من التاريخ: مولد النظام التجاري الدولي

من التاريخ: مولد النظام التجاري الدولي

السبت - 9 جمادى الآخرة 1437 هـ - 19 مارس 2016 مـ
د. محمد عبد الستار البدري
لا خلاف على أن من أصعب وأعقد منظومات التفاوض الدولي تظل المتعلقة بالتجارة الدولية. وفي التقدير أن مرجع ذلك أساسًا هو أن التجارة تلمس العصب الداخلي للدولة مباشرة، لأنها مرتبطة بشكل مباشر برفاهية المواطن، إضافة إلى ما تمثله من قيمة حاسمة في احتساب ميزان المدفوعات للدولة ومن تحته الميزان الحالي، وهي تؤثر أيضًا على هيكل الإنتاج في الدول وهو يؤثر في مناسبات كثيرة على الأمن القومي ذاته، إذا لم تراعِ المصالح الوطنية. ولهذا فهي مفاوضات معقدة ومتشعبة للغاية. وليس أدل على ذلك من استمرار جولة المفاوضات الواحدة لسنوات ممتدة.
إلا أن الإدارة المتعددة الأطراف للتجارة لم تكن جزءًا من النظام الدولي إلا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، مع مسعى الولايات المتحدة ومعها الحلفاء المنتصرون لإدخال نوع من الإدارة الدولية لتنظيم التجارة الدولية أسوة بما حدث مع النظامين النقدي والمالي الدوليين وفقًا لاتفاقيات «بريتون وودز» كما تابعنا على مدار الأسبوعين الماضيين. مع ذلك أخذت مسيرة التجارة الدولية منعطفًا مختلفًا لصعوبة تركيزها في أيدي إدارة موحدة، ناهيك بمشكلة الاتفاق على المبادئ العامة لتسيير هذا الوجه المهم من العلاقات الدولية.
الولايات المتحدة أخذت المبادرة لتنظيم النظامين النقدي والمالي الدوليين من خلال «بريتون وودز»، وهو ما بادرت به في 1945 لإنشاء كيان دولي ينظم التجارة الدولية على النمط نفسه. وكان المعتقد السائد في ذلك الوقت هو أن حرية التجارة هي أساس التنمية والتقدم الذي كان العالم يحتاج إليه، ومن ثم كانت هناك ضرورة للعمل على تحرير التجارة من الممارسات السلبية التي كانت الدول تتبعها بسياسيات «الميركانتيلية» على مدار قرنين وأكثر أو «الوطنية الاقتصادية»، التي من خلالها فرضت الدول العائق تلو الآخر أمام حرية التجارة لأسباب حمائية وتقويةً لوضعها الداخلي.. مما أسهم في تسميم البيئة الدولية وانتشار العداوات بين الدول.
واليوم يرى كثيرون من المؤرخين أن هذا أسهم بشكل غير مباشر في اندلاع الحروب، خصوصًا العالمية الأولى، وبدرجة أقل الثانية، ومن ثم بادرت الولايات المتحدة بطلب عقد مؤتمر دولي متعدد الأطراف لإقرار منظومة تجارية دولية تحافظ على حرية التجارة، ولقد شاركت معظم الدول الكبرى مقابل تغيب الاتحاد السوفياتي والدول الخاضعة لسيطرته. يومذاك ظنت الولايات المتحدة أنها قادرة على الدفع لإقامة منظومة على غرار اتفاق «بريتون وودز»، الذي أنشأ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلا أن هذا لم يحدث بسبب التعقيدات الكبيرة الخاصة بالأنظمة التجارية الدولية التي لا يسهل إحكام السيطرة عليها من الأنظمة النقدية، ولكن مع ذلك أسفر الجهد عن عقد مؤتمر في هافانا عاصمة كوبا طالت مداولاته أشهر عدة وخرجت بما عرف بـ«ميثاق هافانا».
مثل «اتفاق هافانا» أول محاولة للإدارة المتعددة الأطراف لخلق المنظومة القانونية والعملية لإدارة وضمان سيولة التجارة الدولية. العملية التفاوضية كانت في الواقع شاقة للغاية وسط اختلافات كبيرة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الدول الأخرى، إضافة إلى الدور البازغ للدول النامية التي كانت لها أهدافها التجارية لدفع التنمية فيها، لا سيما أن المفاوضات كانت ستقر المبادئ التي ستحكم هذه المنظومة. ومن أهم هذه المبادئ خفض التعرفة الجمركية وكسر مسألة الأفضليات والسعي لوضع حد للحصص التجارية Quotas وحسم مسألة الدعم وإقامة منظمة للتجارة الدولية على غرار صندوق والبنك الدولي. وبعد مفاوضات مباشرة اتفق على المبادئ العامة التي ستحكم التجارة الدولية غير أن فكرة إقامة منظمة للتجارة الدولية لم تنجح مع أنه أمكن الاتفاق على وضع آلية تفاوض دولية متعددة الأطراف عرفت باسم مختصر هو «الغات» (GATT) أو «الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة». هذه الآلية التي حلت محلها منظمة التجارة الدولية في عام 1995، ومع ذلك رفض الرئيس الأميركي - في حينه - هاري ترومان طرح «ميثاق هافانا» على الكونغرس خشية رفضه له لأسباب داخلية.
