الهند تسعى لتعزيز مكانتها في أفريقيا بعلاقات تجارية وتنموية وثيقة

قمة للشراكة بين الجانبين.. وحجم التجارة يتجاوز 70 مليار دولار

جانب من اجتماعات الهند أفريقيا العام الماضي (رويترز)
جانب من اجتماعات الهند أفريقيا العام الماضي (رويترز)
TT

الهند تسعى لتعزيز مكانتها في أفريقيا بعلاقات تجارية وتنموية وثيقة

جانب من اجتماعات الهند أفريقيا العام الماضي (رويترز)
جانب من اجتماعات الهند أفريقيا العام الماضي (رويترز)

تشارك الهند بقوة في تنمية أفريقيا منذ سنوات وتربطها علاقات تجارية وثيقة بالكثير من دول أفريقيا، ويمثلان معًا سوقًا كبيرة تزيد على ملياري نسمة، وقامت الهند بمساعدة عدة دول أفريقية في مشروعات تنموية واقتصادية خلال السنوات الماضية مثل مصر وإثيوبيا وغانا ونيجيريا على سبيل المثال، وقفز حجم التبادل التجاري بين الهند وأفريقيا بنسبة تجاوزت 130 في المائة خلال سبع سنوات فقط، من 30 مليار دولار عام 2008 ليتجاوز 70 مليارا عام 2015.
واختتمت بالأمس في العاصمة الهندية نيودلهي أعمال مؤتمر «مشروع الشراكة بين الهند وأفريقيا» الذي استمر ليومين بمشاركة 23 وزيرا من أفريقيا وما يزيد على 400 مسؤول من 37 دولة أفريقية، وأكثر من 500 مسؤول ممثلين عن وزارات الحكومة الهندية. وتركزت أعمال المؤتمر في مناقشة سبل تعزيز شبكة النقل والاتصالات في القارة الأفريقية وتأهيل البنية البشرية الأفريقية لمواجهة تحديات المستقبل وتعزيز الفرص القائمة ومصادر الطاقة البديلة وأهميتها في تعزيز أمن الطاقة والرعاية الصحية وتحديث أنماط الزراعة وأهميته لتحقيق الأمن الغذائي على المدى الطويل ودور القطاع الخاص الهندي لتنمية التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.
* الهند أكبر المستثمرين في إثيوبيا
وتعد الهند من أكبر المستثمرين الأجانب في إثيوبيا، واستثمرت أكثر من 4.6 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية في الدولة الأفريقية مع توفير قرض ميسر بقيمة مليار دولار أميركي لتطوير وتوسيع مشاريع السكر في البلاد. وساهمت في إحداث نقلة نوعية في قطاع تنمية منتجات الجلود في الهند خلال أقل من خمس سنوات بدأتها في عام 2011. حيث قامت مؤسسات هندية بنقل التكنولوجيا والمساعدة في زيادة وتيرة النمو في أرباح قطاع الجلود في إثيوبيا ومن ثم عززت صادرات المنتجات الجلدية إلى دول العالم.
وتعهدت الهند بتقديم كافة أشكال الدعم والتدريب اللازم لجعل إثيوبيا واحدة من أكبر عشر دول في العالم في مجال صناعة الأحذية والجلود. واستطاع حاليًا قطاع الجلود الإثيوبي المنافسة في الأسواق العالمية، وتمكنت إثيوبيا من استغلال الثروة الحيوانية الهائلة التي تمتلكها. وتعهدت الهند كذلك بتطوير خط السكك الحديدية بين إثيوبيا وجيبوتي بقيمة 300 مليون دولار خلال القمة الثانية للشراكة الهندية الأفريقية المنعقدة في إثيوبيا في عام 2011.
شراكة مع أفريقيا بدأت من 2008
وكان مؤتمر «مشروع الشراكة بين الهند وأفريقيا» قد انطلق أول من أمس (الاثنين) في العاصمة الهندية نيودلهي، بمشاركة حشد من نواب رؤساء الجمهوريات والوزراء الأفارقة في إطار مساعي الهند المكثفة لتكون من الناحية العملية الشريك الدولي الأكثر قدرة على الحركة والنفاذ في القارة الأفريقية في سوق عملاقة تخطى عدد سكانها من الجانبين الملياري نسمة.
وسبق هذا المؤتمر ثلاث قمم في تاريخ هذه الشراكة، كانت الأولى في نيودلهي عام 2008 والثانية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 2011، والثالثة في نيودلهي في عام 2015 والتي عمدت - لأول مرة - إلى إصدار وثيقة مرجعية (وثيقة منتدى نيودلهي)، تؤسس لإعداد منظور مشترك للأعضاء بخصوص القضايا العالمية الكبرى، وترسم خارطة طريق لما يجب أن تكون عليه طبيعة وأشكال التعاون بين الهند وأفريقيا على الأمدين المتوسط والبعيد.
ويعتبر منتدى قمة الهند - أفريقيا منصة فريدة من نوعها، يسعى من خلالها الشركاء الأفارقة والهنود لتحديد مجالات التعاون من خلال الحوار والسعي إلى توسيع وتعزيز الشراكة والتعاون في التجارة والتكنولوجيا وبناء القدرات.
* مصر تسعى للاستفادة من خبرات الهند التكنولوجية
وبالإضافة إلى إثيوبيا، تأتي مصر أيضا من ضمن أهم الشركاء التجاريين للهند في أفريقيا، وسعت مصر منذ سنوات للاستفادة من الخبرات الهندية في مجالات تفوقها، خاصة مجالي البرمجيات وصناعة الحاسب الآلي، وتفعيل اتفاق الهيئة العربية للتصنيع المصرية ومؤسسات هندية في هذا المجال، وكذلك في مجال تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة من خلال مشروعات تعاون بين الصندوق الاجتماعي للتنمية بمصر مع نظيره الهندي. ويوجد في مصر أكثر من 50 شركة هندية يتعدى حجم استثماراتها 3 مليارات دولار تتركز نسبة كبيرة منها في قطاع المنسوجات والملابس الجاهزة، ويفوق حجم التجارة بين البلدين نحو 5 مليارات دولار سنويًا.
وتصدر الهند إلى مصر غزل القطن والسمسم والشاي والبن والتوابل والمطاط الصناعي ومنتجاته وقطع غيار وسائل النقل ومعدات متنوعة، بينما تصدر مصر إلى الهند منتجات كالقطن والأسمدة الخام والمُصنعة والبترول الخام ومنتجاته والكيماويات العضوية وغير العضوية والجلود والمصنوعات المعدنية، وتسعى مصر لتوسيع نطاق الصادرات المصرية للهند، خاصة من الفوسفات الصخري والأمونيا. وفي ذات السياق، استقبل رئيس مجلس الوزراء المصري شريف إسماعيل أول من أمس (الاثنين)، خبير الاقتصاد الهندي والنائب السابق لرئيس لجنة التخطيط الهندية مونتيك أهلواليا، وقام الخبير الاقتصادي الهندي باستعراض خبرات بلاده في إدارة السياسة النقدية، والتي كانت لها نتائج إيجابية على الاقتصاد الهندي، وأكد على أهمية الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي المصري حاليًا لتصحيح أوضاع أسواق النقد، والعمل على تحقيق الاستقرار النقدي من أجل توفير المناخ المطلوب للتنمية الاقتصادية، وخلق فرص العمل وإطلاق قدرات الاقتصاد في جذب الاستثمار الأجنبي، وتعزيز الثقة في قوة الجهاز المصرفي وقدرته على تمويل المشروعات الكبرى.
* أفريقيا ثاني مقصد للاستثمار المباشر الهندي
وشارك في مؤتمر الشراكة الهندي الأفريقي المقام حاليًا في نيودلهي بعض زعماء أفريقيا ونوابهم ووزراء الاقتصاد والمالية والصناعة والتجارة والزراعة من الدول الأفريقية والهند ورؤساء اتحاد الصناعات وغرفة الصناعة ورؤساء كبريات البنوك والشركات الهندية.
وقال وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية «في كي سنغ» خلال المؤتمر «يوجد الكثير من المؤشرات المتنامية التي تعكس ازدهار حركة التجارة والاستثمار بما يصب باتجاه تعزيز الصداقة والشراكة بين القارة الأفريقية وشبه القارة الهندية، ورغم تجاوز حجم التجارة بين الجانبين لـ70 مليار دولار، فإنه لا يمثل القدرات الحقيقية للجانبين الهندي والأفريقي»
وأشار إلى أن تنمية القدرات البشرية الأفريقية هي مصدر قوة الهند وشراكتها الحالية والمستقبلية مع أفريقيا، منوها بتعهد الهند بتقديم قروض ائتمانية خلال قمة منتدى الهند أفريقيا العام الماضي بقيمة ستة مليارات دولار.
وأضاف أن «هناك حاجة لتيسير إجراءات الشراكة وعمل الشركات في أسواق الجانبين، ولذلك يجب العمل من الجانبين وضمان ألا نسمع عن تأخير في تنفيذ الصفقات، والتعاون بين سوقين كبيرتين تضمان ما يزيد على ملياري نسمة وبخاصة في قطاعات مثل الأدوية والزراعة والصحة والبنية التحتية وبناء القدرات البشرية». وبلغ حجم الاستثمار الهندي المباشر في القارة الأفريقية في الوقت الراهن 13.6 مليار دولار، بما يشكل 16 في المائة من الاستثمار الأجنبي الهندي المباشر في الخارج، وفقا لتصريحات رئيس اتحاد الصناعات الهندي سوميت مازمودير لوكالة الأنباء المصرية الرسمية، وأصبحت أفريقيا بذلك ثاني أكبر مقصد للاستثمار الأجنبي الهندي المباشر في الخارج. وأضاف سوميت أن التنوع الجغرافي وتنويع المنتجات هما مفتاح توسيع حجم العلاقات التجارية بين الهند وأفريقيا، مشيرا إلى أن مشروعات تطوير البنية التحتية الكبيرة في أفريقيا تتيح فرصا استثمارية مجزية للشركات الهندية، داعيا إلى تركيز الاهتمام على تمويل الابتكارات، خاصة أن الهند ستصبح سوقا جاذبة للمنتجات الأفريقية في الوقت الذي تمضي فيه دول أفريقيا لتسريع وتيرة النمو الصناعي.



باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
TT

باكستان تتطلع لتعميق الروابط الاقتصادية مع السعودية خلال لقاء شريف والجدعان

رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)
رئيس الوزراء الباكستاني خلال لقائه وزير المالية السعودي محمد الجدعان (حكومة باكستان)

دعت باكستان إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع السعودية، وذلك خلال زيارة وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، إلى إسلام آباد لإجراء محادثات مع القيادة الباكستانية العليا.

وجاءت هذه الزيارة، وهي الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في وقتٍ من المقرر أن تعقد فيه إسلام آباد محادثات سلام بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين.

وشهد اللقاء استعراض آفاق التعاون الاقتصادي بحضور كبار المسؤولين الباكستانيين، يتقدمهم نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية محمد إسحاق دار، ورئيس أركان الجيش المشير سيد عاصم منير، وفق الحساب الرسمي لرئيس الوزراء الباكستاني على منصة «إكس».

وتأتي زيارة الجدعان، التي استمرت يوماً واحداً، في وقت تستضيف فيه إسلام آباد محادثات أميركية إيرانية تهدف إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

خلال اللقاء، نقل شهباز شريف تحياته وتقديره لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مثمناً الدعم الاقتصادي والمالي السعودي التاريخي الذي وصفه بالدور «المحوري» في الحفاظ على استقرار باكستان المالي خلال السنوات الماضية.

وأشار شريف، الذي استذكر بتقدير اتصاله الهاتفي الأخير مع ولي العهد، إلى التزام حكومته وشعبه بالوقوف «كتفاً بكتف» مع الأشقاء في المملكة، مؤكداً تطلع إسلام آباد لتوسيع الشراكات في قطاعات التجارة والاستثمار النوعي. كما لفت إلى أن هذه العلاقة التاريخية تزداد رسوخاً تحت رعاية ولي العهد، بما يخدم المصالح المشتركة وتطلعات النمو في كلا البلدين.

من جهته، شكر وزير المالية السعودي رئيس الوزراء، وأكد مجدداً عزم المملكة على تعزيز العلاقات الأخوية العميقة والمتجذرة بين باكستان والسعودية، وفقاً لرؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وفي ختام الزيارة، كان وزير المالية والإيرادات الباكستاني، السناتور محمد أورنغزيب، في وداع الوزير الجدعان بمطار إسلام آباد الدولي ليلة أمس. وتبادل الجانبان الأحاديث الودية حول تعزيز التعاون الاقتصادي القائم، حيث أعرب أورنغزيب عن تطلعه للقاء الجدعان مجدداً خلال اجتماعات الربيع المقبلة لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، لمواصلة التنسيق الوثيق ضمن الشراكة الراسخة بين البلدين.


تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

تايلاند ترفع مخصصات الدعم الاجتماعي لمواجهة تداعيات حرب الشرق الأوسط

سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)
سائق توك توك وهي مركبة أجرة ثلاثية العجلات ينتظر ركاباً يشترون الطعام في سوق ببانكوك (إ.ب.أ)

ستزيد تايلاند مخصصات السلع الأساسية اعتباراً من يوم الاثنين، للمساعدة في تخفيف الآثار الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط، والتي تؤثر بشكل خاص على المزارعين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والفئات الأكثر ضعفاً.

وأعلنت وزارة المالية، في مؤتمر صحافي يوم السبت، أن أكثر من 13 مليون تايلاندي، ممن يحملون بطاقة تخولهم الحصول على إعانات اجتماعية في هذا البلد الواقع في جنوب شرقي آسيا، سيشهدون زيادة في مخصصاتهم الشهرية من 300 بات إلى 400 بات (من 9.31 دولار إلى 12.42 دولار) لتغطية نفقاتهم اليومية.

وقال وزير المالية، إكنيتي نيتيثانبراباس، إن هذه الإجراءات تهدف إلى «حماية الفئات الأكثر ضعفاً، ومنع امتداد الوضع إلى قطاعات أخرى».

كما سيتمكن المزارعون وأصحاب المشاريع الصغيرة من الاستفادة من قروض بفائدة تفضيلية، وكذلك الراغبون في شراء سيارات كهربائية، أو تركيب ألواح شمسية.

كما أقرت الحكومة دعماً لشركات النقل، قبيل احتفالات رأس السنة التايلاندية، أو «سونغكران». وأضاف إكنيتي: «هذا التحدي طويل الأمد. لذا، لا نكتفي بتطبيق إجراءات قصيرة الأجل، بل نعمل أيضاً على تهيئة الجمهور، ورواد الأعمال للتكيف مع ارتفاع محتمل في تكاليف الطاقة، والمنتجات».


السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)
TT

السعودية توظّف قدرات «البنك المركزي للنفط» لاحتواء صدمة «هرمز»

ميناء ينبع الصناعي (واس)
ميناء ينبع الصناعي (واس)

في وقت تحبس فيه أسواق الطاقة العالمية أنفاسها تحت وطأة الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية التي خنقت مضيق هرمز، برزت السعودية حائط صد استراتيجياً جنّب الاقتصاد العالمي تداعيات صدمة عرض غير مسبوقة. فبينما كانت التوقعات المتشائمة تدفع ببرميل النفط نحو حاجز الـ200 دولار، نجحت حكمة الرياض في كبح جماح الأسعار عند حدود 112 دولاراً، مستدعيةً بنية تحتية جبارة، وخيارات لوجيستية مرنة أثبتت للعالم أن المملكة ليست مجرد منتج، بل هي «البنك المركزي للطاقة» الذي لا يخذل عملاءه وقت الأزمات.

وأجمع الخبراء في تصريحاتهم لـ«الشرق الأوسط» على أن الخط الاستراتيجي «شرق-غرب» (بترولاين) كان «بيضة القبان» في هذه الأزمة.

استراتيجية «البنك المركزي للنفط»

أوضح عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، فضل بن سعد البوعينين، أن السعودية تكرّس مكانتها كـ«بنك مركزي للنفط العالمي»، عبر إدارة فاعلة، وسياسات واضحة تستهدف التوازن، واستدامة الإمدادات. وأشار إلى أن هذا الدور تجسد عملياً إبان أزمة مضيق هرمز؛ حيث نجحت المملكة في تحويل مسار صادراتها من الشرق إلى الغرب عبر خط الأنابيب الاستراتيجي (بترولاين)، بضخ نحو 7 ملايين برميل يومياً إلى ميناء ينبع، وُجه جزء منها للمصافي المحلية، والقدر الأكبر للتصدير الخارجي.

بدائل آمنة وموثوقية عالمية

واعتبر البوعينين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن امتلاك «أرامكو السعودية» لبدائل تصديرية آمنة مكّن المملكة من تجاوز الأزمة، وطمأنة الأسواق، مؤكداً أن هذه الموثوقية هي نتاج استثمارات ضخمة، وطويلة الأمد في قطاعات الإنتاج، والنقل، بالإضافة إلى بناء مخزونات خارجية استراتيجية تعمل كصمام أمان لأي انخفاض طارئ في الصادرات.

وشدد على أن «أرامكو» تلعب دوراً محورياً في صياغة خطط الطوارئ الاستباقية للتعامل مع المخاطر الجيوسياسية الراهنة.

كبح جماح الصدمة النفطية

وفيما يخص إغلاق مضيق هرمز، أوضح البوعينين أن حجب خُمس الاحتياج العالمي من النفط شكّل صدمة حادة للاقتصاد الدولي، وهدّد أمن الملاحة، إلا أن البدائل السعودية خففت من وطأة الأزمة عبر استخدام المخزونات العالمية لتعويض النقص. وأكد أن التزام المملكة تجاه عملائها، وعدم لجوئها لإعلان «القوة القاهرة» كان العامل الحاسم في منع أسعار النفط من القفز فوق حاجز 150 دولاراً.

تحذير من تضاعف التداعيات

واستدرك البوعينين محذراً من أن تداعيات الصدمة الحالية قد تتضاعف إذا لم يتوصل المجتمع الدولي لحل يؤمن الملاحة في المضيق، نظراً لارتباط ذلك بقطاعات حيوية، كالزراعة، والبتروكيميائيات.

وتساءل حول كفاية الجهود الحالية، مؤكداً أن الاستقرار الحقيقي يتطلب ضمان تدفق النفط من كافة الدول المنتجة كسبيل وحيد لضبط الأسعار، وطمأنة الأسواق بشكل مستدام.

الجغرافيا المرنة والبحر الأحمر كخيار استراتيجي

من ناحيته، أكد رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، الدكتور عبد الرحمن باعشن، أن الرياض نجحت في توظيف «جغرافيتها المرنة» عبر استثمار البدائل الملاحية التي تديرها «أرامكو السعودية»، مما عزز ثقة أسواق الطاقة العالمية بالرغم من تداعيات الصراع الإقليمي الراهن.

وأشار باعشن إلى أن المملكة استطاعت إيجاد البديل المائي لمضيق هرمز عبر البحر الأحمر كخيار استراتيجي لتصدير البترول، الأمر الذي مكّن «أرامكو» من الحفاظ على ضخ الطاقة بشكل انسيابي، ومقدر، مرسخةً بذلك الثقة الدولية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها تحت أصعب الظروف.

طريق الشمال الدولي بطول 1700 كيلومتر يربط المملكة بدول المنطقة وأوروبا (واس)

كبح جماح الأسعار وحماية الأمن الغذائي

وشدد باعشن على أن استمرار السعودية في ضخ إمداداتها عبر البحر الأحمر لعب دوراً حاسماً في كبح جماح أسعار الطاقة؛ فبالرغم من وصول سعر البرميل إلى 112 دولاراً، فإن هذا التحرك الاستراتيجي منع السيناريو الأسوأ المتمثل في قفز الأسعار إلى حاجز 200 دولار.

وأوضح أن هذا الالتزام السعودي لا يقتصر على استقرار أسواق الطاقة فحسب، بل امتد ليشمل تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والغذائي، مؤكداً على الدور المحوري والإيجابي للمملكة داخل منظومة «أوبك» و«أوبك بلس» في التحوط لآثار الحرب، وحماية الاقتصاد العالمي من المخاطر ذات الصلة.

