الصينيون يسألون وهم يبتكرون الإجابات: ما الفن؟

15 فنانًا معاصرًا يعرضون في غاليري «الرواق» في الدوحة

إحدى لوحات المعرض
إحدى لوحات المعرض
TT

الصينيون يسألون وهم يبتكرون الإجابات: ما الفن؟

إحدى لوحات المعرض
إحدى لوحات المعرض

قليلاً ما نرى فنًا تشكيليًا صينيًا في المنطقة العربية، باستثناء بعض المعروضات في المناسبات الكبرى، وتبقى متفرقة، لا تعطي فكرة وافية عما يدور في ذاك البلد الذي بدأ يتحول إلى قوة اقتصادية عظمى. هذه المرة وبمناسبة العام الثقافي قطر - الصين، تستقبل الدوحة معرضًا كبيرًا في غاليري «رواق» الفسيح على بعد خطوات من «المتحف الإسلامي»، يشارك فيه نحو 15 فنانًا صينيًا، بإشراف الفنان الشهير تساي جوه تشانج، الذي قضى ثلاث سنوات لاختيار فنانين، لهم وجهات وأساليب ورؤى مختلفة، بمقدور إبداعاتهم أن تعكس التيارات المعاصرة في بلاده، على تنوعها، بدءًا من تلك التي واكبت الثورة الثقافية مرورًا بالحركات التجديدية وصولاً إلى الانفتاح الحاصل اليوم. وإلى جانب الأعمال المعروضة التي تتوزع بين الرسم والنحت والفيديو والتجهيز وألعاب الفيديو، وضع تساي كتابًا ضخمًا من 524 صفحة، لمواكبة المعرض، يشرح بوضوح ممتع: «ما الفن المعاصر الآتي من الصين؟» مجريًا مقابلات مع الفنانين المشاركين، يتحدثون فيها عن تجاربهم والأعمال المعروضة في الدوحة التي نفذ بعضها خصيصًا لهذه المناسبة. وإذا كان من نقد يوجه إلى هذا الكتاب فهو أنه صدر على أهميته ومكانة كاتبه، باللغة الإنجليزية، وكانت الضاد أولى به، خصوصًا أنه يصدر برعاية «هيئة متاحف قطر» وموجه لزائر المعرض بشكل خاص. ولعل ترجمته تسعف في تعريف أهل المنطقة بما خفي عليهم.
أبرز المعروضات، تجهيز ضخم بحجم غرفة، هو عبارة عن خزان حديدي صلد بطول 14 مترًا وزنة 40 طنًا، بالإمكان رؤية داخله من خلال نوافذ زجاجية مستديرة، كالتي نراها في البواخر. في وسط الخزان خرطوم كاوتشوكي، أشبه بفم فيل يبقى متدليًا، ثم لا يلبث أن ينتصب فجأة حين تتدفق فيه المياه بقوة جبارة، وتبدأ تضرب في كل الاتجاهات، محدثة صوتًا مزلزلا، وهي ترشق بعنف النوافذ الزجاجية، التي منها يرى المتفرج هذا الجنون المائي الدفاق. لا يمكنك أن تفهم هذه الفكرة الغريبة وأهميتها إلا حين تعرف أن التجهيز، يحمل اسم «الحرية». وكأنما صاحبا العمل الفنانان سون يوان وبينغ يو، المولودان في مطلع سبعينات القرن الماضي، وكانا طالبين أثناء مظاهرات تياننمن الشهيرة عام 1989 يعبران عن إحساسهما العميق بأن الكبت لا يطول قبل أن تنتصر الحرية، التي لا يمكن سد منافذها.
كل صالة في «الرواق خصصت لفنان له هواجسه، وأسلوبه. المزارع هو جيجيون، حالة فريدة (65 عامًا) يعرض للمرة الأولى كفنان محترف، هو ابن الأرض حيث خبرت يداه الطين لعقود طوال، ومنه صنع 600 تمثال صغير غير مصقول لشخصيات وحيوانات وأشياء بنى منها عالما فرشه على درج صلصالي متدرج بحجم نصف صالة. المنحوتات تجسد ما استوحاه جيجيون من لوحات ومنحوتات وفيديوهات وتصاميم معمارية، من الفن الصيني. إنه عمل أشبه بالملاحم الشعرية، التي تعج بالمخلوقات والحكايات المتداخلة، والأحداث، وتحتاج إلى أن تتأملها بعناية، ولطويل وقت، كي تتابع أحداثها.
تظهر بوضوح عند الفنانين المخضرمين محاولة للخلط بين الرسم التقليدي الصيني وتقنيات مستحدثة، وهو ما قام به جوبينغ، عارضًا لوحة طويلة بحجم نصف صالة، لمعبد شانغفانغ مرسومًا على زجاج مضاء. أهم ما في العمل تقنياته، حيث بمقدورك أن تعاين اللوحة من الخلف وتشاهد المعدات التي استخدمت لإنجازها، وتكتشف أنه إضافة إلى الألوان الزيتية والمصابيح تم استخدام أكياس من النايلون بألوان مختلفة، لتزويد اللوحة الزجاجية الخلابة بأبعاد جديدة، غير معتادة.
