يتواصل الحراك الدبلوماسي المكثف في العاصمة الروسية موسكو مركزًا بصورة رئيسية على بحث تسوية الأزمة السورية؛ حيث وصل وزير الخارجية الإيطالي باولو جنتيلوني إلى موسكو بعد ساعات من مغادرة وزير الخارجية الأميركي جون كيري لها، وأجرى هو الآخر محادثات موسعة مع نظيره الروسي سيرغي لافروف ركزت على الأزمة السورية، وتفعيل العلاقات الثنائية، والتعاون في مجال التصدي للإرهاب.
وأكد وزير الخارجية الروسي في مؤتمر صحافي مشترك عقب المحادثات مع جنتيلوني على «وجود موقف مشترك» مع إيطاليا حول ضرورة «تنفيذ الإجراءات الخاصة بالتسوية الشاملة للأزمة السورية»، موضحًا في غضون ذلك أن تنفيذها لا يعني بالضرورة تراجع الاهتمام المشترك بالتصدي للإرهاب. كذلك أشار لافروف إلى «توافق» بين موسكو وروما حول ضرورة وضع آليات للحيلولة دون حدوث انتهاكات لوقف إطلاق النار في سوريا، ولفت إلى أن وقف الأعمال القتالية لم يتحقق بعد بشكل تام، وأن هناك مدنًا لا تزال محاصرة وبحاجة ماسة لمساعدات إنسانية.
من جانبه، أشاد جنتيلوني بالنتائج التي توصلت إليها المجموعة الدولية لدعم سوريا، ووصف الرئاسة الروسية - الأميركية المشتركة للمجموعة بأنها «فعالة وبشكل خاص في المرحلة الأخيرة»، لا سيما في ما يخص المجموعة التي يجب أن تراقب وقف إطلاق النار، حسب قوله. وأشار الوزير الإيطالي إلى أن مدنًا في سوريا ما زالت محاصرة على الرغم من مرور شهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار هناك. وأعرب بعد ذلك عن أمله في أن يتمكن السوريون من تشكيل هيئة انتقالية، معولاً على الدور الرئيسي لروسيا في ذلك، ومحذرًا من أن عدم تنفيذ هذا الأمر قد يؤدي إلى تداعيات خطيرةً في ظل بقاء الوضع في سوريا هشًا.
ما كان لافتًا أن جميع ضيوف موسكو خلال الأسبوع الماضي، وهم: وزير الخارجية الألماني فرنك شتاينماير، وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ثم كيري، وأخيرًا جنتيلوني، ثمّنوا قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب جزء كبير من قواته من سوريا، واعتبروا أنه «خطوة في الاتجاه الصحيح ساهمت في تحريك عملية التسوية السورية». ويبدو أن الرأي العام الروسي يتفق مع هذا الترحيب بقرار بوتين؛ إذ أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام في روسيا أجري يومي 19 و20 مارس (آذار) ترحيب 84 في المائة من المواطنين الروس بالقرار، ورأى 64 في المائة أنه جاء في الوقت المناسب، بينما أعرب 78 في المائة ممن شملهم استطلاع الرأي أن القوات الروسية أنجزت المهام الموكلة إليها في سوريا.
من ناحية ثانية، كان الوزير الأميركي كيري قد أشاد هو الآخر بقرار بوتين بسحب جزء كبير من القوات الجوية الروسية من سوريا، وذلك في تصريحات له أول من أمس خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره لافروف في ختام يوم شاق من المحادثات أمضاه كيري في موسكو، حيث أجرى محادثات مطولة بداية مع لافروف، ثم مع بوتين، استغرق كل منها أكثر من 4 ساعات. وكان لافتا، من وجهة نظر المراقبين، أن الجانبين الأميركي والروسي، ومع أن موضوع محادثاتهما الرئيسي كان الأزمة السورية، حاولا التركيز أيضًا على إظهار أهمية التعاون بين موسكو وواشنطن والارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة.
في هذا السياق، وعبر بوابة الأزمة السورية، ولج لافروف إلى ملف العلاقات الثنائية بين موسكو وواشنطن، وتأثيرها الجدي على الجهود الدولية في التعامل مع القضايا الحساسة. وبعدما أثنى على موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما وتأكيده مرارا على «أهمية الحوار البرغماتي القائم على الاحترام مع روسيا»، أعاد وزير الخارجية الروسي إلى الأذهان أنه «نتيجة علاقة كهذه بين موسكو وواشنطن، تمكن المجتمع الدولي من تحقيق تقدم في الأزمة السورية». وشدد على أنه بفضل «المبادرة الروسية – الأميركية، تم وضع آلية دولية لدعم التسوية السورية، وتشكيل ما تسمى (المجموعة الدولية لدعم سوريا)».
وحول أهم النقاط التي تم الاتفاق عليها خلال المحادثات مع كيري، أشار لافروف إلى الاتفاق على مواصلة التنسيق لتثبيت وقف إطلاق النار والعمليات القتالية والتصدي لتجاوزات اتفاق وقف إطلاق النار، فضلا عن توسيع الوصول الإنساني إلى المناطق المحاصرة، وحث جميع أطراف الأزمة السورية على اتخاذ تدابير إضافية لإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين. أما أهم أمر تم الاتفاق عليه - وفق لافروف - فهو «تكثيف الجهود لخلق الأجواء الضرورية للعملية السياسية، والدفع لبدء مفاوضات مباشرة في أقرب وقت بين وفدي الحكومة وكل أطياف المعارضة السورية»، حسب قول الوزير الروسي الذي أشار إلى أن الهدف من ذلك هو «التوصل إلى تطبيق تام للمعايير التي تم وضعها في نص القرار الدولي (2254)، حول عمليات تشكيل بنية حكم انتقالية، والتوصل كذلك إلى دستور جديد متوافق عليه، وإجراء انتخابات حرة على أساسه».
وبعدها قال لافروف إن «روسيا كانت دومًا تشجع أطراف الأزمة السورية على اتباع النهج ذاته نحو الحل السياسي وفق معالمه، كما جاءت في بيان جنيف، الذي ينص بدوره على ضرورة العملية السياسية، بما في ذلك الاتفاق على تفاصيل العملية الانتقالية، وتشكيل جهاز حكم انتقالي يتمتع بكامل الصلاحيات التنفيذية»، حسب قوله، ثم شدد على أن «القيام بهذا الأمر يجب أن يكون وفق ما نص عليه بيان جنيف، أي على أساس التوافق المتبادل بين الحكومة وكل أطياف المعارضة السورية؛ مع التركيز على (كل أطياف المعارضة)». وأكد بعد ذلك أنه اتفق مع كيري على ضرورة زيادة الضغط على جميع الأطراف كي يتصرف جميع المشاركين في العملية السياسية انطلاقا من أحكام «بيان جنيف» وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
من جانبه، حرص كيري أيضًا على إظهار الاهتمام الأميركي بالتعاون مع روسيا. ووصف الحوار مع لافروف وبوتين بـ«البناء والموضوعي»، لافتًا إلى أن روسيا والولايات المتحدة عملتا معًا وحققتا كثيرا من النتائج المهمة في قضايا حساسة مثل الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، ونزع السلاح الكيماوي من سوريا. وأشار بعد ذلك أيضًا إلى العمل المشترك في إطار «المجموعة الدولية لدعم سوريا»، والتوصل إلى اتفاق وقف الأعمال القتالية، وأعرب عن أمله في أن يتحول وقف إطلاق النار الهش، حسب وصفه، إلى حالة دائمة، مشددًا على أن روسيا والولايات المتحدة تبذلان ما بوسعهما لتحديد الخطوات اللاحقة لتثبيت وقف إطلاق النار.
من ناحية أخرى، قال وزير الخارجية الأميركي إنه بحث مع الجانب الروسي الخطوات الضرورية الواجب اتخاذها لتثبيت وقف إطلاق النار، ومنها العمل على عدم استخدام أسلحة عشوائية، وامتناع الطرفين عن محاولة السيطرة على مساحات جديدة. وفي الجانب الإنساني، شدد على ضرورة تحسين الوصول الإنساني إلى مئات الآلاف من المواطنين الذين ما زالت مدنهم محاصرة، وقال إنه لا يحق لأي من الطرفين عرقلة وصول تلك المساعدات، لافتًا إلى أنه اتفق مع المسؤولين الروس في هذا الجانب على ضرورة بدء الطرفين بأسرع وقت ممكن إطلاق سراح المعتقلين والأسرى.
وفي الجانب السياسي، لفت كيري إلى أنه بحث مع القيادات في موسكو مسألة الجدول الزمني للعملية السياسية، ووضع أطر لعملية الانتقال السياسي، ومشروع الدستور الجديد، معربًا عن أمله في أن يتم إنجاز هذا كله مع حلول أغسطس (آب) المقبل، مشددًا على ضرورة أن تركز الخطوات التالية في جنيف على تفاصيل المرحلة الانتقالية، معربًا عن قناعته بأن هذه أفضل وسيلة لإنهاء الحرب. وأكد كيري أن روسيا والولايات المتحدة عازمتان على التوصل إلى الحل السياسي الذي يستحقه الشعب السوري، وكذلك القضاء على «داعش» وغيره من جماعات إرهابية، وأن تكون سوريا دولة مدنية موحدة غير مقسمة على أسس طائفية.
توافقات روسية ـ أميركية ـ أوروبية حول المرحلة الانتقالية لسوريا
اتفاق بين موسكو وواشنطن لتحديد الخطوات المقبلة لاستمرار الهدنة في دمشق
لقطة من المؤتمر الصحافي المشترك في موسكو بين كيري ولافروف (إ.ب.أ)
توافقات روسية ـ أميركية ـ أوروبية حول المرحلة الانتقالية لسوريا
لقطة من المؤتمر الصحافي المشترك في موسكو بين كيري ولافروف (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