واقع الأمر أن «ميثاق هافانا» أقر أسسًا مهمة للغاية للتجارة الدولية لكنه لم يرض الأطراف المشاركة تمامًا. حيث أقر مبادئ مثل «منع التمييز» Non - Discrimination ضد السلع على أي أسس، وهو ما تحول لمبدأ الدولة الأولى بالرعاية، أي أن كل ميزة ستقدمها أي دولة لأي دولة من الدول المتعاقدة في الجات، فإنها يجب أن تعمم وذلك باستثناءات واضحة على رأسها الأنظمة التفضيلية المرتبطة باتفاقيات التجارة الحرة أو الاتحاد الجمركي بين مجموعة الدول.
كذلك أقر الميثاق مبدأ «المعاملة الوطنية»، أي أن الدولة لا تتخذ إجراءات بعد دخول السلعة الأجنبية لأراضيها للحد من قدراتها التنافسية مثل التمييز ضدها في النقل والمواصلات أو فرض ضرائب داخلية إضافية عليها أو وضع قيود على التوزيع الداخلي لها.
وتم الاتفاق أيضًا على عدد من الإجراءات الأخرى أهمها «مواجهة الإغراق» (Dumping) ،والمقصود هنا هو ضمان ألا تُصدر الدولة منتجاتها لدولة أخرى بأسعار أقل من الأسعار السائدة في السوق المحلية، وهو المعروف في اللغة التجارية بـ«التسعير الهجومي» (Predatory Pricing) بهدف الحصول على نسبة عالية من سوق الدولة المستوردة تمهيدًا للقضاء على الصناعات الخاصة بها والسيطرة على الأسعار بعد ذلك.
ومن أهم المواضيع المطروحة كانت «مسألة الدعم» (Subsidies) للحد من التدخل الحكومي لدعم المنتج المحلي لأسباب تنافسية، وهو ما يمثل عائقًا من وجهة النظر التجارية البحتة. ويلاحظ في كل ذلك أن الولايات المتحدة دفعت بقوة لقصر هذه المبادئ على السلع الصناعية والمواد الخام وليس على المنتجات الزراعية، ومعها بدرجة أقل الدول الأوروبية الغربية، التي لم تكن قد أسست بعد «السوق الأوروبية المشتركة» والذي صاغ بعد ذلك «السياسة الزراعية المشتركة CAP» التي فرضت حماية كاملة على القطاع الزراعي وترفض تحريره إلى الآن، ولقد رأت هذه الدول أن تحرير التجارة في هذا المجال يهدد الأمن الغذائي لها ويؤثر مباشرة على رفاهية المزارع، خصوصًا أنه قطاع اجتماعي كبير لا يملك الساسة الغربيون رفاهية خسارته في الانتخابات.
من ناحية أخرى، جرى إقرار منع الحصص التجارية التي تفرضها الدول للحد من وارداتها من سلع محددة إلا لأهداف مؤقتة مرتبطة بالخلل في ميزان المدفوعات، وإقرار آلية لتسوية المنازعات التجارية لكنها خرجت آلية معقدة وممتدة لا تزال على وضعها الصعب رغم بعض التعديلات.
وهكذا تحولت المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف، وذات الطابع المؤقت، إلى الآلية الدولية السائدة لتنظيم التجارة بين الدول المتعاقدة. وبالفعل عقدت تسع جولات لتحرير التجارة الدولية امتدت كل واحدة منها لسنوات طويلة جرت خلالها مفاوضات شاقة للغاية بين الدول بدأت بـ«جولة جنيف عام 1947»، وانتهت بـ«جولة الدوحة» التي لا تزال مفاوضاتها قائمة إلى اليوم منذ عام 2001. وكانت «جولة كيندي» التي اختتمت أعمالها في عام 1967 من أهم الجولات نجاحًا، إذ استطاعت خفض التعريفات الجمركية بنسب كبيرة بلغت قرابة 73 في المائة، وهو ما أسهم بشكل كبير في إنجاح هذه المنظومة الدولية المتعددة الأطراف. وهكذا صاغت الدول المنتصرة النظام المالي والنقدي والتجاري الدولي أملاً في خلق بيئة دولية مواتية سالمة بعيدة عن الحروب. ومع ذلك فإن هذا النظام بدأ يتعرض لمشكلات جمة في حقبة الستينات، كما سنرى خاصة مع الأزمة المالية الدولية وصعود الدول النامية إلى الساحة الدولية واختلاف الأجندات وتداخلها بين الدول المتعاقدة.
ولعل من المفارقات أن تشدّد الدول الغربية الكبرى اليوم في فرض الأجندة الليبرالية الانتقائية على الدول النامية يأتي بينما يسجّل التاريخ أنها بنت اقتصاداتها في القرون الماضية على عكس هذه المبادئ تمامًا استنادًا إلى الحمائية ممثلة في النظام «الميركانتيلي» و«الوطنية الاقتصادية». ولكن تبدل المبادئ وتغير المفاهيم من النقيض إلى النقيض سمة التطور السياسي والاقتصادي في الكثير من الأحيان، خصوصًا، عندما تُبنى العلاقات بين الدول على أسس المصلحة التي في كثير من الأحيان تطوع المبادئ لخدمتها!

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة