أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

عودة إلى مفهوم الموضة الحقيقي بديكورات بسيطة.. وصالونات حميمة

TT

أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017.. يستحضر ألق الزمن الجميل

أخيرا تنفست أوساط الموضة الصعداء بعد شهر كامل من عروض الأزياء، بدأت في نيويورك ومرت بلندن وميلانو لتنتهي في باريس. ورغم أنه لم تكن هناك ثورات، بمعنى توجهات بالمعنى الجديد، كانت هناك أناقة واضحة، تميل إلى التجاري، وتمثلت أكثر في طرق تنسيق القطع مع بعضها بشكل مبتكر، إضافة إلى الجمع بين قطع لم يكن يخطر بالبال جمعها بهذا المستوى الراقي. وليس أدل على هذا من الكنزة الصوفية العالية الرقبة التي ظهرت في عرض دار «فالنتينو» مع فساتين سهرة أو كوكتيل، ستجعل كل امرأة راضية عنها، لعمليتها. ثمانية أيام في باريس وحدها تجعل الشهية مفتوحة على مواضيع هامشية تكسر رتابة العروض حينا والملل الذي يتسرب إلى النفس حينا آخر، لهذا كانت هناك مواضيع كثيرة مثيرة للجدل تباينت بين التدبيرات الأمنية الصارمة التي أخرت بعض العروض وبين برودة الطقس. لكن الموضوع الذي تم تداوله أكثر، إلى جانب غياب مصممين فنيين من بيوت أزياء كبيرة، مثل «ديور»: «لانفان» وإشاعات بمغادرة آخرين مثل هادي سليمان، هو طرح كل ما يُعرض على منصات العرض مباشرة في اليوم التالي أو في نفس الأسبوع. صحيح أن الكثير من المصممين في بريطانيا والولايات المتحدة رحبوا به، إلا أن آخرين في باريس وميلانو رفضوه بشكل قاطع، بينما استبعد بعضهم تطبيقه في المستقبل القريب، على أساس أنه غير واقعي ويتطلب تحضيرات كثيرة. فعدم عمليته لا تشمل عروض الأزياء والزبناء بل تمس طريقة عمل المشترين والمشتريات الذين يعملون مع محلات كبيرة. فهؤلاء سيكون عليهم أن يأخذوا قرارات مصيرية، ستترجم إلى أرقام وأرباح عندما تصل إلى المحلات، مما سيجعل مهمتهم أصعب. فكيف يمكنهم انتقاء قطع قبل أن تعرض على منصات العرض؟ على الأقل اختياراتهم بعد رؤيتها على منصات العرض ومعاينة ردود أفعال الحضور، تمنحهم فكرة أوضح.
لحسن الحظ أن هذه المواضيع الجانبية، رغم أهميتها المصيرية إن صح القول، لم تغط على لحظات تاريخية عايشناها خلال أسبوع باريس لخريف 2016 وشتاء 2017. مثل أول عرضه قدمه الجيورجي ديمنا فازاليا لدار «بالنسياجا»، أو ما يمكن أن يكون آخر عرض قدمه هادي سليمان لدار «سان لوران». وإذا كان الأول نجح في الامتحان بعودته إلى المؤسس كريستوبال بالنسياجا وأعاد صياغة تصاميمه المعمارية بأسلوب هندسي معاصر، فإن هادي سليمان كالعادة كان مثيرا للجدل. هو الآخر عاد، وربما لأول مرة، للغرب من أرشيف الدار وإحياء أسلوب إيف سان لوران. غاب أسلوبه الخاص المتأثر بأسلوب «الغرانج» الذي يحاول منذ سنوات تسويقه لنا برقي، وعاد إلى الثمانينات وعهد الراحل إيف سان لوران، الأمر الذي جعل العرض تجربة عاطفية ومنح التشكيلة تأثيرا دراميا. قد لا تكون كل التصاميم موفقة، خصوصا أن بعضها عاد إلى الثمانينات بشكل حرفي، أو توخى الفنية إلى حد السريالي مثل جاكيت على شكل قلب باللون الأحمر، إلا أن عدم استعماله للموسيقى، رغم أنه يعشق الموسيقى، واختياره مكانا حميما للعرض من دون ديكورات أو سفسطة، جعل العرض تجربة من الصعب أن تُنسى بسرعة، لا سيما أنها عادت بنا إلى عصر الصالونات. فقد خيم على المكان صمت لم يكسره سوى صوت بينيديكت دي جينستو، وهي تقدم كل قطعة كما كانت تفعل في عهد إيف سان لوران ما بين عامي 1977 و2002. رسالة هادي سليمان كانت إبراز الأزياء أولا وأخيرا، ونجح إلى حد كبير، إذ كان تأثير التجربة أكبر من تأثير الأزياء التي أغرق بعضها في الحنين إلى الماضي، إلى جانب أطوالها القصيرة جدا التي قد تجعل تسويقها صعبا في بعض الأسواق. ما يشفع لها أنك عندما تقترب منها وتلمسها، تلمس مدى الحرفية التي تمت بها. فهي تحاكي الـ«هوت كوتير» بكل تفاصيلها، ما يشير إلى أن الدار قد تكون بالفعل جادة في إعادة خط الـ«هوت كوتير» الذي أقفلته الدار بعد أن اشترتها مجموعة «كيرينغ» وتسلمها المصمم توم فورد.
«ميو ميو» كانت طبقا مشكلا من الأرستقراطية الإنجليزية، بعضها مأخوذ من عصر الريجنسي وبعضها من الإدواردي أو الفيكتوري ظهرت في تصاميم بذيول طويلة وياقات عالية. ولم تضاه قوة التصاميم سوى قوة «ميو ميو» كخط أصبحت له مكانته بين الكبار، وهو ما تجسد في آخر يوم من أسبوع باريس في ظهور باقة من العارضات السوبر، من كندل جينر وجيجي حديد إلى لارا ستون وأدريانا ليما وتايلور هيل وغيرهن. بريقهن لحسن الحظ لم يغط على جمال حقائب اليد والأحذية المرصعة باللؤلؤ أو المزينة بأشرطة تلتف حول الساق. بالنسبة للأزياء، فالكل خرج وهو يقول إنها من أكثر التشكيلات التي قدمتها ميوتشا برادا جرأة وفخامة، خصوصا أن طريقة التنسيق اعتمدت على الـ«ماكسيماليزم»، أي أن الكثير قليل. الفكرة منها كانت رسم لوحة فنية لامرأة قوية وفاتنة لا يمكن أن تمر من دون أن تلتفت الرؤوس نحوها وتتحول الأنظار باتجاهها. قد تكون الفكرة منها أيضا لفتة إلى الثمانينات بالنظر إلى عدد العارضات السوبر اللواتي شاركن في العرض. بعد العرض تسابقت محررات الأزياء إلى الكواليس لفهم المزيد من ميوتشا برادا، التي شرحت أن «النبل والبؤس» هو العنوان الذي انطلقت منه وبنت عليه التشكيلة. النبل جسدته من خلال الأقمشة التي تعود إلى القرنين الـ16 والـ17 حيث كان بعضها يستعمل في صنع السجاد الباريسي. هذه الأقمشة صاغتها بمهارة في جاكيتات عصرية وبنطلونات واسعة وتنورات طويلة إضافة إلى إطلالات تستحضر ركوب الخيل. أما البؤس فكان مجرد نظرية لم تتجسد في أي قطعة، بما في ذلك الجينز المفترض أن يكون قماش الطبقة البروليتارية، والذي افتتحت به العرض. فقد جاء بتصاميم ارتقت به إلى مستوى جديد من النبل.
نيكولا غيسكيير بدوره عاد إلى الماضي ليصوغ المستقبل، فيما يمكن القول: إنه أفضل تشكيلة قدمها لدار «لويس فويتون» لحد الآن. من الواضح أنه أراد تقديم كل ما تحتاجه المرأة، وراعى أن تناسب كل المناسبات والأجواء، آخذا بعين الاعتبار أن السفر جزء لا يتجزأ من الثقافة المعاصرة، عدا أنه يدخل في صلب جينات الدار الفرنسية، الأمر الذي يفسر أن التشكيلة مناسبة لكل المواسم. أقيم العرض كما العادة في «فاوندايشن لويس فويتون» التي صممها المعماري فرانك غيري، وفي قاعة زينتها ديكورات مستقبلية توسطتها نحو 57 عمودا مغلفا بالزجاج. عندما تدخلها تشعر بأن المصمم يريد أن يأخذنا في مغامرة إلى مدينة أتلانتيس الغارقة، واكتشاف كنوزها المدفونة. وعندما بدأ العرض نجح المصمم في الحفاظ على شعلة الحماس وحس المغامرة، بفضل تصاميم تتحدى الزمن، يتمازج فيها الكلاسيكي بالحداثي، ويتراقص فيها القديم على إيقاعات مستقبلية. ففي الكتيب الذي وضعه على المقاعد، شرح بأنه أراد «صياغة إبداعات الماضي لخدمة الذوق العصري الحالي»، وربما هذا ما يفسر ما تتضمنه التشكيلة من حنين إلى الماضي. فهذا الماضي، حسب المصمم، ركيزة مهمة لبناء الاستمرارية ومن دونه لا يوجد حاضر أو مستقبل، في إشارة مبطنة إلى أن السفر جزء من ماضي الدار وركيزة من ركائزها الأساسية، وهو ما احترمه غيسكيير وقدمه هنا على نغمات «سبور» تارة، ونغمات كلاسيكية تارة أخرى. والنتيجة أنه تفوق على نفسه وقدم أحسن ما لديه منذ أن تسلم المشعل من مارك جايكوبس.
لكن باريس ليست باريس من دون «شانيل». وكما عودتنا كان عرضها في «لوغران باليه»، مقرها شبه الرسمي، متعة لكل الحواس ولم يخل من المفاجآت. المفاجأة هذه المرة أنها لم تعتمد على ديكور ضخم كان يسرق الأضواء من الأزياء، كما في السابق، بل اكتفت بصالون يشعر فيه كل الحضور، وعددهم لا يقل عن 3000، بأهميتهم. فقد جلسوا كلهم في الصف الأمامي، وهو ما جاء واضحا في بطاقة الدعوة التي رُسم عليها كرسي كتب فوقه «فرونت رو أونلي» أي صف أمامي فقط. ربما كانت فكرة مصممها كارل لاغرفيلد، أن يأخذنا إلى الأيام الخوالي عندما كانت عروض الأزياء قصرا على الطبقات الثرية والأرستقراطية، مع اختلاف كبير هذه المرة أنه فتح أبواب «لوغران باليه» الأربعة لكل الطبقات. فـ«شانيل» كما يكرر «ديمقراطية»، لا تفرق بين أحد، وهو ما يُحسب له في ظل التغيرات التي بدأت تهدد الموضة وتحاول إنزالها من برجها العاجي وفي ظل تزايد أهمية التواصل الاجتماعي.
للخريف والشتاء المقبلين، قدم نحو 100 إطلالة، حتى تجد فيها المرأة، أيا كان أسلوبها، ذوقها، عمرها أو بيئتها، ما يناسبها. أفليست هذه ديمقراطية أيضا؟ طبعا حضرت كل رموز الدار، من تايور التويد والفستان الناعم إلى اللؤلؤ، إضافة إلى تنورات مستقيمة وطويلة بسحابات جانبية يمكن التحكم فيها، بفتحها أو إغلاقها للحصول على مظهر مختلف في كل مرة، أو حسب البيئة التي تعيش فيها صاحبتها. الجاكيت بدوره جاء بسحاب ما أضفى على الإطلالة مظهرا عصريا و«سبور»، علما بأن التويد لم يكن هو الغالب على التايورات، إذ كانت هناك تايورات من الصوف لا تقل أناقة، بل تستحضر صورة كوكو شانيل خصوصا أنها زينت بقلادات متدلية بصفوف متعددة من اللؤلؤ المصفوف، وقبعات رأس مبتكرة بأشرطة من اللؤلؤ للتحكم فيها. الصوف ظهر أيضا في كنزات سميكة بعضها مرصع يذكرنا بأن الدار تمتلك ورشات كثيرة متخصصة في كل المجالات، ما يجعل مهمة لاغرفيلد سهلة من جهة، وتشجعه على البذخ من جهة ثانية. تجسد هذا البدخ في استعماله أجمل الأقمشة وأيضا في استعماله طبقات متعددة من الأزياء في الإطلالة الواحدة، فيما يمكن القول إنه أيضا نوع من العملية. رغم جمال الأزياء وما تحمله من فكرة الديمقراطية، فإنها ستبقى بالنسبة للبعض بعيدة المنال ومجرد حلم، على العكس من الإكسسوارات. فهذه مقدور عليها وهو ما تعرفه الدار، بدليل أنها جاءت بأعداد وأشكال لا تحصى، من السلاسل والقلادات إلى القبعات والأساور، وطبعا حقائب اليد والأحذية. وهكذا إذا لم تستطع الواحدة منا شراء تايور أو فستان سهرة طويل، يمكنها أن تشتري حقيبة أو ربما أقراط أذن لتدخل نادي «شانيل».
هل افتقد الحضور الديكورات الضخمة التي كانت مادة دسمة تغذي الانستغرام والسناب تشات وغيرهما؟ الجواب بكل بساطة: أبدا، فقد كانوا أسعد بحصولهم على كراسي صفوف أمامية، جعلتهم يشعرون بأهميتهم وفي الوقت ذاته مكنتهم من معاينة كل إطلالة عن قرب، وفي نهاية الأمر هذا هو الأهم.
اسم «فالنتينو» في المقابل، ليس لصيقا بالديكورات أو الإبهار المسرحي، بقدر ما هو لصيق بالحرفية والتقنيات الإيطالية العريقة، وتلك التجربة الحميمة التي يخرج منها الحضور وهم في حالة نشوة. وهذا ما أكدته الدار هذه المرة أيضا وقدرته زبوناتها اللواتي لم يتوقفن عن ترديد كلمات مثل «برافا» أو «بيليسيما» طوال العرض.
فباستثناء بيانو توسط القاعة المنصوبة في حديقة التويلريز، عزفت عليه فانيسا واغنر مقطوعات لجون كايج وفيليب غلاس، بدا كل شيء عاديا إلى أن بدأ العرض وتهادت العارضات وكأنهن راقصات باليه. فالكثير من الإطلالات كانت بأقمشة خفيفة وشفافة أحيانا، ما جعلها تبدو حالمة. «فالنتينو» من بيوت الأزياء القليلة التي تحقق أرباحا تُثلج صدور مالكيها، حيث سجلت ارتفاعا في مبيعات الأزياء الجاهزة والإكسسوارات بنسبة 50 في المائة، في الآونة الأخيرة، بفضل وفائها لفلسفتها بأن الموضة «حلم» و«فن» وليس وجبة سريعة. هذه الفلسفة تجسدت هنا في أزياء تعبق بكل ما تؤمن به الدار من دقة وحرفية، تشير إلى أنها لن تركب موجة عرض الأزياء اليوم وطرحها للبيع مباشرة في الغد، لأن أزياءها تحتاج إلى وقت للتنفيذ والإنجاز لكي تأتي بالشكل المطلوب. تشبث مصمموها، ماريا غراتزيا تشيوري وبييرباولو بيكيولي، بالطريقة الكلاسيكية لعرض تصاميمهما، ونظرتهما إلى الموضة ككل، يستهدف تسليط الأضواء على الأزياء، حيث كانت كل إطلالة بمثابة لوحة فنية رسما فيها مجموعة سخية من فساتين الكوكتيل والسهرة، نجح الثنائي في التخفيف من فخامتها، بتنسيقها مع كنزات بياقات عالية لكي تناسب النهار أيضا. استعملا أيضا أقمشة مثل حرير الجيرسيه عوض الحرير الكريب لنفس الغاية، ألا وهي التخفيف من رسميتها، كما استعاضا عن الياقات العالية والأكمام الطويلة التي رأيناها في تشكيلاتهما الأخيرة، بالكشاكش والياقات المفتوحة التي تفتح المجال لتنسيقها مع كنزات أو قمصان بالنسبة لامرأة تتوخى الحشمة أو الدفء. 20 دقيقة غاب فيها الحضور عن الواقع وعاشوا لحظات من الحلم تعيد للذهن الفرق بين الموضة كفن ووسيلة إبداع، وبين الأزياء السريعة رغم أن الديكور كان عاديا وليس صالونا يستحضر الزمن الجميل. فلكل زمن جمالياته ومبدعوه.



كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.

نسيج ملكي جديد

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

نسيج من حرير التوت والميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.


هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
TT

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)
قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة وقدمت إكسسوارات حصرية، ونظمت فعاليات إفطار وسحور وعروضاً ترويجية. فهذا الشهر يشهد ذروة الإنفاق الاستهلاكي في المنطقة، يُعوِضهم عن تباطؤ الطلب في أسواق رئيسة، مثل الولايات المتحدة، والصين.

عبايات وقفاطين كانت الموضوع الغالب في المجموعات الرمضانية (سافانا)

مؤسسة «مورنينغ ستار»، وهي من كبرى مجموعات السلع الفاخرة تقول إنها تستمد ما بين 5 و9 في المائة من إيراداتها العالمية من الشرق الأوسط. ورغم أن هذه الحصة أقل من مساهمة أوروبا، والولايات المتحدة، أو الصين، فإن المنطقة كانت خلال العام الماضي من النقاط المضيئة القليلة لصناع الموضة. لكن شتان بين الأمس واليوم.

في تلك الفترة، كانت الصورة مستقرة، وواعدة. فمراكز التسوق تضج بالمتسوقين، والحجوزات السياحية لا تتوقف. لم يكن يخطر على البال تغير المشهد بهذه السرعة المخيفة الناتجة عن تصاعد النزاع العسكري في المنطقة.

بيوت أزياء عالمية تسابقت لطرح فساتين طويلة تناسب شهر رمضان الفضيل وعيد الفطر (ألكسندر ماكوين)

تصاعد النزاع وتأثيراته

بين ليلة وضحاها تحوَلت الأولويات من إطلاق مجموعات جديدة إلى تقييم المخاطر، ومن التخطيط للفعاليات إلى إغلاق المتاجر، أو تشغيلها بطواقم محدودة، ومن التركيز على الإيرادات إلى احتواء الخسائر، وإدارة حالة عدم اليقين. حالة من الذهول والقلق تسودهم، وهم يتابعون من ميلانو وباريس، وغيرهما من عواصم الموضة العالمية، صوراً غير مطمئنة، إما لفندق خمس نجوم يحترق، أو طائرات مسيرة تُلهب السماء، وتزرع الخوف في الأرض، إضافة إلى دعوات موجهة للمواطنين الأجانب لمغادرة المنطقة.

كل هذه الإشارات تزيد من مخاوفهم، لأنهم يعرفون أن أي صدمة جيوسياسية مطولة ستؤثر سلبًا على الحالة النفسية التي تُحرك الاستهلاك، والمبيعات. والخوف أيضاً من احتمال امتداد التداعيات إلى باقي أنحاء العالم، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يزيد من توقعات التضخم، ومن ثم العزوف عن الشراء.

