لم تتوقف الدبلوماسية السعودية عن التحالفات الواسعة والمنظور الجديد المتجدد الذي تقوده الرياض، في المنطقة والإقليم الواسع، مستكملة حجر أساس وضعه الملك المؤسس عبد العزيز، والملك فيصل - رحمهما الله - في دور السعودية المرحب به في القارة منذ أكثر من ثمانين سنة، كون المملكة العربية السعودية دولة محورية إسلاميًا وعربيًا وعالميًا. ولقد أكملت زيارتا وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الأخيرتان إلى أوغندا وتنزانيا، مراحل الدبلوماسية الكبيرة وخطواتها إلى أفريقيا، فأكثر من 35 دولة في القارة السمراء، وخلال عام شهدت لقاءات سعودية - أفريقية مباشرة، كانت الرياض محط ترحيب لزعمائها، وزيارات قام بها الوزير الجبير إلى بعض تلك الدول، ما يفسّر الجدية السعودية في استكمال المنظور الاستراتيجي للحكم السعودي.
ما قبل زيارتي الجبير، مرحلة مستمرة من التعاون مع دول أفريقيا، ففي السابع من مارس (آذار) المنصرم، وافقت السعودية على تعاون عسكري شامل مع جمهورية جيبوتي، وأعلن عن عزم سعودي لإنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي المطلة على مضيق باب المندب الاستراتيجي في البحر الأحمر، الذي يشكل قناة التواصل البحري مع قناة السويس. وهو ما يفسر الحرص الإقليمي خاصة من قبل الرياض ودول أخرى في الإقليم، لتحقيق السلامة وضمان تأمين الممر لتحقيق الغايات الاقتصادية لدول البحر الأحمر، والعالم.
وأتت تلك الجهود بثمرة التحالف التاريخي الكبير، بعد نجاح السعودية ودول التحالف العربي في عملية «عاصفة الحزم» في اليمن دعما للشرعية فيه، وأظهرت من بعدها الحاجة إلى توحيد الصفوف في مواجهة المتغيرات على الساحة الإقليمية، وإن تعددت ضفافه. وبدأت الرحلات الأفريقية الرسمية نحو السعودية، بعد النصر الاستراتيجي للتحالف العربي، وفي توازي العمل من خلال التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب.
ترتبط قارة أفريقيا في الذاكرة السياسية، لكنها تتشكّل في مناحي الأعمال الإنسانية والمساعدات. وظلت هكذا طوال عقود ماضية، نتيجة ظروف عدة جعلت الخُطى العربية عامة تتراجع عن القيام بالدور اللازم تجاه أغنى قارات الأرض، وأكثرها نسيانًا، ما مهّد لقوى خارج القارة في محاولة التواجد لأسباب متنوعة، لم تحقق تلك القوى الفردية في منح الشعوب بدول أفريقية أي تقدم، سوى أنها جعلتها في دائرة التهديدات. ويذكر التاريخ أن أكثر فترات الاستقرار في أفريقيا كانت تلك العائدة إلى العلاقات العربية (أو الإسلامية) - الأفريقية، في مراحل مبكرة من نيل عدد من الدول الأفريقية استقلالها من قوى الاستعمار، وتمخضت عن نموذج يُعتبر مثاليا مقارنة بما كانت عليه بالأمس، في نواحي الاقتصاد والتكامل الأمني المشترك.
وظل التقارب العربي-الإسلامي - الأفريقي، خجولا في فترات طويلة، إلا من فترة التقارب الأولى التي قادتها السعودية بقيادة الملك فيصل - رحمه الله - وزياراته لدول أفريقية عدة في العام 1966 وتمخض بعدها عن إعلان إنشاء «منظمة التعاون الإسلامي». وتبعتها زيارات أشمل في العام 1972. معبرة عن إدراك سعودي أصيل بأهمية التقارب مع الدول الأفريقية، التي تدين غالبيتها بالإسلام، وتتوق إلى مراحل التعاون الشامل.
