المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

يقيك مزاجية الطقس وتقلبات الموضة

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته
TT

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

المعطف الواقي من المطر.. زاد جمالاً وأناقة رغم مرور أكثر من قرن على ولادته

رجل اليوم لا يبقى في مكان واحد؛ فهو إن لم يكن شابًا مغامرًا يرغب في اكتشاف الجديد وزيارة أماكن بعيدة، فهو رجل يحب السفر ويعتبره مهمًا للتعرف على ثقافات أخرى أو للهرب من روتين الحياة اليومية أو فقط للاستجمام والتسوق. هذا الرجل يثير اهتمام صُنّاع الموضة منذ زمن، إلى حد أنهم بدأوا يغيرون بعض تفاصيلها ويفصلونها على مقاسه لنيل رضاه، بطرحهم قطعًا كلاسيكية لا تعترف بزمان أو مكان، يمكنه استعمالها خريفًا وصيفًا. أي أن تخدمه أينما كان، مع مراعاتهم أن تكون بتصاميم أنيقة وتقنيات عالية.
من هذه القطع، التي تبرز في هذا الوقت تحديدًا من كل عام، نذكر المعطف المضاد للمطر. فحلول الربيع وتفتح الأزهار على دفء أشعة الشمس، لا يعني بالضرورة تحسن الطقس وصفاءه الدائم، إذ هناك دائمًا مفاجآت، تأخذ شكل زخات مطرية بين الفينة والأخرى أو انخفاض ملموس في درجات الحرارة مساء، الأمر الذي يجعل حاجة الرجل إلى قطعة تتميز بالعملية والأناقة؛ بأن تكون خفيفة على العين، ومن ناحية الوزن أيضًا. فالخفة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قدرة القطعة على أن ترافقه في كل وجهاته من دون أن تثقل كاهله أو حقيبة سفره. وهذا تحديدًا ما نجح فيه هذا المعطف، بالنظر إلى أنه عندما يُطوى يبدو وكأنه مجرد إيشارب من الكشمير. ولأن العديد من هذه المعاطف تُغطي الفترة الواقعة بين الربيع والصيف، وفي بعض البلدان الأوروبية، تمتد إلى الخريف والشتاء، فإن صناعها يحرصون على استعمال أقمشة تتنفس لتمنح صاحبها الانتعاش حتى وإن كانت مبطنة. قد تكون دار «بيربري» أكثر من ارتبط اسمها بهذه القطعة الأيقونية، لأنها أكثر من أبدع فيها من الناحية الجمالية، كما أنها تدخل ضمن جيناتها، مما يجعلها تعود إليها في كل موسم لتجديدها وتطويرها. وتأكيدًا منها على أهمية هذا المعطف، وكيف غزا كل الثقافات إضافة إلى ديمقراطيته، رفعت أخيرًا شعارًا قويًا يقول: «يُصنع في بريطانيا ويستعمل في كل أنحاء العالم». ديمقراطيته بالنسبة لها تعود إلى أن ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية ظهرت به في عدة مناسبات سابقًا، كما ظهر به النجم براد بيت والنجمة الفرنسية كاثرين دونوف وهلم جرا من الشخصيات العالمية. وتزامنًا مع افتتاح ثاني محل لها في «مول الإمارات» بدبي، الذي تعتبره الأكبر مساحة، 15 ألف قدم مربع، وأيضًا أهمية في المنطقة العربية، إذ ستوفر فيه الدار كل تصاميمها، إلى جانب مستحضرات التجميل والعطور، إلا أنها، من ناحية الأزياء، ستعتمد على معطفها لكسب ود زبون المنطقة. والدليل أنها ستحتفل به في فعالية ضخمة بعنوان «فن الترانش» Art of the Trench تتزامن مع افتتاح المحل، وهي فعالية تجند لها منذ العام الماضي شخصيات عربية فنية واجتماعية، لإبراز جماليته ومناسبته للبيئة العربية. فقد تكون السوق العربية الأكثر مقاومة للمعطف لحد الآن، ربما لأن فكرة معطف وواقٍ من المطر غير واردة في بيئة لا تتساقط فيها الأمطار لعدة أشهر. بيد أن الدار البريطانية العريقة مصممة على أن تغير هذه النظرة وتدخلها خزانة الرجل والمرأة في المنطقة، من باب الأناقة والألوان والأقمشة المترفة، من الصوف والقطن إلى الدانتيل والبروكار وغيرها من الخامات والألوان التي تعشقها المنطقة. الجميل أنها منحت كل شخصية ظهرت به في حملتها حرية ارتدائها بالطريقة التي تتوافق مع متطلبات حياته اليومية، لهذا ارتداها بعض الرجال مع جينز أو مع الثوب، وبعض الفتيات فوق عباءة أو قفطان أو مع فستان أو تنورة. في كل الحالات كانت النتيجة مثيرة، تؤكد قوة هذه القطعة من الناحيتين الجمالية والعملية ومرونتها، أيًا كانت الثقافة والبيئة.
