بعد أفريقيا والشرق الأوسط.. استراتيجية التطرف تتجه إلى أوروبا

«داعش» يوجه ضرباته إلى قلب القارة العجوز.. وقلق متزايد من خبرات المقاتلين الأجانب عند عودتهم

رجال الوقاية المدنية يعاينون آثار الدمار الذي لحق بواجهة مطار بروكسل (أ.ف.ب)
رجال الوقاية المدنية يعاينون آثار الدمار الذي لحق بواجهة مطار بروكسل (أ.ف.ب)
TT

بعد أفريقيا والشرق الأوسط.. استراتيجية التطرف تتجه إلى أوروبا

رجال الوقاية المدنية يعاينون آثار الدمار الذي لحق بواجهة مطار بروكسل (أ.ف.ب)
رجال الوقاية المدنية يعاينون آثار الدمار الذي لحق بواجهة مطار بروكسل (أ.ف.ب)

إن أفضل منظور يرجى تبنيه عند اعتبار تهديدات التطرف الإسلاموي الحالية إزاء أوروبا هو المنظور التاريخي الممتد والعميق. فعلى مدى أربعين عاما منذ بداية موجة التشدد الحالية، تحول مركز جاذبية تلك الموجة على طول المحور القابل للتنبؤ والممتد من شرق الساحل الشمالي لأفريقيا إلى غربه مرورا بأوروبا الغربية وانطلاقا نحو بنغلاديش وأجزاء مترامية من الشرق الأقصى. وذلك هو خط العرض للتطرف، والذي يغطي تقريبا نصف مساحة العالم المعروف حاليا، مع معظم الأحداث والفعاليات الكبرى التي شكلت صورته واتجاهاته.
في فترة سبعينات القرن الماضي، ومع إشعال نزعات التطرف لمختلف الثورات، وحركات التمرد، وعمليات الاغتيال السياسية في مختلف البلدان مثالا بإيران ومصر، كان مرتكز أعمال العنف لا يكاد يغادر منطقة الشرق الأوسط بحال. وفي العقد التالي، ثمانينات القرن الماضي وبرغم كل شيء، تحركت بؤرة الصراع نازحة عبر آلاف الأميال في اتجاه الغرب صوب أفغانستان، حيث انشغل المجاهدون المزعومون بقتال الاتحاد السوفياتي البائد آنذاك، إلى جانب باكستان، التي اندلعت فيها معركة طائفية شديدة الشراسة بين جموع السنة والشيعة وسط حملة شعواء لبسط السيطرة على الدولة الواقعة جنوب القارة الآسيوية.
وتحركت بؤرة الصراع، خلال بدايات حقبة التسعينات من ذات القرن، نحو الغرب مرة أخرى إلى إقليم القوقاز حيث دويلة الشيشان الصغيرة، ثم إلى بلاد الشام وسواحل الشمال الأفريقي. ولامست تلك البؤرة المشتعلة القارة الأوروبية العتيقة للمرة الأولى عبر ساحات القتال المريعة في البوسنة والهرسك فضلا عن بعض الهجمات التي نالت فرنسا نصيبا منها آنذاك.
وفي نهاية التسعينات، ومع تمركز حركة طالبان وأسامة بن لادن في أفغانستان، تحول تركيز المتشددين على طول خط عرض العنف البغيض صوب الشرق. وذلك عندما شرعت الولايات المتحدة في مواجهة التهديدات الإرهابية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) لعام 2001. حيث كانت أول مواجهة للولايات المتحدة داخل القارة الآسيوية.
كان التركيز منصبا على الشرق الأوسط منذ عام 2003. ثم نحو أوروبا في 2004 و2005، ثم في الشرق الأوسط مجددا، ثم إلى جنوب آسيا من 2008 وحتى 2011، إلى مقتل زعيم القاعدة بن لادن. ومع ظهور تنظيم داعش، يعاود تركيز بؤرة الصراع أدراجه إلى منطقة الشرق الأوسط المركزية، ثم نحو أوروبا عبر هجمات باريس الكبرى في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.
ومن المرجح أن تظل أوروبا هي ساحة المعركة الرئيسية لبعض من الوقت، حيث تفيد البيانات الصادرة عن بعض الأفراد المعروفين بقربهم من تنظيم داعش، في أعقاب هجمات بروكسل الأخيرة، بتهديدات أشبه بالكوابيس المظلمة على أوروبا تلك التي لن تفيق منها حتى ترفرف الرايات السود فوق أراضيها. وهناك تحذيرات مريعة بحق ديفيد كاميرون والمملكة المتحدة.
