري، حيث وقّعت مذكرة تفاهم ستسهم في تعزيز الاستثمارات الزراعية السعودية في مصر في مجالات زراعة الحبوب والخضار والفواكه والأعلاف، وإنتاج الألبان ومشتقاتها والعصائر والتصنيع الغذائي.
وأكد حرص قيادة البلدين على تطوير المنجزات والمكتسبات في مجال التعاون الزراعي وتقديم المزيد من الدعم والعمل على تذليل الصعوبات التي قد تعترض الجهود والاستثمارات في هذا القطاع. وبدوره، عد وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري الدكتور عصام فايد، المنتدى فرصة جيدة لتعزيز أوجه التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين، خاصة أنه يواكب زيارة خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى مصر.
وقال في كلمته إن «مصر بما لديها من مقومات استثمارية هائلة سواء في مجال الاستثمار الزراعي والصناعات الغذائية والزراعية وصناعات الإنتاج الحيواني والداجن والسمكي، تمثل بيئة خصبة لجذب الاستثمارات لتحقيق التكامل العربي والإسلامي الذي ينشده الجميع لرفعة البلاد، خاصة أن الاستثمارات السعودية تحتل مرتبة مهمة من حيث حجم الاستثمارات في مصر».
وأشار الوزير المصري إلى أن مصر خطت وما تزال تخطو خطوات حثيثة وجادة نحو إحداث تنمية شاملة في المجالات كافة، وخاصة المجال الزراعي من خلال مشروع استصلاح المليون ونصف مليون فدان، الذي يستهدف إيجاد مجتمعات عمرانية متكاملة ويوفر فرص العمل لملايين الشباب وينقل الحياة من الدلتا إلى الوادي، ليكون بداية ناجحة لاستصلاح واستزراع ما يقارب ملايين فدان.
وخلال وقائع المنتدى، أكد صالح كامل رئيس مجلس الأعمال المصري السعودي، أن الاستثمار في مصر مربح لمن يجيد إدارة استثماراته، لافتا إلى أنه بعد (ثورة) 30 يونيو كلف الرئيس السيسي جهات سيادية بحل مشاكل المستثمرين السعوديين، وبالفعل تم حل أكثر من 80 في المائة من مشاكل المستثمرين مع الجهات المعنية.
وفي السياق نفسه، دعا رئيس مجلس إدارة اتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل في كلمته أمام منتدى فرص الأعمال السعودي المصري، المستثمرين السعوديين للمشاركة في مؤتمر مصر الاقتصادي العالمي المقرر انعقاده في 28 مايو (أيار) المقبل، لافتا إلى أن المؤتمر سيشهد الإعلان عن إصلاحات تشريعية وإجرائية لإيجاد بيئة أعمال جديدة، وعرض فرص استثمارية واعدة ومميزة، كما ستطرح هيئات المعونات والبنوك والصناديق الإنمائية آليات تمويلية طويلة الأجل.
وأشار إلى أن مصر والمملكة ستتكاملان بمشروع الحلم، وهو جسر الملك سلمان بن عبد العزيز مما سيزيد من الاستثمارات ويساعد في مشروعات التصنيع من أجل التصدير وتنمية الخدمات اللوجستية، مؤكدًا أن مصر تعد مركزا للتصنيع من أجل التصدير لأكثر من مليار و300 مليون مستهلك، دون حصص أو جمارك، وبنسبة تصنيع محلي تصل إلى 35 في المائة، مع توافر الموانئ الحرة والمراكز اللوجستية المدعومة بخدمات ما بعد البيع.
يذكر أن المنتدى يهدف إلى تعريف المستثمرين بالفرص الاستثمارية ومقومات الاستثمار بالمملكة ومصر في القطاعات الزراعية، التجارية، الصناعية والطاقة المتجددة، واستعراض أبرز المشروعات الاستثمارية الحالية والمستقبلية التي يمكن أن يشارك فيها المستثمرون من القطاع الخاص في البلدين، وجذب المستثمرين من الداخل والخارج لتحقيق استثمارات مستدامة في المجالات المختلفة، إضافة إلى توضيح الحوافز والمميزات التشجيعية التي تقدمها حكومتا البلدين للمستثمرين للدخول في مشاريع استثمارية مشتركة في القطاعات الزراعية، التجارية، الصناعية والطاقة المتجددة، وتمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من تفعيل دورها في زيادة فرص الاستثمار الممكن بين البلدين، وتبادل الخبرات والمعرفة الإنسانية في جميع محاور المنتدى بما يحقق تنمية اقتصادية مستدامة في البلدين.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.