يوسوفو.. وحلم الاستقرار

رئيس النيجر يبدأ فترته الرئاسية الثانية وسط تحديات الأمن والهدوء والتنمية

يوسوفو.. وحلم الاستقرار
TT

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

يوسوفو.. وحلم الاستقرار

نيامي، عاصمة جمهورية النيجر، مدينة هادئة ووديعة، ترقد على ضفة نهر النيجر، ذلك المجرى المائي الذي يشق الصحراء الكبرى وعلى خاصرته يحمل أبرز المدن العامرة في منطقة الساحل الأفريقي؛ ويحكي هذا النهر قصة منطقة ظلمتها الجغرافيا وأقعدها تاريخها المؤلم، ويخيّم على مستقبلها شبح حروب لا تتوقف، من حرب عاجلة على الإرهاب إلى حروب مؤجلة ضد الفقر والأمية والمرض. وفي قلب هذه المنطقة تقع الجمهورية التي أعطاها النهر اسمه، والتي ارتبطت في أذهان الكثيرين بالمجاعات، والكثير من الانقلابات والصراعات السياسية التي لا تنتهي. لكن النيجر اليوم تتأهب للوقوف على قدميها بعد إعادتها انتخاب رئيسها محمدو يوسوفو، وهي تحلم بالاستقرار وأن لا تستفيق بعد فترة قصيرة على انقلاب عسكري أو بعد أيام على هجوم إرهابي. الاستقرار من ضمن أحلام أخرى كثيرة يتوجب على يوسوفو، وهو مهندس المعادن وخبير الرياضيات، أن يعيد حساباته ويرتب أوراقه ليحقق ولو جزءًا يسيرًا منها.
في قلب العاصمة النيجرية نيامي يتربع القصر الجمهوري بطابعه المعماري المميز وألوانه الصفراء ذات السحنة الصحراوية التي تجعله منتميًا لبيئته، ويستقبل هذا القصر محمدو يوسوفو من جديد رئيسًا للنيجر على مدى خمس سنوات مقبلة، سيجلس خلالها داخل هذا القصر ليدير شؤون واحد من أفقر بلدان العالم وأكثرها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية.
في السنوات الخمس الماضية يرى يوسوفو أنه حقق المطلوب ووضع الأسس الضرورية لمشروع «النهضة» في النيجر، فيما يتطلع لتكون السنوات الخمس المقبلة مليئة بالعمل الذي يبدأ بطي الخلافات السياسية ومد يد الهدنة والتصالح مع المعارضة، فبعد أيام من إعادة انتخابه أعلن استعداده للحوار معها ونيته تشكيل حكومة ائتلاف وطني؛ خطوة ذكية من خريج كليات الهندسة والعلوم في فرنسا، ومن رجل يرتبط بعلاقات وطيدة مع دوائر الحكم في قصر الإليزيه الفرنسي.
سيرة شخصية
ولد الحاج محمدو يوسوفو عام 1952. عندما كان النيجر كيانًا يرزح تحت الاستعمار الفرنسي، في منطقة تاهوا، وهي منطقة تقع على بوابة منطقة الساحل الأفريقي، في منتصف المسافة ما بين العاصمة نيامي بأقصى جنوب النيجر، ومدينة أغاديز في أقصى الشمال. ولقد تربى يوسوفو وسط خليط من الإثنيات التي تعايشت لعدة قرون في تاهوا، من قبائل الهوسا - التي تشكل غالبية سكان النيجر - إلى قبائل السونغاي والجورمانتشيه الأفريقية، ثم العرب والطوارق والتبو. إنها مزيج من الشعوب والثقافات احتك بها الرجل فجعلته من أكثر الشخصيات في النيجر إلمامًا بالخلطة السحرية للمجتمع النيجري؛ وحقًا يتوجب على مَن سيحكم هذا البلد الأفريقي أن يدرك أدق التفاصيل حول كل قبيلة على حدة، فهذا البلد يُحكم بمزاج القبيلة وسخاء السماء.
