علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مطلع داخل مدينة الفلوجة أن «مسلحي تنظيم داعش ومن يقف معهم من بعض الفصائل المسلحة ومجلس العشائر العسكري قاموا بتفخيخ بعض شوارع الفلوجة الرئيسية والكثير من المنازل داخل المدينة وذلك بعد سماعهم معلومات عن احتمال قيام الجيش العراقي باقتحام المدينة خلال الأيام القليلة القادمة». وقال المصدر الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه أن «المسلحين نصبوا نقاط تفتيش (سيطرات) داخل المدينة وغالبيتهم يرتدون الزي الأفغاني بمن فيهم العراقيون والعرب مع وضع شارات سوداء على رؤوسهم مكتوب عليها (لا إله إلا الله) وتحتوي كل نقطة على خمسة أفراد موزعين بين داعش والنصرة والمجلس العسكري وثوار العشائر من أجل تسيير شؤون الحياة اليومية في ظل غياب تام لأي مظهر من مظاهر الحكومة المحلية هناك».
وأكد المصدر المطلع أن «الفلوجة خارج إطار سيطرة الدولة تماما لهذا لا يوجد حل سوى الحل العسكري لا سيما أن كل الجهود التي بذلت طوال الفترة الماضية من قبل الكثير من الشيوخ والوجهاء وعلماء الدين في حمل المسلحين على الخروج منها عبر طرق آمنة باءت بالفشل». وفي سياق ذلك أقدمت قيادة عمليات سامراء على قطع الطريق الذي يعتمده عناصر تنظيم داعش لنقل الإمدادات والأفراد بين محافظتي نينوى والأنبار.
وقال بيان لوزارة الداخلية أمس إن «قوات من قيادة عمليات سامراء نفذت عمليات أمنية واسعة في المنطقة الصحراوية التي تستخدمها العناصر الإرهابية التابعة لداعش للانتقال بين محافظتي الأنبار ونينوى وتمكنت من تأمينها». وأضاف البيان أن «طيران الجيش والقوة الجوية يشاركان حاليا قيادة عمليات سامراء في تأمين المناطق ومنع عبور أي إرهابي بواسطة تكثيف الطلعات الجوية بالتنسيق المباشر مع قيادة عمليات سامراء». على صعيد متصل أعلن مصدر في قيادة عمليات الأنبار بأن 35 شخصا سقطوا بين قتيل وجريح بقصف لقوات الجيش على مناطق متفرقة من الفلوجة، (62 كم غرب بغداد). وقال المصدر في بيان صحافي أمس إن «قوات الجيش المتمركزة في معسكر طارق والمزرعة في محيط مدينة الفلوجة قصفت بالمدافع والدبابات وقذائف هاون مناطق زوبع والنعيمية شرق وجنوب مدينة الفلوجة، مما أسفر عن مقتل 15 شخصا وإصابة 20 آخرين بجروح متفاوتة بينهم أربعة أطفال وامرأة مع إلحاق أضرار مادية كبيرة بعدد من المنازل».
من جهته كشف نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار فالح العيساوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحل العسكري في الفلوجة بات يلوح في الأفق لا سيما بعد أن تمكنت الأجهزة الأمنية والعسكرية من بسط سيطرتها على معظم المناطق في الرمادي وبالتالي فإن بقاء الأوضاع في الفلوجة على ما هي عليه يشكل عامل عرقلة لخطط الدولة والحكومة المحلية أيضا في الشروع بما تم الاتفاق عليه على صعيد إعادة الإعمار والتعويضات وغيرها من القضايا».
وردا على سؤال بشأن الكيفية التي سيتم بموجبها حل أزمة الفلوجة عسكريا في ظل وجود المدنيين داخلها قال العيساوي بأن «النية تتجه لبناء مخيم لمن تبقى من أهالي الفلوجة في منطقة خارج المدينة بحيث تبقى خالية إلا من المسلحين وبالتالي تحصل عملية الاقتحام»، مشيرا إلى أن «أي اقتحام للمدينة بوجود المدنيين سيكون بمثابة كارثة إنسانية وهو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق».
وكان البرلمان العراقي ناقش أول من أمس الأوضاع الإنسانية لأهالي الأنبار. وطبقا لتقرير برلماني فإن نحو نصف مليون مواطن من أهالي محافظة الأنبار لا سيما من مدينتي الرمادي والفلوجة منتشرون في الكثير من المحافظات العراقية بما فيها محافظات إقليم كردستان ويعيشون أوضاعا صعبة. ويوصي التقرير الحكومة بزيادة التخصيصات المالية لوزارة الهجرة والمهجرين لتغطية الحاجات الأساسية للعوائل والعمل على شمول جميع العوائل بالمعونات والمساعدات وتقدر الحاجة بأكثر من مائة مليار دينار في استمرار الأزمة. ويضيف أن على الحكومة العمل على إطلاق رواتب الموظفين داخل المحافظة التي أعيقت بسبب إغلاق المصارف المتواجدة داخل المحافظة والعمل على تحويل تسلم المبالغ الخاصة بالرواتب إلى مصارف خارج محافظة الأنبار.
وفي سياق مختلف يظهر شريط الفيديو جثة رجل ملقاة على الأرض.. وطرف حبل يوثق قدمي صاحبها، بينما الطرف الآخر مثبت في مؤخرة سيارة همفي مدرعة.
وتجمع رجال بالزي العسكري العراقي بجوار السيارة. يحذر أحدهم من احتمال وجود قنبلة على الجثة ويناول آخر هاتف زميله الجوال الحديث ثم يقف فوق الجثة مبتسما ويرفع إبهامه بينما يلتقط الزميل صورة. تبدأ الهمفي بالتحرك في الصحراء وهي تجر من خلفها جثة القتيل.
ضابط بالشرطة الاتحادية العراقية هو الذي عرض على «رويترز» الأسبوع الماضي اللقطات القصيرة التي تصور جنودا بالجيش العراقي على ما يبدو يمثلون بجثة مقاتل من جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المنبثقة عن تنظيم سابق لـ«القاعدة» في العراق. قال الضابط الذي يقيم ويعمل في بغداد وله أصدقاء كثيرون يقاتلون الآن في محيط مدينة الرمادي السنية: «هذا الأمر عادي جدا. إن رجالنا يقتلون على أيدي (القاعدة). فلماذا لا نفعل نحن الشيء نفسه بهم. هذا دفاع عن النفس».
ويبدو بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على إعلان رئيس الوزراء نوري المالكي الحرب على المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة وأنصارهم من السنة في محافظة الأنبار بغرب البلاد، أن القتال تحول إلى سلسلة من الأعمال الوحشية، كثيرا ما تسجلها كاميرات المسلحين وجنود الجيش على السواء.
ويقول جنود إنهم أصبحوا طرفا في قتال بطيء وممتد مع «داعش» وفصائل سنية أخرى في مدينة الرمادي وفي محيط الفلوجة. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 380 ألف شخص نزحوا عن ديارهم فرارا من القتال. ويبث المسلحون تسجيلات وصورا متواترة لإعدام الجنود الحكوميين وتعذيبهم. والآن، وحسبما يقول ضابط الشرطة وضابط بالجيش وآخر برتبة لواء وأحد أفراد القوات العراقية الخاصة، «بدأ بعض الجنود يردون بالمثل فينفذون عمليات إعدام دون محاكمة ويعذبون أعداءهم ويهينونهم ثم ينشرون صور أفعالهم على الإنترنت».
تقف الصور والروايات المروعة القادمة من الأنبار شاهدا على تأجج المشاعر الطائفية بالعراق. فقوات الأمن، التي يشكل الشيعة معظم أفرادها، وفصائل المسلحين ترى نفسها عادة عناصر فاعلة في معركة إقليمية وطائفية أكبر. والممارسات الوحشية تساهم بدورها في تعميق تلك الانقسامات وتزيد من خطر تحول المنطقة السنية بالعراق إلى ساحة معركة دائمة. وبات القتال بالفعل امتدادا للحرب الأهلية في سوريا. وأقر ضابط برتبة لواء في بغداد بأن بعض الجنود في وحدات مكافحة الإرهاب أو القوات الخاصة ينفذون حالات إعدام خارج نطاق القضاء، لكنه وصف هذا بأنه حالات فردية وعزاه إلى نقص تدريب الجنود الجدد الذين كان هناك تعجل في إحلالهم محل المصابين والقتلى من أبناء الجيش. وأضاف: «هذا رد فعل في الميدان لا أكثر ولا أقل». وطلب مثله مثل معظم المسؤولين العراقيين الذين تحدثوا إلى «رويترز» ألا يذكر اسمه. وقال: «هذا يحدث عادة عندما تكون هناك مواجهة عسكرية. يجهز الجنود على المسلحين الجرحى ويطلقون الرصاص عليهم عدة مرات تنفيسا عن غضبهم». ومضى قائلا إن آخر مرة علم فيها بوقوع أمر كهذا كانت قبل أسبوعين تقريبا في الخالدية قرب الرمادي، حيث قتل جنود من القوات الخاصة عددا من أفراد «داعش». لكن متحدثا باسم الفرقة الذهبية الخاصة، المكلفة مكافحة الإرهاب، نفى الروايات التي تشير إلى حالات إعدام خارج نطاق القضاء. وقال المتحدث صباح النعماني: «إن الادعاءات حول قتل إرهابيين غير مسلحين ادعاءات باطلة لا أساس لها من الصحة. أعتقد أن الانتصارات التي حققتها قواتنا قد أزعجت هؤلاء الذين يصدرون مثل هذه الاتهامات ويقومون بفبركة أفلام فيديو بطريقة تهدف إلى تشويه سمعة قواتنا الأمنية». وتابع بقوله: «نحن نقوم بمحاسبة جنودنا إذا ما قاموا بمخالفة أبسط قواعد الاشتباك. نحن لن نقبل بحصول أي مخالفات».
أما وزارة الداخلية التي تنتشر قوات من الشرطة الفيدرالية التي تعمل تحت إمرتها في الرمادي، فقالت لـ«رويترز» إنها تنظر في الأمر بجدية. وقال المتحدث باسمها سعد معن: «إن حصلت بعض الأخطاء أو إخلال بتطبيق معايير حقوق الإنسان خلال إحدى المعارك فلنضع في اعتبارنا أن هذا ليس نهجا وإنما هو أخطاء فردية، إن حصلت يخضع من يرتكبها للمحاسبة والتحقيق ويرسل إلى محكمة عسكرية».
وقال مسؤول بالسفارة الأميركية لدى إبلاغه بما تردد عن حالات الإعدام: «ينبغي التحقيق في هذه المزاعم وإن تأكدت فيجب محاسبة المسؤولين».
وعرض جندي من القوات الخاصة على «رويترز» خلال عطلة في بغداد هذا الشهر صورا على «فيسبوك» يقبل العسكريون العراقيون على الاطلاع عليها. وتظهر في الصور جثث قال إنها لقتلى من مسلحي تنظيم داعش في الرمادي. وكانت إحداها مضرجة بالدماء. وعلق شعار يقول: «الدعس على جرذان داعش القناصة». وقال الجندي: «أي إرهابي نقوم بأسره الآن نقتله في نفس المكان باستثناء ذلك الذي نريد التحقيق معه». وأضاف: «لقد شاهدت بنفسي العشرات يعدمون». وانتقل الجندي إلى صورة صديق له قتل بالرصاص في الرمادي ويظهر في الصورة مرتديا زي الجيش العراقي الأخضر. ورنا الجندي إلى الصورة في صمت. وقال إنه رأى 62 جنديا مقتولين ينقلون إلى بغداد في أحد الأسابيع و40 جنديا في الأسبوع التالي.
ولا يقل المسلحون الذين يقاتلون الحكومة وحشية. ففي تسجيل مصور بثه أنصار تنظيم داعش على الإنترنت ثم تداوله الجنود العراقيون الغاضبون ونشطاء مؤيدون للحكومة يظهر مسلح يصوب مسدسه فوق صف من الجنود الراكعين على الأرض. ويسمع صوت يقول: «اللهم تقبل هذه الأضحية».
ويجذب المسلح الزناد فيسقط جندي ويرتجف الآخرون. ويطلق المسلح النار من جديد ثم ينضم إليه مسلح آخر ثم ثالث ويطلقون النار على الجنود واحدا واحدا. ثم تعتم الشاشة. ويعتمد بعض الجنود العراقيين الآن الأساليب نفسها.
ويذكر لم تنشر الصور المرفقة بهذا التقرير لبشاعتها.