ولدى «داعش» أسبابه الوجيهة لتوجيه الضربات إلى قلب أوروبا. فهي موطن القوى الاستعمارية السابقة والبغيضة مثل فرنسا وبريطانيا، كما أنها محل العقائد العلمانية التي تزدريها آيديولوجيات «داعش» المتطرفة. كما أن أوروبا، بعيدا عن الولايات المتحدة، هي مركز واحدة من أكبر تجارب وخبرات التسامح الإنساني، وتعدد الثقافات، والتكامل والاندماج المجتمعي. وبالنسبة لكافة التوترات الجارية عبر السنوات الأخيرة، فإن الحقيقة البارزة تكمن في أن أغلب أعضاء معظم الأقليات، ومن بينهم المسلمون، شهدوا ازدهارا كبيرا من خلال تواجدهم في الغرب، بالاستفادة من والمساهمة في تلك المجتمعات والدول والتي، إذا ما شهدت بعض الاضطرابات، لا تزال تتمتع بعوامل ثراء اقتصادية وثقافية كبيرة ومؤثرة.
وتعطيل مثل هذه التجربة وضمان فشلها يعد من الأهداف الاستراتيجية الرئيسية للتطرف الإسلاموي. ومن دون تحقيق هذه الغاية، فإن الخلافة الواهية التي أعلنها أبو بكر البغدادي في صيف عام 2014 لا يمكنها مطالبة الأمة الإسلامية بأسرها بإعلان الولاء الكامل لها والانضواء تحت رايتها.
أين يعظم التهديد الداعشي على القارة الأوروبية، ولماذا؟
حذر روب وينرايت، مدير اليوروبول، خلال الأسبوع الماضي من استراتيجية «داعش» «العدوانية» الجديدة، معربا عن عميق قلقه من «مجتمع الـ5000 مشتبه فيهم الذين تعرضوا لحملات مستمرة من التطرف والراديكالية داخل أوروبا، والذين تمكنوا من السفر إلى سوريا والعراق لتلقي خبرات القتال والصراع، وهم المقاتلون الأجانب الذين تمكن بعضهم كذلك من العودة راجعين إلى أوروبا مجددا».
وأضاف السيد وينرايت في تصريحه إلى إذاعة راديو فور الأوروبية قائلا: «بعض من أولئك المتطرفين سوف يكونون جزءا لا يتجزأ من الذين يشاركون في تنفيذ ما بات واضحا أنه استراتيجية داعش الجديدة حيال الغرب، ولكن بأساليب شديدة العدوانية من خلال استخدام فرق الإرهابيين ذوي التدريب والتخطيط الراقي من أجل تنفيذ الهجمات الإرهابية المتعددة التي تهدف إلى إيقاع الخسائر الجماعية المروعة بحق المدنيين الأبرياء».
من المرجح، وفق الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، استهداف دول أوروبية بعينها أكثر من غيرها. ومن بين الأولويات في ذلك تبدو بريطانيا على رأس القائمة لتاريخها الاستعماري الطويل وسجلها القديم والحافل من دعم وتأييد الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب ما تضمه على أراضيها من مجتمع إسلامي كبير ومتكامل إلى حد بعيد. وتعتبر فرنسا من الأهداف ذات الجاذبية الخاصة بالنسبة للإرهابيين من «داعش» أيضا. فهي أيضا من القوى الاستعمارية القديمة، وفي حين أنها ليست على صلات وثيقة بالولايات المتحدة مقارنة بجارتها الإنجليزية، إلا أنها قد اعتمدت سياسة تدخلية بعيدة الأثر خلال السنوات الأخيرة حيث عملت باريس على نشر قوتها العسكرية جوا وبرا في كل من ليبيا، ومالي، وسوريا. كما أن فرنسا تعتبر وبحق سفيرا عالميا لما يمكن تسميته بالعلمانية الاجتماعية، أو العلمانية الجمهورية، وهي العقيدة السياسية الاجتماعية التي تعلي من شأن الاستيعاب بدلا من التكامل متعدد الثقافات الملاحظ في المملكة المتحدة أو المعروف في الولايات المتحدة.
والمرشح الأخير للهجمات الإرهابية المحتملة لا بد أن تكون ألمانيا، والتي تمكنت من الفرار من عمليات العنف والإرهاب عبر السنوات الأخيرة. وتهدف استراتيجية «داعش» العدوانية إلى إشعال التوترات الطائفية لإيجاد المناخ المناسب لتفريخ التطرف. ولن يكون هناك من مكان تشتد أهميته للقيام بذلك من الدولة التي فتحت أراضيها لاستقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين. إن المخاطر حقا كبيرة. حيث تواجه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ضغوطا سياسية داخلية رهيبة إثر قرارها السخي للسماح لذلك العدد المهول من اللاجئين بدخول البلاد. وإذا ما كان اللاجئون سعداء ومرتاحين في منازلهم الجديدة، فلن يكون إلا بمثابة ضربة موجعة ومؤلمة للخطاب الإسلاموي المتطرف الذي يشدد على استحالة التعايش السلمي ما بين الإيمان والكفر، والخير والشر، والغرب والإسلام في بيئة واحدة.
غير أن مجرد الرغبة في مهاجمة مكان ما تختلف تماما عن المقدرة على مهاجمة ذلك المكان فعليا. حيث كان السبب الرئيسي وراء ضرب بلجيكا – والتي لم تكن أبدا على رأس قائمة أولويات التنظيم الإرهابي – هو إمكانية تنفيذ ونجاح تلك الهجمات بمنتهى السهولة. فهناك سلسلة من الإخفاقات الأمنية المتكررة الناتجة عن القيادة الضعيفة غير الفعالة، والخدمات الأمنية القاصرة، والنظم الأوروبية الهزيلة، إلى جانب عوامل أخرى متعددة، هي السبب الرئيسي وراء تمكن المهاجمين المعروفين والمحددة هوياتهم من مواصلة تنفيذ عملياتهم. ومثل أولئك الأفراد يتواجدون في أماكن أخرى كذلك. وهناك نوعان رئيسيان منهم: المثالي والمجرم.
وخير مثال على النوع الأخير هي مجموعة المهاجمين التي نفذت هجمات باريس. حيث عاش أغلبهم حياة فارغة وفوضوية، كما شارك الكثير منهم في بعض الجرائم الصغيرة. ولم يكونوا من الفقراء – بل في الواقع كان عدد منهم يعيش حياة رغيدة – ولكنها حياة هامشية غير ذات تأثير. كان الإسلام المتطرف استمرارا لأسلوب حياة العصابات الإجرامية، وكانت قوة الجذب تتمثل في الصداقات الحميمة، وحب المغامرة، والشعور بالتمكين من أي شيء آخر. ويتماهى الأخوين البكراوي، الضالعين في هجمات هذا الأسبوع المروعة، مع تلك الصورة تماما. ولكن هناك أيضا الأفراد المثاليين، والذين يتمتعون بقدر معتبر من التعليم، وهم أكثر إدراكا للآثار الآيديولوجية للصراع السوري المشتعل حاليا.
والأمثلة النموذجية على هذا النوع هم الأفراد الممسكون بخيوط المؤامرة في المملكة المتحدة والتي تأكدت علاقاتها بتنظيم داعش وتم إحباطها في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014. والتي اشتملت على شاب بعمر (22 عاما) كان يعرف باسم «الجراح» في المدرسة نظرا لرغبته في أن يصبح طبيبا منذ أن كان يبلغ الحادية عشرة من عمره. وكان طارق حسن قريبا من تحقيق حلمه ذلك عندما ألقي القبض عليه ووجهت إليه الاتهامات بتدبير خطة لتنفيذ عملية إطلاق نار من إحدى السيارات في لندن. ولقد أدين طارق بارتكاب جرائم الإرهاب الأسبوع الماضي، إلى جانب طالب الفيزياء في كلية كينغز في لندن والذي كان من بين أبرز الطلاب في مادة الرياضيات في كليته.
وفي بعض الحالات النادرة، يمكن لشبكات الإرهاب أن تنطوي على كل من «المجرمين» و«المثاليين» سويا، مما يصنع مزيجا معقدا وعسيرا على التنبؤ بالنسبة للأجهزة الأمنية.
ويبقى سؤال واحد: إلى أي مدى يمكن لتنظيم داعش الاستمرار في حملته الإرهابية داخل أوروبا؟ تتوقف إجابة هذا السؤال على ثلاثة عوامل رئيسية: توافر المجندين المحليين الذين يمكنهم تأمين الأسلحة والمتفجرات، وضعف جهود مكافحة الإرهاب الأوروبية، واحتفاظ «داعش» بقواعده في منطقة الشرق الأوسط.
من الناحية الواقعية، يمكننا فقط توقع ممارسة قدر طفيف من الضغوط على «داعش» خلال الشهور القليلة القادمة مع تحسن تدريجي في التدابير والإجراءات التي تتخذها الحكومات المعنية إلى جانب أجهزتها الأمنية للحيلولة دون وقوع المزيد من الهجمات في الداخل الأوروبي. وإذا ما كان هناك تناقص في عدد المتطوعين، فسوف تكون ميزة جديرة بالاعتبار، وإن كانت ليست عظيمة التأثير في الواقع بحال، حيث تفسح المجال أمام الآلاف من المجندين المحتملين إجمالا. والاحتمال المتوقع، بالتالي، هو أن العنف في أوروبا سوف يزداد سوءا بمرور الوقت قبل أن نشهد انفراجة لتلك الغمة قريبا.

* كبير مراسلي
«الغارديان» البريطانية



الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.