العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

الإعلام الأميركي تجاهل الإشارة إليها رغم تأكيدها بحكم قضائي أميركي في أحداث 11 سبتمبر

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي
TT

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

العلاقة بين «القاعدة» وإيران في {الميزان} الغربي

كان الحكم القضائي الأميركي الذي أصدره أخيرًا القاضي جورج دانيالز، في مدينة نيويورك الأميركية، بتغريم السلطات الإيرانية تعويضات لأسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة حدثًا مهمًا مع أنه لم يكن من حيث بُعده السياسي جديدًا تمامًا. إنه مهم لأنه يثبت بصورة قاطعة العلاقة المريبة بين القيادة في إيران وتنظيم «القاعدة» الذي نفذ أفراد فيه الاعتداءات في نيويورك وضواحي واشنطن وولاية بنسلفانيا. أما إنه ليس جديدًا تمامًا، فذلك لأنه منذ العام 2012 كانت ثمة دلائل على وجود هذه العلاقة. القاضي أصدر حكمه بعدما رأى، وفق نطقه، أن طهران أخفقت في الدفاع عن نفسها ضد الادعاءات التي تفيد بتورطها في اعتداءات 11 سبتمبر. وكانت «الشرق الأوسط»، قد نشرت بالفعل خلال الأيام الفائتة ست وثائق كانت قد حصلت عليها، واستند إليها القاضي دانيالز في حكمه الذي يفرض على إيران دفع أكثر من عشرة مليارات دولار أميركي لذوي الضحايا.

عندما بدأ حسن نصر الله، أمين عام ميليشيا «حزب الله» في لبنان البحث عن حجج لتدخله دعمًا لنظام بشار الأسد في وجه ثورة الشعب السوري، كانت حجته الأولى الدفاع عن مواطنين لبنانيين يقيمون في بلدة القصير وقرى محيطة بها عبر حدود لبنان الشمالية الشرقية مع سوريا.
وبعد ذلك، مع اتساع نطاق الحرب والقمع وتورط «حزب الله» وعدد من الميليشيات الشيعية ولا سيما العراقية والأفغانية دعمًا للنظام، تحولت الحجة من حماية مواطنين لبنانيين إلى الدفاع عن الأماكن الشيعية المقدسة داخل سوريا وفي مقدمها مقام السيدة زينب قرب العاصمة دمشق. غير أن الثورة استمرت، ومعها استمر القمع والتورّط الميليشياوي، بإشراف إيراني كان في البداية مستترًا، قبل أن يصبح مكشوفًا، ويسقط عدد من القادة الميدانيين الإيرانيين وتظهر صور لقائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني وهو يتفقد الجبهات، وخصوصًا بالشمال السوري، حول «الجيوب» الشيعية مثل الفوعة ونبّل والزهراء وكفريا. وعند هذه النقطة صار واضحًا أن القرار بالتدخل لحماية نظام الأسد أكبر من «حزب الله» وحده، ومشاركة ميليشيات عراقية وإيرانية وغيرها، تأكد أن القرار متخذ في طهران وتنسيق العمليات جارٍ معها. كذلك، في هذه المرحلة تغيّرت لهجة أمين عام «حزب الله» ومعها حجة التدخل لتصبح قتال الجماعات «التكفيرية» التي اتهمها أولاً بأنها صنيعة إسرائيلية وأميركية ثم صارت حسب اتهاماته سعودية وخليجية وتركية.
ولكن مع إثارة موضوع الجماعات «التكفيرية»، وفي مقدمها تنظيم داعش و«جبهة النصرة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، كانت التقارير تتزايد عن دور إيراني بتغذية بعض هذه الجماعات «التكفيرية» لتبرير دعم النظام والتستر على جرائم قصفه المدنيين وتهجيره ملايين المواطنين السوريين. وكان لافتًا ظهور جدل وتهم متبادلة بين قيادات «داعش» و«جبهة النصرة» منها تهم الارتباط بعلاقات مشبوهة مع طهران.