تلقى يوسوفو تعليمه الابتدائي والإعدادي في منطقة تاهوا، قبل أن ينتقل إلى العاصمة نيامي حيث التحق بالثانوية ليحصل عام 1971 على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات. وعندما كان الجفاف يضرب البلاد ليهز أركان حكم الرئيس المؤسِّس هاماني ديوري، كان يوسوفو مراهقًا يرتاد مركز التعليم العالي بنيامي حيث تخرج بشهادة جامعية في الدراسات العلمية في الرياضيات والفيزياء عام 1973. وبالتزامن مع الانقلاب العسكري الأول في تاريخ البلاد، عام 1974، كان يوسوفو يحضر لشهادة الليسانس (الإجازة الجامعية) في الرياضيات التي حصل عليها عام 1975.
ثم، مع بداية الحكم العسكري في النيجر، توجّه يوسوفو إلى فرنسا لمواصلة دراساته العليا، وهي رحلة ستقوده إلى أروقة جامعة العلوم والتقنيات في مدينة مونبلييه الجامعية العريقة بجنوب فرنسا ما بين عامي 1975 و1976 حيث نال شهادة الماجستير في الرياضيات والتطبيقات الأساسية. ثم بعد ذلك إلى جامعة «باريس 5» حيث حصل على شهادة الدراسات المعمّقة DEA في الاحتمالات والإحصاء عام 1977. ومنها إلى المدرسة الوطنية العليا للمعادن في مدينة سانت إتيان ليتخرج فيها مهندسًا مدنيًا متخصصًا في المعادن عام 1979.
من الرياضيات والفيزياء إلى هندسة المعادن، مرورًا بالاحتمالات والإحصاء، أصبح الشاب النيجري الهادئ قادرًا على العودة إلى بلاده التي كانت ما تزال ترزح تحت حكم العسكر، وتعيش تحت رحمة الخوف من شبح الجفاف، وتقتات على مساعدات الدول الغربية وديونها التي لا تنتهي. عاد يوسوفو إلى النيجر عام 1979 وهو نسخة مطوّرة من الإنسان النيجري، مشبعًا بالثقافة الغربية التي استقاها في «مدينة النور» باريس، دون أن ينسى تقاليد مجتمعه الأفريقي متعدد الثقافات.
العودة من فرنسا
وبدأ الرئيس المستقبلي مساره المهني في النيجر كمتدّرب في عدد من شركات المعادن النشطة في البلاد، قبل أن يصبح مديرًا للمعادن في وزارة الصناعة والمعادن في الفترة ما بين 1980 و1985. وسرعان ما انتقل بعد ذلك إلى واحدة من أشهر شركات المعادن في النيجر «سوماير» حيث شغل عدة مناصب مهمة، بدأها كأمين عام، ثم مدير للاستخراجات وأخيرًا مديرًا فنيًا للشركة؛ وكان يوسوفو يتقدم – في هذه الأثناء - في مساره المهني وعينه على التطورات السياسية التي تعيشها بلاده.
في الواقع، يُعد النيجر واحدًا من أكثر بلدان الساحل وغرب أفريقيا انقلابات عسكرية. فبعد الاستقلال عن فرنسا عام 1960 دخلت البلاد في حكم الحزب الواحد بقيادة هاماني ديوري، أول رئيس للنيجر؛ ولقد عمل ديوري تحت العباءة الفرنسية وفتح لها الباب لاستغلال مناجم النيجر الغنية باليورانيوم، إلا أن موجة من الجفاف الحاد أطاحت بحكمه ودفعت الجيش عام 1974 إلى إزاحته وتنصيب أول رئيس عسكري للبلاد هو العقيد ساني كونتشيه.
ولم يختلف كونتشيه عن سابقه، إذ ارتمى في أحضان فرنسا لتدعيم أركان حكمه ومواجهة موجات الجفاف المتلاحقة، فلطالما شكل الجفاف لاعبًا مهمًا في تحديد المستقبل السياسي للنيجر. وبعد وفاة كونتشيه عام 1987 حل محله علي سايبو، وهو عقيد آخر في الجيش حاول أن يجري إصلاحات وأن يعزّز الحريات من خلال إطلاق سراح سجناء سياسيين، وإعلان «الجمهورية الثانية» التي لم تصمد طويلاً أمام احتجاجات المعارضة السياسية وعمال المناجم والطلاب. ومن ثم أجبر على اعتماد التعددية السياسية مطلع عام 1991. على غرار بقية المستعمرات الفرنسية في أفريقيا؛ وخرج العقيد سايبو من الحكم في العام نفسه مفسحًا المجال أمام حكم انتقالي مهمته الإشراف على انتخابات رئاسية وتشريعية تفتح الباب أمام الجمهورية الثالثة.
التعددية الحزبية
مع بداية التعددية الحزبية في النيجر مطلع تسعينات القرن الماضي، أسس يوسوفو «الحزب النيجري من أجل الديمقراطية والاشتراكية» في ديسمبر (كانون الأول) 1990. كان ذلك الحزب الذي ما زال يرأسه حتى اليوم هو البوابة التي شارك من خلالها في جميع الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ أن بدأت التعددية في النيجر؛ كما مكّنه من المشاركة في أشغال «المؤتمر الوطني السامي» الذي وضع ملامح الجمهورية الثانية في النيجر عام 1991، والمشاركة بعد ذلك في الانتخابات التشريعية عام 1993 والدخول إلى قبة البرلمان ممثلاً لمنطقة تاهوا التي يتحدر منها، كما شارك في أول انتخابات رئاسية يشهدها النيجر.
بينما كانت النيجر تتلمس خطواتها بكثير من الترقب تجاه نظام ديمقراطي جديد، كانت جارتها مالي تلتهب تحت وقع تمرّد الطوارق في الشمال؛ وسرعان ما انتقلت العدوى إلى طوارق النيجر فحملوا السلاح مطالبين بالاستقلال عن العاصمة نيامي، لتدخل البلاد في موجة من الأزمات الاقتصادية والصدامات العرقية عصفت بالحكومة الانتقالية نهاية عام 1992. إلا أن ذلك لم يمنع النيجريين من مواصلة الطريق للخروج بانتخابات تشريعية في شهر أبريل (نيسان) 1993. وأول انتخابات رئاسية شفافة تشهدها البلاد. ولقد فاز ماهامان عثمان بهذه الانتخابات، وحل يوسوفو في المرتبة الثالثة بنسبة 15 في المائة من أصوات الناخبين، فاختير رئيسًا للوزراء على رأس حكومة نجحت بعد سنة في توقيع اتفاق سلام مع قبائل الطوارق منحوا بموجبه حكمًا ذاتيًا محدودًا، فانتهى تمرّد طوارق النيجر إلى اليوم.
الصراع مع عثمان
إلا أنه سرعان ما بدأت الخلافات تدب بين الرئيس المنتخب عثمان ورئيس وزرائه يوسوفو، فاستغل الجيش الصراع بين الرجلين ليدخل على الخط بحجة أن الخلاف بينهما عطّل عمل مؤسسات الدولة، وبالتالي، ظهر عقيد جديد اسمه إبراهيم باري مناصرة أزاح الرئيس وأطاح بالحكومة في يناير (كانون الثاني) من عام 1996. وأعلن جمهوريته الخاصة التي كانت الرابعة منذ استقلال النيجر عام 1960. وكان واضحًا منذ البداية أن العقيد باري يريد البقاء في الحكم حين دعا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية بعد بضعة أشهر من انقلابه. وأثناء الانتخابات تدخل بشكل فج ليحلّ اللجنة المشرفة ويعيّن لجنة جديدة منحته الفوز في انتخابات أثارت سخرية العالم وأدخلت النيجر في دوامة من الأزمات والعزلة الدولية. هذا الوضع أجبر العقيد باري على البحث في جيوب العقيد الليبي معمر القذافي عن تمويلات بعدما نضبت خزائنه ورفض المموّلون الدوليون دعمه.
خلال «الحكم الحديدي» للعقيد باري كان يوسوفو يرأس البرلمان وينشط رفقة عدد من النواب في «الجبهة الوطنية من أجل إعادة التأسيس والدفاع عن الديمقراطية»، التي تهدف إلى مواجهة آلة قمع النظام العسكري الحاكم وتسعى إلى الخروج من مأزق العزلة الدولية المفروضة على النيجر، ولكنها في الوقت ذاته لم تكن بتلك القوة التي تزعج الحاكم العسكري الذي يرتدي ثوبًا ديمقراطيًا لم يخدع العالم الخارجي.
