جورج طرابيشي يرحل تاركًا ساحة الفكر شبه خلاء من العقلانيين

جورج طرابيشي يرحل تاركًا ساحة الفكر شبه خلاء من العقلانيين

بعد أن غيب الموت زملاءه من إصلاحيي النصف الثاني من القرن العشرين
الجمعة - 8 جمادى الآخرة 1437 هـ - 18 مارس 2016 مـ
جورج طرابيشي
بيروت: سوسن الأبطح
عن عمر يناهز 77 عامًا، غيب الموت أول من أمس جورج طرابيشي، المفكر والمترجم والناقد، والباحث المدقق، والمراجع الذي لا يتعب من إعادة إصلاح وتعديل ما كتب. برحيله بعد نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وإدوارد سعيد، يبدو كأن أولئك الذين شكلوا الضمير العربي الفكري للنصف الثاني من القرن العشرين يتركون الأرض خلاء من بعدهم لا حرث فيها ولا شجر. كل منهم كان له اهتماماته وميادينه الأثيرة، لكن هؤلاء مع آخرين أثروا الفكر العربي بكتاباتهم ونقاشاتهم، ورغبتهم الإصلاحية العميقة. ترجم جورج طرابيشي ما يناهز 200 كتاب في الفلسفة والأدب والنقد بينها ما يقارب 30 كتابًا لفرويد ناقلاً إياها من اللغة الفرنسية إلى العربية، آسفًا لخيانة يرتكبها مرتين بحق النص، لأنه لا يجيد لغتها الأصل أي الألمانية، عائدًا في سنواته الأخيرة، إلى مراجعة ترجماته بعد صدور ترجمات فرنسية أخرى للكتب عينها.
ولد جورج طرابيشي في حلب عام 1939. وحصل على إجازة في اللغة العربية من «جامعة دمشق» تلتها ماجستير في التربية. وعمل في المجال الصحافي، حيث تولى منصب مدير إذاعة دمشق، ورئيس تحرير لمجلة «دراسات عربية»، ومحررًا في مجلة «الوحدة». وانتقل من سوريا ليقيم في لبنان، لكن الحرب الأهلية أجبرته على المغادرة إلى باريس حيث بقي فيها، ممتهنًا الكتابة، متفرغًا لها، حتى وافته المنية.
ولد جورج طرابيشي، لأسرة مسيحية، وبدأ حياته متدينًا إلى حد كبير، لكنه أمام اجتهادات الكهان، وجد نفسه يعمل العقل أكثر مما يميل إلى التسليم. وانتسب إلى حزب البعث قبل أن يصل هذا الأخير إلى السلطة في سوريا، لكنه سرعان ما وجد نفسه في خلاف عميق مع زملائه البعثيين، حتى أنه سجن كمعارض، كما وجد الشقة تتسع مع القوميين، وأفكارهم التي رأى في بعضها جمودًا ورجعية. وبالتالي فإن طرابيشي بقي يتنقل في الفكر ويقرأ في الفلسفات، بين القومية الماركسية والوجودية، حتى وجد نفسه نازعًا إلى استقلالية تؤثر النقد بعيدًا عن الآيديولوجيات الجاهزة، مناديا بعلمانية لا لبس فيها ولا غموض.
أعجب بكتابات محمد عابد الجابري، في بادئ الأمر، حتى أنه يقول لم يحمل معه من لبنان حين سافر من مكتبته التي تحوي 5 آلاف كتاب سوى «المنهل» لسهيل إدريس، و«تكوين العقل العربي» لمحمد عابد الجابري، الذي كان يعيد قراءته تكرارًا، لكنه سرعان ما لاحظ أن الجابري وقع في عثرات لا تغتفر مما دفعه إلى الانكباب على كتب التراث والتدقيق في مراجع الجابري الذي كرس له ربع قرن من عمره، وكان له بالمرصاد، في كتابه «نقد نقد العقل العربي» وكتب أخرى. ويقول طرابيشي: «انكببت، أنا الذي درست اللغة العربية والتراث العربي جزئيًا في الجامعة، انكبابًا مرعبًا على قراءة كتب التراث وعلى مطالعة عشرات وعشرات المراجع التي ذكرها الجابري والتي رحت أدقق كلّ شاهد من شواهدها وأتحقّق من صحّتها في كلّ المجالات».
يروي طرابيشي أنه لم يفلح في الرياضة، وكان دائمًا ما يجد نفسه خارج أي لعبة تحتاج جهدًا عضليًا، لهذا ربما، آثر الكتابة والقراءة، وهو الذي تفوق منذ كان تلميذًا في المدرسة. وازداد إحساسه بأن الكلمة هي طريق التغيير، حين اكتشف أن ثمة بنى ذهنية عربية، تحتاج للعقلنة والوعي، مرورًا بهزيمة 67 التي أصابته في الصميم، والمآسي العربية الأخرى التي كان أشدها وطأة الحرب السورية التي اندلعت وحشية. لم يجد صاحب القلم السيال لجورج طرابيشي، من رد على الصدمة التي تلقاها من وطنه في سنواته الأخيرة سوى الصمت، حيث لم يكتب منذ بدء الثورة السورية التي تحولت إلى ما يشبه المجزرة الكابوسية، سوى مقالتين اثنتين. ذهب جورج طرابيشي، بعد أن أسكته الدم، هو الذي بقي طوال حياته يكتب بغزارة لعله يستطيع أن يساعد أمة، افتقدت إلى العقلانية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة