فوائد التجارة للاقتصاد الأميركي لا تبرر تكاليفها الباهظة

ترامب وساندرز يضران الطبقة العاملة الأميركية

التجارة الحرة من الضروريات ومن الأمور الجيدة لاقتصاد أميركا (غيتي)
التجارة الحرة من الضروريات ومن الأمور الجيدة لاقتصاد أميركا (غيتي)
TT

فوائد التجارة للاقتصاد الأميركي لا تبرر تكاليفها الباهظة

التجارة الحرة من الضروريات ومن الأمور الجيدة لاقتصاد أميركا (غيتي)
التجارة الحرة من الضروريات ومن الأمور الجيدة لاقتصاد أميركا (غيتي)

كانت للطبقة العاملة الأميركية فرصة أخرى لإثبات نفوذها السياسي يوم الثلاثاء الماضي؛ حيث انطلق الناخبون إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التمهيدية في ولايتي إلينوي وأوهايو، وهي من ولايات حزام الصلب الأميركية التي عانت الأمرين بشدة من فقدان الوظائف الصناعية الجيدة. وفي الأسبوع الماضي، سلمت الجموع الغاضبة انتخابات ولاية ميتشغان التمهيدية إلى النائب بيرني ساندرز بينا تواصل مساندة مرشح الحزب الجمهوري الشرس دونالد ترامب.
قد لا يؤدي غضب وإحباط الناخبين، الذي يرجع في جزء منه إلى العولمة التي لا تهدأ والتغييرات التكنولوجية الكبيرة، إلى دفع أي من المرشحين نحو منصب الرئيس، ولكنها بالفعل لها تأثير كبير على مستقبل الولايات المتحدة، حيث تسببت في اهتزاز الإجماع الراسخ من قبل حول أن التجارة الحرة من الضروريات ومن الأمور الجيدة لاقتصاد البلاد.
يقول جاريد بيرنشتاين، المستشار الاقتصادي الأسبق لنائب الرئيس الحالي جوزيف بايدن: «أجبرت الشعبوية الاقتصادية للحملة الرئاسية الجميع على الاعتراف بأن توسيع نطاق التجارة سلاح ذو حدين».
وما يبدو أكثر لفتا للانتباه هو أن الطبقة الأميركية العاملة – التي كثيرًا ما وصفت بأنها طبقة قصيرة النظر، وغير قادرة على تفهم المفاضلات الاقتصادية التي توفرها التجارة – بدت أنها تدرك تماما ما يسلم الخبراء في وقت متأخر بصحته؛ وهو أن فوائد التجارة للاقتصاد الأميركي قد لا تبرر على الدوام تكاليفها الباهظة.
وفي دراسة أجريت مؤخرا، أثار ثلاثة من خبراء الاقتصاد، وهم: ديفيد أوتور من «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، وديفيد دورن من جامعة زيوريخ، وغوردن هانسون من جامعة كاليفورنيا، تحديات كبيرة لنا لما نشأنا جميعا على اعتقاده وتصديقه من سرعة تعافي الاقتصادات من الصدمات التجارية. ومن الناحية النظرية، فإن الدولة الصناعية المتقدمة مثل الولايات المتحدة يمكنها التكيف مع منافسة الواردات من خلال نقل العمالة إلى مزيد من الصناعات المتقدمة التي يمكنها المنافسة بنجاح في الأسواق العالمية؛ حيث درس الخبراء المذكورون تجربة العمالة الأميركية عقب الصعود الصيني على مسرح الأسواق العالمية قبل نحو عقدين من الزمان. وكان التكييف المفترض، كما خلصوا في دراستهم، لم يُقدر له الحدوث، أو لم يحدث حتى الآن على أدنى تقدير؛ حيث بقيت الأجور على انخفاضها مع استمرار ارتفاع معدلات البطالة في أسواق العمل المحلية الأكثر تضررا. وعلى الصعيد الوطني، ليست هناك من إشارة على ارتفاع معدلات التوظيف في مختلف أرجاء الاقتصاد. والأكثر من ذلك، أنهم وجدوا أن تراجع الأجور في أسواق العمل المحلية والمعرضة للمنافسة الصينية، أدى إلى انخفاض الأرباح بنسبة 213 دولارا للفرد الواحد سنويا.
وفي دراسة أخرى من جانبهم بالتعاون مع دارون ايسموغلو وبريندان برايس من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، قدروا أن ارتفاع الواردات الصينية بين عامي 1999 و2011 كلفت الاقتصاد الأميركي 2.4 مليون فرصة عمل.
