سيلفيا فندي لـ «الشرق الأوسط»: زبون اليوم يريد قطعة فريدة بغض النظر عن سعرها

الأزمة الاقتصادية لم تؤثر على الشراء فقط.. بل على طريقته أيضا

سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
TT

سيلفيا فندي لـ «الشرق الأوسط»: زبون اليوم يريد قطعة فريدة بغض النظر عن سعرها

سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها
سيلفيا فانتنوريني فندي في الاستوديو الخاص بها

هناك جوع لكل ما هو مترف وفريد من نوعه رغم كل ما يقال عن الأزمة الاقتصادية وتأثيراتها على الموضة. وحسب قول سيلفيا فانتوريني فندي، مصممة إكسسوارات الدار التي أسسها جدها في بداية القرن الماضي، وخط الأزياء الرجالية، فإن «الأزمة لم تؤثر على الشراء بقدر ما أثرت على طريقته. فالناس يشترون أقل ويطمحون للأحسن، بغض النظر عن الثمن». وتتابع: «هناك كم هائل من المنتجات في الأسواق، وخزانة أي امرأة مليئة بكل ما تحتاجه، لكنها لا تزال تحلم بتلك القطعة التي لا يوجد لها مثيل، لأنها تمنحها سعادة ومتعة في الوقت ذاته. وفي أوقات الأزمات تحديدا يتحول الأمر إلى عملية عاطفية، سواء تعلق الأمر بمعطف من الفرو أو بحقيبة من جلد التماسيح». وهي على حق، إذ إن دار «فندي» من بيوت الأزياء التي لم تتأثر بالأزمة، بل العكس تماما، فإن الإقبال على منتجاتها الفاخرة زاد في السنوات الأخيرة، مما جعلها توسع نشاطاتها، وتفتتح مؤخرا «بلاتزيو فندي» الذي يمكن اعتباره أول تجربة تسوق وضيافة من نوعه في العالم.
وإذا كانت «فندي» لا تشعر بالأزمة، أو تعاني منها، فالسبب واضح وهو أن المنتجات المترفة عموما زادت حرفية وغلاء في الوقت ذاته. والدليل أن الـ«هوت كوتير» التي لم تكن تحقق أي أرباح منذ عقد من الزمن انتعشت مؤخرا، حسب اعترافات بيوت أزياء كثيرة متخصصة فيها، مما شجع بيوتًا أخرى على دخولها أو العودة إليها من جديد بعد سنوات من التركيز على الأزياء الجاهزة. وتعزز سيلفيا فندي هذا الرأي بقولها إن «زبون اليوم يريد قطعة واحدة، بغض النظر عن سعرها، على شرط أن تكون فريدة ومفصلة على مقاسه حتى تميزه عن غيره، ولا بأس أن تكون بمواصفات تُمكن من توريثها لأجيال قادمة». لهذا لا نستغرب أن تنعش هذه الثقافة في التعامل مع الموضة، مما أصبح يعرف بالتفصيل على المقاس وما يصنع حسب الطلب فيما يتعلق بالأزياء والإكسسوارات، وتحديدا حقائب اليد.
كان اللقاء مع سيلفيا، سليلة عائلة فندي العريقة، مثيرا، ليس لأن الوصول إليها صعب بل لأنها المصممة المسؤولة عن إشعال حمى حقائب اليد منذ أكثر من عشرين عاما فيما أصبح يعرف بالحقيبة «النجمة». كان ذلك عندما أبدعت حقيبة «الباغيت» التي قد توارت عن الأنظار لصالح تصاميم جديدة مثل «بيكابو» لكنها لم تغب تماما لأنها في مصاف الحقائب الأيقونية، إضافة إلى أن الدار تجددها دائما بخامات وألوان جديدة حتى تبقى متوهجة. القصة وما فيها أن سيلفيا ترفض، كما تقول، أن تبقى سجينة النجاح الواحد، وبين الفينة والأخرى تفاجئنا بتصميم جديد وأيقونة تُؤجج الرغبة فيها. لكن الأكثر إثارة في مقابلتها، اكتشاف شخصيتها وعمق ثقافتها، إذ إنها تختزل تاريخا غنيا يجري في جيناتها بحكم أنها ولدت وشبت في بيت يضج بالابتكار والإبداع. كل هذا يمكن أن يجعل أي شخص يقابلها يشعر بعقدة نقص أمامها أو على الأقل بالرهبة، لكن الطاقة التي تشع من عينيها وهي تتحدث بصوتها الهادئ لها مفعول عكسي تماما.
سيلفيا، تنتمي إلى الجيل الثالث من سلالة فندي الرومانية، وإذا طُلب من أي أحد وصفها، فإن الجواب سيكون واحدا، وهو أن مظهرها الخارجي لا يوحي بذلك البركان من الإبداع الذي يغلي بداخلها، إذ تميل إلى ارتداء أزياء كلاسيكية بخطوط بسيطة وألوان داكنة كأي امرأة تريد أن تموه عن بعض الكيلوغرامات التي اكتسبتها عبر السنوات. وليس ببعيد أن تمر أمامك من دون أن تلتفت إليها، إلا إذا كنت تعرف من هي. تقترب منها وتبدأ الحديث معها، فتتغير الصورة تماما، لأن الدفء الإيطالي الذي ينبعث من ابتسامتها يهدئ أعصابك ويحول اللقاء إلى جلسة حميمة. عندما أشير إلى لمستها الميداسية ووصفتها الناجحة، تزيد ابتسامتها اتساعا وترد بأن الكثير من الناس يسألونها هذا السؤال وربما عليها أن تكتفي منذ الآن بأن تجيبهم بأنها تتمتع بلمسة ميداس. ثم سرعان ما تستعيد تواضعها وتشرح: «إنها نوع من الكيمياء أو قد تكون متوارثة في الجينات. يمكن القول إني اكتسبت خبرة مع الوقت، أو قد تمرنت على النجاح. فعندما يذوق الواحد منا لذته، يصبح مدمنا عليه ولا يريد أن يفقد طعمه أبدا مما يجعله يجتهد أكثر. نعم حقيبة «الباغيت» حققت نجاحا باهرا، كذلك حقيبة «بيكابو»، فلا أحد يجب أن يعتمد على نجاح قطعة واحدة طوال الوقت.. فهذا غير ممكن أساسا، فضلا عن أن «عشق التحدي يجري في دم بنات فندي» في إشارة إلى والدتها وأخواتها الأربع اللواتي تقاعدن بعد أن اشترت مجموعة «إل في آم آش» الفرنسية الدار في عام 2000، وابنتها ديلفين ديليتريز، مصممة الجواهر المعروفة.
تم اللقاء في «بلاتزو فندي» الواقع على مفترق الطريق بين شارع كوندوتي و«السلالم الإسبانية» (سبانيش ستيبس)، الذي فتح أبوابه مؤخرا في حفل كبير حضره برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا، ومالك مجموعة «إل في آم آش»، والمصمم كارل لاغرفيلد الذي يصمم للدار خطها النسائي منذ عام 1965 فضلا عن باقة من العارضات والنجوم. كل ما في الـ«بلاتزيو» يسخر من الأزمة الاقتصادية، لأن كل ركن فيه يجسد الرفاهية بمعناها الحرفي، من معماره وواجهاته الزجاجية، التي تناديك لدخوله واستكشافه إلى مطعم «زوما» الذي يحتل طابقين في أعلى المبنى مع باب جانبي مستقل، إلى الأجنحة المخصصة لاستضافة زبائن الدار المهمين.