بل وزاد من ذلك، تشكيل تعاون عربي أفريقي، شهدت فيه القاهرة أول قمة عربية أفريقية في العام 1977. نتج عنها برامج عمل متنوعة، وحدّد الأساس القانوني والسياسي للتعاون العربي الأفريقي، والمبادئ التي يستند إليها هذا التعاون.. فضلا عن الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من الأمن والاقتصاد والتقارب بين الشعوب. لكن البرامج تلك ظلّت في أوراق عربية شتى لم ترقَ إلى التنفيذ.
مرحلة الفتور
في عقدي الثمانينات والتسعينات الماضية، كانت القوى الدولية صاحبة الراعية في نظامها العالمي الذي بدأ يأخذ علاماته الأولى ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وظهرت المراحل الاقتصادية الرعوية في ميدان أفريقيا عبر دول مانحة لأفريقيا، وجهود البنك الدولي، ما مهّد لقوى أخرى من التقرب إلى دول في أفريقيا، وجعلت الجمود منهجًا في جسر التقارب الأول مع أفريقيا المستقرة إبان نشاط السياسة العربية والإسلامية. وهذا التواجد الغربي في أفريقيا، وعبر الدول الأحادية، جعل بعض الأنظمة الماضية هناك تشكك في مدى التعاون العربي والإسلامي.
وطوال عشرين سنة في الثمانينات والتسعينات، لم تعقد أي قمة عربية أفريقية، وانعكس ذلك سلبيا على الداخل الأفريقي، بوجود كل من إسرائيل وإيران في القارة... ليس على المستوى السياسي فحسب، بل من خلال استغلال اقتصادي وتغيير كانت تنشده الدولتان في خريطة الحراك المجتمعي في نسيج تلك الدول. وبعدها طرحت القمة العربية التي عقدت في العاصمة الأردنية، في مارس من العام 2001. فكرة إحياء التعاون العربي - الأفريقي. كذلك عقدت اللجنة الدائمة للتعاون العربي - الأفريقي في الجزائر في أبريل (نيسان) من العام 2001 بعد انقطاع استمر أكثر من عشر سنوات. لكن الفاعلية ظلّت غائبة، رغم عقد لقاءات أخرى في الأعوام الماضية من العامين 2010 و2013 في قمم عربية أفريقية استضافتهما على التوالي ليبيا والكويت، وبعض دعم تقوده على الغالب الدول الخليجية من جوانب إنسانية.
صمام الاستقرار تجسّره الرياض
اليوم، ومنذ ما يقرب العام، تغيّر المشهد إلى ما هو أعمق، برغم الحضور السعودي الكبير في دعم دول أفريقيا طوال عقود ماضية، عندما قدمت الرياض الدعم والعون الإنمائي والاقتصادي والثقافي للدول الأفريقية على مدى خمسة عقود، وشهدت زيادة في استثمارات القطاع الخاص السعودي في عدد من الدول الأفريقية خاصة في مجال الأمن الغذائي، وهذه مؤشرات على أن مستقبل العلاقات مشرق وينبئ بمزيد من التعاون والتقدم.
جمالية هذه الصورة، بدأت تتعزز ألوانها، وتعيد للحاضر دور الرياض التاريخي في النواحي السياسية في القارة الأفريقية. وخلال أكثر بقليل من سنة، التقى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أكثر من 14 زعيما أفريقيا، حطّت رحالهم في السعودية. وحملت زيارات بعضهم توقيع اتفاقيات عدة لمشاريع ثنائية، بغية تحقيق التكامل وبناء تحالفات على أوجه متنوعة، من الغابون إلى النيجر، ومن ثم موريتانيا وحتى دول القرن الأفريقي إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا والصومال ووصولا إلى السودان، وكذا جمهورية القُمُر ونيجيريا وجنوب أفريقيا أخيرًا.
الخبير في الشؤون الأفريقية، عثمان عبد الرب ماهين، وهو من مالي، يرى أن السعودية «ركن العالم الإسلامي وأصل في تقويم المسار وتغيير الأحداث في غالب الدول الأفريقية». وتابع خلال اتصال هاتفي من جنوب أفريقيا مع «الشرق الأوسط» أن دولا أفريقية كثيرة «كانت جبهة للحضور الإيراني المستغل للأراضي الأفريقية وأوضاعها المضطربة لتدعيم مخططات إيران في المنطقة والتكسب الدولي بصف تلك الدول الأفريقية إلى جانب طهران في طموحاتها الفارسية الكبيرة المتهمة بإخلال الأمن والاستقرار».
وأضاف ماهين «إن أفريقيا تشهد توسعًا لأعمال العنف المرتبطة بالجماعات المتطرفة المقربة فكريا من داعش و(القاعدة)، إضافة إلى بقايا التدخلات الإيرانية التي تواجدت بغية كسر شوكة الغربيين وإيجاد مقر لطهران في خريطة الدول ذات النفوذ، شأنها في ذلك شأن إسرائيل تدعيمًا لمواقفها السياسية». واعتبر أن ما ساهم في الوجود الإيراني المكثّف التراجع العربي عن أفريقيا وقلة الجدية في التعاطي مع الأدوار التي يمكن أن تحققها. واستثنى من ذلك السعودية، التي قال: إن «مواقفها منذ أكثر من سنة أبرزت تعاطيًا إيجابيًا في فتح أبواب العبور للمستقبل في ظل ترحيب شعبي بتلك الأدوار في مجمل تلك الدول».
كذلك اعتبر عبد الرب ماهين، أن التحالف الذي تسعى السعودية إلى بنائه مع دول أفريقيا «ليس مذهبيا، وليس رهنًا فقط بوضع المصالح السياسية في سلة الحسابات المختلفة؛ بل يُعد تطبيقًا لمبدأ حقيقي من مبادئ الدين الإسلامي في الوقوف مع أصدقائها في الدول الإسلامية والصديقة في أفريقيا، لتعزيز تنميتها من خلال صناديق ومشاريع إنمائية تحقق الفائدة للطرفين، وتسعى معها المملكة إلى رسم إطارين في التنمية والاقتصاد بعد تحقيق الأمن... الذي يعد الركيزة الكبرى في بلوغ الغايات الاقتصادية واستكمال الأسس الأمنية بين القارتين، وتوحيدا للجهود في مكافحة الإرهاب».
تحالفات شاملة
العلاقات العربية مع أفريقيا تاريخية، وأبعاد التقارب اليوم خاصة من جانب السعودية يعد ركيزة مهمة فرضتها التطورات السريعة، حسب ماهين، الذي يضيف أن «نظرة المملكة إلى ذلك بعيدة المدى، حيث تعزز من قوتها في تحقيق التنمية في كل البلدان من خلال استعادة الاستقرار الأمني وليس توفيره عبر أجنحة مؤقتة». وكان جوهر ذلك مشاركة أكثر من 22 دولة أفريقية من أصل 39 دولة إسلامية، في التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب، الذي أعلن قيامه الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد وزير الدفاع، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، هادفًا إلى تأسيس مركز عمليات مشتركة لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب، وتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود. كما سيجري وضع الترتيبات المناسبة للتنسيق مع الدول الصديقة والمحبة للسلام والجهات الدولية في سبيل خدمة المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب وحفظ السلم والأمن الدوليين. إضافة إلى مشاركة عشر دول من إجمالي 20 دولة في تمرين الشرق الأوسط الأكبر «رعد الشمال».
بالأمن والتنمية.. الرياض تعيد رسم التوازن في القارة الأفريقية
دبلوماسية ناشطة.. وزيارات زعماء إلى السعودية.. ومشاركة كبرى في التحالفين العربي والإسلامي
وزير الخارجية السعودي خلال جولة لعدد من الدول الأفريقية وفي الصورة مع وزيرة الخارجية في جنوب أفريقيا (أ.ف.ب)
بالأمن والتنمية.. الرياض تعيد رسم التوازن في القارة الأفريقية
وزير الخارجية السعودي خلال جولة لعدد من الدول الأفريقية وفي الصورة مع وزيرة الخارجية في جنوب أفريقيا (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
