عبد الرحمن الراشد: لا تقلقوا على الصحافة الورقية

أكد أن «الشرق الأوسط» اليوم أكثر انتشارًا وموقعها الإلكتروني من أكبر إنجازاتها

جوانب من أمسية للإعلاميين والإعلاميات نظمتها الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية بالسعودية مساء أول من أمس (تصوير: صادق الأحمد)
جوانب من أمسية للإعلاميين والإعلاميات نظمتها الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية بالسعودية مساء أول من أمس (تصوير: صادق الأحمد)
TT

عبد الرحمن الراشد: لا تقلقوا على الصحافة الورقية

جوانب من أمسية للإعلاميين والإعلاميات نظمتها الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية بالسعودية مساء أول من أمس (تصوير: صادق الأحمد)
جوانب من أمسية للإعلاميين والإعلاميات نظمتها الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية بالسعودية مساء أول من أمس (تصوير: صادق الأحمد)

بين الصحافة والسياسة، اختار الكاتب والإعلامي السعودي البارز عبد الرحمن الراشد الانحياز للصحافة، في سرد لتجربته الإعلامية، ورؤيته لمستقبل الصحافة ودورها وتأثيرها في الرأي العام، خلال أمسية للإعلاميين والإعلاميات نظمتها الغرفة التجارية الصناعية في المنطقة الشرقية بالسعودية، مساء أول من أمس.
وفي تجربة عبد الرحمن الراشد الصحافية، ما يلهم كل الإعلاميين، فالرجل تدرج في سلك العمل الصحافي من القاع، حيث بدأ طالبًا في مرحلته الثانوية، وانتقل للدراسة والعمل في الولايات المتحدة، ثم في بريطانيا، حتى انتهى به المطاف رئيسًا لواحدة من أكبر القنوات الإخبارية في العالم العربي.
كما يُعتبر عبد الرحمن الراشد أحد أبرز كُتّاب الأعمدة في العالم العربي، ومقاله اليومي على صفحات «الشرق الأوسط» يحظى باهتمام واسع، ومنحته مجلة «أرابيان بيزنيس» لقب «الإعلامي العربي الأكثر تأثيرًا ونفوذًا» لعام 2006، لكنّ آراء الراشد الواضحة والصريحة، التي لا تعرف الالتباس والتلون، فتحت له الباب واسعًا أمام موجات متتالية من الخصومات والاختلافات، خصوصًا مع مناصري التيارات الدينية التي ناصبته العداء، وناصبها النقد.
لذلك في أمسية الإعلاميين حاول الراشد النأي بنفسه عن السجال السياسي، وأشار ملمحًا إلى حجم الخلاف الذي تحدثه مقالاته في الأوساط العامة، وقال: «هناك أناس لا يحبونني ولا أعجبهم، ولكنني سعيد بأنهم موجودون».
تحدث الراشد عن مسيرته الصحافية، وعن مستقبل وسائل الإعلام، وبدا واثقًا أن الإعلام مهما تنوعت أدواته ووسائله لديه القدرة على الصمود واكتشاف فرص جديدة، والقدرة على التأثير، فـ«الإعلام لديه نفوذ قوي في المجتمع، لذلك لا بد من تطوير أدواته».
تحدث الراشد عن بداياته في العمل الصحافي، قائلاً: «أوكلت لي صحيفة (الجزيرة) العمل الميداني محررًا في الشؤون المحلية، كان علي أن أقطع الطريق كل يوم نحو مصادر الخبر في الوزارات الحكومية، مثل وزارة الزراعة والمياه وغيرها، وكثيرًا ما واجهنا صعوبات في الحصول على تصريح، أو الوصول إلى مصدر المعلومات».