وقالوا في نتيجة الدراسة المشار إليها: «ينبغي بتلك النتائج أن تدفعنا لإعادة التفكير في مكاسب المدى القصير والمتوسط الناجمة عن التجارة؛ حيث إن الفشل في توقع مدى أهمية الانفصال عن التجارة في الوقت المناسب، يقع على عاتق الأدبيات الاقتصادية للخروج بتقديرات أكثر إقناعا حول أهمية مكاسب التجارة، مثل أن الدفاع عن حرية التجارة لا يستند بالأساس على سيطرة النظرية بمفردها، ولكن على أسس من الأدلة التي توضح من يكسب، ومن يخسر، وبأي مقدار، وتحت أي ظروف».
توفر التجارة العالمية مزايا لا يمكن إنكارها؛ حيث ساعدت في إنقاذ مئات الملايين من المواطنين الصينيين من الفقر في غضون بضعة عقود، وهو إنجاز لم يسبق له مثيل من قبل. كما ضمنت التجارة العالمية أن شركة «أبل» يمكنها الاستفادة من الإمدادات الصينية من العمالة الرخيصة الوافرة. وحصل المستهلكون في مختلف أنحاء العالم على منتجات أفضل وبأسعار أفضل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من أن التجارة تعد من الأمور الجيدة للبلاد ككل - بعد التمييز بين الفائزين والخاسرين – فإن قضية العولمة المستندة على حقيقة أن التجارة العالمية تزيد من حجم الكعكة الاقتصادية بواقع 3 نقاط مئوية، صارت أضعف كثيرا عندما تؤدي في الوقت ذاته إلى تغييرات في توزيع الشرائح بنسبة 50 في المائة، كما يقول السيد أوتور. ويصح ذلك بصورة خاصة عندما لا يبدي النظام السياسي الأميركي أي اهتمام يذكر بتعويض أولئك الموجودين على الضفة الخاسرة من التيار.
بدأت القفزة الصينية الكبيرة في اقتصاد السوق في التراجع؛ التي جذبت مئات الملايين من الفلاحين الفقراء إلى قطاع الصناعات التحويلية، حيث يعمل أكثريتهم في صناعة البضائع المعدة للتصدير إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية؛ حيث تستمر الأجور الصينية في الارتفاع السريع، بينما تتراجع الصادرات ومن ورائها الاقتصاد.
لم تكن التجارة مع دول أخرى من العالم على القدر نفسه من العرقلة والتعطيل؛ فمع كل الانتقادات الموجهة إلى اتفاقية التجارة الحرة، يقدر أغلب خبراء الاقتصاد تأثيرها على العمالة الأميركية بأنه تأثير متواضع، حيث إن التدفقات التجارية مع المكسيك كانت أصغر وأكثر توازنا من تلك مع الصين. وبقيت معدلات الوظائف التصنيعية الأميركية مستقرة إلى حد ما خلال السنوات التي أعقبت بدء تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة في عام 1994، وشهدت تراجعا فقط بعد انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 وتمكنها من الوصول الثابت إلى الأسواق في الولايات المتحدة.
أما هجوم الصادرات الصينية، رغم ذلك، فقد ترك أثره البارز على الطبقة العاملة الأميركية، وهو الأثر الذي لم يلتئم بعد. وذلك الأثر غير المتناسب يشير إلى أن النخبة الرسمية في واشنطن قد تحسن صنعا بإعادة تقييم منهجها حيال تحرير التجارة في المستقبل. والأهم من ذلك، أن ذلك الأثر يشير إلى إعادة النظر في كيفية تعامل صناع السياسات مع العواقب التوزيعية للتجارة.
ولا يعني ذلك عزل الولايات المتحدة عن بقية أنحاء العالم، ولكنه يعني التعلم من تجارب الدول المتقدمة الأخرى التي تعاملت بأساليب أكثر صحة حيال الصعود الصيني.
فألمانيا، على سبيل المثال، لم تتلق زيادة كبيرة من الواردات الصينية فحسب، بل جربت كذلك السيل المنهمر من الواردات من دول أوروبا الشرقية عقب انهيار الكتلة السوفياتية. ولكن ألمانيا تمكنت من المحافظة على تجارة أكثر توازنا، وذلك لأن الصناعة الألمانية رفعت من مستويات الصادرات إلى كل تلك الدول أيضا، مما أدى إلى تعويض فقدان الوظائف الناجم عن منافسة الواردات.
يرى السيد أوتور أن انخفاض معدل الادخار الأميركي يعد جزءا كبيرا من القصة، بالمقارنة مع شهية الأجانب لحيازة وتكديس الأصول الدولارية، مما ساعد على انخفاض أسعار الفائدة الأميركية واحتفاظ الدولار بقوته، الذي أدى بدوره إلى استمرار العجز التجاري.
ولكن كانت هناك عوامل أخرى محل اعتبار؛ حيث أشار روبرت غوردن من جامعة نورث ويسترن إلى صعوبة إحلال محل العمالة الألمانية رفيعة المستوى، عمالة صينية أرخص من حيث الأجور، مما قلل إن لم يكن قضى تماما على الاستعانة بالعمالة الخارجية. كما أن النقابات العمالية الألمانية القوية هددت بالخوض في معارك شرسة من أجل ذلك الأمر.
ولعبت واشنطن دورها في ذلك، أيضا؛ حيث رأى كل من ستيفن كوهين وبرادفورد ديلونغ من جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي، في كتابهما الجديد المعنون: «الاقتصادات الراسخة»، أنه في نهاية المطاف، يرجع الأمر برمته إلى الأخطاء المرتكبة في خيارات السياسة الأميركية.
كان يمكن للولايات المتحدة أن تقف في مواجهة استراتيجية الصادرات التي تتزعمها الصين، كما يقولون، ربما عن طريق الإصرار وبقوة أكبر على أن تسمح الصين بارتفاع قيمة عملتها المحلية بالتوازي مع تضخم الفائض التجاري لديها. وكان يمكنها محاولة دعم الصناعات المتطورة في المستقبل، مثلما فعلت الحكومة في كثير من الأحيان من قبل، من حيث تشجيع التحول من المنسوجات إلى صناعة الطائرات الكبيرة ومن صناعة الألعاب إلى تصنيع أشباه الموصلات.
ولكن ما فعلته واشنطن، بدلا من ذلك، كان توريط مستقبل البلاد في قطاعي الإسكان والتمويل. ولكن «وول ستريت»، بدلا من نشر الرخاء، خرج بأسوأ أزمة ركود شهدها العالم منذ عام 1930. وحتى في أحسن الأحوال، كما يقولون، لم ينتج شيئا ملموسا يُذكر عن تحول القطاع المصرفي والمالي (أو لعله أنتج الشيء القليل) القيمة.
فإلى أي اتجاه يمكن لصناع السياسات الذهاب من هنا؟
ليست هناك إجابة سهلة؛ حيث إن تمزيق الاتفاقيات التجارية القائمة والتراجع وراء الحواجز الجمركية العالية – كما يدعو إلى ذلك السيد ترامب وربما السيد ساندرز – لن يكون له في الغالب أي نتائج مثمرة، فسوف يؤدي إلى عرقلة أعمال الاقتصاد العالمي المتذبذب. والنكوص عن الالتزام بالمعاهدات الدولية، سوف يؤدي إلى تعقيد كبير في عمليات التنسيق الدولية والمطلوبة بشدة لمكافحة أخطار التغييرات المناخية.
ولكن في أي محاولة مستقبلية لتحرير التجارة – بما في ذلك اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادي المعلق لإدارة الرئيس أوباما، إذا ما قُدر له المضي قدما على أي حال – يتعين على صناع السياسة أن يكونوا أكثر حذرا حيال إدارة التكاليف الناجمة. ويقترح السيد أوتور أنه ينبغي على أي صفقات أخرى لزيادة التبادل التجاري أن تتم بصورة تدريجية، لإتاحة مزيد من الوقت للشركات المكشوفة وعمالها لإعادة تنظيم ذاتها والتحول إلى وظائف وقطاعات أخرى من الأعمال.
ولعل الأهم مما سبق، أن الأدلة الجديدة من التجارة تشير إلى عدم مقدرة صناع السياسة الأميركية على مواصلة فرض كل الآلام على الطبقة العمالية من المواطنين إذا لم يكونوا قادرين على توفير شبكات أمان قوية لهم.
كما يمكن تبرير ذلك إذا ما كانت تكاليف التوزيع التجارية قليلة وقصيرة الأجل في واقع الأمر، ولكننا نعلم الآن أن تلك التكاليف كبيرة جدا ومستمرة، حيث يبدو الأمر برمته غير مقبول أو معقول.

* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.