منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

ساهمت في تطوير الموسيقى الغربية بالقطع مع الغناء الكنسي والشعر الغنائي المأساوي والتراجيدي

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي
TT

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

منزلة الموسيقى العربية في فلسفة الفارابي

يمثل التراث الفنِّي أحد مكونات الحضارة الإنسانيّة. فالشّعب الذي لا يملِك تراثًا فنيًّا لا يملك ذاكرة ولا تاريخًا. لأن الفنّ عمومًا، والموسيقى على وجه الخصوص، يسهِمان في بناء وتنميّة وتغذيّة الذّاكِرة الجَمعيّة، فالأناشِيد والمواويل والأغاني تحفظُ تاريخًا بأكمله.
مع توسُّع الخِلافة الإسلاميّة في العصر الأموي، انفتح العرب على ألوان متنوّعة من الموسيقى: الهنديّة والفارسيّة والآشوريّة، ما ساهم في انتشار ألوان مختلفة من الموسيقى داخل قصور الخِلافة (بلاط الخليفة تحديدًا). ومع العصر العبّاسي، تطورت الموسيقى بشكل كبير لتنتقل ممارستها من العبِيد في قصور بني أميّة، إلى أشخاص لهم مكانة مرموقة داخل البلاط وخارجه. فموسيقى العود في بدايات الحكم الأموي، حظيت بعناية أبرز المغنِّين العرب، من قبيل سائب خاثر، الذي تجاوز الغناء الفارسي، واستخدم العود في الغناء. أما الزنام أو الزلام، فرسم آلة نفخٍ هوائيّة تسمى ناي زنامي أو زلامي. وأضاف زرياب إلى أوتار العود الأربعة وترًا خامسًا، ورتّب هذه الأوتار بحيث يعادل كل وترٍ ثلاثة أرباع ما فوقه، واخترع مضراب العود من قوادِم النّسر، بعد أن كان من مرهن الخشب.
وفي أواخر القرن التاسع الميلادي، وضع أبناء موسى بن شاكر، أسس وقواعد الموسيقى الميكانيكيّة، واستعملوا البريخ الموسيقي لتوزيع الألحان. وفي القرن العاشر الميلادي، ابتكر الفارابي الربابة والقانون. واشتهر العباس وأبو المجد بصناعة الأرغن. وأما صفي الدين عبد المؤمن الأرموي، فقد اخترع القانون المربع، المسمى نزهة، وآلة أخرى تسمى المغنى. وعن أصالة الموسيقى العربية، نجد المستشرق البريطاني هنري جورج فارمر، يستهل كتابه «تاريخ الموسيقى العربية حتَّى القرن الثالث الميلادي» بالقول: «علينا ألا ننظر بعد الآن إلى جزيرة العرب نظرتنا إلى الفلوات، فهي على الضد من هذا - مركزٌ تجاري للعالم القديم. والمسلمون الذين خرجوا منها ليستظهروا على المسيحيّة وليشيّدوا إمبراطوريّة، ما كانوا إلا خلفاء لأولئك الذين تركوا تأثيرًا عميقًا في مصائر الشّرق ومستقبله في عصور التاريخ الأولى».
تدلُ مدوّنات الآلات الموسيقيّة المتبقيّة في التراث الموسيقي القديم والحديث، على العناية القُصوى لعرب ما قبل الإسلام وما عده، بالسّماع والغناء الصّوتي على العزف الآلي، ليتسنى لهم بذلك تذوّق معانِي الشّعر.. حيث تصاحِب الآلة الموسيقيّة الغناء الصوتي والتمهيد. ومن الجدير بالذكر، أن الآلات التي استعملَت في العالم العربي والإسلامي كانت ثلاثة أنواع: الآلات الوتريّة (منها: العود، الماندورة Mandore، سميت، فيما بعد، بالغيتار الموريسكي Pandore، التي تطورت إلى الماندولين في الغرب، أو الرباب ذات القوس، عرف في الغرب الأوروبي بـrebeck، وتطورت إلى الكمان، الساز Saz، الشاهروز، القانون، السنطور، ومن المحتمل أنه يعود إلى الأسور asor الآشوري، القيثارة...) آلات النفخ (الأورغن، الناي، مزمار القربة Bagpepe.). آلات القرع (الأجراس، الطبول ومنها الفقارية Kettledrum، الطبلة المطوقة، والطبول المربعة).
وظهر أول تدوين موسيقي عربي مع أبو إسحاق الكندي، في رسالته: «رسالة في خبر تأليف الألحان»، حيث استعمل، لأول مرة، الحروف الأبجديّة والرموز. غير أن محمد أبي نصر الفارابي (260 - 339 هجرية)، ترك الكثير من المؤلفات في الموسيقى منها: كتاب الموسيقى الكبير، كتاب في إحصاء الإيقاع، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، كلام في النقلة، مضافًا إلى الإيقاع، وكلام في الموسيقى، وكتاب إحصاء العلوم الذي يتضمن جزءًا خاصًا بعلم الموسيقى. والواضح أن كتابه «الموسيقي الكبير»، هو المتبقي حاليًا في التراث الموسيقي العربي - والذي ترجم إلى لغات أجنبيّة عدة - كمؤلَفٍ يعطينا صورة متكاملة عن البُعد الفكري العميق لفلسفته في الموسيقى.
يشير الفارابي إلى أن كلمة موسيقى في استعمالات اللّغة العاديّة تدلُ على الألحان. واللّحن هو «كل مجموعة من النغم رُتِّبت ترتيبًا محددًا منفرِدة أو مقترِنة بالكلام». ولكن الموسيقى من حيث هي صناعة أو فن شامل، تتضمن الألحان والمبادئ التي بها تلتئِم وبها تصِيرُ أكمَل وأجوَد. وليست صناعة الموسيقى إذن صناعة ألحانٍ فحسب، بحيث تشمَل الأسُس النّظريّة التي تبنى عليها جودة الألحان وكمالها. ويلجأ الفارابي في التفريع الذي يغلب على إحصاء العلوم، إلى التمييز بين قسمين في صناعة الموسيقى: الموسيقى النظريّة كـ«هيئة تنطق عالمها بالألحان ولواحقها عن تصورات صادقة سابقة خاصة في النّفس»، والموسيقى العمليّة التي يريد بها، كما توحي التسميّة بذلك، «إحداث الألحان بأدائها أو صياغتها. والصناعة التي يقال إنها تشتمل على الألحان، منها أن توجد الألحان التي تمت صياغتها محسوسة للسَامعين، ومنها ما اشتمل عليها أن تصوغها وتركبها، وإن لم تقدر على أن توجدها محسوسة، وهذان معا، يسميان صناعة الموسيقى العمليّة».
لا يرى المعلم الثاني أي انفصال بين هاتين الصناعتين، لأن العلاقة بينهما «وثيقة ومزدوجة قوامها التحليل والتركيب، وهي تماثل الصلة التي تربط بين العلم الطبيعي وعلم النجوم، فصاحب العلم النظري، يتبين ما هو طبيعي لسمع الإنسان من خلال الألحان التي يسمعها، فإذا طولب ببرهنة قضاياها أحال على المشتغلين بالموسيقى صياغة وأداء.. ولا ينقص ذلك من عمله». وقارن بين موسيقى الإنسان وموسيقى الطبيعة قائلا: «استحدث الإنسان الموسيقى تحقيقًا وإيفاءً لفطرته. إنها الفطرة المركزّة في جبلّة الإنسان، والتي تنتظم، فيما تنتظم، الفطرة الحيوانيّة التي من خصائصها التصويت تعبيرًا عن أحوالها اللّذيذة والمؤلِمة. وتنتظم هذه الفطرة أيضا في نزوع الإنسان إلى الراحة إذا تعب. ومن شأن الموسيقى أن تنسي الإنسان تعبه لأنها تلغي إحساسه بالزمان، ذلك الزمان الذي ترتبط به الحركة والتعب يأتي منها. ولأن فطرة الإنسان تدعوه للتعبير عن أحواله وأن ينشد راحته. وكانت هذه الترانيم والألحان والنغمات، تنشأ قليلا وفي زمان بعد زمان، وفي قوم بعد قوم، حتى تزايدت. فنشوء الموسيقى من نداء الفطرة. لكن الإنسان أخذ، بعد ذلك، يتحرى ما يماثل ترنماته في أجسام أخرى طبيعيّة وصناعيّة، وما من شأنه أن يجعلها أكثر بهاء وفخامة. فاهتدى إلى الآلات الموسيقيّة، كالعود وغيره، وأخذ الناس في تطوير هذه الآلات حتى تكون أكثر طواعيّة في إنجاز الغاية منها».
