«السهم الذهبي» بداية العمليات البرية للتحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن

حصيلة العمليات العسكرية للميليشيات في عدن بلغت أكثر من 1900 قتيل وجريح

عناصر من المقاومة الشعبية يلاحقون المتمردين في عدن
عناصر من المقاومة الشعبية يلاحقون المتمردين في عدن
TT

«السهم الذهبي» بداية العمليات البرية للتحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن

عناصر من المقاومة الشعبية يلاحقون المتمردين في عدن
عناصر من المقاومة الشعبية يلاحقون المتمردين في عدن

من ثغر اليمن انطلقت «السهم الذهبي» التي تعد أكبر عملية تقودها قوات التحالف العربي لمساندة القوات المؤيدة للشرعية في سبيل استعادة الجمهورية التي انتزعها تحالف الحوثيين والرئيس السابق علي عبد الله صالح في سبتمبر (أيلول) 2014، بقوة السلاح وتواطؤ القيادات العسكرية والقبلية، بحسب شهادات متواترة لقيادات عسكرية، وجاءت عملية «السهم الذهبي» بعد أيام قليلة من اقتراب المتمردين من مصافي عدن والمنصورة التي كانت تقاومهم بإمكانات بسيطة بعدما انهارت المنظومة العسكرية والأمنية التابعة للدولة واختفاء اللجان الشعبية التابعة لزعماء القبائل القادمة من أبين وشبوة ولحج.
في 20 مارس (آذار) 2015، تمكن وزير الدفاع اللواء محمود الصبيحي من إخماد التمرد، في معسكر قوات الأمن الخاصة (الأمن المركزي بعدن) بعد إقالة هادي لقائده العميد عبد الحافظ السقاف الموالي لصالح، ليعلن المتمردون بعدها معركة اجتياح مدن الجنوب، ونشر العنف والفوضى، باستخدام المعسكرات الموالية لصالح، التي كانت تنتشر في المحافظات الجنوبية، ما دفع هادي إلى الاستنجاد بالأمم المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي للتدخل عسكريا للحفاظ على الشرعية، وأرسل بذلك طلبا رسميا في 9 مارس نفس العام.
وفي 16 مارس، رفع الانقلابيون الإقامة الجبرية عن رئيس الحكومة خالد بحاح، الذي غادر صنعاء إلى مسقط رأسه في حضرموت، وبعدها ذهب إلى واشنطن، ليعود إلى الرياض ويتراجع عن استقالته ويبدأ إدارة حكومته من هناك.
وفي ذلك الشهر، بدأت معارك الجنوب مع المتمردين، في الضالع، ليتمكنوا بعدها من اجتياح محافظة لحج وقاعدة العند، ثم أبين مسقط رأس هادي، ومن ثم الدخول إلى عدن، واختطفوا خلال هذه المعارك كلا من اللواء الصبيحي الذي كان يقود المعارك ضدهم، واللواء فيصل رجب قائد اللواء 119. لتنهار بعدها جميع المعسكرات والوحدات الأمنية واللجان الشعبية التي شكلها الرئيس هادي للدفاع عن عدن والمحافظات الجنوبية.
وجمعت «الشرق الأوسط» شهادات متوافقة من قيادات في الدولة عن اللحظات الأولى لسقوط عدن، بدأت ملامح السقوط في شراء الولاءات لقيادات عسكرية وزعماء من فصائل جنوبية على ارتباط بإيران، يقول أحد المسؤولين الذي طلب إخفاء هويته «عقد الرئيس هادي سلسلة اجتماعات مع زعماء قبليين وطلب منهم تجهيز لجان شعبية ونشرها في شوارع عدن بعد أن علم أن سيناريو سقوط صنعاء سيتكرر في عدن، وصرف لهم مبالغ مالية لتجهيز المقاتلين والمعسكرات وكانت تزيد على 500 ألف دولار لكل زعيم قبلي»، مضيفا «كان الطاقم الرئاسي ينسق هذه اللقاءات ويثق بهم خاصة ما كانت تعرف باللجان الشعبية بقيادة شخص يدعى عبد اللطيف السيد».
