البرلمان المصري يدعم اتفاقات قادة البلدين

أعضاء المجلس لـ «الشرق الأوسط»: زيارة خادم الحرمين لمجلس الشعب سابقة تاريخية

السيد الشريف ....السفير محمد العرابي ....النائب مصطفى بكري
السيد الشريف ....السفير محمد العرابي ....النائب مصطفى بكري
TT

البرلمان المصري يدعم اتفاقات قادة البلدين

السيد الشريف ....السفير محمد العرابي ....النائب مصطفى بكري
السيد الشريف ....السفير محمد العرابي ....النائب مصطفى بكري

يستعد مجلس الشعب المصري اليوم لاستقبال خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز وسط حفاوة لاستقبال أسطوري، كما عكس ذلك استطلاع خاص لـ«الشرق الأوسط» مع بعض أعضاء البرلمان، حيث أكد الجميع على أهمية هذه الزيارة بحديث من القلب إلى ممثلي الشعب المصري من تحت قبة البرلمان.
ومن المقرر أن يزور الملك سلمان مقر مجلس النواب بوسط القاهرة اليوم (الأحد)، ضمن زيارته إلى مصر التي بدأت الخميس الماضي. كما يتوقع أن يحضر جانبا من الجلسة العامة للمجلس والمخصصة لمناقشة برنامج الحكومة، وأن يلقي خطابا تاريخيا أمام النواب.
وقال السيد محمود الشريف، الوكيل الأول لمجلس النواب (البرلمان) المصري، إن «حرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، على زيارة مقر المجلس ومخاطبة ممثلي الشعب المصري، أمر ليس بغريب عليه، فهو يمتلك تاريخا مشرفا مع مصر وشعبها منذ تطوعه في الجيش المصري للدفاع عنها ضد للعدوان الثلاثي عام 1956»، واصفًا الزيارة بأنها «سابقة من نوعها»، وأضاف أن «الجميع سيرى استقبالا أكثر من رائع ومستحقا للملك سلمان».
وأكد الشريف، هو نقيب «الأشراف» في مصر، والقيادي في ائتلاف «دعم مصر»، صاحب الأغلبية داخل البرلمان، أن «حضور خادم الحرمين الشريفين لمقر المجلس هو سابقة تاريخية شرف بها البرلمان المصري، وهي زيارة لها دلالاتها الكبيرة، إذ توضح عمق العلاقة التاريخية والترابط بين البلدين الشقيقين مصر والسعودية، وأيضا تكلل ما تم إنجازه خلال هذه الزيارة من اتفاقيات تعاون، والتي إن تدل على شيء هو العلاقة المتميزة بين الأشقاء».
وأضاف: «باعتباري الوكيل الأول لمجلس النواب وعضو هيئة المكتب، فإني أعبر عن ترحيبي الكامل بهذه الزيارة الخاصة، وأؤكد سعادة الجميع بها، وأن النواب في شوق إلى سماع خطاب خادم الحرمين، خصوصا أنها الزيارة التي تعد الأولى من نوعها في سابقة برلمانية لم تحدث من قبل.. ونأمل أن تكون نتائج الزيارة على هذا المستوى من التوفيق».
وتابع النائب البرلماني: «سيرى الجميع استقبالا أكثر من رائع ومستحقا لخادم الحرمين في البرلمان، وسيقدم النواب المثل والقدوة في استقبال شخصية عظيمة مثل الملك سلمان».
وحول حرص الملك سلمان على مخاطبة ممثلي الشعب المصري رسميا، قال الشريف إن «مبادرة خادم الحرمين ليس بغريبة عن الشعب المصري، فهو يمتلك تاريخا مشرفا مع مصر، منذ أن تطوع داخل الجيش المصري لمواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، والكثير من المواقف التي أظهر فيها حبه لمصر». مؤكدا «أنهم وفي المقابل كنواب الشعب المصري فإننا نعبر عن حبنا الكامل للشعب السعودي الشقيق وعلى رأسه خادم الحرمين الشريفين».
وحول الاتفاقيات التي تم توقيعها بين البلدين خلال الزيارة وموقف البرلمان من التصديق عليها، وفقا للدستور، قال الشريف: «بالطبع جميع تلك الاتفاقيات ستعرض على البرلمان، لكني أؤكد أن السادة النواب مرحبون ومباركون بها، وأعلنوا تأييدهم الكامل لها ودعمهم للدولة المصرية بخصوص ما جاء فيها من تعاون وتكامل اقتصادي وسياسي مع المملكة العربية السعودية، باعتبار أن هذه الاتفاقيات تعتبر استكمالا لمسيرة تاريخية مشرفة للعلاقة بين البلدين».
وخص النائب البرلماني اتفاقية إنشاء جسر بري بين مصر والسعودية، وقال إن «بناء مثل ذلك الجسر له دلالة كبيرة وعائد تنموي كبير على المستويين الاقتصادي والاجتماعي للبلدين، كما أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين تعد خطوة جادة لعلاقة طيبة ومتميزة بينهما».
وأضاف الشريف أن «البرلمان يثمن العلاقات التاريخية بين البلدين، والقضايا المشتركة بينهما والتي على رأسها قضايا الأمن القومي والدفاع العربي المشترك، إلى جانب قضايا الاستثمار»، مشيرا إلى «أهمية تلك العلاقة في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات أمنية وسياسية».
