الصحافة اللبنانية بين محاولات التدجين.. والترهيب

اغتيالات وعمليات خطف.. ومهاجمة مقرات الصحف ووسائل الإعلام

الصحافة اللبنانية بين محاولات التدجين.. والترهيب
TT

الصحافة اللبنانية بين محاولات التدجين.. والترهيب

الصحافة اللبنانية بين محاولات التدجين.. والترهيب

لطالما كانت الصحافة اللبنانية رائدة في العالم العربي، مستفيدة من المناخ التعددي القائم في البلاد، والانقسامات السياسية التي خلقت أرضية خصبة للآراء المختلفة، بالإضافة إلى النهضة العلمية التي كان اللبنانيون من روادها. لكن الصحافة اللبنانية دفعت غاليا، من أرواح صحافييها، ومن معاناتهم، ثمنا لمحاولات التدجين التي تناوبت الكثير من القوى – والدول – على القيام بها، ثم أتت الأزمات الاقتصادية لتضيق الخناق على هذه الصحافة التي باتت في وضع لا تحسد عليه.

لا يعتبر الاعتداء الأخير على مكاتب «الشرق الأوسط» الأول من نوعه، فتاريخ الصحافة اللبنانية مجبول بالدم، كما لا يوجد ما يدعو إلى التفاؤل بأنه الاعتداء الأخير، فالصحافة اللبنانية تعيش هاجس «التدجين» الدائم، سواء بالضغط السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.
ويرى عميد كلية الإعلام في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا جورج فرحة، أن الاعتداءات المتكررة على وسائل الإعلام: «هي مؤشر على غياب الدولة»، مشددًا على أن الأمور «يجب أن تعالج من قبل الدولة والقانون، وليس عبر الاعتداءات والترهيب»، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون هناك حماية لوسائل الإعلام من الاعتداءات.
وقال فرحة لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان هناك من يعتبر نفسه متضررًا، فإن عليه أن يلجأ إلى القضاء والقانون الذي يفصل بين الأمور»، مشددًا على «أنني ضد كل الاعتداءات من كل الجهات على مختلف الوسائل الإعلامية». وآسف لأن الشأن السياسي في لبنان «يطغى على الإعلام»، قائلاً بأن الانتهاكات التي تعرضت لها وسائل الإعلام في لبنان «لا تحمل مؤشرات جيدة على مستوى احترام الديمقراطية وحرية الرأي في لبنان».
وترجع الباحثة في مجال الإعلام وأخلاقيات المهنة الدكتورة ماجدة أبو فاضل الاعتداءات على وسائل الإعلام، إلى «التدني في الأخلاقيات عموما»، موضحة أن «أي اعتداء أو عنف لا يحل المشاكل».
وإذ شددت على أن «معالجة الأمور تتم بتروٍ وعقلانية وبالحوار، وهي الثقافة المفقودة اليوم كون العنف يولد عنفا مضادا»، قالت: «لسوء الحظ، المنطق في لبنان ليس واردًا». وتؤكد أن الاعتداء على الإعلام «هو نتيجة سلسلة متكاملة لم تأت من فراغ. فإقصاء الرأي الآخر، يعني أن هناك مشكلة بنيوية. المنطق يقول: إن الاختلاف لا يعني أنه على المختلفين أن يلجأوا إلى العنف أو التهجم أو الاعتداء جسديا».
ولا ترى أبو فاضل أن القضية محصورة بتفكك الدولة وغياب دورها فحسب، إذ ترى أن هذا السبب «غير كاف». وتقول: «لننظر داخل المنزل كيف تتعاطى الناس مع بعضهم ويربون أولادهم، ولننظر إلى المدارس كيف تنشئ الأطفال»، مؤكدة أن الأمر «نتيجة تراكمات وتشعبات وتحتاج إلى دراسة». وتضيف أبو فاضل: «المؤسف أننا نلجأ إلى العنف والتراشق الكلامي والسبابي والقذف والقدح والذم، في وقت يتضح أن المنطق غائب. وأتأسف لهذا المشهد المؤلم الذي يظهر أننا أشخاص غير ناضجين».
إذا كانت صحيفة «الوقائع» المصرية، التي أصدرها الخديو محمد علي باشا في القاهرة سنة 1828، من أولى المطبوعات التي شهدها العالم العربي، لكنها كانت صحيفة رسمية، لـذا اعتبرت «حديقة الأخبار» التي أصدرها خليـل الخـوري فـي بيروت مطـلع يناير (كانون الثاني) 1858 أم الصحف العـربية وأول دوريـة سياسية غير رسمية تصدر على الأرض العربية.
وينقل موقع وزارة الإعلام اللبنانية عن الكاتبة ليلى حمدون في استعراضها الصحف العربية التي صدرت في ذلك العهد في العالم: نجد أن أغلبها صدر عن لبنانيين أو كان للبنانيين فضل في إصدارها، كالكونت رشيد الدحداح الذي أصدر جريدة «برجيس باريس» عام 1858، وأحمد فارس الشدياق الذي أصدر «الجوائب» في إسطنبول عام 1860. أما ثاني جريدة صدرت في لبنان، فهي «نفير سوريا»، التي أسسها المعلّم بطرس البستاني العام 1860 في بيروت، وكانت تدعو إلى الوحدة الوطنية إثر مذابح 1860 الطائفية.
وبدءا من العام 1870. بدأت طفرة لبنانية بارزة في إصدار الصحف، فصدر في ذلك العام وحده سبع جرائد ومجلات، أهمها: «البشير»، التي أنشأها الآباء اليسوعيون، و«الجنة»، أصدرها سليم البستاني، وكانت أسبوعية تجارية أدبية، وقد اشتهرت بجلب الأخبار البرقية على حسابها الخاص. أما «الجنان» التي أصدرها المعلم بطرس البستاني عام 1870، فقد كانت تصدر مرتين في الشهر، وكان شعارها «حب الوطن من الإيمان». في نفس العام، أنشأ القس لويس صابونجي «النحلة»، وكانت أسبوعية تتناول مختلف المواضيع ما عدا الدين والسياسة.
وكانت الصحف اللبنانية تتميز بطابع نقدي – سياسي حيث ظهرت مجموعة من الصحف «النقدية» التي تناولت حتى السلطان العثماني نفسه قبل أن يقيّد بعدها السلطان عبد الحميد حريّة الكتابة دافعًا ببعض الصحافيين إلى ترك لبنان إلى مصر وأوروبا وتأسيس صحف هناك. صدرت صحف سياسية كثيرة في هذه الفترة بدءًا من «الجنينة» التي أصدرها سليم البستاني. وعام 1877 صدرت «لسان الحال» لخليل سركيس وفيها ظهر أول إعلان مصوّر. وعام 1876 عرفت الصحافة أول دورية علمية متخصصة هي «المقتطف» ليعقوب صروف وفارس نمر قبل أن ينضم إليهما شاهين مكاريوس، وقد عنيت هذه الصحيفة بالمقالة العلمية والمناقشات الفكرية. ولكن موقف السلطة السلبي من مواضيعها وأصحابها حدا بالأخيرين إلى الانتقال بدورهم إلى مصر العام 1882.
وعام 1891. صدرت أول صحيفة سياسية في جبل لبنان وهي «لبنان» التي أصدرها إبراهيم الأسود واعتمدها المتصرف واصا باشا، فصارت شبه رسمية. وفي العام نفسه، أصدر خليل بدوي صحيفة «الأحوال». وبعد ثلاث سنوات جعلها يومية وكانت حينها أول صحيفة يومية في السلطنة. وفي عام 1908، تأسست صحيفة «البرق» للشاعر بشارة الخوري وانطلقت منها شرارة النضال الوطني والدعوة إلى التحرر من الاحتلالات، فطارده العثمانيون فتخفى عنهم واستمر بالكتابة باسم الأخطل الصغير.
وأواخر أيام الحكم العثماني، ازداد إصدار الصحف من لبنان، ولكنه ما لبث أن خف خلال الحرب العالمية الأولى لندرة الورق. ومع مجيء جمال باشا إلى ولاية سوريا ولبنان (1915 – 1916)، كانت فترة قمع نفذت خلالها إعدامات بحق الكثير من الصحافيين، علما بأن شهداء لبنان الذين تحتفل البلاد بهم في السادس من مايو (أيار) من كل عام بعد أن علقهم جمال باشا على المشانق في وسط بيروت، كان من بينهم الكثير من الصحافيين أمثال: فيليب وفريد الخازن، أحمد طبارة، بترو باولي، جرجي حداد، عمر حمد، عبد الغني العريسي، عارف الشهابي، سعيد عقل، محمد محمصاني وعبد الكريم الخليل.
