لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

قراءة في نصوص 17 كاتبا وكاتبة ينتمون لأجيال مختلفة

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
TT

لماذا يشعر المبدعون الكويتيون بالإحباط؟

إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان
إسماعيل فهد إسماعيل و ليلى العثمان

يا إلهي! يبدو الكويتيون بالفعل في حالة من الإحباط. هذه هي الفكرة التي تذهل أي قارئ بعد أن يمضي أياما مع مقتطفات من القصص القصيرة والروايات الكويتية، التي نشرتها مجلة «بانيبال»، مجلة الأدب العربي بالإنجليزية، في عددها الـ47.
على السطح، بالطبع، ثمة سبب يدفع الكويتيين للشعور بالإحباط. تتمتع الدولة بقدر من الحرية السياسية يفوق الكثير من الدول الأخرى في المنطقة وتقدم لمواطنيها نظام رفاهية شامل نسبيا. غير أن الأدب القصصي الحالي في الكويت يجسد مجتمعا يتمتع بقدر ضئيل من البهجة، على الأقل. في ظل هذا الأدب القصصي، يبدو أن الكويتيين يشبعون شهيتهم ولكنهم لا يشعرون بالرضا، يملكون المال ولكن ليسوا أثرياء، أحرار ولكن يتمتعون بحريات محدودة. هنا، كل شيء يتخذ حالة «تقريبا»؛ الكوب يقترب من الشفاه، ولكنه لا يصل إليها تماما.
الكثير من الشخصيات لا تشعر بالحرية في الكشف عن ذاتها الداخلية إلى أن تخرج من الكويت. إنهم بدويون حديثون، يهاجرون مع المواسم. خذ، على سبيل المثال، بطلة قصة فاطمة يوسف علي القصيرة «العودة من شهر عسل»، التي تحكي قصة مجموعة من الشابات الكويتيات اللائي يزرن القاهرة، حيث يتنقلن بحرية في المدينة من دون الأعين المراقبة من قبل الأقارب والجيران. ولكن حتى في ذلك الحين، تشعر البطلة بسعادة حقيقية فقط عندما ينتهي بها الحال للنوم وحيدة والحلم باللحاق برحلة بالطائرة إلى وجهة غير معلومة.
أو خذ مثال البطلة بثينة العيسى في رواية «صدام صامت». يتعين عليها الذهاب إلى مدينة سويدية بعيدة لمقابلة «غجري بدوي» يسألها عن حال الكويت. ويكون هذا هو الجواب: «تسألني: كيف حال الكويت؟ كما لو أنك تسأل عن صديقة قطعت الاتصال بها. قد تسأل: هل تزوجت؟ هل تزوجت أم ما زالت عزباء أم تعيش قصة حب؟ هل تستقبل الخطباء غير الملائمين كما هو الحال دائما؟ ما الذي ستفعله لمواجهة هذا الإثم؟ هل تهينك وتحبك في آن واحد؟ هل تذهب إلى الأمكان وكل مكان في الوقت نفسه؟ ربما ظلت بشخصيتها، ساحرة ولكن مستحيلة. كيف حال عزيزتي الكويت؟».
أما شخصية «طيبة»، البطلة التي لا تتوفر فيها الصفات التقليدية للبطلة في «كحل أسود قلب أبيض» لمنى الشمري، فهي في حالة اغتراب مزدوج. فعلى الرغم من أنها ما زالت طفلة، فإنه «تم جلبها من المنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية لتكون زوجة (لعبة) لسليل أسرة ثرية بدين يعاني من تخلف عقلي يعتبر أقاربه هذه الفتاة الشابة بمثابة علاج سحري لحالته. تنجح الشمري في خلق مناخ من القمع والرعب يعيد إلى الأذهان أفضل ما في أدب الجريمة (القوي). وفي ظل ذلك المناخ، لا يشعر أحد بالسعادة نظرا لأنه حتى المستبدين في الأسرة مقموعون من التقاليد والخرافات والتعصب».
إن عددا قليلا من الشخصيات في الأدب الكويت الحالي يتمثل في أجانب يعملون في الدولة. البعض، على غرار المعلم المصري في رواية طالب الرفاعي «مرحبا بكم في شركة أبو عجاج للبناء»، الذي شغف بخرافة الكويت كمكان أسطوري، وكان شعاره هو: «الكويت والبترول والمال والعمل!». ومع ذلك، فسرعان ما وقع ضحية للبيروقراطية والممارسات القاسية وصور الخداع من كل نوع وعزلة تنخر في روحه. كذلك، أذهلته حقيقة أنه قلما يلتقي كويتيين من السكان الأصليين. يحادث المهاجر المصري نفسه قائلا: «ربما كنت في الهند، وليس الكويت». وحول ما يصفه بـ«محنة النفي المريرة»، يخلق الرفاعي حالة تتداخل فيه لحظات الكوميديا السوداء مع خطاب الإحباط الذي أفرزه التحرر من الوهم.
يترك منفيون آخرون، أمثال البطل العراقي في رواية إسماعيل فهد إسماعيل «حدث بالأمس»، الكويت للعودة للوطن بحثا عن طفولتهم الضائعة وشبابهم المفقود. في هذه الحالة، ينجح المنفي العائد في العثور على ضاحيته القديمة التي تحمل عن جدارة اسم «باب الهوى» في البصرة على طول شط العرب لينتهي به الحال إلى أن يلقى مصرعه جراء طلقة من مدفع رشاش على جبهته. وبعد رحيله من الكويت للفرار من حالة الإحباط التي تعتريه، كان مصدر بهجته الوحيد هو لحظة قصيرة يسمع فيها أصوات نقيق الضفادع. ويشير بقدر من الاعتزاز إلى عدم وجود ضفادع في الكويت. إن «النثر الثري لإسماعيل وبراعته في استخدام الأساليب غير المباشرة في الكتابة الأدبية تمكنه من المقاربة بين قصة بطله وقصة العراق كسلسلة مكتملة من المشاهد التي تعود بالأحداث لوقت سابق وتلك التي تتطلع للمستقبل».
يتناول حميدي حمود أيضا موضوع النفي في قصته القصيرة «لاجئ»، المكتوبة بإيجاز تقرير شرطة. اللاجئ محور القصة هو كاتب ينظر لحياته، بكل آماله وطموحاته، وكأنها اختزلت في ملف على مكتب محقق ينبغي أن يتخذ قرارا بشأن طلبه الحصول على حق اللجوء السياسي أو حتى «تحويلي إلى مجرم».
في قصة سليمان الشطي القصيرة: «صوت من الظلام»، تتحطم الصورة البطولية، التي رسمها برغوازي لنفسه مع اتصال شخص ما بهاتفه ليلا طالبا النجدة. تأتي لحظة الحقيقة بشأن جبنه بعد مناجاة في حلم يرى نفسه فيه يلقي خطابا عن الحاجة للعودة إلى فضائل الصحراء.
«كانت الصحراء خاوية إلا من صوت الإنسان الذي ملء مساحتها بأنبل الأفكار: وجد تقييم المحتاجين والصداقة الحميمة والكرامة، بل وحتى التضامن الاجتماعي، مكانا لا يمكن إنكاره على قائمتنا».
ومع ذلك، فإن هذا هو الماضي. فماذا عن الحاضر؟ الحاضر يتعلق بالخوف من التعرض للسطو أو حتى القتل؛ من الأفضل للمرء أن يعزل نفسه، أملا في أن يأتي الآخرون لمساعدة الشخص الذي يطلب النجدة. أثناء نومه، يستمر البطل الذي لا تتوفر فيه الصفات التقليدية للبطل في الصراخ قائلا: «أيقظوهم، أيقظوهم!».
وفي «حب من أول مكالمة» لسليمان الخليفي، تعتقد الشخصيتان المحوريتان أنهما قد وقعا في حب بعضهما البعض من خلال سلسلة من المحادثات الهاتفية. ولأنهما لم يلتقيا وجها لوجه، فإن كلا منهما يرسم صورة مثالية للآخر. في النهاية، يتفقان على أن يلتقيا بالقيادة حتى الوصول إلى موقع معين. ومن دون علمهما، يتورطان في مشهد عنف في القيادة، يقود بطريقة شبه متعمدة لقتل الآخر.
ونظرا لصعوبة التقاء الرجال والنساء الذين لا تربطهم علاقة زواج في الأماكن العامة في الكويت، يبدو أن العلاقات العاطفية الهاتفية شائعة. في «سجين المرايا» لسعود السنوسي، وهي رواية كاملة عن التجربة الرهيبة للكويت خلال الغزو العراقي والاحتلال في الفترة 1990 - 1991، يغرم البطلان ببعضهما بعضا من خلال سلسلة من المكالمات الهاتفية. يتساءل البطل، ويدعى عبد العزيز، وهو ابن مقاتل مقاوم نال الشهادة، قائلا: «هل وقعت في حب صوتك؟ شعرت بحافز غريب يدفعني للاستماع إليه».
السقوط عند أول صوت أمر شبه مفهوم. يصبح جسرا يصل بين شخصين يبحثان عن الحب. وفي هذه الحالة، ينتهي الحال باثنين من المحبين عبر الهاتف للالتقاء واكتشاف أن والديهما كانا رفيقين في المقاومة ضد «الضباع» العراقية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن حتى الحب لا يمكن أن ينقذ البطل من إحباطه. حياته عبارة عن قصة خسائر متكررة، الأب والأم والدولة. وحتى عندما استردت الكويت، لم تعد الأمور مطلقا مثلما كانت من قبل. يتساءل عبد العزيز، وهو يجلس في مطعم، عما إذا كان موت أبيه لم يذهب سدى، إذ «اختفى الأبطال كالأفيال المنقرضة والديناصورات».
ويرى أنه «حتى مع أن السواد الأعظم من الناس هناك كانوا في نفس عمري، فلم تجمعنا أي صفات مشتركة. فمع وجود شباب يرتدون ملابس على أحدث صيحات الموضة وفتيات يعتمدن مساحيق تجميل بشكل مفرط، بدا المطعم كله أشبه بممشى عرض أزياء، وطغت رائحة العطور على رائحة الطعام». وفي سياق مثل هذا، يصبح الحب مستحيلا.
وفي رواية «سلم النهار»، أظهرت فوزية شويش السالم أيضا استحالة الحب من خلال كسر الكثير من المحاذير في الرواية العربية قدر استطاعتها. واستخدمت السالم مجموعة من الكليشيهات الغربية، مثل وضع وشاح أحمر حول خصر المرأة، واستخدام موسيقى الفلامنكو، واللجوء إلى شكل من أشكال التعري يبدأ بالتخلي عن الحجاب، لترسم صورة مثيرة تذكرنا بأفضل مشاهد الغرام في ألف ليلة وليلة. وتعمل البطلة على «انتزاع الحب من العصر الذي تعيش فيه، ومن أعين والديها ومن حكم القبيلة؛ ذلك الحب الذي تقف فيه السعادة في مواجهة الخطر».
وتعد رواية «حذاء أسود على الرصيف» للكاتبة باسمة العنزي بمثابة هجاء معاصر للافتتان الكويتي بكل ما هو غربي. وتشير العنزي إلى أن الكويت، التي يصل عدد سكانها إلى نصف مليون نسمة، بها أكثر من 20,000 حاصل على شهادة الدكتوراه، وهو رقم قياسي عالمي على الأرجح. فايز، بطل الرواية، هو خبير استراتيجي في مجال الأعمال ومتخصص في «تقليص العمالة». إنه يلقي خطبا رنانة حول حاجة العرب لخلق 50 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2020 حتى يتم الحفاظ على معدل البطالة الحالي. ويتنقل فايز من مكان إلى آخر باستمرار، ونادرا ما يقيم في أي دولة لأكثر من أسبوع. ويمتلئ عالم الدكتور، كما تطلق عليه العنزي، بالعلامات التجارية الفاخرة والمثيرة للإعجاب. وهو يتفاخر بساعته الـ«رولكس»، «لأن أي رجل لا يستطيع امتلاك ساعة (رولكس) حتى الـ50 من عمره، فهذا يعني أنه شخص فاشل!». وعلى الرغم من أن الحياة الخاصة للدكتور تمتلئ بالرفاهية، فإن حياته العامة مليئة بالوحدة والدمار، وملوثة بأكوام من القمامة.
وترسم العنزي مجموعة رائعة من الشخصيات على خلفية من المؤامرات الإدارية والعلاقات غير الشرعية والمشكلات، ومن بين الشخصيات التي لا تنسى توجد شخصية أبو طارق الذي يحاول ألا يفقد إنسانيته عن طريق تربية خيول السباق.