ثلاث سنوات كانت فترة حكم العقيد باري، انتهت مطلع شهر أبريل من عام 1999. بأول انقلاب دموي في النيجر قتل فيه العقيد باري وطويت بموته صفحة العزلة الدولية المفروضة على النيجر. وبعدها أعلن قادة الانقلاب عن بداية «الجمهورية الخامسة» وتشكيل المجلس الاستشاري الوطني الذي كان محمدو يوسفو عضوًا فيه، إلا أن ذلك لم يمنعه من الترشح للانتخابات الرئاسية التي نظمت العام نفسه تحت إشراف مراقبين دوليين شهدوا بنزاهتها، ولقد ذهبت إلى دورة ثانية بين الرئيس السابق مامادو تانجي ومحمدو يوسوفو، ليخسر الأخير السباق الرئاسي – مجددًا - بعد حصوله على نسبة 40 في المائة من أصوات الناخبين. غير أنه تُوّج بعدها مباشرة زعيمًا للمعارضة التي توحّدت في «منسقية القوى الديمقراطية»، وهي الصفة التي قاد بها المعارضة في الانتخابات الرئاسية عام 2004. ليخسر من جديد السباق في الدورة الثانية أمام الرئيس المنتهية ولايته مامادو تانجي.
زعيم المعارضة
خلال سنوات حكم تانجي ظل يوسوفو يكرس صورته كزعيم تقليدي للمعارضة في النيجر، فيما سعى تانجي إلى تغيير الدستور الذي يمنع ترشحه لفترة رئاسية ثالثة. إلا أن ذاكرة النيجر المليئة بالانقلابات استيقظت عام 2010 ليظهر عقيد جديد اسمه سالو جيبو، أزاح الرئيس وحل الحكومة وأسس «المجلس الأعلى لاستعادة الديمقراطية»، وأعلن عن الشروع في «الجمهورية السادسة». تلك الجمهورية التي بدا واضحًا أن يوسوفو هو المرشح الأوفر حظًا للفوز بها، وبالفعل أدى يوسوفو اليمين الدستورية مطلع شهر أبريل من عام 2011، كسادس رئيس للنيجر.
لقد تحوّل المعارض المخضرم إلى حاكم للبلاد، وعندها وجد نفسه أمام اختبار حقيقي للوفاء بالكثير من الوعود التي أطلقها على مدى عقدين من الزمن. وكانت صخرة الواقع صلبة لتتكسر عليها كل آمال الرجل الذي وجد أمامه وضعًا إقليميًا متأزمًا بعد انفجار الوضع في ليبيا وتحوّل منطقة الساحل الأفريقي إلى برميل بارود تلعب به الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب والجريمة المنظمة. وهكذا تحوّل زعيم المعارضة الثائر إلى حليف قوي للغرب في الحرب ضد تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» وجماعة «بوكو حرام» المتطرفة.
يوسوفو يلقبه أنصاره بـ«زاكي»، أي الأسد بلغة الهاوسا، ويؤكدون أنه نجح في الحد من خطر الجماعات الإرهابية، وأنه رفع من نسبة النمو في البلاد خلال السنوات الأخيرة بالاعتماد على قطاع المعادن والنفط رغم تراجع أسعارها في الأسواق العالمية. ويقول المستشار الإعلامي في رئاسة الجمهورية بالنيجر عبد الرحمن محمد لـ«الشرق الأوسط» إن «الرهان في الفترة الرئاسية المقبلة على تنويع الاقتصاد من خلال تطوير قطاعات المناجم والنفط والزراعة، وزيادة نسبة النمو التي تعد الأعلى في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا».
أما معارضوه فيصفونه بأنه «صناعة»، ويتهمونه بإدخال بلده الهش في صراعات إقليمية لا يقوى على الصمود فيها، ويدّعون أنه فشل في تحسين ظروف الصحة والتعليم والبنية التحتية خلال مأموريته الأولى؛ وأن مشاكل كبيرة تنتظره في فترته الثانية.



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.