في أوروبا: أكثر من 20 تريليون دولار «فوق لغم» الإرهاب.. و«شينغن» في خطر

الخسائر الأولية غير المباشرة تخطت حاجز الملايين.. وثقة المستهلكين الأكثر تضررًا

مواطنون بلجيكيون يتجمعون أمام مبنى البورصة القديم في بروكسل أمس تنديدا بالإرهاب (رويترز)
مواطنون بلجيكيون يتجمعون أمام مبنى البورصة القديم في بروكسل أمس تنديدا بالإرهاب (رويترز)
TT

في أوروبا: أكثر من 20 تريليون دولار «فوق لغم» الإرهاب.. و«شينغن» في خطر

مواطنون بلجيكيون يتجمعون أمام مبنى البورصة القديم في بروكسل أمس تنديدا بالإرهاب (رويترز)
مواطنون بلجيكيون يتجمعون أمام مبنى البورصة القديم في بروكسل أمس تنديدا بالإرهاب (رويترز)

عقب سقوط فوري للبورصات وخسائر أولية «غير مباشرة» تجاوزت ملايين الدولارات، أثارت الهجمات الإرهابية الأخيرة على بروكسل تساؤلات حول مدى قدرة اقتصادات القارة الأوروبية على امتصاص هذه الصدمات، والتكلفة التي تتكبدها الدول لحماية اقتصادها من تلك التهديدات، خاصة بعد معاناة الاقتصاد الفرنسي من هجمتي باريس الأولى والثانية في يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2015.
ورغم أنه من الصعب قياس إجمالي التكلفة الاقتصادية الحقيقية للهجمات الإرهابية على الأسواق خلال أيام، بسبب تداخل المؤشرات الاقتصادية وتعدد الأسباب المؤثرة على حركة الاقتصاد، فإنه يمكننا رؤية جزء من الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها الدول المستهدفة.
وحتى الآن ما زال الاقتصاد الفرنسي يعاني من هجمات الإرهاب، وشهد تباطؤا خلال الربع الأخير من العام الماضي، والربع الأول من العام الجاري.
وخلال الشهور الماضية كانت المخاوف تسيطر على الأسواق في بروكسل خشية وقوع أحداث مشابهة، إلا أن طمأنة الشارع من قبل السياسيين والحكوميين أسفرت عن استقرار نسبي في الأسواق البلجيكية، لكن الانفجارات المتتالية أول من أمس تسببت في زعزعة الثقة.
ويرى مراقبون أن دول الاتحاد الأوروبي غنية وقوية بشكل يجعلها تستطيع التعامل مع ما أُلقي على كاهلها الاقتصادي، فأوروبا قد مرت بصدمات اقتصادية أكبر، وأثبتت أنها قادرة على الحفاظ على أمنها وازدهارها، رغم التحديات التي قد تشهدها المنطقة خلال الفترة القادمة بسبب التكلفة الاقتصادية لتلك الأحداث.
* خسائر أولية
ولكن على المدى القصير، تشهد الأسواق خسائر واضحة كارتفاع حالة عدم «اليقين» لدى المستثمرين، وتراجع ثقة المستهلكين الفوري في أعقاب تلك الأحداث.
وعلى سبيل المثال تم إلغاء 40 في المائة مما يعرف بـ«حجوزات الترفية» نهاية الأسبوع، وهي حجوزات الفنادق والملاهي والمطاعم وغيرها، وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الوطني، في حين ألغت أول من أمس شركات الطيران حجوزاتها، وقامت «لوفتهانزا» الألمانية بإلغاء 25 رحلة من وإلى بروكسل، مما أثر على خطط ما يقرب من 2000 مسافر، وقالت في بيان إن هناك رحلتين من فرنكفورت وميونيخ كانتا بالفعل في طريقهما إلى بروكسل وتمت إعادة توجيههما، وقالت الخطوط الجوية الفرنسية إنها ألغت خمس رحلات، وألغت «بروكسل إيرلاينز» 190 رحلة جوية وتحويل 15 أخرى إلى مطارات أخرى على الفور، وتأثر نحو 20 ألف مسافر في الشركة البلجيكية وحدها.