حتى من ليست له إمكانيات لشراء قطعة صغيرة جدا من جلد التماسيح، قد تكون مجرد حاملة مفاتيح بسيطة من دون فرو، لن يندم على دخوله، لأنه كمن دخل عالما من الأحلام، قد يكون سرياليا بالنسبة له لكنه واقع بالنسبة لغيره، مما يجعله يعيش تجربة لا تتكرر في أي محل آخر. كانت سيلفيا تبدو منسجمة مع المكان، ولم لا وهي تنتمي لأسرة أرستقراطية عريقة؟. بمجرد أن عبرت لها عن إعجابي بالديكور والمعمار، وكيف تعيش الدار حالة من الانتعاش، تنعكس على عروض أزيائها وأرباحها السنوية، حتى ردت بأن السبب يعود إلى الحرفية واحترام المهارات التقليدية، وعدم التوقف عن الاختبار وتجربة الجديد «خذي مثلا الفرو، فنحن نحاول دائما أن نغيره ونصوغه بشكل جديد، فالفرق بين نوعيته اليوم ونوعيته منذ أربعة عقود أو أكثر مختلفة تماما».
والحقيقة أن زيارة معملها الواقع في روما يؤكد كلامها. ففي الخمسينات وما قبلها، كان الفرو يرمز للجاه والثراء، وكان من الهدايا التي يقدمها الرجل للمرأة، آخذا في عين الاعتبار أنه كلما كان على شكل معطف طويل تكون الرسالة أبلغ على مكانته وجاهه. عائلة فندي، المتمثلة في والدة سيلفيا وأخواتها الأربع، كن ضد هذه الفكرة، وتمردن عليها بمساعدة كارل لاغرفيلد، خصوصًا وأن الوقت كان مواتيا للتغيير والقيام بثورتهن. فالمرأة في الستينات بدأت تتحرر وترفض كل ما يمكن أن يعيق حياتها وحركتها. وكان المعطف المصنوع من الفرو، بثقله وطوله، تجسيدا للرسمية التي تحد من نشاطاتها. وهكذا بدأت عملية تنعيمه والتخفيف من سمكه وإدخال ألوان متوهجة ونقوشات مرحة عليه. لم يمر سوى وقت وجيز حتى أصبحت «فندي» معه كأي خامة أخرى وبالتالي صياغته في تصاميم عصرية تخاطب الجيل الجديد كما القديم. لهذا عندما طرحت سيلفيا مؤخرا حلقات مفاتيح مستديرة من الفرو بعيون وحشية، انتشرت انتشار النار في الهشيم في كل أنحاء العالم، بحيث نراها الآن تتدلى من حقائب يد بألوان متنوعة لتضيف إليها لمسة شقاوة ومرح، فإنها في الحقيقة لعبت على واحدة من رموز الدار واكتفت فقط بتجديدها وكتابتها بلغة راقت لشباب اليوم.
وتشير سيلفيا إلى أن الترف بلغة «فندي» قد يكون معطفا طويلا، أو هذه القطعة الصغيرة، لأن المهم هو خلق ذلك الإحساس الذي يجتاح أي واحد منا عندما نرى منتجا ونريد امتلاكه بأي ثمن. تقول: «عندما تلح على الزبون تلك الرغبة بأنه بحاجة ماسة إلى هذه القطعة، وبأنها ستكون إضافة مهمة في خزانته، حينها فقط أعرف أني نجحت في مهمتي». وهذا تحديدا ما تنطلق منه عندما تفكر في تصميم أي قطعة. فهي تردد مع نفسها بأن المرأة لا تحتاج إلى حقيبة أخرى، لأنها تمتلك ما يكفيها منها، لتكون الخطوة الأساسية هي «صب كل فكري فيما ينقصها، وهكذا تُزرع تلك البذرة التي أبني عليها».