بعد ذلك مباشرة، حصل الراشد على فرصة للدراسة في الولايات المتحدة في عام 1980، وهناك أيضًا واصل عمله الصحافي مراسلاً، يقول: «هناك فارق شاسع بين التجربتين. في الرياض كان هناك شح كبير في المعلومات، وصعوبة في الوصول للمصدر. أما في الولايات المتحدة فكان هناك سيل هائل من البيانات الصحافية اليومية والأسبوعية، عبر الموجز الصحافي الذي تقدمه وزارة الخارجية والبيت الأبيض والبنتاغون، ومركز الصحافة الأجنبية. حتى إن وكالة (ناسا) الفضائية تستقبل الإعلاميين وتساعدهم في إعداد تقاريرهم وتوفر لهم الصور واللقطات وربما ساعدتهم في توفير وسائل الاتصال لإرسال تقاريرهم لوسائل الإعلام التي ينتمون إليها».
هذا الضخّ الإعلامي غير المسبوق، أثرى حياة عبد الرحمن الراشد، كما أثرى تجربته الصحافية، ومكّنه من التعرف على أهمية الإعلام وأهمية المعلومات التي يتم ضخها للناس، وحجم التأثير الذي تخلقه وسائل الإعلام التي تمتلك محتوى إعلاميًا ثريًا.
منتصف الثمانينات الميلادية، انتقل عبد الرحمن الراشد إلى بريطانيا، حيث عمل في الشركة السعودية للأبحاث والنشر، وكان نائبًا لرئيس تحرير مجلة «المجلة»، قبل أن يصبح رئيسًا لتحريرها، ثم في عام 1998، تم تعيينه رئيسًا لتحرير جريدة «الشرق الأوسط»، خلفًا لرفيق دربه عثمان العمير.
لكن ما الذي يفرق بين التجربتين: مجلة «المجلة»، وجريدة «الشرق الأوسط»؟ يقول الراشد: «مجلة (المجلة) كانت تمثل تحديًا كبيرًا، فهذه المطبوعة التي تُباع في الأسواق بعشر ريالات، تقدم مادة أسبوعية يجري إعدادها أحيانًا خلال أكثر من أسبوع، وبالتالي فإن أي قارئ ينزل للسوق لشراء هذه المجلة بهذا السعر، هو مغامر ما لم يحصل على محتوى يستحق هذا العناء. أما (الشرق الأوسط)، فكانت تقدم أخبارًا يومية، وتتعامل مع الأحداث التي تدور في العالم بشكل يومي، لكنها جريدة دولية، وذات رؤية واسعة، وهذا الآخر شكل لها تحديًا آخر».
في هذا السياق، قال الراشد: «حين تتولى إدارة صحيفة أو مؤسسة إعلامية، فأنت تتعامل مع منظومة متكاملة من المسؤوليات، من المعروف أن رئيس التحرير مسؤول عن المحتوى وإدارة الكوادر والوصول للجمهور، والمساهمة في إيرادات الصحيفة وفتح أسواق لها، وغير ذلك».
لكنه يرى أن «الشرق الأوسط» اليوم أكثر انتشارًا، وقراؤها أكثر مما كانوا عليه في السابق، بفضل وسائل التواصل التي توفرها الصحيفة للوصول للجمهور. الراشد قال: «اليوم، أهم ما في جريدة (الشرق الأوسط) هو موقعها الإلكتروني».
ماذا تركت له «الشرق الأوسط»؟ يجيب الراشد أن «الشرق الأوسط» أكثر من كونها صحيفة يومية، كانت وسيلة للتعرف أكثر على طبيعة العمل السياسي.
لم يتطرق الراشد لتجربته في العمل الخاص، وبينها مؤسسة الإنتاج التي بناها في لندن «أو آر تي في» وأسسها مع عثمان العمير، وهي تقوم بإنتاج أفلام وثائقية وتاريخية وسياسية.
كانت محطة الراشد الأخيرة العمل في قناة «العربية»، حيث تولى في عام 2004 إدارة هذه القناة الإخبارية من مركزها الرئيسي في دبي بالإمارات.