* الصمت الغربي الغريب
كان من المفترض أن يثير الكشف عن علاقة تنظيم القاعدة بالسلطات الحاكمة في إيران، وبالأخص، عبر مرجعيات قضائية أميركية، عاصفة من السخط على القيادة الإيرانية. غير أنه لم يسجل حتى اللحظة أي رد فعل في مستوى خطورة الاعتداءات التي ارتكبت سواءً في نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001. أو لندن أو مدريد أو غيرها في الفترة اللاحقة.
كان هذا سيكون رد الفعل الطبيعي، أولاً في ظل اعتبار دول غربية كبرى في مقدمها الولايات المتحدة الأميركية – المستهدفة باعتداءات 11 سبتمبر التي قضى فيها نحو ثلاثة آلاف قتيل – مكافحة الإرهاب في رأس أولوياتها الأمنية. وثانيًا، بعد ظهور تنظيمات متطرفة تسير على خطى «القاعدة» وتهدد الدول الغربية في أعقاب حصولها على «أرضية» لها في العراق وسوريا واليمن وليبيا، بل وفي مناطق عدة بغرب أفريقيا. وثالثًا، اكتشاف خلايا لهذه التنظيمات داخل الدول الغربية، سواء على شكل خلايا نائمة أو بفعل تسلل إرهابيين وسط جموع اللاجئين إلى غرب أوروبا من غرب آسيا وشمال أفريقيا.
بل كان الإحجام عن التدخل العسكري ضد النظام السوري، المدعوم من إيران جزءًا أساسيا من قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما. ووجود «داعش» و«جبهة النصرة» (التابعة لـ«القاعدة»). وبالتالي، في ضوء التفاهم حول الملف النووي الإيراني، بل على الطريق نحو هذا التفاهم، اقتنع البيت الأبيض بأن إيران قد تلعب «دورًا إيجابيًا» بالنسبة لواشنطن في حرب مشتركة ضد الإرهاب بوجهه الإسلاموي السنّي، كما يزعم «داعش» وتزعم «القاعدة» ومعها «جبهة النصرة».
ثمة سؤال يفرض نفسه هو: لماذا تحاشي أو إهمال تحميل إيران مسؤولية اعتداءات 11 سبتمبر؟

* الإعلام الأميركي يجامل إيران
في الولايات المتحدة، بالذات، كان لافتًا إهمال وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية قرار القاضي دانيالز في المحكمة الاتحادية بنيويورك خلال الأسبوع الماضي تحميل إيران مسؤولية هجمات 11 سبتمبر وتغريمها مليارات الدولارات تعويضات لعائلات الضحايا، وذلك بالمقارنة مع تركيز الإعلام الأميركي منذ تلك الهجمات، على تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية الهجمات. وفي هذا السياق أصدر مركز «آكيوراسي إن ميديا» (الدقة في الإعلام) في العاصمة الأميركية واشنطن، الذي يرصد الإعلام الأميركي منذ تأسيسه عام 1979. تقريرًا اتهم فيه أجهزة الإعلام الأميركية الرئيسية بـ«مجاملة إيران»، خاصة خلال، وبعد، مفاوضات الأسلحة النووية الإيرانية، التي أسست للتفاهم الحالي بين واشنطن وطهران.
وجاء في التقرير ما يلي «بعدما دأبت إيران على البصق في وجه الأمم المتحدة وفي وجه الرئيس أوباما، الذي يحاول الدفاع عن شرف إيران، ويحاول أن يبرر أخطاءه نحوها، وجدت إيران صحافيين أميركيين يجاملونها». وأشار التقرير مفصّلاً إلى شبكة تلفزيون «سي إن إن»، فقال: إنه «يواصل حجب الحقائق عن الشعب الأميركي»، وأضاف التقرير «تحرص أجهزة الإعلام الأميركي الكبرى، مثل (سي إن إن) على أن يعيش الشعب الأميركي في الظلام حول هذه الصفقة الكارثية مع إيران».
ومن ناحية أخرى، أعاد التقرير إلى الذاكرة مناسبات أخرى جاملت خلالها شبكة «سي إن إن» – التي صنعت سمعتها على ريادتها الإخبارية – فيها حكومة إيران، مشيرًا إلى مقابلة أجريت في عام 2013 مع الرئيس الإيراني الجديد – في ذلك الوقت – حسن روحاني. ولقد نشرت صحف إيرانية مقابلة روحاني ذاتها. لكن بينما نشرت الصحف الإيرانية كلام روحاني بحذافيره حول من ينكرون «المحرقة اليهودية» (الهولوكوست) على أيدي ألمانيا الهتلرية، خففت «سي إن إن» من تصريحات روحاني.
في ذلك الوقت، قال جوناثان توبين، الكاتب في مجلة «كومنتري» (اليمينية التي تنتقد حكومة إيران كثيرًا) معلّقًا «ليس ثمة شك في أن (سي إن إن) خففت من تصريحات روحاني لكي يقبلها الرأي العام الغربي».
كذلك انتقد موقع «واشنطن فري بيكون» الإعلامية الأميركية – الإيرانية الأصل كريستيان أمانبور، التي أجرت المقابلة، وقال: إنها أثنت كثيرًا على روحاني مطرية على ما وصفته بـ«سياساته المعتدلة»، ورأى أنه كان لمجاملات أمانبور صلة بخلفيتها الإيرانية.
وفي الاتجاه نفسه، انتقد خبراء في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» ما وصفه بـ«تجاهل» الإعلام الأميركي مناورات إيران خلال مفاوضات الأسلحة النووية، وكذلك خروقات إيران للاتفاق النووي بعد التوقيع عليه. وخلال الأسبوع الماضي، قال دنيس روس، وهو مستشار عدد من الرؤساء الأميركيين السابقين لشؤون الشرق الأوسط، إن «النظام الإيراني لن يتغير»، وإن على الشعب الأميركي أن يعرف ذلك على الرغم من «التغطية الإعلامية الإيجابية للاتفاق النووي». وأردف روس قائلا: «يجب أن يفهم الأميركيون دور الحرس الثوري، ليس فقط فيما حدث أخيرا (اعتقال بحارة الزوارق الأميركيين في مياه الخليج العربي)، ولكن أيضا، خارج إيران، مثل ما يحصل راهنًا في العراق وسوريا».