عمل لافت آخر، شديد الضخامة، يتوسط المعرض، هو للفنان هوانغ يونغبينغ، فوسط قاعة كبيرة يقف مخلوق يشبه الكائنات الأسطورية، وكأنه يحلق عاليًا، وتمتد أذرعه لتلتف على الأعمدة الثمانية المحيطة بالصالة. إنه وحش البحر الذي يزن 40 طنًا، وحوله تتناثر علب معدنية، وطيور وأسماك ميتة، وفضلات بحرية. وقد وضع هذا الفنان الذي خبر التلوث البيئي في بلاده، ويقيم حاليًا في باريس، عمله كإنذار لما يمكن أن تتسبب فيه الانبعاثات من دمار.
يحاول المعرض الذي يستمر حتى 16 يوليو (تموز) المقبل، أن يقدم فكرة عن التيارات الفنية المختلفة لأجيال متلاحقة. فثمة بين الفنانين من عايش الثورة الثقافية التي بدأت في الصين عام 1949، وقاوم نهجها التسلطي، وهناك أولئك الذين شكلوا ما يعرف بتيار الموجة الجديدة 85 ووصل إلى ذروته عام 1989. من هؤلاء جو جين، الفنان المقيم في شنغهاي، الذي له تقنية باهرة، تجعل لوحاته ثلاثية الأبعاد، سواء تلك التي استخدم فيها أكياس الكريمة التي تستخدم عادة لتزيين الجاتو، لينثر ألوانه الزيتية على اللوحة، لتبدو نافرة غريبة، خصوصًا عندما تكون بمتدرجات اللون الأحمر وصولاً إلى الأبيض، أو حين يقدم لوحة كبيرة أشبه بجدارية مشغولة بالقماش النافر. فالأشخاص كما الحيوانات والحقائب والسيوف والملابس، في هذه الجدارية التي تضج بالحياة، كلها قماشية ومحشوة ونافرة. متعة للنظر أعمال هذا الفنان. ومن غرائب المعرض عمل تركيبي حمل اسم «حديقة القمر» للفنان ليانغ شاوجي ويحكي قصة صعود وانهيار الحضارات العتيقة في الهلال الخصيب، من خلال صفيحتين مقوستين تشكلان معًا مشهدًا لنهر متعرج، وعلى الأرض المغطاة بالرمل 30 جسمًا حادًا هي عبارة عن سكاكين، وسيوف تم تغليفها بخطوط الحرير الأبيض. واحتاج هذا العمل لتغطية الصفيحتين والأجسام الحادة، بحسب المنظمين، إلى 37 ألف دودة قز، أنتجت الحرير على مدى سنتين.
الأعمال يصعب الحديث عنها جميعها، لوحات حديقة الخوخ، للفنان جو تشونيا، بألوانها المزهرة، تغطي مساحة كبيرة من حيطان إحدى الصالات، وكان يتمنى الفنان بحسب ما يقول، أن يملأ جدران القاعة كلها بزهر شجر الخوخ، خصوصًا أن هذه النبتة بالإضافة إلى شجر الكرز موضع احتفاء الصينيين ورعايتهم، أكثر من أي أشجار مثمرة أخرى.
من الفنانين الشباب الذين تلفت أعمالهم في المعرض جو بينغ (مواليد 1981) يقدم ألعاب فيديو، تنم عن حساسية عالية، ومشاعر رقيقة. ألعاب لا تشبه في أي حال، بشاعريتها، تلك الأميركية الهوية. فالفنان الذي ترك بكين إلى أميركا، دُهش للمساحات الخضراء التي وصل إليها بعد أن كان حبيس الاكتظاظ السكاني، وهو بهذه اللعبة التي تشبه مطاردة عناصر الطبيعة واللعب معها، يعبر عن احتفائه الشديد بالحياة، وما يشبه التحية للدولة المضيفة، وربما هذا ما يظهر الجانب الشرقي الروحاني من شخصيته. أما ليو جياودونغ، فقد رسم لوحات ظريفة، من وحي الأجواء القطرية، يظهر في إحداها وزير الثقافة القطري السابق حمد بن عبد العزيز الكواري، مع زوجته وأولاده، في مشهد عائلي طريف، قليلاً ما يمكن أن نراه لمسؤول رسمي في دولة خليجية.
ثمة أعمال شديدة الحداثة مثل التجهيز الذي أعدته جنيفر وين ما. هذه الشابة الصينية الآتية من تجربة أميركية، تقدم تجهيزًا عبارة عن غرفة كاملة جدرانها مغطاة بطبقة رمادية، علق في سقفها كرتان زجاجيتان إحداهما سوداء وأخرى بيضاء، تتأرجحان في السقف محدثتين رنينًا موسيقيًا متناسقًا، لكنهما لا تلتقيان أبدًا. وهو ما تعتبره الفنانة اللقاء المستحيل بين حبيبين أُجبِرا على الفراق.
المعرض الصيني في الدوحة على كبره، وضخامة بعض تجهيزاته، يستحق عناء نقله إلى أكثر من دولة عربية، لتعريف أهل المنطقة، بما يحدث شرقهم بدل أن يبقوا حبيسي الغرب وحداثته. لم يعد الفن الصيني المعاصر صينيًا بالمعنى التقليدي القديم للكلمة، وهو ما يعتبره أمين المعرض تساي «استفزازيًا للبعض، لأن هناك من شكل عن الصين رأيًا مسبقًا ولا يريد أن يراها إلا من خلاله».



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.