«داعش» تفخخ شوارع الفلوجة تحسبا لاقتحامها

صور تؤكد تورط الجيش العراقي في التمثيل بجثث مسلحين

صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
TT

«داعش» تفخخ شوارع الفلوجة تحسبا لاقتحامها

صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)
صورة بثها إعلام تنظيم القاعدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعرض أحد عناصرها يقوم بإعدام جنود عراقيين في محيط الرمادي (رويترز)

علمت «الشرق الأوسط» من مصدر مطلع داخل مدينة الفلوجة أن «مسلحي تنظيم داعش ومن يقف معهم من بعض الفصائل المسلحة ومجلس العشائر العسكري قاموا بتفخيخ بعض شوارع الفلوجة الرئيسية والكثير من المنازل داخل المدينة وذلك بعد سماعهم معلومات عن احتمال قيام الجيش العراقي باقتحام المدينة خلال الأيام القليلة القادمة». وقال المصدر الذي طلب عدم الإشارة إلى اسمه أن «المسلحين نصبوا نقاط تفتيش (سيطرات) داخل المدينة وغالبيتهم يرتدون الزي الأفغاني بمن فيهم العراقيون والعرب مع وضع شارات سوداء على رؤوسهم مكتوب عليها (لا إله إلا الله) وتحتوي كل نقطة على خمسة أفراد موزعين بين داعش والنصرة والمجلس العسكري وثوار العشائر من أجل تسيير شؤون الحياة اليومية في ظل غياب تام لأي مظهر من مظاهر الحكومة المحلية هناك».
وأكد المصدر المطلع أن «الفلوجة خارج إطار سيطرة الدولة تماما لهذا لا يوجد حل سوى الحل العسكري لا سيما أن كل الجهود التي بذلت طوال الفترة الماضية من قبل الكثير من الشيوخ والوجهاء وعلماء الدين في حمل المسلحين على الخروج منها عبر طرق آمنة باءت بالفشل». وفي سياق ذلك أقدمت قيادة عمليات سامراء على قطع الطريق الذي يعتمده عناصر تنظيم داعش لنقل الإمدادات والأفراد بين محافظتي نينوى والأنبار.
وقال بيان لوزارة الداخلية أمس إن «قوات من قيادة عمليات سامراء نفذت عمليات أمنية واسعة في المنطقة الصحراوية التي تستخدمها العناصر الإرهابية التابعة لداعش للانتقال بين محافظتي الأنبار ونينوى وتمكنت من تأمينها». وأضاف البيان أن «طيران الجيش والقوة الجوية يشاركان حاليا قيادة عمليات سامراء في تأمين المناطق ومنع عبور أي إرهابي بواسطة تكثيف الطلعات الجوية بالتنسيق المباشر مع قيادة عمليات سامراء». على صعيد متصل أعلن مصدر في قيادة عمليات الأنبار بأن 35 شخصا سقطوا بين قتيل وجريح بقصف لقوات الجيش على مناطق متفرقة من الفلوجة، (62 كم غرب بغداد). وقال المصدر في بيان صحافي أمس إن «قوات الجيش المتمركزة في معسكر طارق والمزرعة في محيط مدينة الفلوجة قصفت بالمدافع والدبابات وقذائف هاون مناطق زوبع والنعيمية شرق وجنوب مدينة الفلوجة، مما أسفر عن مقتل 15 شخصا وإصابة 20 آخرين بجروح متفاوتة بينهم أربعة أطفال وامرأة مع إلحاق أضرار مادية كبيرة بعدد من المنازل».
من جهته كشف نائب رئيس مجلس محافظة الأنبار فالح العيساوي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحل العسكري في الفلوجة بات يلوح في الأفق لا سيما بعد أن تمكنت الأجهزة الأمنية والعسكرية من بسط سيطرتها على معظم المناطق في الرمادي وبالتالي فإن بقاء الأوضاع في الفلوجة على ما هي عليه يشكل عامل عرقلة لخطط الدولة والحكومة المحلية أيضا في الشروع بما تم الاتفاق عليه على صعيد إعادة الإعمار والتعويضات وغيرها من القضايا».
وردا على سؤال بشأن الكيفية التي سيتم بموجبها حل أزمة الفلوجة عسكريا في ظل وجود المدنيين داخلها قال العيساوي بأن «النية تتجه لبناء مخيم لمن تبقى من أهالي الفلوجة في منطقة خارج المدينة بحيث تبقى خالية إلا من المسلحين وبالتالي تحصل عملية الاقتحام»، مشيرا إلى أن «أي اقتحام للمدينة بوجود المدنيين سيكون بمثابة كارثة إنسانية وهو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق».
وكان البرلمان العراقي ناقش أول من أمس الأوضاع الإنسانية لأهالي الأنبار. وطبقا لتقرير برلماني فإن نحو نصف مليون مواطن من أهالي محافظة الأنبار لا سيما من مدينتي الرمادي والفلوجة منتشرون في الكثير من المحافظات العراقية بما فيها محافظات إقليم كردستان ويعيشون أوضاعا صعبة. ويوصي التقرير الحكومة بزيادة التخصيصات المالية لوزارة الهجرة والمهجرين لتغطية الحاجات الأساسية للعوائل والعمل على شمول جميع العوائل بالمعونات والمساعدات وتقدر الحاجة بأكثر من مائة مليار دينار في استمرار الأزمة. ويضيف أن على الحكومة العمل على إطلاق رواتب الموظفين داخل المحافظة التي أعيقت بسبب إغلاق المصارف المتواجدة داخل المحافظة والعمل على تحويل تسلم المبالغ الخاصة بالرواتب إلى مصارف خارج محافظة الأنبار.