يميز الفارابي في تأثير الموسيقى بالنفس بين ثلاثة أنواع: الألحان المُلِذة التي تكسب «النفس لذة وراحة فحسب»، والألحان المخيلة التي تحدث في «نفس الإنسان تخيلات وتصورات، مثل ما تفعل التماثيل المحسوسة بالبصر». أما الألحان الانفعاليّة (النوع الثالث من الموسيقى)، فتزيل «الانفعال أو تنقصه، لأن الانفعال من شأنه أن يزول إذا بلغ أقصى غاياته»، لجهة أن ثمة ارتباط بين الانفعال والنّغم، فلكلّ انفعالٍ (حزن، رحمة، قساوة، خوف، طرب، غضب، لذة وأذى...) نغمٌ يخصُه ويدلُ عليه «فصول النغم التي بها تكسب انفعالات النفس.. تشتق أصنافها من أسماء أصناف الانفعالات، فلذلك يجب أن نعدد الانفعالات ثم نجعل أسماء هذه الفصول من فصول النَّغم مأخوذة من أسماء تلك، فيسمى ما يكسب الحزن إما المحزِّن، وإما الحزني، وإمّا التحزين... وما يكسب الأسف يُسمى أسفيًا، وما يكسب الجزع جزعيًا، وما يكسب العزاء والسلوى مُعزَّيًا أو مسلي، وما يكسب المحبة أو البغضة محبيًا أو غضبيًا» (كتاب «الموسيقى الكبير»، 1179).
يجمل الفارابي هذه الأنغام الانفعاليّة في ثلاثة أصنافٍ: «منها ما يُكسب الانفعالات التي تنسب إلى قوة النفس، مثل العداوة والقساوة والغضب والتهور، وما جانس ذلك، ومنها التي تكسب الانفعالات التي تُنسَب إلى ضعف النفس، وذلك مثل الخوف والرحمة والجبن.. ومنها التي تكسب المخلوط من كل واحدٍ من هذين الصّنفين وهو التوسُّط» (نفسه، 1180، 1181). ويمجد الألحان الكاملة التي لا تتبع انفعالات النفس لأنها تحقق غايات أخلاقيّة لِما فيه خير للنّفس البشريّة. وهي في هذا تتساوى وغايات الحكمة والعلوم حيث يقول: «ولما كان كثيرٌ من الهيئات والأخلاق والأفعال تابعة لانفعالات النفس وللخيالات الواقعة فيها، على ما تبيّن في الصّناعة المدنيّة، صارت الألحان الكاملة نافعة في إفادة الهيئات والأخلاق، ونافعة في أن تبعث السّامعين على الأفعال المطلوبة منهم، وليس إنما هي نافعة في هذه وحدها، لكن وفي البعثة على اقتناء سائر الخيرات النفسانيّة مثل الحكمة والعلوم» (نفسه، ص 1181).
يضع الفارابي معايير للجمال المُوسيقي من جهة أن الذّوق الفنّي يتغير مع تعاقب الأجيال، ومن ثم فهو لا يتمتع بخاصيّة الثبات التي تجعله يخضع للبحث العقلي: «فليس سبيل الطبيعة من الألحان سبيل الشرائِع والسُّنن التي ربما حمل الناس عليها، أو أكثرهم في بعض الأزمان، فيتبع بعضهم فيها بعضًا، فيستحسن على سبيل ما تستحسن المألوف من الأمور. غير أن ما هذه سبيله من مستحسن أو مستقبح لا يراعي كيفما اتفقت».
ساهمت الموسيقى العربية بتاريخها، في فسح المجال لتطور الموسيقى الغربيّة، وللقطع مع الغناء الكنسي، ومع الشعر الغنائي المأساوي والتراجيدي الذي ورثوه عن التقليد اليوناني والروماني القديم، باعتبارها جسرًا بين الثقافات الشرقيّة والثقافة الغربيّة الحديثة. غير أن واقع الموسيقى العربية اليوم، يفرض علينا الوقوف على التردِّي الذي تخبط فيه أهل الفن. فواقعنا يستدعي إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها التنشئة في هذه المجتمعات، والدعوة إلى تربيّة موسيقيّة عالمة. فرغم وجود مؤتمر الموسيقى العربيّة منذ الثلاثينات من هذا القرن الماضي، واتساع دائرة المؤسسات الإبداعيّة والموسيقيّة، فإن موجة العولمة والتسليع دمّرت رُقي وروح الموسيقى لصالح الرداءة والتردي، تزامنا مع توالي النّزعات المعاديّة للاشتغال بالموسيقى بدعوى التحريم، نتيجة الفتاوى التي تروجها جماعات دعويّة متطرفة، وهو ما يتنافى والتراث العربي كما سردنا أعلاه، فلماذا لم تتعرض أعمال الفارابي وغيره (إخوان الصفا، ابن سينا، الكندي) للنقد من طرف الفقهاء في ذلك العصر؟ أليست الدعوة إلى تحريم الموسيقى جديدة لا تستند لأي حجة تاريخيّة ومنطقيّة؟



تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»
TT

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

تجليات القصيدة العربية «في مرايا الشعر»

عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، صدر كتاب «في مرايا الشعر» للشاعر والناقد المصري جمال القصاص، الذي يقدم فيه قراءات ودراسات متعمقة، بلغة عذبة وشعرية لعدد من أبرز المشاريع الشعرية الإبداعية الخاصة بجماليات القصيدة العربية وتحولاتها.

ويضم الكتاب عشرات القراءات في تجارب شعرية، تنتمي إلى أجيال مختلفة ومرجعيات جمالية متباينة وأنساق لغوية وجغرافية متعددة، مثل: محمد الفيتوري، وسميح القاسم، وفاضل السلطاني، وفتحي عبد السميع، وصلاح اللقاني، وعائشة بلحاج، وسمية عسقلاني، ومحمود قرني، وعيد صالح، وميسون صقر، وديمة محمود، وعاطف عبد العزيز، وعزمي عبد الوهاب، وبهية طلب، وعبد الرحمن مقلد، وعماد فؤاد، وإبراهيم البجلاتي، وأحمد يماني، وعمر شهريار، ورشا أحمد.

ويشير القصاص في مقدمة الكتاب إلى أنه على مدار سنوات كتب هذه القراءات فرحاً بالشعر وبالشعراء والشاعرات، حيث كانت خبرته كشاعر هي البوصلة الأولى التي ينظر من خلالها بعين القارئ والناقد معاً لهذه الأعمال التي أحبها، ويحسب أنها عبر نماذجها تشكل تمثيلاً مرضياً على الأقل بالنسبة له في متابعة الحركة الشعرية العربية ورصد ما وصلت إليه من مغامرة الحداثة والتجديد، عبر حركتها الدائبة منذ فترة الستينات التي شهدت تحولاً لافتاً على مستوى الشكل والمضمون حتى اللحظة الراهنة.

ورغم أن لكل مرحلة عطاءها ومنجزها اللافت، لكن يظل المشكل الأساسي الذي لا يزال يواجه هذه الشعرية، كما يقول القصاص، أن «حداثتنا ومغامراتنا في التجديد محمولة دوماً على المنجز الغربي والنقدي، سواء في النظر أو التطبيق. ونتجت عن ذلك تلك النظرة النقدية العقلانية للشعر، واعتباره فنّاً خالصاً لذاته، وأن مغامرته لا تنهض ولا تتأسس على العقل وحده، رغم أن الوعي المتصل بالعقل لا ينتج شعراً حقيقيّاً، فالصورة الشعرية ليست ظاهرة ذهنية محضة، إنما هي أساساً ابنة الروح في ومضها ووهجها المباغت المنفلت من قبضة الأطر والتقاليد والمنطق الصوري المبني على نمطية العلاقة ومصداقية المقدمات والنتائج».

ويرى القصاص أن جوهر الشعر يكمن في أنه يجعلنا نحسّ بحريتنا وبحداثة قابعة في داخلنا، علينا أن نوقظها ونحررها من أسر العادة والنمط والمعرفة الغيرية، وهي حداثة غنية تمتلك إرثاً عميقاً وتنوعاً لا يزال قادراً على إثارة الأسئلة والدهشة، وأن يهزّنا جسداً وروحاً بشكل جديد. وهو في كل هذا لا يدّعي الصواب، وما زال يسعى لامتلاكه فيما تبقى له من هذه الرحلة الممتعة مع الشعر، وفي ظنه دائماً أن الخطأ محض صواب، لم ينضج في أوانه، بل ربما لم نلتفت إليه وهو يسقط من شجر الحياة ليعاود الكرة من جديد بقدرة أوسع على إدراك نفسه وإدراك الحرية.

ورغم إيمانه الشديد بضرورة التجريب والبحث عن دماء جديدة للشعر، فإن القصاص يتوجس من أغلب هذه الأفكار، خصوصاً أنها وافدة إلينا من بيئة أخرى وطينة مختلفة، لها ثقافتها وفضاؤها وأطماعها وآيديولوجيتها. وهو لا يثق في الآيديولوجيا، لأنها غالباً ما تنطوي على خطاب زائف. في المقابل، يتساءل؛ لماذا لا تكون لنا حداثتنا الخاصة النابعة من تربتنا وتراثنا، وهما ليسا فقيرين، بل بهما من الثراء المعرفي والوجداني ما يجعلهما سؤالاً ممتداً في الزمان والمكان؟!

القفزة الأخيرة في فضاء حلمي سالم

ويتناول جمال القصاص بعض ملامح تجربة الشاعر المصري الراحل حلمي سالم، مشيراً إلى أنه مثلما كان شاعراً استثنائياً كان كذلك مريضاً استثنائياً بامتياز، حيث أدرك منذ البداية أن صراعه مع المرض سيطول وسيتفرع ويتشابك، فقرر أن ينتصر عليه بإرادة الشعر، وكان موقناً أنه بذلك ينتصر لإرادة الحياة.

تخلى حلمي مع اشتداد ضراوة المرض عن فكرة العداء للمرض نفسه، واتجه إلى مصادقته وكأنه مجرد طفل تنبغي ملاطفته ومسامرته، وهي الفكرة التي قلّب أوجهها وأقنعتها الشعرية بمهارة الصانع والعراف معاً في ديوانه «مديح جلطة المخ»، ثم ناوشها عن بعد في ديوانه «الثناء على الضعف».

وكان السؤال الذي يواجهه بألم وحيرة؛ هل تستطيع القصيدة أن تسبق الموت وتهزمه طالما أنا أصبحت غير قادر على ذلك؟ ثم هل يعني ذلك انتصاراً للشاعر نفسه الذي لم ينفصل عن قصيدته، وما زال قادراً على أن يضخّ في شرايينها روح الجدة والمغامرة؟! ومع دخوله في محنة الفشل الكلوي، وبعد أن نجا من سرطان الرئة، أدرك أن سؤاله سيظل مسكوناً بالنقص، وأن الإجابة عنه سيختلط فيها العبث بمرارة الرجاء، فكأنه إذن سؤال ناقص يبحث عن إجابة ناقصة.

معنوياً بنى حلمي استراتيجيته لمجابهة المرض على فكرة التسامي عليه، واعتباره مجرد محطة ضمن محطات كثيرة، خبرها في الحياة، ورغم أنه كان يدرك أنها المحطة الأحرج، لا من حيث الوصول إليها، وإنما من حيث صعوبة تغيير مسارها المحتوم، فإن روح التسامي كانت أداة الشحن الأساسية في أن ينتصر، ولو مؤقتاً ويقاوم بشراسة عسى يستطيع أن يؤجل ولو لبضع دقائق لحظة الوصول إلى حيث ينهي الجسد لعبته مع المرض اللعين مستسلماً إلى قدره، وتنفتح الروح على حياة أخرى يشكل الموت البوابة الرئيسية للدخول إليها.

على هذا النحو يثبّت حلمي سالم صورة العائلة في المشهد، ويوثقها بطرق شتى في متن النص. وفي الوقت نفسه لا يتعامل معها كتيمة أو حيلة شعرية أو أيقونة دلالية، وإنما حقيقة ماثلة وحية في طبقات الجسد والروح والتاريخ بمستوييه الشخصي والعام.

يقول في قصيدة بعنوان «تحليل دم» مستحضراً صورة أسرته الصغيرة...

قلت لشقيقة النهر

أريد بعد خروجي من البئر بناتي أمامي

لميس ذكاء القلب والندية حكمة الحنان

عيون القطط ورائحة «زاهية»

رنيم: حصة في الرقة القافزة خلف البحر

حنين: سلامة الفطرة ملح الأرض التي

لا يعجبها «دهاليزي والصيف ذو الوطء»

وبسببي حفظت مستشفيات القطر

جماليات الإيقاع والصورة

كما يتناول الكتاب تجربة الشاعر العراقي فاضل السلطاني، ويرى أن هاجس التحول عنده يشكل مرتكزاً جمالياً وفكرياً يصعد منه الشعر ويهبط إليه، كما في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» الذي صدرت منه نسخة مصرية عن الهيئة العامة للكتاب، حيث «يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً».

ويتكشف هذا الهاجس، كما يضيف المؤلف، في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعةً تفاصيل اللوحة شعرياً بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة.

وهو يرى أن الدالّ المضمر في مفردة «المتغيرة» لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام وفي الألوان والرائحة وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص، الذي استشهد به القصاص، والذي يستهل به الشاعر القسم الأول في منتصف الذاكرة بعنوان صغير كأنه برواز لـ«صورة»...

«هل تذكرين؟

كنتِ في وسط الصورة

وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزف

كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرض

وكنت أحار

كيف أميز العازف من العزف؟

والراقص من الرقص؟

كنت تجلسين وسط الصورة

لاهية عن الموسيقى

عن لحظة ثبّتتك إلى الأبد

صورة في إطار

وكنت أحار

كيف أدخل في الصورة؟

كيف أفصل النور عن الظل؟

لكنك كنت تبتسمين

لاهية عن اللحظة

وهي تكبر خلف الإطار»

أحجار رفعت سلام

أما ما يخص تجربة الشاعر الراحل رفعت سلام، فيشير جمال القصاص إلى أن الوثوق واليقين والإرادة هي بمثابة ثلاثة أحجار صغيرة بنى عليها رفعت سلام شعريته، وتعبّر بجلاء عن موقفه من العالم والواقع والأشياء، كما تشكل فيما بينهما ما يشبه المتوالية النصية الشعرية، وهي متوالية تتمتع بالصلابة والوضوح، فليس ثمة يقين من دون الوثوق به، ومن دون إرادة تدل عليه وتتشبث بلحظات وعيه ولا وعيه، لحظات حضوره وغيابه.

