يوسوفو.. وحلم الاستقرار

رئيس النيجر يبدأ فترته الرئاسية الثانية وسط تحديات الأمن والهدوء والتنمية

يوسوفو.. وحلم الاستقرار
TT

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

نيامي، عاصمة جمهورية النيجر، مدينة هادئة ووديعة، ترقد على ضفة نهر النيجر، ذلك المجرى المائي الذي يشق الصحراء الكبرى وعلى خاصرته يحمل أبرز المدن العامرة في منطقة الساحل الأفريقي؛ ويحكي هذا النهر قصة منطقة ظلمتها الجغرافيا وأقعدها تاريخها المؤلم، ويخيّم على مستقبلها شبح حروب لا تتوقف، من حرب عاجلة على الإرهاب إلى حروب مؤجلة ضد الفقر والأمية والمرض. وفي قلب هذه المنطقة تقع الجمهورية التي أعطاها النهر اسمه، والتي ارتبطت في أذهان الكثيرين بالمجاعات، والكثير من الانقلابات والصراعات السياسية التي لا تنتهي. لكن النيجر اليوم تتأهب للوقوف على قدميها بعد إعادتها انتخاب رئيسها محمدو يوسوفو، وهي تحلم بالاستقرار وأن لا تستفيق بعد فترة قصيرة على انقلاب عسكري أو بعد أيام على هجوم إرهابي. الاستقرار من ضمن أحلام أخرى كثيرة يتوجب على يوسوفو، وهو مهندس المعادن وخبير الرياضيات، أن يعيد حساباته ويرتب أوراقه ليحقق ولو جزءًا يسيرًا منها.
في قلب العاصمة النيجرية نيامي يتربع القصر الجمهوري بطابعه المعماري المميز وألوانه الصفراء ذات السحنة الصحراوية التي تجعله منتميًا لبيئته، ويستقبل هذا القصر محمدو يوسوفو من جديد رئيسًا للنيجر على مدى خمس سنوات مقبلة، سيجلس خلالها داخل هذا القصر ليدير شؤون واحد من أفقر بلدان العالم وأكثرها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.
في السنوات الخمس الماضية يرى يوسوفو أنه حقق المطلوب ووضع الأسس الضرورية لمشروع «النهضة» في النيجر، فيما يتطلع لتكون السنوات الخمس المقبلة مليئة بالعمل الذي يبدأ بطي الخلافات السياسية ومد يد الهدنة والتصالح مع المعارضة، فبعد أيام من إعادة انتخابه أعلن استعداده للحوار معها ونيته تشكيل حكومة ائتلاف وطني؛ خطوة ذكية من خريج كليات الهندسة والعلوم في فرنسا، ومن رجل يرتبط بعلاقات وطيدة مع دوائر الحكم في قصر الإليزيه الفرنسي.
سيرة شخصية
ولد الحاج محمدو يوسوفو عام 1952. عندما كان النيجر كيانًا يرزح تحت الاستعمار الفرنسي، في منطقة تاهوا، وهي منطقة تقع على بوابة منطقة الساحل الأفريقي، في منتصف المسافة ما بين العاصمة نيامي بأقصى جنوب النيجر، ومدينة أغاديز في أقصى الشمال. ولقد تربى يوسوفو وسط خليط من الإثنيات التي تعايشت لعدة قرون في تاهوا، من قبائل الهوسا - التي تشكل غالبية سكان النيجر - إلى قبائل السونغاي والجورمانتشيه الأفريقية، ثم العرب والطوارق والتبو. إنها مزيج من الشعوب والثقافات احتك بها الرجل فجعلته من أكثر الشخصيات في النيجر إلمامًا بالخلطة السحرية للمجتمع النيجري؛ وحقًا يتوجب على مَن سيحكم هذا البلد الأفريقي أن يدرك أدق التفاصيل حول كل قبيلة على حدة، فهذا البلد يُحكم بمزاج القبيلة وسخاء السماء.
