مهرجان نيويوركي يكشف عن أفلام تستوطنها الأشباح والأرواح

مهرجان نيويوركي يكشف عن أفلام تستوطنها الأشباح والأرواح

بينها فيلمان عربيان
الجمعة - 8 جمادى الآخرة 1437 هـ - 18 مارس 2016 مـ
مشهد من «تحت الظل»: فيلم افتتاح أردني - بريطاني - قطري مشترك و الفيلم الفرنسي: «لا الجنة ولا الأرض»
نيويورك: محمد رُضا
هناك اليوم عدد أكبر من المخرجين الجدد الذين لم يسبق لهم الوقوف وراء الكاميرا أكثر من أي وقت مضى.
سينمائيون من الهواة وخريجي المعاهد المختلفة يلتقطون الفرص المتاحة بسرعة ونشاط ويؤمّنون مستقبلهم المهني بعزيمة واضحة. بعد التقاط فرص تتويج شغفهم السينمائي بأعمالهم الأولى، يلتقطون مباشرة المهرجانات السينمائية ويعرضون على شاشاتها تجاربهم الأولى، ثم وتبعًا للنجاح الذي يحققه هؤلاء في تلك المهرجانات ولاحقًا على صعيد التوزيع، تتحدد ملامح المستقبل. بعضهم يدخل ميدان العمل الثاني وبعدهم يجد نفسه وقد بات بعيدًا عن هذا الطموح ولو إلى حين.
هذا كله على صعيد السينما ذات التطلعات الفنية، بينما لا يخلو الأمر من الكثير من المخرجين الضالعين بالعمل في السينما التقليدية السائدة في هوليوود بينهم مثلاً هذا الأسبوع دان تراشتنبيرغ الذي يتلقف نجاح مبادرته الأولى «10 زقاق كلوفرفيلد» النسبي وباتريشا ريغن التي تعرض «معجزات من السماء» وبايل وودوورف الذي يدخل الأسواق هذا الأسبوع أيضًا بفيلم «الصنو المثالي» The Perfect Match وكلها وجدت فتورًا بين غالبية نقاد الولايات المتحدة وبريطانيا.

قضايا عالقة
المعني هنا ليس العدد المتزايد من المخرجين الجدد في إطار السينما التجارية بل في إطار السينما المختلفة علمًا بأن ذلك ينضوي على تجارب عربية حديثة لا بد من النظر إليها بعين مختلفة (اقرأ أدناه).
وكما هو معروف هناك ثلاث محطات رئيسيّة حول العالم لعرض هذه الأفلام الجديدة من مخرجين جدد. هذه المحطات هي مهرجان لوكارنو السويسري ومهرجان صندانس الأميركي ومهرجان «نيو دايركتورز - نيو فيلمز» في نيويورك. وهناك مهرجانات أخرى بالطبع لكنها صغيرة يستقبل معظمها الأفلام في عروض ثانية وثالثة.
لكن في حين أن لوكارنو وصندانس يعرضان أيضًا لمخرجين متعددين سبق لهم أن حققوا أفلامًا سابقة طالما أن أعمالهم فنية، يحصر المهرجان النيويوركي نفسه بإطار الأعمال الأولى فقط. وهو الذي كشف عن مواهب عدّة مخرجين كانوا جددًا عندما عرضوا أعمالهم الأولى في إطاره ومنهم كريستوفر نولان والكوري هاو سياو - سيين والإسباني بدرو ألمودوفار والأميركيين سبايك لي وكيلي رايشارد ولورا بويتراس.
وهي الدورة الخامسة والأربعون من هذا المهرجان الذي لم يخسر أوجه بعد، والمقام ما بين السادس عشر وحتى السابع والعشرين من هذا الشهر برعاية «مركز لينكولن لجمعية الفيلم» التي تقيم على مدى العام الكثير من التظاهرات وتقف وراء مهرجان نيويورك السينمائي قبل نهاية كل سنة.
لا يخشى المخرجون الجدد من الإقدام على طرح مواضيع وقضايا عالقة في يوميات العالم الذي نعيش. بعضها يتناول الحروب والأوضاع الأمنية سابقًا أو اليوم، وبعضها يتداول شؤون البيئة والحياة على الأرض وبعضها الآخر يبحث في الهويات الفردية والاجتماعية اليوم.
من بين هذه الأخيرة يطالعنا الفيلم الفرنسي «جناح أرموريكاين» لباسكال بريتون حول أستاذة في تاريخ الفنون تعود إلى جامعة رين التي كانت درست فيها بعدما قررت ترك مدينة باريس. عودتها تواكب شعورها بأنها تترك الحاضر إلى الماضي تحت مظلة من غموض المكان وأساطيره. يتجلّى أن المعلمة بطلة الفيلم (ڤاليري دريفيل) إنما تبحث عن هويتها الذاتية كما يفعل بعض طلابها اليوم.
ويلتقي الماضي والحاضر مجددا في فيلم صيني لمخرج جديد اسمه باي غان الذي يوفر لمشاهديه عملاً يلتقط ملامح من سينما جيا جانغي المعروفة بسماتها التأملية. إنه عن رجل ينطلق بعيدًا عن عائلته التي تتفرق في انهيار واضح تحت وطأة المتغيرات الحديثة ليبحث في التاريخ الشعبي والثقافي للصين.
وعلى جانب آخر من الحدود الصينية يتناول «بهيموث» التسجيلي (إخراج زاو ليانغ) المتغيرات الاجتماعية والبيئية القاسية التي تقع في منغوليا نتيجة الهجوم الصناعي على مناجم الفحم. في ساعة ونصف نتابع عملاً مجهدًا لأفراد يضعون صحتهم على كف الخطر وهم يؤمون أعمالهم من دون رعاية صحية مسبقة. في المقابل مناظر للطبيعة الملاصقة التي تخسر حجمها كلما قضمت الصناعة أجزاء منها.

ملامح عربية
ومن المفرح أن يكون بين الأفلام المعروضة فيلمان هما نتاج لقاح تمويلي بين دول عربية وأخرى غربية.
في الافتتاح تحديدًا يطالعنا فيلم باباك أنفاري المُنتج بين بريطانيا والأردن مع إسهام قطري «تحت الظل». إنه فيلم خاص في معالجته وموضوعه: امرأة وطفلتها وحيدتان بعدما تم أخذ الزوج للقتال في صفوف الجيش الإيراني خلال الحرب العراقية - الإيرانية. وحدتهما في أساسها قاسية، لكن ما الذي سيحدث عندما يكتشفان أنهما ليستا وحيدتين في البيت بل تحوم فيه أرواح يمكن بسهولة لها أن تتراءى للمشاهد كرموز لضحايا الحروب.
الفيلم الثاني هو «آخر أيام المدينة» الذي كان التقط فرصته الأولى في مهرجان برلين السينمائي الأخير. هذا الفيلم البديع والرائع من المخرج الجديد تامر السعيد (بمشاركة بريطانية وإماراتية) يتمحور حول ذكريات شاب (الجيد خالد عبد الله) حول المدينة التي يعيش فيها ويومياته الحالية فيها. كل شيء يبدو غارقًا في سكون من الأحاسيس حتى الضجيج. من هذا الوضع يمد الفيلم معالجته لتشمل، ولو على نحو محدود، بيروت وبغداد كعاصمتين تعانيان من الوضع ذاته.
في كل ما سبق من أفلام هناك ملامح من سينما تستشرف من الحاضر ما يربطها بالماضي وملامح شبحية تحوم فوق شخصياتها. هذا أيضًا هو حال الفيلم الإسرائيلي «جبل» الذي يبحث في دعوة اليهود المتشددين لإقامة دولة أحادية. لكن المخرجة يائيل كايام تعصف بالتقاليد عندما تختار تصوير معظم أحداثها في مقبرة ترمز للماضي تؤمها عاهرات الليل وزبائنهن في انعكاس للحاضر.
وضمن المعالجة الروحانية والشبحية للمواضيع المتداولة هذا العام يأتي «لا الجنة ولا الأرض» للفرنسي كليمان كوغيتور: دراما تقع أحداثها في أفغانستان وفي حامية فرنسية اتخذت من أحد الجبال معسكرًا لها. إلى جانب مخاطر الحرب وغزوات طالبان يكتشف قائد الحامية حوادث اختفاء مجهولة الدوافع. اختفاءات ليس سببها قوات طالبان، بل تعود لظواهر ميتافيزيقية غامضة ومثيرة للفزع.
في محصلتها هي 27 فيلمًا روائيًا طويلاً وبرنامج من تسعة أفلام قصيرة وجمهور اعتاد مطالعة هذه التجارب الفتية بحثًا عن الجديد. وسيجد أن عروض هذا العام مليئة بالاستعارات الرمزية لحكايات تستوطنها الأرواح والأشباح معًا.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة