كشفت مصادر مقربة من الجماعات المتطرفة في ليبيا عن أن قائد تنظيم داعش في طرابلس الغرب، الملقب بـ«المدهوني» قام بتحويل ملايين الدولارات، وعتاد من الأسلحة بينها غاز السارين المحرم دوليا، للتنظيم الدموي في العراق وسوريا، بينما أفادت مراسلات جرى اعتراضها من جانب أجهزة أمنية في العاصمة الليبية، أن رجلا في مكتب الخليفة المزعوم، أبو بكر البغدادي، يدعى «الشيخ ياسين» يتواصل، من مدينة الموصل العراقية، مع قيادات من «داعش» في طرابلس وسرت، وطلب منها المزيد من الأموال لتعويض نقص السيولة لدى الفرع الأصلي للتنظيم.
ويبدو الموقف المالي لـ«داعش» في العراق وسوريا قد تأثر بشدة في الأشهر الأخيرة بسبب العمليات التي يقوم بها التحالف الدولي ضد التنظيم منذ أكثر من سنة، ما أدى إلى خفض رواتب العناصر القتالية منذ بداية هذا العام، وظهور حالة استياء عامة بين منتسبي التنظيم، وذلك على عكس الوضع بين دواعش ليبيا، حيث لوحظ أن رواتب العناصر القتالية لم تتأثر، خاصة في طرابلس وسرت ودرنة، مع استمرار حالة الشراء الشرهة للأسلحة والمقاتلين، بالإضافة إلى كلفة جلب عشرات القادة ومئات العناصر من عدة دول، من آسيا وأفريقيا وأوروبا، لتقوية شوكة التنظيم في ليبيا.
وفي عملية نادرة تمكنت أجهزة أمنية غربية في طرابلس من اعتراض برقيات بين الشيخ ياسين وقيادات من دواعش ليبيا خاصة في العاصمة وفي مدينتي سرت وصبراتة، وفقا لما اطلعت عليه «الشرق الأوسط» أثناء زيارة أخيرا لليبيا. ومن بين هذه البرقيات ما يتعلق بطلب مزيد من المساعدات من الفرع الليبي للتنظيم، من أجل تعضيد الموقف المالي المتدهور لدى «داعش» في العراق وسوريا.
ورصدت إحدى البرقيات التي جرى اعتراضها قبل أسبوع من دخول فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي الليبي إلى طرابلس، استدعاء الشيخ ياسين للمدهوني لكي يزور الموصل. ولم يعرف ما إن كان المدهوني قام بالزيارة أم لا. لكن نص البرقية عكس انزعاجا من الشيخ ياسين بسبب ما وصفه بتأخر «داعش» ليبيا في إعلان طرابلس «ولاية إسلامية»، وتعرض التنظيم لهزائم في بنغازي وإجدابيا وسرت، على يدي الجيش الوطني الليبي الذي يقوده الفريق أول خليفة حفتر.
كما تضمنت إحدى البرقيات بتاريخ 25 فبراير (شباط) الماضي، طلبا من الشيخ ياسين، الذي يبدو أنه مسؤول الشؤون الليبية في مكتب البغدادي، إحكام السيطرة على منطقة الهلال النفطي الواقعة إلى الشرق من مدينة سرت، والاستعداد للانتقال إلى مناطق الوديان الوعرة التي تحاذي الهلال النفطي من الجنوب، ناحية مدينة بني وليد.
وتناولت برقية أخرى بتاريخ الأول من الشهر الحالي، ما دار بين المدهوني وأحد قيادات التنظيم التي جاءت حديثا من الموصل، إلى سرت، ويلقب بـ«الشيخ الأنصاري». وظهر من مضمون البرقية أن «الأنصاري» فرَّ من العراق بسبب تدهور الأوضاع المالية واللوجتسية للتنظيم.
وتبيَّن مِن وصف المدهوني للأنصاري، كما ورد في البرقية، أنه رجل مهم، وقال له وهو يضحك معه إنه، أي الأنصاري، «معشوق الطيران»، في إشارة إلى أن الأنصاري كلما حلَّ في مكان تعرض لقصف طيران التحالف الدولي حين كان في العراق. وبعد أن دعاه المدهوني للغداء معه في طرابلس، قال له مازحا: «لا تأتِ، حتى لا يقصفنا الطيران بسببك».