تلقى يوسوفو تعليمه الابتدائي والإعدادي في منطقة تاهوا، قبل أن ينتقل إلى العاصمة نيامي حيث التحق بالثانوية ليحصل عام 1971 على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات. وعندما كان الجفاف يضرب البلاد ليهز أركان حكم الرئيس المؤسِّس هاماني ديوري، كان يوسوفو مراهقًا يرتاد مركز التعليم العالي بنيامي حيث تخرج بشهادة جامعية في الدراسات العلمية في الرياضيات والفيزياء عام 1973. وبالتزامن مع الانقلاب العسكري الأول في تاريخ البلاد، عام 1974، كان يوسوفو يحضر لشهادة الليسانس (الإجازة الجامعية) في الرياضيات التي حصل عليها عام 1975.
ثم، مع بداية الحكم العسكري في النيجر، توجّه يوسوفو إلى فرنسا لمواصلة دراساته العليا، وهي رحلة ستقوده إلى أروقة جامعة العلوم والتقنيات في مدينة مونبلييه الجامعية العريقة بجنوب فرنسا ما بين عامي 1975 و1976 حيث نال شهادة الماجستير في الرياضيات والتطبيقات الأساسية. ثم بعد ذلك إلى جامعة «باريس 5» حيث حصل على شهادة الدراسات المعمّقة DEA في الاحتمالات والإحصاء عام 1977. ومنها إلى المدرسة الوطنية العليا للمعادن في مدينة سانت إتيان ليتخرج فيها مهندسًا مدنيًا متخصصًا في المعادن عام 1979.
من الرياضيات والفيزياء إلى هندسة المعادن، مرورًا بالاحتمالات والإحصاء، أصبح الشاب النيجري الهادئ قادرًا على العودة إلى بلاده التي كانت ما تزال ترزح تحت حكم العسكر، وتعيش تحت رحمة الخوف من شبح الجفاف، وتقتات على مساعدات الدول الغربية وديونها التي لا تنتهي. عاد يوسوفو إلى النيجر عام 1979 وهو نسخة مطوّرة من الإنسان النيجري، مشبعًا بالثقافة الغربية التي استقاها في «مدينة النور» باريس، دون أن ينسى تقاليد مجتمعه الأفريقي متعدد الثقافات.
العودة من فرنسا
وبدأ الرئيس المستقبلي مساره المهني في النيجر كمتدّرب في عدد من شركات المعادن النشطة في البلاد، قبل أن يصبح مديرًا للمعادن في وزارة الصناعة والمعادن في الفترة ما بين 1980 و1985. وسرعان ما انتقل بعد ذلك إلى واحدة من أشهر شركات المعادن في النيجر «سوماير» حيث شغل عدة مناصب مهمة، بدأها كأمين عام، ثم مدير للاستخراجات وأخيرًا مديرًا فنيًا للشركة؛ وكان يوسوفو يتقدم – في هذه الأثناء - في مساره المهني وعينه على التطورات السياسية التي تعيشها بلاده.
في الواقع، يُعد النيجر واحدًا من أكثر بلدان الساحل وغرب أفريقيا انقلابات عسكرية. فبعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960 دخلت البلاد في حكم الحزب الواحد بقيادة هاماني ديوري، أول رئيس للنيجر؛ ولقد عمل ديوري تحت العباءة الفرنسية وفتح لها الباب لاستغلال مناجم النيجر الغنية باليورانيوم، إلا أن موجة من الجفاف الحاد أطاحت بحكمه ودفعت الجيش عام 1974 إلى إزاحته وتنصيب أول رئيس عسكري للبلاد هو العقيد ساني كونتشيه.
ولم يختلف كونتشيه عن سابقه، إذ ارتمى في أحضان فرنسا لتدعيم أركان حكمه ومواجهة موجات الجفاف المتلاحقة، فلطالما شكل الجفاف لاعبًا مهمًا في تحديد المستقبل السياسي للنيجر. وبعد وفاة كونتشيه عام 1987 حل محله علي سايبو، وهو عقيد آخر في الجيش حاول أن يجري إصلاحات وأن يعزّز الحريات من خلال إطلاق سراح سجناء سياسيين، وإعلان «الجمهورية الثانية» التي لم تصمد طويلاً أمام احتجاجات المعارضة السياسية وعمال المناجم والطلاب. ومن ثم أجبر على اعتماد التعددية السياسية مطلع عام 1991. على غرار بقية المستعمرات الفرنسية في أفريقيا؛ وخرج العقيد سايبو من الحكم في العام نفسه مفسحًا المجال أمام حكم انتقالي مهمته الإشراف على انتخابات رئاسية وتشريعية تفتح الباب أمام الجمهورية الثالثة.
التعددية الحزبية
مع بداية التعددية الحزبية في النيجر مطلع تسعينات القرن الماضي، أسس يوسوفو «الحزب النيجري من أجل الديمقراطية والاشتراكية» في ديسمبر (كانون الأول) 1990. كان ذلك الحزب الذي ما زال يرأسه حتى اليوم هو البوابة التي شارك من خلالها في جميع الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ أن بدأت التعددية في النيجر؛ كما مكّنه من المشاركة في أشغال «المؤتمر الوطني السامي» الذي وضع ملامح الجمهورية الثانية في النيجر عام 1991، والمشاركة بعد ذلك في الانتخابات التشريعية عام 1993 والدخول إلى قبة البرلمان ممثلاً لمنطقة تاهوا التي يتحدر منها، كما شارك في أول انتخابات رئاسية يشهدها النيجر.
بينما كانت النيجر تتلمس خطواتها بكثير من الترقب تجاه نظام ديمقراطي جديد، كانت جارتها مالي تلتهب تحت وقع تمرّد الطوارق في الشمال؛ وسرعان ما انتقلت العدوى إلى طوارق النيجر فحملوا السلاح مطالبين بالاستقلال عن العاصمة نيامي، لتدخل البلاد في موجة من الأزمات الاقتصادية والصدامات العرقية عصفت بالحكومة الانتقالية نهاية عام 1992. إلا أن ذلك لم يمنع النيجريين من مواصلة الطريق للخروج بانتخابات تشريعية في شهر أبريل (نيسان) 1993. وأول انتخابات رئاسية شفافة تشهدها البلاد. ولقد فاز ماهامان عثمان بهذه الانتخابات، وحل يوسوفو في المرتبة الثالثة بنسبة 15 في المائة من أصوات الناخبين، فاختير رئيسًا للوزراء على رأس حكومة نجحت بعد سنة في توقيع اتفاق سلام مع قبائل الطوارق منحوا بموجبه حكمًا ذاتيًا محدودًا، فانتهى تمرّد طوارق النيجر إلى اليوم.
الصراع مع عثمان
إلا أنه سرعان ما بدأت الخلافات تدب بين الرئيس المنتخب عثمان ورئيس وزرائه يوسوفو، فاستغل الجيش الصراع بين الرجلين ليدخل على الخط بحجة أن الخلاف بينهما عطّل عمل مؤسسات الدولة، وبالتالي، ظهر عقيد جديد اسمه إبراهيم باري مناصرة أزاح الرئيس وأطاح بالحكومة في يناير (كانون الثاني) من عام 1996. وأعلن جمهوريته الخاصة التي كانت الرابعة منذ استقلال النيجر عام 1960. وكان واضحًا منذ البداية أن العقيد باري يريد البقاء في الحكم حين دعا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية بعد بضعة أشهر من انقلابه. وأثناء الانتخابات تدخل بشكل فج ليحلّ اللجنة المشرفة ويعيّن لجنة جديدة منحته الفوز في انتخابات أثارت سخرية العالم وأدخلت النيجر في دوامة من الأزمات والعزلة الدولية. هذا الوضع أجبر العقيد باري على البحث في جيوب العقيد الليبي معمر القذافي عن تمويلات بعدما نضبت خزائنه ورفض المموّلون الدوليون دعمه.
خلال «الحكم الحديدي» للعقيد باري كان يوسوفو يرأس البرلمان وينشط رفقة عدد من النواب في «الجبهة الوطنية من أجل إعادة التأسيس والدفاع عن الديمقراطية»، التي تهدف إلى مواجهة آلة قمع النظام العسكري الحاكم وتسعى إلى الخروج من مأزق العزلة الدولية المفروضة على النيجر، ولكنها في الوقت ذاته لم تكن بتلك القوة التي تزعج الحاكم العسكري الذي يرتدي ثوبًا ديمقراطيًا لم يخدع العالم الخارجي.