ومنذ العام 1931، كثرت المؤتمرات والاضطرابات، ونشأت تكتلات سياسية وطائفية. لذلك صدرت صحف حزبية ملتزمة ما لبثت أن مثلت التيارات كافة. ففي العام 1933 صدرت صحيفة «Le Jour» بالفرنسية متحدثة باسم الكتلة الدستورية، وقد رأس تحريرها ميشال شيحا ثم شارل حلو قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية.
وكانت صحيفة «L’Orient» قد صدرت عام 1923 تحت إشراف جبرائيل خباز وجورج نقاش وكانت تساند إميل اده. وأصدر الحزب الشيوعي عام 1937 «صوت الشعب» وأصدر حزب الكتائب عام 1939 «العمل» وأصدر حزب الوحدة الوطنية عام 1940 «الطلائع».
وعندما اعتقلت سلطات الانتداب رجال الاستقلال في قلعة راشيا، صدرت صحيفتان إحداهما تحمل شعار علامة الاستفهام والأخرى شعار علامتي استفهام لتعبئة الشعب ضد الانتداب. أما في فترة الخمسينات كانت فترة القومية العربية. وخلالها صدرت دوريات حزبية ودوريات سياسية كثيرة من بينها «السفير»، فيما كانت فترة الثمانينات فترة ظهور دوريات جديدة حزبية – عسكرية، كصحيفة «أمل» وصحيفة «العهد» الناطقة بلسان ما يسمى «حزب الله» وغيرها.
وقد تعرضت الصحافة اللبنانية خلال فترات مختلفة لعمليات قمع وترهيب، كانت أبرزها في البداية مع السلطة اللبنانية التي ضغطت على الصحف اللبنانية عبر الترهيب والترغيب، فتعرض الكثير من الصحافيين للسجن، إذ كان الراحل غسان تويني نزيلا دائما للسجون، فيما كانت الإغراءات المالية تنهال على آخرين لضمان الولاء. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ازداد طمع الخارج بالصحافة اللبنانية، تمويلا وترهيبا. وكان للنظام السوري وقفات مطولة مع الصحافة التي كانت مكاتبها في بيروت أول ما احتلها الجيش السوري لدى دخوله لبنان، فيما كانت أصابع الاتهام التي توجهت إلى هذا النظام عن عمليات الاغتيال التي طاولت صحافيين لبنانيين، تضرب أرقاما قياسية.
اغتيالات.. واختطاف
أول الاغتيالات التي طاولت صحافيين لبنانيين، كانت من نصيب الصحافي نسيب المتنبي، الذي قتل في الثامن من مايو 1958 بخمس رصاصات، وكان اغتياله شرارة مباشرة في التمرد المسلح ضد عهد الرئيس كميل شمعون الذي كان المتنبي من أبرز مناوئيه. إذ عمّت المظاهرات والإضرابات أرجاء البلاد. واندلعت في طرابلس معارك مع الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وفي 16 مايو 1966. اغتيل مؤسس صحيفة «الحياة» كامل مروة في مكتبه في دار «الحياة» في بيروت برصاصتين أطلقتا من مسدس كاتم للصوتً. وتردد أن الاغتيال كان بناء لأوامر صادرة من عبد الحميد السراج، وبإشراف السفير المصري لدى لبنان عبد الحميد غالب.
وفي 25 فبراير (شباط) 1980، اختُطف الصحافي اللبناني سليم اللوزي عند حاجز للقوات السورية في منطقة طريق المطار أثناء توجهه إلى مطار بيروت الدولي في طريقه إلى لندن بعد أن أمضى خمسة أيام في بيروت، أقام فيها مراسم دفن والدته. وفي الرابع من مارس (آذار) 1980، وجد راعي غنم جثّة اللوزي في منطقة عرمون.. وقد أذيبت يده اليمنى بمادة «الأسيد»، كرسالة تهديد لكل الصحافيين وقيّدت الجريمة ضد مجهول آنذاك.