* بريطانيا.. تجاهل شبه كامل
لم يُثر خبر تورّط النظام الإيراني في اعتداءات 11 سبتمبر التي غيّرت العالم اهتمام الرأي العام البريطاني، أو بالأصح الإعلام البريطاني. لم يبرز الإعلام البريطاني تغريم طهران المليارات في قضية 11 سبتمبر، لا في عناوين الصفحات الأولى ولا في النشرات الإخبارية الصباحية، بل لم يناقش الأمر في البرلمان البريطاني كغيره من التطورات البارزة على الساحة العالمية.
على الرغم من أهمية الحكم القضائي الأميركي، على صعيد تبرئة المملكة العربية السعودية من شبهات تورّطها في الاعتداء الإرهابي وإدانة إيران وعملائها في المنطقة بكل وضوح، واستنادا على وثائق وشهادات، لم يعر الإعلام البريطاني ذرّة اهتمام لهذا التطور البارز بل فضّل التركيز على قضايا جانبية تعلّقت برفض طهران إعادة طالبي لجوء رفضت إقامتهم في أستراليا، أو المهرجان السينمائي المنظم في طهران بمناسبة حلول العام الإيراني الجديد (النوروز).
وفي أحسن الأحوال، اكتفت أبرز الصحف البريطانية بنشر خبر مختصر عن قرار المحكمة الأميركية، نقل في معظمه من وكالة «أسوشيتدبرس»، ولم يحظَ باهتمام كبير على مواقعها الإلكترونية التي يجري تحديثها على مدار الساعة. ولكن، في المقابل، نشرت الصحف نفسها ردّ وزارة الخارجية الإيرانية التي اعتبرت الحكم «سخيفًا» و«مضحكًا»، بينما اتهم الإعلام الإيراني الأكثر تشددا الحكومة الأميركية «بالتواطؤ» مع المؤسسة القضائية ضدّها.
مراقبون في لندن يتابعون الساحة السياسية البريطانية برون أن سبب تجاهل الإعلام البريطاني تورط إيران في أحداث 11 سبتمبر له دوافع سياسية واضحة، مدعومة برغبة في إنجاح فرص الاتفاق النووي وتحسين نظرة الرأي العام البريطاني، والغربي عامّة تجاه طهران، وحكومتها الموصوفة بـ«المعتدلة».
بموازاة ذلك، شهد الإعلام البريطاني والأميركي اهتمامًا خاصًا بالسعودية في الفترة الأخيرة، على مختلف المستويات الاجتماعية والحقوقية والعسكرية والسياسية. حتى إن بعض المنابر الإعلامية، على غرار هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في نسختيها العربية والإنجليزية، كرّست سلسلة تقارير خاصّة مصوّرة على موقعها الإلكتروني لهذا الغرض، شملت حوارات وتحقيقات (ريبورتاجات) ومقاطع إخبارية.
وفي المقابل، تكشف عملية بحث بسيطة في أرشيف الصحف البريطانية عن علاقة السعودية بـ«القاعدة» ودورها المزعوم في هجمات سبتمبر، عن عشرات التقارير الإعلامية حول الدعوى القضائية ضد المملكة وعرض مفصّل عن تفاصيلها. ومعلوم أن القاضي دانييلز، وهو نفسه القاضي الذي بتّ في القضية المرفوعة ضد إيران وأدانها وغرّمها، كان قد برّا السعودية من جميع التهم الموجّهة إليها لغياب أدلّة تدينها.