لقد انحاز رفعت، كما يقول، ومنذ وقت مبكر لمفهوم الوعي، وربطه بهذه الأحجار الثلاثة، باعتباره نافذة العقل لإدراك الوجود وحقائق الأشياء والعالم الخارجي متحاشياً حقيقة الوعي في ذاته ولذاته، ربما لأنه ينطوي على مساحة ما، يبرز فيها اللاوعي كصنو وشريك أساسي في صناعة هذه النافذة، بما ينتجه من علاقات مباغتة ومفاجئة، قد تشارف الجنون والمغامرة والفوضى التي تهدد بنسف النافذة نفسها.

وظلّت القصيدة لديه ابنة الوعي الواضح الثاقب، وهو ما انعكس على همّ التجريب الذي انصبّ في جوهره على إخراج النص الشعري في شكل طباعي خاص وإبرازه وكأنه محض فضاء سيميائي تتراكب فيه العلامات والرموز والإشارات في أنساق لغوية وأسلوبية محددة، ضمن حقول دلالية ومعرفية يمكن القبض عليها وتأويلها بوضوح واقتفاء أثرها من أقصر نقطة يمتد إليها النظر. يتساءل القصاص

في الكتاب لماذا لا تكون

لنا حداثتنا الخاصة

النابعة من تربتنا وتراثنا وهما ليسا فقيرين؟


«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام
TT

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

«الموزية»... إعادة صياغة مفهوم الإلهام

يروي كتاب «الموزية»، وهي الترجمة الحرفية لـ«المُلهمة»، الصادر عن «دار المدى»، للكاتبة روث ميلينغتون، بترجمة عباس المفرجي، القصص الحقيقية للمُلهِمات الرائعات اللواتي ألهمن روائع تاريخ الفن. من مرسم ليوناردو دافنشي إلى أغلفة مجلة «فوغ»، تكشف مؤرخة الفن والناقدة والكاتبة الإنجليزية روث ميلينغتون عن الدور البارز للملهمات في بعض أشهر وأهم الأعمال الفنية في التاريخ. وبالتعمق في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن، يكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه، ويفكك الصور النمطية المُبسطة، ويعيد صياغة مفهوم الإلهام كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعلٍ في تاريخ الفن.

«كشف الشخصيات الخفية وراء تحف تاريخ الفن» هو العنوان الفرعي لكتاب الذي يقدم صورة حقيقية آسرة لثلاثين ملهمة رائعة، ودورهن في بعض أشهر روائع تاريخ الفن، حيث نتعرف وجوه العديد منهن من أشهر الأعمال الفنية في العالم، من خلال الأسئلة التي تثار من خلال متن الكتاب: من هي حقاً «المرأة الباكية» لبيكاسو؟ أو اللص في أعمال فرانسيس بيكون؟ ولماذا غطت الكتابة على الجدران غريس جونز؟ بعيداً عن كونهن مجرد عارضات صامتات، قدمت الملهمات الدعم العاطفي والطاقة الفكرية والإبداع الذي غيّر مسيرة الفنانين، فضلاً عن المساعدة العملية. مع ذلك، يُنظر إلى الملهمة على أنها نموذج سلبي وعاجز (عادةً ما تكون شابة وجذابة) تحت رحمة فنان ذكر مؤثر وأكبر سناً. هل يمكن أن يكون هذا الانطباع خاطئاً وظالماً؟ هل هذه الصورة النمطية مجرد أسطورة رومانسية؟ هل تقبّل الناس دور ومكانة الملهمة؟ والأهم من ذلك، أين كان سيصل الفنانون لولاهن؟