وكان الافتتان بالغرب أيضا هو موضوع رواية «غيوم تحت وتر» لعلي حسين الفيلكاوي. الراوي يعمل وكيل سفريات، ولكنه يزور كل ركن من أركان المعمورة من خلال قصص الرحلات والكتيبات والأفلام الوثائقية. لكن عزلته تنتهي عندما يرافق كدليل مجموعة من السائحين الكويتيين في رحلة إلى باريس والريفيرا الفرنسية. ولا يهتم السائحون بأشياء أكثر من المشروبات الغريبة والجنس والتسوق والنميمة، ويتم الحكم على معظم الأشياء من خلال أسعارها، وقبل نهاية الرحلة، يقدم الراوي قائمة بأسعار الأشياء التي اشترتها المجموعة قبل عودته إلى وطنه.
ومثله مثل بعض الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة، نجد أن الفيلكاوي قد تأثر كثيرا بأنماط النثر الأميركية، وهو ما يقوي ويعزز موضوع التغريب.
وتعد ليلى العثمان أحد الكتاب القلائل في هذه المقتطفات الأدبية المختارة الذين يرون الحياة التقليدية على أنها ما زالت حيوية للحفاظ على الحبكة الدرامية للعمل الأدبي. وفي روايتها «عباءة الكاظم»، أصبحت عباءة الصوف التقليدية رمزا لتلاشي نمط الحياة العربي. وتحول ما بدأ على أنه قصة حب تقليدية إلى انعكاس لعلاقة الشخص بالماضي. وتقوم بطلة الرواية بزيارة ضريح الإمام الشيعي موسى الكاظم في بغداد، وعندما طلب منها الحارس ارتداء العباءة قبل الدخول، ردت قائلة «أنا أكره العباءات، ولم أرتدها من قبل. ولكنه سحب عباءة من كوم من الملابس الموضوعة في صندوق قديم وطلب مني أن أقوم بارتدائها، وبالفعل قمت بارتدائها وأنا مشمئزة، فقد كانت رثة، وكانت أطرافها تكتسي باللون الأخضر نتيجة لقدمها وللاستخدام المتكرر، وكانت تنبعث منها رائحة كريهة».
وتتميز الرواية بالتشويق حتى النهاية، حيث تصور الرواية الاختيار الواضح للعرب: فإما الانغماس في الماضي أو طيه في بحر النسيان.
وبينما يتعامل معظم الكتاب في هذه المقتطفات الأدبية المختارة مع مواجهة العرب للغرب، تركز ثريا البقصمي على المواجهة مع الشرق في شكل الاتحاد السوفياتي المنحل الآن. وفي روايتها «زمن المزمار الأحمر»، تأخذنا البقصمي إلى عدد من الطلاب العرب في العاصمة السوفياتية. وتلقي الضوء على كيفية قيام الشباب العرب، على الرغم من مواقفهم اليسارية، بجلب الممارسات التقليدية والأفكار المسبقة معهم لقلب الإمبراطورية السوفياتية. وتجد إحدى شخصيات الرواية، وهي عائشة، نفسها ضحية للابتزاز من قبل زوجها، حيث تقول البقصمي في الرواية: «كانت عائشة ضحية لتراثها الممتد على مدى قرون؛ امرأة تسحق في كل لحظة، من قبل رجل كان سعيدا بركوب جواد المروءة».
وضع المرأة، ومعاناة «البدون» أو الكويتيين الذين يحرمون من المواطنة، والانبهار بالبذخ المادي للغرب، والاغتراب كتهديد وكمصدر للراحة على حد سواء، والضغط الفصامي من الماضي والصراع الدائم مع الحاضر، كل هذا يقدم الموضوعات الرئيسة للخيال الكويتي في الوقت الراهن.
وبعيدا عن هذه الخلفية القاتمة، تمنحنا القصص القصيرة للكاتب وليد الرجيب بعض الراحة الهزلية، ولا سيما روايته «صباح يوم عادي»، كما يمكنا الاستمتاع أيضا بـ«القصص القصيرة» أو الكاريكاتير اللفظي، الذي يشبه رسائل «تويتر» في حجمه، للكاتب يوسف خليفة، كما في قوله: «بعد 20 عاما كزوجة وأم لخمسة أطفال، نظر إليها رجل من بعيد وابتسم، وتذكرت أنها كانت امرأة».
ولكن دعونا ننهي هذه المقالة بالعودة إلى باسمة العنزي التي أعلنت عن حبها للكويت قائلة: «الحب الذي يجعلك تحب شيئا أكثر من أي شيء آخر، ليس لأنه الأكثر جمالا، ولكن لأنك تحبه فهذا يجعله جميلا».
حسنا، يمكن لهذه المختارات الأدبية أن تجعلنا نحب الكويت القديمة - الجديدة، على الرغم من جميع عيوبها.