* فرنسا: فتش عن التطبيع
أما فيما يتعلق بالموقف الإعلامي الفرنسي، فيقول الأكاديمي والباحث الدكتور خطار أبو دياب، إن «الإعلام الفرنسي المكتوب والمرئي – المسموع والإلكتروني تعود التركيز على الحدث الساخن والاستطالة في معالجته والتعليق عليه. ورغم أن وزن مجموعات الضغط (اللوبيات) في أوروبا عمومًا، وفرنسا خصوصًا، لا يقارن بمزاج الولايات المتحدة في هذا الخصوص، فإن اللافت رغم حرية الإعلام وعدم تبعيته من حيث المبدأ، ركوبه على موجة حملات ضد بلدان معينة وتحميلها مسؤوليات ونسج تصورات عنها. وهذا بالفعل ما تعرّضت له قطر في فرنسا إبان آخر حقبة نيكولا ساركوزي بعد ضخها استثمارات كبيرة في هذا البلد. ومنذ فترة، وتحديدًا منذ «عاصفة الحزم» هناك حملة ضد المملكة العربية السعودية وربط ذلك بالدور الهجومي الجديد للرياض».
ويتابع أبو دياب: «في المقابل، بعد التطبيع مع إيران والتهافت نحو (الإلدورادو - أرض الذهب) الإيراني، هناك حملة إبراز لإيجابيات التعاون مع هذا البلد وإغفال حقبة صعبة بين البلدين». ويضيف: «بالطبع هناك السير وراء التيار ومماشاة الواقف كما يقال. لكن الأدهى اليوم أن هناك حكمًا أصدره قاضي محكمة نيويورك الفيدرالية، الأسبوع الماضي، وقضى بتغريم إيران مليارات الدولارات تعويضًا لعوائل أميركيين قتلوا في هجمات 11 سبتمبر، ولشركات التأمين التي تحملت أضرارًا مالية، لدور إيران في تسهيل مهمة تنفيذ العمليات الإرهابية التي استهدفت نيويورك وواشنطن. وهو يكشف مدى تورط إيران وعملائها في المنطقة، وبينها (حزب الله)، في هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، التي أودت بحياة الآلاف من الأميركيين».
ورغم أهمية هذا التطور لتحديد المسؤولية في صنع الإرهاب والتلاعب بأدواته والاستثمار فيه، فإن الصحافة المكتوبة وكبرى محطات التلفزيون والإذاعة تعاملت مع الحدث كأنه لا حدث ولم تنبس ببنت شفة.. فقط بعض المواقع الإلكترونية ذكرته بسرعة ومن دون تعمق».
وحسب الدكتور أبو دياب «إن التغاضي وشبه التجاهل يمثل محاباة لإيران وإغفالا للحقائق، ويكشف عن توجه خطر عند الدوائر الغربية في محاولة تبرئة ساحة إيران وتنصيبها شريكًا فيما يسمى الحرب ضد الإرهاب، وكشريك أساسي في الشرق الأوسط». ويستطرد موضحًا «كانت أحداث 11 سبتمبر المنطلق لتعزيز الإسلاموفوبيا في الغرب عامة، وفي فرنسا خاصة. وما الاستمرار في عدم السعي لفهم هذه الأحداث والمسؤولين الحقيقيين عنها إلا ضربًا من تعمية الرأي العام ومنع إيصال الحقيقة له. وهكذا يفقد الإعلام دوره، في تجاهل متعمد، على الأرجح، كي تلتصق بذهن الرأي العام رواية واحدة يريدون فيها تحميل الإرهاب لبلدان بعينها بقصد الاستمرار بالابتزاز أحيانًا أو لغايات أخرى في نفس يعقوب».