ولا شك أن هذه هي الوصفة التي اتبعتها في تصميم حقيبة «بيكابو» التي لا تزال تحقق مبيعات عالية، إلى حد أن الطلبات المتزايدة عليها شجعت الدار أن تُطلق خدمة «تصميمها حسب الطلب»، أي على مقاس زبوناتها النخبويات، اللواتي سيمكنهن اختيار نوعية الجلود والألوان وحتى الخيوط المستعملة لحياكتها باليد، وما شابهها من تفاصيل، حتى تأتي خاصة جدا. ولا يختلف اثنان على أن هذه الخدمة تعزز توجه الموضة الحالي الذي يميل إلى قطع راقية تطبخ على نار هادئة. فبعد أن كانت المرأة سابقا تجري وراء حقيبة «الموسم» لتركنها جانبا بمجرد ظهور أخرى في الموسم الذي يليه، أصبحت تريد ما قل ودل. بعبارة أخرى، تريد أن تستثمر في واحدة تبقى معها طويلا، ولا تمل منها مهما مر عليها من زمن. فإذا كانت حقيبة الموسم ترمز للأناقة، فإن حقيبة مترفة مصممة على مقاسها وحسب طلباتها، ترمز إلى أكثر ذلك بكثير. بالنسبة لبيوت الأزياء، فإن أهمية هذه الخدمة تكمن في خلق علاقة حميمة ومتفاعلة بينها وبين زبائنها في زمن افتقد فيه الوفاء لماركة واحدة. ما يُحسب لسيلفيا أنها لم تكتف بتوفير هذه الخدمة، بل جندت مجموعة من النساء الناجحات في مجالاتهن مثل المعمارية زها حديد، والنجمة غوينيث بالترو والمغنية أديل، والعارضة جيري هال والمراسلة الحربية كايت أيدي وغيرهن من العارضات والنجمات الشابات على تصور هذه الحقيبة من منظورهن وحسب أسلوب حياتهن، وكانت النتيجة مدهشة و«ضربة معلم»، لأن كل واحدة منهن منحتها روحا مختلفة. أديل مثلا رسمت عليها رموشها الطويلة، وجيري هول حافظت على كلاسيكيتها، بينما وضعت فيها زها حديد بصماتها المعمارية من خلال طيات متراكبة ومتدرجة. توضح سيلفيا أن خدمة «التصميم حسب الطلب» تأتي في مرحلة مهمة من تاريخ الموضة عموما ودار «فندي» خصوصا، لأن الزبون النخبوي بات يطلبها، ودار «فندي» تؤمن بعدم رد طلبه أيا كان. «نحن نرفع شعارا بأنه لا شيء مستحيل، لهذا لا نتوقف على التفكير في تطويع التقنيات المعقدة. عندما نقترحها على أي تقني أو حرفي في معاملنا فإنه لا يفكر أبدا أنها مستحيلة، بل العكس، يعتبرها بمثابة تحدٍ يحتاج منه إلى حل لا أقل ولا أكثر». وهذا ما يفسر أنه عندما طلب بعض الزبائن هذه الخدمة من الدار، لم تتأخر، ووفرت أكثر من ألف لون لصنع حقيبة «بيكابو» فضلا عن عدة أنواع من الجلود الفاخرة. وتذكرني سيلفيا بأن هذه الخدمة كانت متوفرة في مجال الفرو سابقا قبل أن تمتد إلى حقائب اليد في عام 2013 مع حقيبة «سيليريا» والآن في حقيبة «بيكابو». ينتهي اللقاء ونتبادل القبلات، لكنها تستطرد كما لو أنها تذكرت شيئا مهما لتقول بأن أحد أهم شروط التصميم حسب الطلب تدخل الزبون في اختيار الخامات والألوان ووضع بصماته الخاصة، لهذا كان لا بد من خلق مساحة حميمة يمكنه فيها القيام بالتجربة والاستمتاع بها بعيدا عن عيون الفضوليين. وإذا كانت النية أن يحمل معه القطعة، سواء كانت حقيبة أو معطفا من الفرو، عوض أن تُرسل إليه فيما بعد، بإمكانه قضاء ليلة أو أكثر في جناح من الأجنحة السبعة المتوفرة في «البلاتزو» إلى أن يجهز طلبه ويحمله معه إلى وجهته. فهذا من وجهة نظره هو الترف بمعناه الجديد.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.