وقال: «هذه هي عظمة الشعب المصري والشعب السعودي، ففي الأوقات العصيبة التي تمر بها المنطقة يهب الشعبان عن طريق خادم الحرمين والرئيس عبد الفتاح السيسي، نحو تحقيق استقرار وأمن المنطقة بالكامل». وثمن وكيل البرلمان الدعم السعودي لمصر بعد ثورة «30 يونيو (حزيران)» 2013، على الصعيد السياسي والاقتصادي.
من جهته، أوضح المستشار أحمد سعد، الأمين العام لمجلس النواب، أن الجلسة العامة للبرلمان تستقبل اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، واعتبر هذه الزيارة رسالة تقدير وتكريم متبادل بين الشعب والملك سلمان.
فيما اعتبر السيد محمود الشريف الوكيل الأول لمجلس الشعب زيارة خادم الحرمين سابقة تاريخية وغير مسبوقة، مؤكدا ترحيب كل أعضاء البرلمان المصري بهذه الزيارة. وقال سوف نقدم الشكر للسعودية، ولخادم الحرمين على الجهود التي يبذلها لدعم مصر، في هذه المرحلة وكذلك ما تم من توقيع اتفاقيات لتطوير وتنمية العلاقات على المحورين السياسي والاقتصادي.
وحول تصديق المجلس على هذه الاتفاقيات أوضح أنها سوف ترسل من قبل رئيس الجمهورية، وسوف نعطي لها أولوية في التصديق عليها، كما سيعلن النواب تأييدهم لهذه الاتفاقيات، لافتا إلى أن الجميع كان ينتظرها منذ فترة طويلة. وحول تكريم المجلس لخادم الحرمين، قال الشريف: «سوف يتم تكريم الملك سلمان مع تقديم الشكر لهذه الزيارة المحببة والمقربة إلى عقولنا وقلوبنا». وأوضح أن «خادم الحرمين مخلص ومحب للشعب المصري وللعاملين المصريين في المملكة طيلة السنوات الماضية، وهناك تقدير للعمالة المصرية، ومن ثم ليس لنا مطلب وإنما سوف نعبر عن تقديرنا للرمزية الكبيرة للأمة العربية والإسلامية الممثلة في خادم الحرمين».
كما ثمن عضو البرلمان ووزير الخارجية الأسبق السفير محمد العرابي زيارة خادم الحرمين للبرلمان، وقال: «إن خطاب الملك يعد الأول في تاريخ مجلس الشعب». وشدد على أن خادم الحرمين سوف يؤكد على كل المفاهيم التي سادت طيلة برنامج الزيارة وما قبلها على أهمية مصر والانفتاح على التعاون معها في كل المجالات. واعتبر السفير العرابي التقارب المصري السعودي ركيزة أساسية للأمن القومي العربي، وقال: «إن وجود خادم الحرمين بيننا في مجلس الشعب حدث له قيمته في المعنى والمغزى والرسائل الداخلية والخارجية تؤكد ذلك». وقال: «إن العاهل السعودي سيوجه رسالة تقدير للشعب المصري كله وهذا أمر سوف يتحدث عنه التاريخ كما يستقبله أعضاء البرلمان بحفاوة بالغة».
ولفت إلى أن «اتفاقية ترسيم الحدود وغيرها ستعرض على البرلمان، ونحن نثق في القيادة المصرية والسعودية، على ما تم الاتفاق عليه من شراكة تتجاوز الحديث عن الاستراتيجية إلى بلد وشعب واحد».
من جهته، ذكر عضو البرلمان المصري مصطفى بكري أن زيارة خادم الحرمين للبرلمان المصري مهمة، حيث اختاره كي يكون منبرا للحديث مع الشعب المصري، وأكد أن الخطاب سيركز على أمرين، الأول إبراز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، والتي انتقلت إلى أرض الواقع من خلال التوقيع على 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم، والثاني الرد على المؤامرات الخارجية التي تحاك ضد مصر، وحتى من يدفعون بعناصر إرهابية لنشر الإرهاب في المنطقة، وكذلك توجيه رسالة للخارج وللمشككين في العلاقة بين البلدين، وللذين يمارسون ضغوطهم لإنهاء هذه العلاقة وبث الفرقة بين الشعبين الشقيقين، وقيادة البلدين.
وأشاد بكري بمستوى الوفد الرفيع الذي حضر مع خادم الحرمين لهذه الزيارة التاريخية والتي تضم 25 أميرا و18 وزيرا و80 شخصية. وأفاد بأن ترتيبات زيارة خادم الحرمين للبرلمان ستكون على النحو التالي:
الوصول إلى البرلمان في الثانية عشر ظهرا بتوقيت القاهرة، ولقاء كل من رئيس البرلمان ووكيليه في استراحة رئيس الجمهورية داخل المجلس، وسيتم إخلاء الصفوف الأولى في البرلمان لـ80 شخصية ترافق الملك في زيارته إلى البرلمان، ثم يلقي الملك رسالته وخطابه للشعب. وأضاف أن البرلمان لم يطلب شيئا من الملك سلمان، وإنما يرحب به مع تقديم أسمى آيات التحية والتقدير. وقال إن هناك من يحاول تسميم الأجواء، ولكن هذه المجموعة معروفة بمواقفها قبل الزيارة وأثناءها، وحتى ربما بعدها، وهم لا يريدون خيرا للشعب المصري، ولا حتى علاقة مع السعودية. وقال: «إن هناك رغبة صريحة لقيادة البلدين في تحويل التعاون إلى شراكة استراتيجية تخدم مصالح الشعبين المصري والسعودي».



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.