الموثوقية العالية والاستجابة التاريخية

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم العمر، المشرف على شركة «شارة» للدراسات الاستشارية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن السعودية برهنت على موثوقية استثنائية كمنتج رئيس للطاقة؛ إذ لم تستغرق «أرامكو» سوى ساعات معدودة من نشوء الأزمة لتحويل شحنات النفط من الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وأوضح العمر أن المملكة استحضرت في هذه اللحظة الحرجة بنية تحتية استراتيجية أُنشئت قبل أربعة عقود لظروف مشابهة، لتتحول اليوم إلى «درع طاقة» للعالم أجمع.

وأشار إلى قفزة هائلة في تدفقات النفط عبر خط «شرق-غرب»، حيث ارتفع المتوسط من 770 ألف برميل يومياً في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين، إلى نحو 2.9 مليون برميل يومياً، وصولاً إلى ما فوق 5 ملايين برميل يومياً في أسابيع قليلة. واصفاً هذه الزيادة بأنها تكشف عن «مرونة تشغيلية نادرة» لا تملكها سوى دولة تُعرف بأنها «البنك المركزي للنفط العالمي».

درع العالم أمام صدمات الأسعار الكارثية

وشدد العمر على أن «الاستعداد الاستراتيجي» للمملكة حافظ على نحو 85 في المائة من صادراتها، ليصبح خط الأنابيب صمام أمان فعلياً أمام أشد صدمات العرض. وحذّر من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي، لا يستمد أهميته من طاقته الاستيعابية فحسب، بل من تأثيره المباشر على التسعير؛ إذ إن أي نقص في المعروض بنسبة 20 في المائة كان سيقفز بالأسعار إلى مستويات جنونية تتراوح بين 230 و300 دولار للبرميل، وهو ما كان سيحدث صدمة هيكلية كارثية في الاقتصاد العالمي.

وأشار العمر إلى أن استمرار الضخ السعودي عبر البحر الأحمر ساهم في «إعادة النور» إلى مشهد كان سيكون مظلماً لولا تلك القدرات الاستثنائية، وهو ما أكده رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، حين صرح بأن الاستجابة السعودية السريعة وإعادة توجيه ثلثي الصادرات كانتا السبب الأكبر في منع خروج الوضع عن السيطرة.

ميناء جازان (واس)

تحدي التسعير العادل والدور الريادي إقليمياً

وحول استمرار التصدير السعودي في كبح الأسعار رغم تجاوزها حاجز الـ 112 دولاراً، أوضح العمر ضرورة التفريق بين السعر الراهن والسعر الذي كان سيسود في حال «خلا الميدان» من البديل السعودي. وأكد أن توافر خط الأنابيب حال دون بلوغ مستويات سعرية مدمرة للمنتجين والمستهلكين على حد سواء، ليظل الخط صمام أمان عالمياً لأزمات الإمداد والتسعير.

وعلى الصعيد الإقليمي، وصف العمر السعودية بأنها «قاطرة الاقتصاد الخليجي»، مستندة إلى ركيزتين:

  • القدرات الإنتاجية، والبنية التحتية الجاهزة بعيداً عن بؤر الصراع في المنطقة.
  • الدعم اللوجيستي في استيراد ونقل المنتجات الضرورية عبر المنافذ البحرية والجوية والبرية لكافة دول الجوار.

واختتم العمر حديثه بالتذكير بأنه لولا القدرات اللوجيستية السعودية لتعرضت المنطقة لكارثة حقيقية؛ خاصة بعد إعلان قطر حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز، وانخفاض إنتاج الكويت، والإمارات، وانهيار 70 في المائة من صادرات العراق النفطية، فضلاً عن أزمة الأمن الغذائي الحادة. وأكد أن المملكة وقفت وحدها لتقدم لأشقائها ثلاثة مستويات من الدعم: الممر البديل، والاستقرار النسبي للأسعار، والدعم اللوجيستي متعدد الأبعاد.