وقد وصف نقيب الصحافة رياض طه اغتيال سليم اللوزي بأنّها «كارثة». وقال طه: «لا أعتقد أنّه سيبقى هناك صحافة في لبنان». ولم يطل الأمر إلا 4 أشهر على اغتيال اللوزي، حتى اغتيل رياض طه في 23 يوليو (تموز) 1980، حيث لاحق مسلحون سيارته بينما كان متوجها للقاء الرئيس سليم الحص، حينها، واعترضوه مقابل فندق الكارلتون في الروشة وفتحوا عليه النيران بأسلحتهم الرشاشة.
وفي 4 يوليو 1974. اختطف المدير المسؤول في جريدة «النهار» الصحافي ميشال أبو جودة على أيدي مجموعة فلسطينية تنتمي إلى منظمة «الصاعقة» المتحالفة مع النظام السوري. واعتبر وليد عون (ابن شقيقة أبو جودة ومرافقه الدائم) أن خاله ميشال أبو جودة كان الضحية الأولى للنظام السوري، وكانت أول عملية خطف يشهدها لبنان. وبعد أيام على اختطافه، وبعد تدخلات لعدد من الشخصيات اللبنانية والرؤساء العرب، أطلق سراح أبو جودة حيث عولج من آثار التعذيب.
وتعرّض عدد من الصحافيين اللبنانيين للخطف، ومحاولات الاغتيال، كمحاولة اغتيال ناشر صحيفة «السفير» طلال سلمان في 13 يوليو 1984، الذي تعرّض لإطلاق نار أمام منزله في منطقة رأس بيروت.
وبعد الانسحاب السوري من لبنان، عادت موجة جديدة من الاغتيالات لتضرب لبنان، وكان للصحافيين أيضا نصيبهم منها، فقد اغتيل الصحافي سمير قصير بعبوة ناسفة انفجرت في سيارته لدى محاولته إدارة محركها أمام منزله في الأشرفية صباح 2 يونيو (حزيران) 2005. ونجت الإعلامية اللبنانية مي شدياق من محاولة لاغتيالها، بعبوة ناسفة وضعت في سيارتها. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه فُجّرت سيارة مفخخة بموكب النائب والصحافي اللبناني جبران تويني، رئيس مجلس إدارة صحيفة «النهار» على طريق المكلس شرق بيروت.
وفي العام 2008، تعرضت صحيفة «المستقبل» وتلفزيون «المستقبل» للتخريب على أيدي مقاتلين من الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال عملية اجتياح العاصمة التي قامت بها جماعات ما يسمى «حزب الله» وحلفائها بها.
وبدوره تعرض تلفزيون «الجديد» لمحاولة إحراق من قبل عدد من الأشخاص، على خلفية مقابلة أجريت مع الشيخ أحمد الأسير.
وقالت صحيفة «المستقبل» بأن خطة مجموعة الملثّمين الخمسة التي هاجمت مبنى قناة «الجديد» في وطي المصيطبة كانت إحراق المبنى، ومن ثم الهرب وإصدار بيان باسم جهة إسلامية وهمية تتبنّى العملية «تضامنًا مع الرئيس سعد الحريري»، قبل أن تقوم بإحراق مبنى «إخبارية المستقبل» في القنطاري، وتصوير الخطوة على أنها رد فعل على إحراق «الجديد».
ولأنّ الخطة لم تنجح بسبب خطأ ارتكبه وسام علاء الدين وأدّى إلى اعتقاله، حاولت محطة «المنار» التابعة لما يسمى «حزب الله» في نشرتها الإخبارية أمس تعويم جزء من الخطة من خلال إعداد تقرير من منزل علاء الدين في زقاق البلاط تضمن مقابلات مع أفراد عائلته حيث بدت من خلفهم صورة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، في محاولة للإيحاء بأنّ المعتدين على قناة «الجديد» يدورون في فلك «تيار المستقبل».
وكان وسام علاء الدين اعتقل بينما، كان يحمل قنبلة «مولوتوف» متجهًا إلى داخل مبنى «الجديد» لإحراق المدخل، إلا أن أحد رفاقه الخمسة أشعل بنطاله خطأ، فعاد وسام أدراجه هربًا، وبدلاً من العودة إلى السيارة التي كانت تقلّهم هرع في اتجاه موقع كان يتواجد فيه شبان من الحزب التقدمي الاشتراكي الذين سارعوا إلى توقيفه وتسليمه إلى دورية تابعة للاستقصاء.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.