تسعى روث ميلينغتون في «الموزية» إلى إعادة تقييم هذا المصطلح واستعادة معناه في سردٍ احتفالي يُظهر مدى قدم المفهوم الشائع له. كما يستكشف الكتاب فكرة «الملهمة» من منظورٍ مختلف، مُتضمناً فنانات الأداء والمشاهير، وشخصياتٍ أيقونية ربما لم نعتبرها من قبل مصدر إلهام، مثل تيلدا سوينتون وغريس جونز، من خلال الغوص في العلاقات الواقعية التي جمعت عارضات الأزياء بالفنانين الذين خلدوا ذكراهن. ويكشف الكتاب عن الدور المؤثر والفعّال الذي لعبنه في إثراء الأعمال الفنية التي ألهمتهن، والطرق المتنوعة التي تجاوز بها الناس الأدوار النمطية لـ«الملهمة».

من مشرفي العمل إلى المشردين في هارلم، يعرفنا الكتاب على نماذج غير متوقعة، ومُتجاهلة، ومنسية في تاريخ الفن، من خلال قصص ثلاثين شخصية استثنائية، ويُفكك الصور النمطية المُختزلة للملهمة، ويعيد صياغتها كعنصرٍ مؤثرٍ وفاعل في تاريخ الفن.

الهدف الرئيسي لـ«الموزية» هو إعادة صياغة معنى «المُلهم/الملهمة» في الفن. بدلاً من رؤيته/رؤيتها شخصيةً سلبيةً أو تابعةً للفنان، أو مجرد جسم جمالي في خلفية اللوحة، أو أداة فقط في إبداع فني. تقول روث ميلينغتون إن «هذا التصور رائج لكنه مضلّل، وأن مَن يُسمّون بـ(muse)، كان لهم/لهن/ أدوار نشطة في إلهام الأفكار، أثروا في عملية الإبداع نفسها، ساهموا/ساهمن في دعم الفنانين عاطفياً، فكرياً، أحياناً عملياً»، وتذهب ميلنغتون أكثر من ذلك، حيث تدعو إلى اعتبار «الموزية» شريكاً في صناعة العمل الفني، وليس مجرد موضوع للرسّام أو النحات.

ولعل أحد أهم محاور الكتاب هو تفنيد الصورة النمطية التي تربط الملهمة بأنوثة خاضعة لصورة الرجل الفنان المتفوق. ويوضح الكتاب أن هذه الصورة لم تكن أصلية في التاريخ، بل أصبحت جزءاً من الثقافة بسبب الروايات الفنية المعتمدة التي كتبها الرجال عبر القرون.

وكما تشير ميلينغتون في مقدمتها، لم تكن الملهمات الأصليات مجرد أشياء سلبية، بل على العكس تماماً، فقد كنّ آلهة يونانية قديمة، صُوّرن في القصائد الملحمية قوى إلهيةً للإلهام.

وتضيف ميلينغتون: «قد تجد شاعراً يطلب من الملهمات المساعدة في سرد قصته»، وسيقول: «تحدثي إليّ يا ملهمتي، أخبريني القصة». إنه بذلك يستمد إلهامه من الملهمة. وهناك فكرة سائدة مفادها أن الملهمة تمتلك هذه القوة. وبحلول زمن بيكاسو، انقلب مفهوم الملهمة رأساً على عقب، وأصبح يُنظر إليها على أنها صفة يمتلكها الفنان الذكر العظيم. وتضيف: «إن تطور هذه الأسطورة كان أشبه بـ(احتراق بطيء) عبر الزمن والتاريخ. ففي عصر النهضة تقريباً، تحولت لوحات الملهمات تدريجياً من لوحات لآلهة إلى لوحات لنساء شابات نمطيات تتساقط ملابسهن. وبحلول زمن جماعة ما قبل الرفائيلية، بدأ الفنانون يتخذون نساءً معينات ملهمات لهم، وبحلول القرن العشرين، ترسخ التصور النمطي للملهمة كعارضة أزياء».


سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».