وفي سياق مختلف يظهر شريط الفيديو جثة رجل ملقاة على الأرض.. وطرف حبل يوثق قدمي صاحبها، بينما الطرف الآخر مثبت في مؤخرة سيارة همفي مدرعة.
وتجمع رجال بالزي العسكري العراقي بجوار السيارة. يحذر أحدهم من احتمال وجود قنبلة على الجثة ويناول آخر هاتف زميله الجوال الحديث ثم يقف فوق الجثة مبتسما ويرفع إبهامه بينما يلتقط الزميل صورة. تبدأ الهمفي بالتحرك في الصحراء وهي تجر من خلفها جثة القتيل.
ضابط بالشرطة الاتحادية العراقية هو الذي عرض على «رويترز» الأسبوع الماضي اللقطات القصيرة التي تصور جنودا بالجيش العراقي على ما يبدو يمثلون بجثة مقاتل من جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المنبثقة عن تنظيم سابق لـ«القاعدة» في العراق. قال الضابط الذي يقيم ويعمل في بغداد وله أصدقاء كثيرون يقاتلون الآن في محيط مدينة الرمادي السنية: «هذا الأمر عادي جدا. إن رجالنا يقتلون على أيدي (القاعدة). فلماذا لا نفعل نحن الشيء نفسه بهم. هذا دفاع عن النفس».
ويبدو بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على إعلان رئيس الوزراء نوري المالكي الحرب على المسلحين التابعين لتنظيم القاعدة وأنصارهم من السنة في محافظة الأنبار بغرب البلاد، أن القتال تحول إلى سلسلة من الأعمال الوحشية، كثيرا ما تسجلها كاميرات المسلحين وجنود الجيش على السواء.
ويقول جنود إنهم أصبحوا طرفا في قتال بطيء وممتد مع «داعش» وفصائل سنية أخرى في مدينة الرمادي وفي محيط الفلوجة. وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 380 ألف شخص نزحوا عن ديارهم فرارا من القتال. ويبث المسلحون تسجيلات وصورا متواترة لإعدام الجنود الحكوميين وتعذيبهم. والآن، وحسبما يقول ضابط الشرطة وضابط بالجيش وآخر برتبة لواء وأحد أفراد القوات العراقية الخاصة، «بدأ بعض الجنود يردون بالمثل فينفذون عمليات إعدام دون محاكمة ويعذبون أعداءهم ويهينونهم ثم ينشرون صور أفعالهم على الإنترنت».
تقف الصور والروايات المروعة القادمة من الأنبار شاهدا على تأجج المشاعر الطائفية بالعراق. فقوات الأمن، التي يشكل الشيعة معظم أفرادها، وفصائل المسلحين ترى نفسها عادة عناصر فاعلة في معركة إقليمية وطائفية أكبر. والممارسات الوحشية تساهم بدورها في تعميق تلك الانقسامات وتزيد من خطر تحول المنطقة السنية بالعراق إلى ساحة معركة دائمة. وبات القتال بالفعل امتدادا للحرب الأهلية في سوريا. وأقر ضابط برتبة لواء في بغداد بأن بعض الجنود في وحدات مكافحة الإرهاب أو القوات الخاصة ينفذون حالات إعدام خارج نطاق القضاء، لكنه وصف هذا بأنه حالات فردية وعزاه إلى نقص تدريب الجنود الجدد الذين كان هناك تعجل في إحلالهم محل المصابين والقتلى من أبناء الجيش. وأضاف: «هذا رد فعل في الميدان لا أكثر ولا أقل». وطلب مثله مثل معظم المسؤولين العراقيين الذين تحدثوا إلى «رويترز» ألا يذكر اسمه. وقال: «هذا يحدث عادة عندما تكون هناك