* ردة الفعل الإيرانية
الجدير بالذكر، أن رد فعل إيران تمثل بشنها هجومًا عنيفًا ضد حكم القاضي دانيالز في نيويورك. ولقد وصف المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية، حسين جابري الأنصاري، الحكم القضائي بـ«الظالم» و«السخيف».
وورد في تصريحات أدلى جابري يوم الاثنين الفائت، قوله: إن هذا الحكم «هو أحدث منتجات نظام العدالة الأميركي في إطار سعيه الحثيث لاتباع السيناريوهات الصهيونية المعادية لإيران». وأضاف: «الحكم هزلي وسخيف لدرجة أنه يجعل من مبدأ العدالة ذاته أضحوكة، في الوقت الذي يزيد من تردي سمعة القضاء الأميركي».
وعلى صعيد آخر، أكدت الحكومة الإيرانية أن المحكمة الأميركية طلبت منها المشاركة في المحاكمة بتمثيل لها، لكنها رفضت لأن أحدًا من المسؤولين لم يأخذ الأمر على محمل الجد. ويأتي الحكم الصادر عن المحكمة الأميركية ليضيف قضية أخرى لمجموعة القضايا المثيرة للخلاف بين صفوف القيادات الإيرانية حول العلاقات مع واشنطن.
ومن جانبها، نظرت صحيفة «كيهان» اليومية، المعروفة بأنها تعكس آراء المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى الحكم القضائي الذي يدين دور إيران في اعتداءات 11 سبتمبر باعتباره «مؤشرًا آخر على أن إدارة أوباما غير صادقة في ادعائها برغبتها في تحسين العلاقات مع الجمهورية الإسلامية».
وفي حين يعتمد حكم المحكمة بنيويورك على تقرير اللجنة المعنية بالتحقيق في اعتداءات 11 سبتمبر، الذي ذكر أن بعض المتورطين بالهجمات انتقلوا عبر إيران ولم يجر ختم جوازات سفرهم، ادعت مصادر إيرانية أنه من الممكن أن يكون الجناة قد مرّوا عبر إيران في طريقهم إلى أوروبا من خلال تركيا سرًا بنتيجة تفاهمات بينهم وبين حكومة طالبان التي كانت مسيطرة على مقاليد الحكم آنذاك في كابل. وزعمت أنه، بطبيعة الحال، لم تعلم طهران أن «العرب الأفغان» المارين عبر أراضيها كانوا ينوون القيام بأي عمل ضد واشنطن. وهذا، بينما أعرب مسؤول إيراني عن اعتقاده بأن مثل هذه الأحكام تبعث برسالة «بالغة الخطورة والأهمية» إلى الإرهابيين وحلفائهم مفادها «إنكم بمأمن ويمكنكم المضي في قتل أبناء الشعب الأميركي وآخرين حول العالم لأننا لن نكتفي بعدم ملاحقتكم ردًا على جرائمكم، وإنما سنستهدف أقوى أعدائكم وأكثرهم فاعلية».
ومن ثم، عبّر المسؤول الإيراني عن أسفه من أن التوجه «المخالف للمنطق والصواب والأخلاق» الذي تنتهجه الخارجية الأميركية تسبب في وضعها إيران لسنوات على قائمة ما يدعي بالدول الراعية للإرهاب. ثم أضاف: «هذه الخطوة شكّلت الأساس لتجاهل جميع مبادئ المحاكمة العادلة أو حتى المنطق في أحكام سياسية صادر عن محاكم أميركية معينة». وقال: «رغم أن هذه الخطوة تستهدف بوضوح الشعب والحكومة في إيران، فإن الشعب الأميركي وعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر هم من تعرّضت حقوقهم، نهاية الأمر، للانتهاك جراء هذه الأحكام (المضللة) الصادرة عن المحاكم الأميركية» على حد زعمه.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.