«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً
TT

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها الجديدة «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين. هي أسرة عادية ليس في حياتها مأساة خارقة، أو صراعات درامية، ولا مفاجآت روائية مبهرة. وهذا تماماً ما أرادت أن ترسمه الرواية. فليس ضرورياً أن يكون ثمة ما هو غير اعتيادي كي تستحق قصتك أن تروى، يكفي أن تكون فلسطينياً وتحت الاحتلال، كي تصبح حكايتك مختلفة، مركّبة، حزينة، ومليئة بالتحديات. ذلك ما راهنت عليه صاحبة «تفصيل ثانوي» الرواية التي صدرت عام 2017 ولاقت ترحيباً واسعاً، كما أثارت ضجيجاً بعد أن ألغي تكريم كاتبتها بجائزة «لابيراتور» الألمانية، في أعقاب اندلاع أحداث «طوفان الأقصى» وسط اتهامات للعمل بمعاداة السامية، كما أن الترجمة الإنجليزية للرواية دخلت القائمة الطويلة لجائزة «مان بوكر» الدولية في لندن عام 2021. الرواية فيها عودة إلى جريمة اغتصاب شنيعة بحق فتاة بدوية ارتكبها جنود إسرائيليون، ثم جاءت باحثة بعد عقود لتنبش في الأرشيف وتكشف فداحة ما حدث.

صاحبة «تفصيل ثانوي»

وكما في روايتها «تفصيل ثانوي»، وبالأسلوب نفسه الوصفي المسهب، تدخلنا عدنية شبلي هذه المرة إلى حياة طالبة فلسطينية وشقيقها وأمهما. تبدأ الرواية والشقيقان في سيارة يشقّان طريقهما، لكن بطبيعة الحال سيكون ثمة حاجز إسرائيلي، وسؤال وإبراز أوراق واستجواب، وخوف وقلق. فكل خطوة بوجود الاحتلال مرهونة بما سيفعله جندي يخرج من هنا، أو حاجز يوقف العابرين هناك.

من بداية الرواية التي تقع في 168 صفحة، تحضر الطبيعة، الأرض، المطر المتساقط، الذي يجعل جنبات الطريق موحلة، بينما تظهر الحقول، والسهول، والتلال البعيدة، والأشجار المبتلة. نحن في فصل الشتاء، برد خارج السيارة، وأنفاس الشقيقين تتحول رذاذاً على الزجاج، في حين الشقيق يحاول إخفاء الحطّة التي وضعها على الرفّ الأمامي وتتلوى أمامهما كالأفعى؛ خيفة عقابه من الحواجز الأمنية. هكذا تحضر المكونات الأساسية للرواية، البيئة الفلسطينية الطبيعية، حضور الاحتلال عبر الحواجز، واللغة العبرية التي يتحدثها الشقيق بسلاسة بينما تبقى عائقاً أمام شقيقته الطالبة التي تحاول إخفاء انتمائها، وبروز الحطّة رمزاً للجذور، خاصة حين يلوح بها الشقيق لمجموعة من الأولاد الفلسطينيين الذين يعترضون سبيله ظناً منهم أنه إسرائيلي، فإذا بهم ينفضّون عنه وينصرفون، دون أن ينطق كلمة واحدة.

اللجوء للحقول والطيور

هكذا تنساب الحكاية، بحيث تنسج الكاتبة مناخها من حقول فلسطين وقراها، وزيتونها المعمر الذي يُقتلَع ويعاد زرعه في أحياء إسرائيلية أو في حدائق عامة، ومن الثمر الذي يموت ويفنى على الشجر ولا يترك للمزارعين حق بلوغه أو قطافه. كذلك من العشب الذي ينمو عالياً بين جذوع الأشجار، بسبب الإهمال القسري، ولا يترك متسعاً للأوراق كي تتنفس. إنه البرتقال الحزين، الذي يذكّر بغسان كنفاني والنباتات المصابة بالآفات، بعد أن تجتذب الحشرات ثم تموت.

تحتفي شبلي في روايتها بالطبيعة الفلسطينية، ترصد النباتات على أنواعها، حركة الطيور وزقزقتها، الأعشاب التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للفلسطينيين. هناك مقطع مخصص لشجرة اللوز، براعمها، تبدل أحوالها مع تتابع الفصول، اخضرار ثمرها. هناك عودة متكررة إلى أشجار الزيتون للدلالة على ثبات الفلسطينيين وصمودهم. في الرواية نعيش توالي الفصول، والعلاقة الحميمة بين تبدل الطقس وشكل التربة، بتشققاتها، ووحولها، وحفرها، وتحول ألوانها. تشعر بأن الشغل على دمج الطبيعة الفلسطينية في النص بهذه الكثافة، كأنما القصد منه إشعارك باندغام حياة الشخصيات بحركة التربة، وحكايات سنابل القمح المتمايلة مع الريح، وسيقان عباد الشمس الواهنة، وشتلات الفول الفوضوية. تكاد المسافة بين الناس وشجر البلوط والخروب والتين، تنعدم. إنهم جزء من الجبال والصخور والوديان.

ترسم الرواية صورة لمقاومة العنف الممارَس على مجتمع بأسره من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة وتمجيد زهورها ونباتاتها وتربتها الموحلة

وجوه بلا أسماء

هذه الطبيعة المغتصبة هي الحضن الذي تنمو فيه قصة الطالبة وشقيقها بعد أن عانى مرارة الأسر، حتى انكسر وشاخ وجهه وأسدل لحيته كي يخفي علامات القهر. نتابع الأم الصامدة المتماسكة التي تبيع الفلافل لتشد أزر العائلة كلها، وتنهض بابنها وابنتها، وكأنها هي الركن الأكثر صلابة والوتد الذي بفضله يرتفع سقف الخيمة.

وجوه وأماكن بلا أسماء: الطالبة، الأخ، الأم، المدينة. فأنت لن تعرف اسماً لأي منهم، إغراقاً في تمويه المشهد، كي يبقى ملتفاً بما يشبه غلالة، أو كأنك ترى الأحداث من خلف غشاء شفاف. فحضور الحرباء في الرواية، وكذلك لجوء الطالبة إلى تمويه لكنتها العبرية التي لا تجيدها بالطريقة التي تتمناها، هي كلها جزء من هذا الانتماء الملتبس للفلسطيني المقيم على أرضه. وبالتالي، فثمة من يمتلك لغة القوة ولكنتها، ومن يتخفى خلف اللغة، أو يصمت كما يفعل شقيقها ليهرب من هذا الاختبار الصعب.

سجن اللغة والثأر

اللغة وطريقة تلفظ الطالبة بحرف الراء في الجامعة ومع زملائها، هي من المنزلقات التي يتعرض لها العربي وهو يتحدث العبرية. فهو حين يشدد الراء وينطق بها، يصبح موضع شبهة، ومجال شكوك أمنية، ومحاسبة. وبالتالي، لم يعد الحرف مجرد صوت، بل فخّ يجلب المتاعب، ويكشف الهوية، ويحيل إلى الأصل. لذلك؛ تجد الطالبة مخرجها في الجامعة بأن تحاول تبني اللكنة الأميركية، لتختفي خلفها، وتواري حقيقة انتمائها.

ليست مصادفة أن تختار الطالبة علم الاجتماع مجالاً لدراستها الجامعية، فبالرواية رصد دقيق لأصغر التفاصيل، وسرد وصفي مسهب لحركة جسم الجندي، والتفاتة الشقيق، ومتابعة زخّات المطر، ومطاردة حركة العصافير.

كأنما مسار القصّ يحيل إلى محاولة للثأر من العنف الممارس على مجتمع بأسر أفراده ومحو لغته، باضطهاد متكلميها، من خلال استنفار الرموز وإعادة إحياء عناصر الطبيعة بتمجيد زهورها ونباتاتها وعشبها، وطيورها كما تربتها الموحلة أو الجافة المتشققة، عبر الفصول المتتابعة.

هي رواية لمن يملكون الصبر على قراءة نصٍ متأنٍ يتيح لنفسه الوقت، ليسرد بهدوءٍ، حيث لا عجلة، ولا لهاث خلف الأحداث. نتابع حياة، تسير الهوينا، وشخصيات تملك المتسع لتكمل يوميات لا زخم فيها، ولا انحدارات سحيقة. حتى الأحداث الأليمة التي يمكن أن تستفزّ لغة حماسية لا تدفع الكاتبة إلى اختيار عبارات تعلي من وتيرة القصّ أو تمنحه حرارته.

الأسلوب البارد نفسه الذي اعتدناه مع عدنية شبلي، ويروق للبعض، لكنه قد يصيب بالملل أو الرغبة في القفز عن الصفحات، للوصول إلى صدام ما أو حدث يكسر الرتابة، لكن حتى أسر الشقيق، أو التحديات التي تواجه الطالبة في الجامعة، لا تبعث على الإحساس بالتوثب.

وفي الجزء الأخير، حين يدخل على خط الأحداث الصحافي الأميركي القادم إلى البلاد لإجراء تحقيقات، ينتظر القارئ، دفقاً شعورياً لم يقع عليه بعد، أو حيوية تدخل إلى حياة الطالبة، بسبب وجود هذا الوافد على حياتها، حيث تساعده في إجراء مقابلاته، لكن هذه العلاقة تبقى ملتبسة، لا تتطور إلى حب أو تنتهي بزواج، كما أنها لا تتعرض لنكسات.

إنها إذن، رواية الخط المستقيم، رغم وجود فرص لرفع حرارة اللغة، أو إزالة البرود عن التعابير، قد تكون خياراً واعياً عند عدنية شبلي، كأنها تلتزم بمواجهة نار الاحتلال بالماء، أو صعقات العنف الممارس على أفراد مجتمعها/شخصيات روايتها، بالتأمل البليد واللغة التي تتابع توالي الأيام والفصول بتأمل خارجي، مع استخدام لازمة «تتوالى الأيام، وتزداد الأوضاع سوءاً». كأنما الراوي في «تمويه» هو مجرد قصاصٍ محايد، متفرج يتابع من خلف زجاج، لا ينفعل، لا يغضب لا يفرح، ولا يفاجئ. هو يرصد، يصف، يحلل، يتسلل إلى ذات الطالبة، يحاول أن يفهمنا ما يدور في ذهنها، وكيف ترى إلى ما حولها، كل ذلك بلغة لا انفعال فيها ولا جنوح.


رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال
TT

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد. و«اللّاروب» هي تحريف بالدارجة المغربية لكلمة «إلا ربع» وتعني لا شيء على ما يرام. فهي إذن إشارة لشيءٍ غير مكتمل، شيءٍ مَعيب... حيث الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز أو السكون أو الاضطراب.

على هذا المنوال تلعب الرواية الواقعة في 320 صفحة، وتعبر عن قلب الثقافة المغربية محتوًى ولغةً، وتخلط الجد بالهزل، الماضي بالمستقبل، والواقع بالخيال في سرد شيق وعذب. ويدرك الكاتب أنه يُشرِّح وضعاً محتقِناً، يحتاج إلى المراوغة ما بين الوضوح والتخفي أحياناً؛ لذلك يلجأ إلى استخدام السورياليّة برهافة شديدة، لينفذ من خلالها إلى قضايا معقّدةٍ ومسكوتٍ عنها أو مطمورة، مازجاً بين التفكير والهزل، في سياق حديثه عن مكانٍ، حيث يكتشف مرتادوه جوانب مجهولة من أنفسهم، يفاجأون بها وهم يستعيدون الحكي، ويترنّمون بالشعر، ويستدعون الغناء.

تدور أحداث الرواية في المغرب قبل استقلاله؛ إذ يحكي السارد قصة بنيس، الذي يعمل واشياً لدى سلطات الاستعمار الفرنسي. ويُكلف مراقبة «كباريه سنترا»، وهو أحد الملاهي الترفيهية التي تتمتع بحضور خاص، حيث يجتمع على طاولاته مثقفون وفنانون يمثلون تيارات فكرية ودينية وسياسية مختلفة، لكن يتفقون على فكرة واحدة: معارضتهم للاستعمار الفرنسي في بلادهم. لكنّ، ما يبدأ كعملية مراقبة في البدء، يتحول لاحقاً، في هذا الفضاء الزاخر بالشعر والأحاديث السياسية والغناء والطرب وبنقاشات الفلسفة وبالسخرية والتندّر، رحلة في الزمن يتنقل فيها البطل بين الماضي والمستقبل، والواقع والخيال، والحلم والذاكرة. هكذا، يجد نفسه فجأة في الدار البيضاء في زمنٍ لاحق، وفي جغرافيا جديدة، يبدأ في استكشافها، واستيعاب تضاريسها. وهكذا أيضاً، يصادف زوجته وقد أصبحت عجوزاً، بعد أن قالوا له إنها ماتت، بعد أن انتقلت إلى إسرائيل، وتزوجت من بولندي، أنجبت منه طفلاً وطفلة.

يذكر أن المؤلف حسن أوريد، كاتب وروائي مغربي حصل في عام 2015 على جائزة «بوشكين» للآداب عن مجمل رصيده الأدبي، ومن ضمنه: «رَواء مكّة»، «رباط المتنبي»، «ربيع قرطبة»، «الموريسكي»، «سيرة حمار». كما حقّقت كتبه الفكرية انتشاراً واسعاً، ومن ضمنها «عالم بلا معالم» و«أفول الغرب»، و«إغراء الشعبوية في العالم العربي» و« فخّ الهويّات» الصادران عن داري «نوفل» و«الفاضل».

من أجواء الرواية نقرأ: «رفع بنيس رأسه نحو الساعة المعلّقة. كان عقربها الكبير متوقّفاً على الرقم 9. اللاّروب. إلاّ رُبعا. لم تعد تقويماً زمنيّاً، بل حالة. نظر بنيس إلى يوميّات بوعيّاد. حكمة اليوم: في التأنّي السلامة وفي العجلة الندامة. من غير تاريخ. ماذا تفيد العجلة في زمنٍ متوقّف، ولا التأنّي في وضعٍ بلا علامات ولا معايير. المفاهيم زئبقيّةٌ في زمنٍ متوقّف، أو في وضعٍ تتداخل فيه الأزمنة».


في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.