مواجهة عسكرية. يجهز الجنود على المسلحين الجرحى ويطلقون الرصاص عليهم عدة مرات تنفيسا عن غضبهم». ومضى قائلا إن آخر مرة علم فيها بوقوع أمر كهذا كانت قبل أسبوعين تقريبا في الخالدية قرب الرمادي، حيث قتل جنود من القوات الخاصة عددا من أفراد «داعش». لكن متحدثا باسم الفرقة الذهبية الخاصة، المكلفة مكافحة الإرهاب، نفى الروايات التي تشير إلى حالات إعدام خارج نطاق القضاء. وقال المتحدث صباح النعماني: «إن الادعاءات حول قتل إرهابيين غير مسلحين ادعاءات باطلة لا أساس لها من الصحة. أعتقد أن الانتصارات التي حققتها قواتنا قد أزعجت هؤلاء الذين يصدرون مثل هذه الاتهامات ويقومون بفبركة أفلام فيديو بطريقة تهدف إلى تشويه سمعة قواتنا الأمنية». وتابع بقوله: «نحن نقوم بمحاسبة جنودنا إذا ما قاموا بمخالفة أبسط قواعد الاشتباك. نحن لن نقبل بحصول أي مخالفات».
أما وزارة الداخلية التي تنتشر قوات من الشرطة الفيدرالية التي تعمل تحت إمرتها في الرمادي، فقالت لـ«رويترز» إنها تنظر في الأمر بجدية. وقال المتحدث باسمها سعد معن: «إن حصلت بعض الأخطاء أو إخلال بتطبيق معايير حقوق الإنسان خلال إحدى المعارك فلنضع في اعتبارنا أن هذا ليس نهجا وإنما هو أخطاء فردية، إن حصلت يخضع من يرتكبها للمحاسبة والتحقيق ويرسل إلى محكمة عسكرية».
وقال مسؤول بالسفارة الأميركية لدى إبلاغه بما تردد عن حالات الإعدام: «ينبغي التحقيق في هذه المزاعم وإن تأكدت فيجب محاسبة المسؤولين».
وعرض جندي من القوات الخاصة على «رويترز» خلال عطلة في بغداد هذا الشهر صورا على «فيسبوك» يقبل العسكريون العراقيون على الاطلاع عليها. وتظهر في الصور جثث قال إنها لقتلى من مسلحي تنظيم داعش في الرمادي. وكانت إحداها مضرجة بالدماء. وعلق شعار يقول: «الدعس على جرذان داعش القناصة». وقال الجندي: «أي إرهابي نقوم بأسره الآن نقتله في نفس المكان باستثناء ذلك الذي نريد التحقيق معه». وأضاف: «لقد شاهدت بنفسي العشرات يعدمون». وانتقل الجندي إلى صورة صديق له قتل بالرصاص في الرمادي ويظهر في الصورة مرتديا زي الجيش العراقي الأخضر. ورنا الجندي إلى الصورة في صمت. وقال إنه رأى 62 جنديا مقتولين ينقلون إلى بغداد في أحد الأسابيع و40 جنديا في الأسبوع التالي.
ولا يقل المسلحون الذين يقاتلون الحكومة وحشية. ففي تسجيل مصور بثه أنصار تنظيم داعش على الإنترنت ثم تداوله الجنود العراقيون الغاضبون ونشطاء مؤيدون للحكومة يظهر مسلح يصوب مسدسه فوق صف من الجنود الراكعين على الأرض. ويسمع صوت يقول: «اللهم تقبل هذه الأضحية».
ويجذب المسلح الزناد فيسقط جندي ويرتجف الآخرون. ويطلق المسلح النار من جديد ثم ينضم إليه مسلح آخر ثم ثالث ويطلقون النار على الجنود واحدا واحدا. ثم تعتم الشاشة. ويعتمد بعض الجنود العراقيين الآن الأساليب نفسها.
ويذكر لم تنشر الصور المرفقة بهذا التقرير لبشاعتها.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.