ويتابع: «بعدها بأيام حصل فراغ أمني وعسكري في عدن، وانسحبت اللجان الشعبية، باتجاه أبين وشبوة، فيما قام الطاقم الأمني الرئاسي بتأمين خروج الرئيس هادي إلى مكان آمن، ومن ثم الانتقال لدولة عربية قبل وصوله للرياض»، موضحا «بعد مغادرة الرئيس تعرضت المعسكرات ومخازن الأسلحة لعمليات نهب ضخمة، فيما كانت الميليشيات تتقدم بسرعة لم نكن نتصورها، وبتنسيق كامل من قيادات داخل المحافظة».
لتسقط بعدها معظم المديريات الأربع لعدن، ولم يتبق سوى عدد محدود من سكانها ممن حمل السلاح للدفاع عن مناطقهم، لتشكل أول نواة للمقاومة في كل من مديرية المنصورة والبريقة التي فشلت الميليشيات من اختراقها، والتي تعد من أهم المناطق الاستراتيجية في الجنوب، حيث تقع فيها مصفاة عدن النفطية، وميناء البريقة النفطي، مشيرا إلى أن شباب عدن كانوا حديثي عهد بالسلاح، بعضهم من شباب الحافات (الأحياء)، والكثير منهم لأول مرة يحمل سلاحا.
بعد تشكيل المقاومة بقيادة نائف البكري الذي رأس المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية وكان يشغل وكيل المحافظة، آنذاك، ويشغل حاليا وزارة الشباب والرياضة، وبجواره كان يوجد الدكتور محمد مارم مدير مكتب رئاسة الجمهورية، وصمدوا بالأسلحة الخفيفة، أمام الترسانة الثقيلة التي كانت تمتلكها الميليشيات، وبدأ التحالف العربي في تدريب أول دفعة من المقاومة والجيش الوطني وكان عددهم 600 كانوا هم أول دفعة جرى تدريبها في السعودية والإمارات، ورفد التحالف المقاومة بأسلحة متوسطة ونوعية.
وتعزو القيادات العسكرية نجاح «السهم الذهبي» إلى عنصر المباغتة والأسلحة النوعية، والتي كان لها الدور الكبير في حسن المعركة بأقل الخسائر وأقل التكاليف.
جرى إطلاق اسم السهم الذهبي على العملية تحرير عدن، تحت نطاق عملية إعادة الأمل التي بدأت بعد انتهاء 27 يوما من عملية عاصفة الحزم.
وأمام النجاحات التي حققتها المقاومة الشعبية الموالية للشرعية وصمودها، استمر التنسيق بين هذه القوات على الأرض وقوات التحالف الذي تقوده السعودية، وتمكن التحالف بعدها في تفتيت القوة العسكرية للميليشيات عبر تدريب دفع عسكرية جديدة، والإمداد بالسلاح والذخيرة، والغطاء الجوي وضرب مراكز القوة ومستودعات السلاح التي تسيطر عليها الميليشيات.
يقول العميد عبد الله الصبيحي قائد اللواء 15 وقائد عملية التحرير عدن في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» إن التنسيق في التحرك كان نقطة الارتكاز بين جميع القيادات في المقاومة الشعبية والعسكرية وقوات التحالف من غرفة عمليات مشتركة حديثة لتوحيد آلية المواجهة العسكرية مع الانقلابيين وذلك بهدف تشديد الضربة العسكرية.
ويشير العميد الصبيحي، إلى أن قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية، كان لها دور بارز في كل المراحل منذ دخول ميليشيات الحوثيين لعدن، وتنوع هذا الدعم الذي يخدم عموم سكان عدن، إضافة إلى قوات التحالف قدمت الدعم العسكري المختلف، وبدأت بقرابة 75 مدرعة عسكرية عليها رشاش، سلمت عبر البحر بالتنسيق مع القيادة العسكرية والمقاومة الشعبية.
وقد سبق عملية التحرير ضربات مكثفة من قوات التحالف لمواقع تمركز الحوثيين، بالتنسيق مع الوحدات على الأرض التي تحركت بالتزامن مع هذه الضربات نحو الهدف، وقامت بتنفيذ الخطة المعدة مسبقا، وهذه الضربات أحدثت حالة إرباك لدى الميليشيات الحوثية التي بدت غير قادرة على المواجهة العسكرية على الأرض.