يقول الراشد: «إذا كانت الصحف تتعامل مع آلاف القراء حول العالم، وإذا كانت تتعاطى مع جمهور محدد ومعروف من حيث التعليم والثقافة والقدرة الشرائية، فإن القناة الفضائية شيء مختلف، فهي تتعامل مع ملايين المشاهدين، وهؤلاء يمثلون شرائح أكثر اتساعًا مما تمثله الصحافة، فكل من لديه القدرة على امتلاك جهاز تلفزيون ولديه صحن لاقط هو جمهور مستهدف لهذه القنوات، كما أنها تتعامل بشكل فوري ومباشر مع الأحداث. وهذا يستدعي أن تحافظ على جمهورها من خلال تطوير المادة التي تقدمها للناس».
الراشد أشار إلى أن «(العربية) ليست مجرد قناة إخبارية واسعة الانتشار، لكنها أيضًا مجموعة واسعة من وسائل التواصل الرقمي التي تقدم محتوى إخباريًا سريع الانتشار، هو الأكبر في العالم العربي».
تحدث كذلك عن تجربة «العربية» في نشراتها الاقتصادية، التي جاءت لتواكب حركة التوسع في سوق الأسهم السعودية، وكان لها تأثير بارز في هذا المجال، كما أفادت القناة من خدماتها الاقتصادية بالتعرف على فرص واسعة.
هنا يتوقف الراشد عند أهمية الصحافي المتخصص في وسائل الإعلام، والصحافي الاقتصادي بشكل خاص، ويرى أن مسؤولية توفير الصحافي المتخصص ليست مقتصرة على وسائل الإعلام وحدها، ولكنها مسؤولية كليات الإعلام والمؤسسات الاقتصادية وحتى الإعلاميين أنفسهم، فالوسيلة يهمها المخرجات النهائية، أما الوصول إليها فهي مسؤولية مشتركة.
في نهاية عام 2014، استقال عبد الرحمن الراشد من إدارة قناة «العربية»، وسط تكهنات ما زالت مفتوحة بشأن الخطوة التالية التي سيقدم عليها.
ومن تجربته، لا يشارك الراشد المشغولين بالقلق على مستقبل الصحافة الورقية، ويرى أن الصحافة أمامها كثير من الفرص، خصوصًا في بلداننا التي تشهد نموًا، وأن «إغلاق أي صحيفة ورقية بسبب الإعلام الجديد قرار خاطئ»، وما هو أهم من هذا الجدل هو دعم المحتوى، «المؤسسات الصحافية مطالبة بدعم المحتوى»، فالجمهور في النهاية يهمه جودة المحتوى مهما تنوعت وسيلة تقديمه. وأضاف: «المحتوى هو ما يقرر مصير الصحيفة وليس الهجمة الرقمية».
هل تتلقى الصحافة دعمًا حكوميًا؟ أجاب الراشد: «كلا! الدعم الحكومي في السابق كان يتمثل في نشر إعلانات حكومية أو تقديم اشتراكات، وهذه لا تساوي كثيرًا. اليوم لا توجد إعانات حكومية للصحف، ولكن الدعم الحكومي الوحيد يتمثل في منح الصحف (رخصة) للعمل والنشر والطباعة في المدن الرئيسية».
وفي مورد آخر، وردًا على سؤال بشأن هيمنة دعاة التشدد على وسائل الإعلام السعودية، كان الراشد واضحًا، قال: «أختلف معك، لا توجد سيطرة بهذا المعنى، في السابق كان أمام أي مطرب أو فنان وسيلة واحدة هي الإذاعة والتلفزيون لكي يظهر موهبته للجمهور، وكان عليه أن يتعرض لامتحان من لجنة ثلاثية تقرر مصيره، أما الآن فلديه كل الخيارات المطلقة، ونتيجة لذلك أصبح في العالم العربي نحو ستة آلاف مطرب وفنان، لا يمكن تقييدهم».
يرى الراشد أن اتساع الفضاء الإعلامي وشيوع وسائل التواصل، جعلا الإعلام مفتوحًا ومتاحًا للجميع، ولا يمكن أن تقيده أو تمتلكه جهة مهما كانت متنفذة.
أضاف الراشد: «الصحافة اليوم منبر مفتوح، أما سابقًا، فكانت مفاتيح التحكم في النشر لدى فئة معينة، وهي لم تعد موجودة الآن لوجود منابر مختلفة».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».