ثلاث سنوات كانت فترة حكم العقيد باري، انتهت مطلع شهر أبريل من عام 1999. بأول انقلاب دموي في النيجر قتل فيه العقيد باري وطويت بموته صفحة العزلة الدولية المفروضة على النيجر. وبعدها أعلن قادة الانقلاب عن بداية «الجمهورية الخامسة» وتشكيل المجلس الاستشاري الوطني الذي كان محمدو يوسفو عضوًا فيه، إلا أن ذلك لم يمنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية التي نظمت العام نفسه تحت إشراف مراقبين دوليين شهدوا بنزاهتها، ولقد ذهبت إلى دورة ثانية بين الرئيس السابق مامادو تانجي ومحمدو يوسوفو، ليخسر الأخير السباق الرئاسي – مجددًا - بعد حصوله على نسبة 40 في المائة من أصوات الناخبين. غير أنه تُوّج بعدها مباشرة زعيمًا للمعارضة التي توحّدت في «منسقية القوى الديمقراطية»، وهي الصفة التي قاد بها المعارضة في الانتخابات الرئاسية عام 2004. ليخسر من جديد السباق في الدورة الثانية أمام الرئيس المنتهية ولايته مامادو تانجي.
زعيم المعارضة
خلال سنوات حكم تانجي ظل يوسوفو يكرس صورته كزعيم تقليدي للمعارضة في النيجر، فيما سعى تانجي إلى تغيير الدستور الذي يمنع ترشحه لفترة رئاسية ثالثة. إلا أن ذاكرة النيجر المليئة بالانقلابات استيقظت عام 2010 ليظهر عقيد جديد اسمه سالو جيبو، أزاح الرئيس وحل الحكومة وأسس «المجلس الأعلى لاستعادة الديمقراطية»، وأعلن عن الشروع في «الجمهورية السادسة». تلك الجمهورية التي بدا واضحًا أن يوسوفو هو المرشح الأوفر حظًا للفوز بها، وبالفعل أدى يوسوفو اليمين الدستورية مطلع شهر أبريل من عام 2011، كسادس رئيس للنيجر.
لقد تحوّل المعارض المخضرم إلى حاكم للبلاد، وعندها وجد نفسه أمام اختبار حقيقي للوفاء بالكثير من الوعود التي أطلقها على مدى عقدين من الزمن. وكانت صخرة الواقع صلبة لتتكسر عليها كل آمال الرجل الذي وجد أمامه وضعًا إقليميًا متأزمًا بعد انفجار الوضع في ليبيا وتحوّل منطقة الساحل الأفريقي إلى برميل بارود تلعب به الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب والجريمة المنظمة. وهكذا تحوّل زعيم المعارضة الثائر إلى حليف قوي للغرب في الحرب ضد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وجماعة «بوكو حرام» المتطرفة.
يوسوفو يلقبه أنصاره بـ«زاكي»، أي الأسد بلغة الهاوسا، ويؤكدون أنه نجح في الحد من خطر الجماعات الإرهابية، وأنه رفع من نسبة النمو في البلاد خلال السنوات الأخيرة بالاعتماد على قطاع المعادن والنفط رغم تراجع أسعارها في الأسواق العالمية. ويقول المستشار الإعلامي في رئاسة الجمهورية بالنيجر عبد الرحمن محمد لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان في الفترة الرئاسية المقبلة على تنويع الاقتصاد من خلال تطوير قطاعات المناجم والنفط والزراعة، وزيادة نسبة النمو التي تعد الأعلى في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا».
أما معارضوه فيصفونه بأنه «صناعة»، ويتهمونه بإدخال بلده الهش في صراعات إقليمية لا يقوى على الصمود فيها، ويدّعون أنه فشل في تحسين ظروف الصحة والتعليم والبنية التحتية خلال مأموريته الأولى؛ وأن مشاكل كبيرة تنتظره في فترته الثانية.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.