وأضاف الصبيحي أن عملية تحرير عدن انطلقت من ثلاثة محاور رئيسية وكانت نقطة الانطلاق مع توحيد لحظة الهجوم، وتمثلت هذه الجبهات في «الجسر المؤدي إلى المعلا، ومحور العصيمي ومحور الصولبان»، ومن هذه المحاور تم التوجه للمطار من خلال جبهتين أسهمتا في ضرب الحوثيين وتراجعهم من تلك المواقع التي يسيطرون عليها، وسقط في قبضة الحشد العسكري الكثير من أسرى الحوثيين الذين جرى التعامل معهم ونقلهم إلى مواقع آمنة.
وعن جبهة خور مكسر، قال العميد الصبيحي، إن معركة خفيفة جرت مع دخول اللواء المساند بالمقاومة الشعبية وطيران التحالف، وانهارت معها دفاعات الحوثيين، وفروا من المواجهة بعد أن شاهدوا زحف الحشد الموالي للشرعية، إلى خط أبين العلم وتبقت مجاميع تم التعامل معها عسكريا ودحرها في الجبهة.
واستمر تدفق الدعم العسكري النوعي من قوات التحالف بقيادة السعودية المتمثل في عملية إنزال مظلي لأنواع مختلفة من الأسلحة شملت صواريخ «لو» بنوعيها الموجهة والمحمولة، المخصصة لتدمير الدروع والدبابات العسكرية، إضافة إلى «آر بي جي»، ورشاشات مختلفة الاستخدام، والتي كان لها دور في تقليص مدة الحرب وسير المعارك لصالح المقاومة، التي كانت تسيطر على أربع جبهات، وكانت الأسلحة قادرة على مواجهة المدرعات والدبابات العسكرية.
في 14 يوليو (تموز) 2015، تمكنت «المقاومة الشعبية» من السيطرة على مطار عدن وعلى أجزاء من مدينة عدن بعد معارك عنيفة مع المتمردين الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وقالت الحكومة اليمنية إنها بدأت عملية السهم الذهبي لتحرير عدن. بعدها واصلت القوات الموالية للحكومة سيطرتها على ميناء عدن وكانت تتقدم في مركز المدينة، وفي 17 يوليو استعادت القوات الموالية للرئيس هادي السيطرة شبه الكاملة على عدن، مدعومين بقوات برية من الإمارات والسعودية، وذلك بعد 4 أشهر من اجتياحها من الحوثيين ووحدات الجيش السابقة الموالية لعلي عبد الله صالح.
وخلال هذه الفترة وصل وزراء ومسؤولون كبار من المخابرات، إلى مدينة عدن، في أول زيارة لأعضاء في الحكومة، لبدء ممارسة أعمالها.
وبحلول 22 يوليو تمكنت القوات الموالية للرئيس هادي من استعادة السيطرة الكاملة على عدن، وأعيد فتح مطار عدن الدولي، وفي أواخر الشهر نفسه، تقدمت القوات الموالية لهادي خارج مدينة عدن وشنت هجمات على مناطق الحوثيين، وقد برر عبد الملك الحوثي زعيم المتمردين، هزيمتهم في عدن بأن مسلحيه كانوا في زيارة لأقاربهم خلال عيد الفطر، وأسفرت عملية تحرير عدن، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من الحوثيين، المتحالفين مع قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
ورصدت الجهات الرسمية الخسائر البشرية في عدن منذ اندلاع المواجهات بين الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق صالح من جهة، والمقاومة الشعبية في المحافظة، وبحسب مدير عام مكتب الصحة والسكان بالمحافظة، الخضر لصور، فإن «عدد القتلى والجرحى الذين سقطوا خلال عمليات العنف، التي قامت بها ميليشيات الحوثي وصالح ضد المدنيين في المحافظة، منذ أكثر من ثلاثة أشهر، بلغ ألف قتيل، وقرابة تسعة آلاف جريح، وجميعهم من المدنيين».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.