وألغت الخطوط الجوية البريطانية رحلاتها على الفور من وإلى مطار بروكسل، وألغت «أميركان إيرلاينز» جميع رحلاتها من دالاس وفيلادلفيا من وإلى المطار الدولي، واستدعت طاقم مكتب الحجز حتى إشعار آخر، وألغت «طيران الإمارات» رحلتها من دبي إلى بروكسل وحولت رحلة قد قامت بالفعل إلى دوسلدورف ألمانيا وتم إلغاء رحلات العودة من بروكسل إلى دبي، كما تم إغلاق الحدود الفرنسية البلجيكية بالكامل.
ورغم أن صناعة السفر والسياحة أخذت في الترنح في أوروبا عموما بعد أحداث باريس فإنه كان من المتوقع مع حلول موسم الربيع «موسم الذروة»، أن يحل التعافي بدلا من موجات الحجوزات الملغاة.
إلا أن إغلاق الرحلات الجوية والسكك الحديدية، جعل الدخول والخروج من المدينة، صعبا، خاصة مع إغلاق خدمة القطار عالي السرعة الذي يخدم باريس - بروكسل – أمستردام.
وترى جاكلين ماركيت مدير العلاقات العامة لشركة توماس كوك، أن شركات الطيران كانت تأمل في التعافي، لكن الحادث الأخير في بروكسل، قد يؤدي إلى تدهور القطاع لفترة طويلة.
وأضافت ماركيت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن قطاع السياحة في بلجيكا در ما يقرب من 11.7 مليار يورو العام الماضي، ويبلغ عدد العاملين بالقطاع نحو 299 ألف عامل. وأكدت على أن العمل توقف تماما في أعقاب الهجمات: «فأصبحنا ملازمين لمنازلنا خشية تجدد الأحداث».
ووفقا لبيانات مكتب الإحصاء الوطني فإن قطاع السياحة يمثل 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في بلجيكا بنحو 24.8 مليار يورو العام الماضي. وقُدر حجم الاستثمار في القطاع بنحو 2.1 مليار يورو، بنسبة 2.3 من إجمالي حجم الإنفاق الاستثماري في بلجيكا في عام 2014.
وتُشكل صناعة السياحة نحو 10 في المائة من اقتصاد أوروبا، وقال متحدث باسم الفاتيكان أمس إن إيطاليا تأخذ حذرها بعد هجمات بروكسل خاصة في أعياد الفصح التي تستقبل 600 ألف زائر سنويا.
من ناحية أخرى أعلن الاتحاد البلجيكي لكرة القدم أمس الأربعاء إلغاء المباراة الودية التي كانت مقررة بين المنتخبين البلجيكي والبرتغالي يوم الثلاثاء القادم بسبب الهجمات الإرهابية التي وقعت بالعاصمة بروكسل، وأوضح الاتحاد البلجيكي في بيان أنه «لأسباب أمنية ووقائية، طلبت بروكسل من الاتحاد البلجيكي لكرة القدم إلغاء مباراة بلجيكا والبرتغال باستاد الملك بودوان». وكان الاتحاد البلجيكي قد أعلن إلغاء مران المنتخب بالملعب نفسه الثلاثاء وكذلك الأربعاء، وتعد هذه هي المباراة الثانية على التوالي للمنتخب البلجيكي التي تلغى بسبب أحداث إرهابية، وذلك في الوقت الذي يستعد فيه المنتخب المصنف الأول على العالم لخوض نهائيات كأس الأمم الأوروبية «يورو 2016» بفرنسا في يونيو (حزيران) المقبل.
وكانت مباراة ودية بين المنتخبين البلجيكي والإسباني، مقررة في 17 نوفمبر الماضي، قد ألغيت آنذاك بسبب هجمات إرهابية شهدتها العاصمة الفرنسية باريس قبلها بأربعة أيام خارج استاد «دوفرانس» خلال ودية المنتخبين الفرنسي والألماني. وأعلن الموقع الرسمي للاتحاد البلجيكي لكرة القدم أنه سيتم إعادة قيمة تذاكر المباراة للجماهير عبر الحسابات البنكية الخاصة بهم، وعلى كل من حصل على تذكرة عبر الموقع الرسمي للاتحاد البلجيكي أن يرسل بريدا إلكترونيا يحتوى على رقم حسابه البنكي حتى يتم إيداع قيمة التذكرة، وأضاف بيان الاتحاد البلجيكي، أنه سيكون مسؤولا عن إعادة قيمة التذاكر التي تم بيعها عن طريق الاتحاد البلجيكي والتي قُدرت بنحو 30 إلى 80 يورو فقط، وغير مسؤول عن أي تذاكر تم بيعها بمنافذ أخرى.
* التجارة الأوروبية مهددة
من ناحية أخرى أصبحت حركة التجارة البينية بين دول أوروبا في خطر شديد، في ظل الرقابة المشددة على الحدود بين دول أوروبا وبعضها البعض، الأمر الذي سيكلف الاقتصاد الأوروبي نحو 110 مليارات يورو (نحو 130 مليار دولار)، كما توقع نيك كونيس المحلل الاقتصادي ببنك «إيه بي إن»، إذا ما عادت الشركات للتركيز على الأسواق المحلية؛ بدلا من الأسواق الأوروبية كقارة موحدة.
وأكد كونيس على أن ضعف ثقة الأوروبيين في المؤسسات السياسية قد ينتج عنه قلة ثقة في المؤسسات الاقتصادية مما يضيف أعباء إضافية على العملة المحلية اليورو، والبنك المركزي الأوروبي لدعم خططه في رفع معدلات التضخم. وتعتبر التجارة نقطة تميز للاقتصاد البلجيكي، حيث يحتل المرتبة الـ15 عالميا من حيث قوة حركة التجارة مع العالم، كما إنها واحدة من دول الاتحاد الأوروبي وعاصمة إداريه له، وهذا يعني أن تأثرها بتوقف حركة التجارة سيكون أكبر من باقي الدول.
وبلغ معدل التضخم في بلجيكا خلال الشهر الماضي 1.39 في المائة منخفضا من 1.74 في المائة في يناير، بينما ارتفع مؤشر ثقة المستهلكين بنحو 0.06 نقطة ليبلغ 101.65 نقطة في فبراير (شباط).
وأكد كونيس أن ثقة المستهلكين ستكون الأكثر تضررا بعد أحداث بروكسل، ما يغذي المخاوف من صعوبة تحقيق استراتيجيات المركزي الأوروبي في القريب العاجل.
* «شينغن» مهددة
أما التأثيرات على المدى الطويل فهي أكثر خطورة، فيوجد ما يقرب من 400 مليون مواطن من بين القادرين على السفر والتجول بحرية في دول أوروبا تحت اسم منطقة «شينغن» والتي لا تحتاج فيها استخدام جوازات السفر أو تأشيرة دخول.
ومع استمرار غلق الحدود قد تضطر دول منطقة شينغن للتفكير في إلغاء الاتفاقية كليا والتي تعد أبرز إنجازات الاتحاد الأوروبي، والتي تبدو أنها في خطر أكثر من أي وقت مضى، حيث اعتبرها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون «علامة ترحيب» للإرهاب في أوروبا، وأن هذه الاتفاقية غير مناسبة في هذه اللحظة.
وأشار مايكل كوينلان المحلل الاقتصادي بمجموعة «بي إن بي باريبا»، إلى أنه على المدى الطويل وفي حال إلغاء اتفاقية شينغن، فسيكون من الصعب نقل البضائع والأشخاص عبر دول القارة مما قد يخلف خسائر بنحو 18 تريليون يورو (أكثر من 20 تريليون دولار)، مؤكدا أن رد فعل الأسواق على المدى الطويل يأتي بعد وجود استجابات سياسية، وأوضح أنه يجب إعادة تقيم سياسات الهجرة إلى دول أوروبا.
واستبعد محللون استطلعت آراءهم «الشرق الأوسط» أن تكون الهجمات على بروكسل ذات دوافع اقتصادية، مؤكدين أنها لأسباب سياسية واضحة، غير أنهم أكدوا على التحديات الخطيرة التي تواجهها أوروبا والمتمثلة في العملة المضطربة، والانكماش، وارتفاع معدلات البطالة نسبيا، مما يصعب الأمور بالهجمات الإرهابية على المنطقة.
وفي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» لمجموعة من المحللين الأوروبيين عن «هل ستنعزل الدول الأوروبية للدفاع عن نفسها ضد الإرهاب؟»، خاصة أن هجمات بروكسل تضيف بعدا آخر في سلسلة الهجمات والتهديدات على أوروبا، أكد المحللون أن أوروبا كمنطقة وكدول منفردة متقدمة ستفعل كل ما هو ضروري لمواجهة الإرهاب، إلا أن ما يتمناه المحللون هو ألا تُعلق حقوق مواطني الاتحاد لحماية كل دولة لمواطنيها، مؤكدين على ضرورة التمسك بهذا الكيان الاقتصادي السياسي، موضحين أن دول الاتحاد ستتكلف أعباء مالية إضافية لتنفيذ مثل هذه الاستراتيجيات.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.