وينفق تنظيم داعش ليبيا بسخاء، بحسب ما جرى رصده، بداية من سداد نفقات الأسلحة وشراء مرسى بحري قرب الحدود مع تونس، إلى جانب دفع أجور مقاتليه المنشرين في عدة مواقع في ليبيا، بالإضافة إلى إقراض قادة ميليشيات في طرابلس وبنغازي، يبدو أنهم يتعاونون مع التنظيم.
وتشير مصادر أمنية في العاصمة طرابلس إلى وجود شبهة تعاون أخرى بين «داعش» وأمراء حرب يسيطرون على مرافئ نفطية في شرق سرت، ويقومون ببيع كميات من البترول لسماسرة بأسعار بَخسة في عرض البحر المتوسط. ويقول محققون في شرق ليبيا إن حرق التنظيم عدة خزانات قبل شهرين، كان للتغطية على عمليات بيع جرت من وراء ظهر السلطات الشرعية.
ويعد غالبية أمراء الحرب في ليبيا من قادة الميليشيات والكتائب، من كبار الأثرياء، بعد عمليات نهب لشحنات نفط ومصارف وأملاك عامة وخاصة. وتشير التقارير إلى أن وضع التنظيمات المتطرفة في ليبيا، بما فيها «داعش»، أفضل بكثير مما أصبح عليه حال التنظيم الدموي في العراق وسوريا.
ووفقا لما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن جناح «داعش» المالي قرر خفض رواتب ومخصصات التنظيم وأجهزته العسكرية والأمنية والشرعية في سوريا. واستنادا لتقديرات أجرتها مراكز أبحاث وجهات أمنية، فإن راتب المقاتل الواحد في تنظيم داعش في العراق وسوريا، يتراوح في المتوسط بين 500 إلى 1500 دولار شهريا. وبينما جرى خفض هذه الرواتب، أخيرا، إلى النصف، ما زال عناصر التنظيم في ليبيا يتمتعون بأجور تتراوح في المتوسط بين ألف إلى ستة آلاف دولار، وذلك حسب الأهمية في ميادين القتال.
ويتقاضى محترفو القنص والمقاتلون على الأسلحة المتوسطة والثقيلة رواتب وحوافز أكبر، لكنها ليست أكبر مما يحصل عليه القادة، ومن بينهم سماسرة سلاح ومختصون في جلب عناصر قتالية من دول أخرى، وغالبية هؤلاء من جنسيات عربية وأجنبية.
يأتي هذا في وقت نقلت فيه صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عن مسؤولي مكافحة الإرهاب الأميركيين، أول من أمس، قولهم إن «داعش» في العراق وسوريا يواجه أزمة سيولة مالية غير مسبوقة في الأراضي التي يسيطر عليها، وذلك بعدما أثرت الضربات الجوية لمنشآت النفط والمؤسسات المالية لـ«داعش» على قدرة التنظيم على دفع الرواتب لمقاتليه، لعدة أشهر.
وأشارت التقارير إلى وقوع صدام بين كبار قادة «داعش» في العراق وسوريا، بسبب مزاعم عن فساد وسوء إدارة وسرقة، إلى جانب استهداف الضربات الجوية لمسؤولين ماليين في التنظيم ولحقول النفط والمصافي والحاويات، ما تسبب في خفض إنتاج البترول لنحو الثلث، بينما تراجع إجمالي عائدات «داعش» من صناعة النفط بنسبة خمسين في المائة. وقبل أسبوع أعلن عن مقتل وزير مالية التنظيم، حاجي إمام.
وفي البرقية المؤرخة بيوم 25 الشهر قبل الماضي، بدا الشيخ ياسين منزعجا، وهو يتحدث مع المدهوني، بسبب تأخر التنظيم في السيطرة على كامل الهلال النفطي وباقي مرافئ التصدير في سرت، خاصة بعد أن حقق الجيش الليبي تقدما ضد المتطرفين في بعض مناطق بنغازي وإجدابيا المجاورة لسرت من الشرق. وقال الشيخ ياسين لـ«المدهوني»: «ماذا أصابكم؟ وأي لعنة نزلت عليكم؟». وأضاف: «شغلتكم الغنائم وبذخ العيش وأنستكم دوركم».
«داعش ليبيا» يموّل التنظيم في العراق وسوريا
عينه على «الهلال النفطي».. ومكتب البغدادي يتواصل مع قيادات في طرابلس وسرت لتعويض نقص الأموال وتعديل الخطط
استعراض قوة لـ«داعش» في شوارع سرت («الشرق الأوسط»)
«داعش ليبيا» يموّل التنظيم في العراق وسوريا
استعراض قوة لـ«داعش» في شوارع سرت («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