هذا التنوع تحديدًا هو ما يفسر القوة المتزايدة لهذا المعطف، فنظرة خاطفة إلى السوق وصفحات المجلات، تشير إلى أنه على الرغم من التغيرات الكثيرة التي تعرضت لها الموضة عبر العقود، بقي تصميمه صامدًا لم يتغير في أساسياته، كما ظل القطعة التي يتفق عليها الأبناء مع الأجداد والآباء بالنظر إلى تاريخها الطويل. وإلى الآن فإن صورته التي تظهر على منصات ميلانو هي نفسها التي تظهر على منصات نيويورك أو باريس أو لندن، وهي أيضًا الصورة نفسها التي رسمها السيد توماس بيربري في عام 1856، وصممها من أجل المحاربين الإنجليز في الحرب العالمية الأولى. ما يفرق بين تصميمه وباقي التصاميم الحالية أنه لم يبق مصنوعًا من قماش الغاباردين الذي يتميز بخفة فضلاً عن كونه يمنح الدفء في الشتاء، ويتنفس في الصيف فقط، وأدخل عليه كريستوفر بايلي مصمم «بيربري» أقمشة أخرى مثل البروكار، الدانتيل، الصوف وغيرها، مستغلاً تطور التكنولوجيا ومحترمًا متطلبات السوق.
في عصر توماس بيربري، لم تكن هذه التكنولوجيا متوفرة، ومع ذلك فإنه كان مبتكرًا، لأن الغاباردين كان جديدًا في ذلك الوقت، حيث اكتشف أنه يحمي المزارعين من تقلبات الطقس، ففكر أن يطوعه للجنود الذين كانوا يحفرون الخنادق ليختبئوا فيها خلال الحرب، ومن تم جاء اسمه «ترانش» وتعني الخندق.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن توماس بيربري هو أول من مصمم هذا المعطف أو فكّر فيه؛ فقد سبقه إلى ذلك تشارلز ماكنتوش الذي كان، في الحقيقة، أول من قدمه من المطاط والنايلون المقاوم للمطر. كان واسعًا بعض الشيء وطويلاً إلى الكاحل. ويبدو أن بداية القرن العشرين كان فترة حاول فيها العديد من الخياطين اكتشاف خامات جديدة. وفي حين نجح بعضهم فشل البعض الآخر، لكنهم في كل الأحوال زرعوا الفكرة وعبّدوا الطريق للمزيد من الاختبارات والتطوير ركزت غالبًا على الخامات، إما باستعمال غشاء خفيف لتغليفه من الخارج أو بإدخال ألياف طبيعية أو بطلائه بمادة الراتينغ والشمع، بينما أدخل البعض الآخر مادة النايلون، وما شابها من مواد، للرفع من قدرته على المقاومة. ولحد الآن لم تتوقف عمليات التطوير وأغلبها يتم في معامل بريطانية أو سويسرية أو إيطالية مجهزة بآليات متطورة، كما توظف حرفيين مهرة يؤمنون بضرورة إرضاء الزبون حتى يبقى راضيًا ووفيًا لها. رضا الزبون، حسب قناعتهم، يأتي بحمايتهم له من الأمطار والرياح في الخريف، والإبقاء عليه منتعشًا في الربيع والصيف، مع الإبقاء على تصميمه الأساسي. فالتغييرات هنا تشمل تعديلات طفيفة، مثل الجيوب، أو إدخال تفاصيل على شكل طيات أو تطريزات على الظهر أو تحديد الخصر والأكتاف أو اللعب بأحجام وألوان الأزرار. ورغم أن ولادته كانت في بريطانيا، فإن شعبيته امتدت لكل أنحاء العالم، وبات مصممون آخرون يتبنونه بالتدريج، بمن فيهم الإيطاليون والفرنسيون. «بريوني» الإيطالية، مثلاً، التي تخاطب الرجل الكلاسيكي، أصبحت تطرحه بتصميم واسع بعض الشيء، تمزج فيه الحرير بالنايلون، بينما تقدمه «كانالي» على شكل سترات، نظرًا لطوله القصير، وتستعمل فيه المواد نفسها مع إمكانية ارتدائه على الوجهين، أما «برونيلو كوتشينيللي» فتقدمه حاليًا من الحرير المطلي بالراتينغ وبتصميم كلاسيكي. فالملاحظ أن القاسم المشترك بين البيوت الإيطالية، من «بريوني» و«كانالي» إلى «كوتشينيللي»، أنها تطمح لإرضاء الرجل والاستحواذ على اهتمامه، وإمكانياته طبعًا، بإغناء خزانته وتوفير كل القطع التي يمكن أن يحتاج إليها، لكن من دون أن تخضه أو تخض ما تعود عليه منها من تصاميم كلاسيكية. طبعا هناك إيطاليون آخرون من أمثال جيورجيو أرماني، سالفاتوري فيراغامو وغيرهم، لم يبخلوا عليه بتصاميم أكثر جرأة من حيث تبنيها الأسلوب الشبابي الذي يتجسد في جاكيتات قصيرة أو ألوان متوهجة أو خامات من البلاستيك المعالج. العنصر الثاني الذي لا يقل أهمية، وأصبح واضحًا أكثر رغم أنه ليس جديدًا، هو الأسلوب «السبور». فأغلب المصممين يحرصون عليه حاليًا ويتبارون على التميز فيه معتمدين على التكنولوجيا. المصمم البريطاني كريستوفر رايبورن، مثلاً قدم مجموعة بالتعاون مع شركة «فيكتورينوكس» السويسرية، أقل ما يمكن وصفها به أنها مزيج من الدقة والفنية والعملية، إضافة إلى مرونة تأخذ عدة أشكال، بما في ذلك ارتداؤها بأكثر من وجه.

* همسات

- تصاميمه الكلاسيكية تركز على الألوان الداكنة والطبيعية مثل الأزرق الغامق، والكحلي والأسود والبيج بكل درجاته، بينما التصاميم الشبابية تستعمل درجات ألوان من الطبيعة مثل الأخضر والأزرق والأحمر والأصفر. ولا يقتصر استعمال هذه الألوان المتوهجة على مصممين شباب بل أيضًا على أسماء مخضرمة في هذا المجال، مثل «بيربري» و«ماكنتوش». هذه الأخيرة قد تكون بقيت مخلصة لاستعمالها القطن المخلوط بالمطاط، لكنها لم ترَ مانعًا في إضافة جرعة لا بأس بها من الألوان الفاتحة، مثل الأحمر والأصفر.
- مهما اختلفت تصاميمه، لا يمكن القول إنه غير رسمي. فمهمته أن يقي الرجل من عوامل الجو، وفي الوقت ذاته أن يحمي ما يرتديه تحته، سواء كان بدلة مفصلة من الصوف أو بلايزر من الحرير، حتى إذا وصل إلى وجهته، ظهر متألقًا.
- يمكن القول إنها القطعة الأنسب في فصل الشتاء في بلداننا العربية حيث يكون الطقس دافئا رغم المطر، كما أنها الأنسب في الدول الأوروبية في الخريف والربيع، حيث تكون أشعة الشمس خادعة، تسمح للمطر بأن يتسلل من بينها في أي لحظة دون سابق إنذار.
- رغم أنه يأتي بأطوال مختلفة، يبقى الأضمن والأكثر أناقة هو ذلك الذي يغطي الركبة ببعض سنتمترات أو يجلس فوقها ببعض السنتيمترات.
- اختياره بحزام أو دون حزام، مسألة خاصة تتعلق بذوق صاحبه، لكن لا بأس من الإشارة إلى أن الحزام يناسب الرجل القصير أكثر، بينما التصميم المنسدل دون حزام يناسب الرجل المائل إلى السمنة أو يعاني من بروز الكرش.
- قد يعتقد الرجل الطويل أنه أكثر حظًا من غيره، لكن عليه هو الآخر أن يتجنب المعطف الذي يصل إلى الكاحل أو القصير جدًا. الأفضل بالنسبة له هو أن يصل إلى الركبة.

* نبذة تاريخية
* إذا كان الفضل في تصميم المعطف الواقي من المطر كما نعرفه اليوم يعود إلى توماس بيربري، فإن فكرة طرح قطعة مضادة للمطر تعود إلى تشارلز ماكنتوش الذي نجح عام 1823 أن يخترع مادة مطاطية لاصقة جمع فيها طبقتين من الأقمشة، بهدف وقاية سائقي عربات النقل والعاملين في الأماكن المفتوحة آنذاك من المطر والبلل. للأسف لم يكن اختراعه ناجحًا مائة في المائة، إذ كانت تنتج عنه رائحة كريهة في الشتاء، وفي الصيف يلتصق بالجسم بشكل غير صحي ومريح، لهذا فقد شعبيته بحلول عام 1830. عام 1854، التقطت شركة «هيليويل» الخيط وطرحته مرة أخرى بتصاميم بوجهين، أكثر أناقة وقوة في مواجهة عوامل الطقس. ورغم أنها تختلف كثيرًا عما طرحه تشارلز ماكنتوش، فإن الشركة أطلقت عليه اسم «ماكنتوش»، وهو لا يزال مستعملاً لحد اليوم رغم أن الشركة حاليًا تملكها شركة يابانية.
- يبدو أن هذه الفترة شهدت اهتمامًا كبيرًا بهذه القطعة وتطويرها، حيث ظهر مصممون آخرون حاولوا ترك بصماتهم عليها، مثل جون إيماري الذي افتتح محل خياطة في «ريجنت ستريت» عام 1851 تحت اسم «أكواسكوتم». «أكوا» ومعناها في اللاتينية الماء، و«سكوتم» الدرع. وسرعان ما بدأت الشركة تصنع معاطف للجنود البريطانيين، وكانت تتميز بطول يصل إلى الكاحل. وكانت تحقق إقبالاً لا يستهان به لولا دخول شاب عمره 21 عامًا، واسمه توماس بيربري على الخط في عام 1856.
كان شابًا متحمسًا ويتمتع بنظرة مستقبلية ورغبة جامحة في الابتكار. ولد بيربري وشب في الريف، الأمر الذي جعله يتنبه إلى أن المزارعين كانوا يستعملون ملابس من الكتان تدفئهم شتاء وتنعشهم صيفًا، فضل أنها كانت خفيفة الوزن، ولا تحدد حركتهم ومقاومة للبلل، لأنها كانت تنكمش بمجرد تعرضها للبلل. وهكذا فكر بأن يستعملها في معاطف واقية من عوامل الطقس للجنود. عام 1870 أصبح توماس بيربري أكبر منافس لـ«أكواسكوتم»، لا سيما بعدما توصل إلى نوع من القطن المصري يُنسج بطريقة تجعله مقاومًا للمطر أطلق عليها «غاباردين» لا يتميز بخفة الوزن فحسب بل لا تنبعث منه أية رائحة عندما يتعرض للماء. الآن أصبح القطعة اللصيقة باسم «بيربري» لأنها لم تتوقف أبدًا عن تطويره وتجميله إلى حد أنه بالنسبة للمرأة يمكن أن يغني عن فستان في حفل حميم أو دعوة غداء.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.