من التصاميم التي تم طرحها منذ أسابيع قليلة قبل اندلاع الحرب (سافانا)

ورغم أن الأرقام تشير إلى أن الشرق الأوسط لا يشكِل سوى 10 في المائة من مبيعات السلع الفاخرة العالمية، فإنه خلال العامين الماضيين كان الأمل الذي اعتمدوا عليه لتعويض تباطؤ النمو في الولايات المتحدة، والصين، حيث وصفت شركة الأبحاث «باين أند كومباني» المنطقة بأنها الأفضل أداء في قطع السلع الفاخرة خلال العام الماضي مقارنة بغيرها من الأسواق.

هذا الانتعاش جعلهم يتوسعون في مدن مثل دبي، وأبوظبي، والرياض، والدوحة، جعلوها مراكز شبه رئيسة. ولم لا، والمنطقة كانت حتى الأمس القريب بالنسبة لهم نموذجاً يُحتذى به للاستقرار السياسي تجذب المقيمين الأجانب، والسياح من ذوي الإمكانيات العالية.

بحسب محللين يعتمد قطاع السلع الفاخرة بدرجة كبيرة على ثقة المستهلك وتفاؤله بشأن المستقبل (إ.ب.أ)

التحديات الاقتصادية

منذ بدء التصعيد تزعزعت الأسواق، وتراجعت أسهم شركات كبرى، منها مجموعات ضخمة، مثل «إل في إم إتش» و«كيرينيغ» و«ريشمون». وإذا استمر الوضع على ما هو عليه من شلل، فإن مئات الملايين من الدولارات قد تكون عرضة للخطر. مجموعة «شلهوب» التي تدير نحو 900 متجر لعلامات من بينها «فرساتشي» و«جيمي شو» و«سيفورا» وغيرها، سارعت إلى إغلاق متاجرها في البحرين، بينما أبقت أسواقاً أخرى مثل الإمارات، والسعودية، والأردن مفتوحة بعدد محدود من الموظفين المتطوعين. بدورها أغلقت «كيرينغ» متاجرها مؤقتاً في الإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، إضافة إلى تعليق السفر إلى المنطقة. كما أظهرت بيانات أن متاجر «أبل» في دبي أُغلقت وكذلك محلات «إتش أند إم» في البحرين حتى إشعار آخر. من جهتها أعلنت «بريمارك» أنها تتابع الوضع بقلق في وقت كانت تستعد فيه لافتتاح أول متجر لها في دبي ضمن خطة توسع تشمل البحرين وقطر لاحقاً.

إغلاق الأجواء الجوية له تأثير مباشر على الموضة من ناحية المبيعات واللوجيستيات (رويترز)

بين المخاطر والفرص

ورغم أن بعض العلامات قد تراهن على القنوات الرقمية لتعويض جزء من تراجع الإقبال على المتاجر، كما كان عليه الأمر في زمن جائحة كورونا، فإن الأمر أكثر تعقيداً الآن بسبب اضطراب حركة الشحن الجوي، وارتفاع تكاليف التأمين، وإطالة أمد إجراءات التخليص، أو التوصيل في حال انفتاح الأجواء الجوية. كل هذه العوامل لها تأثير سلبي على سرعة التسليم التي تعد عنصراً أساسياً في تجربة التسوق. كما لا ننسى أن أي قيود أمنية، أو لوجيستية داخل المدن قد تُعقِد عمليات التوزيع المحلية.

ومع ذلك إذا نظرنا إلى هذا المشهد المليء بالتحديات وكأنه فنجان نصف ممتلئ، فإننا يمكن أن نأمل أن يتحول إلى فرصة ذهبية للمصممين المحليين، والعلامات الأصغر في الشرق الأوسط. فحين تتوقف أو تقل فعاليات المتاجر العالمية الكبرى، ويصبح الوصول إلى منتجاتها محدوداً أو باهظ الثمن بسبب صعوبة اللوجيستيات، يبرز أمام المستهلك المحلي على أنه خيار جديد يتمثل في دعم المصممين من أبناء البلد. لكن على شرط أن يقدموا لهم منتجات في متناول اليد، وبتصاميم تلائم الذوق الخليجي، وبالتالي كل ما قد يحتاجونه لحجز مساحة في سوق مزدحمة بالمنتجات هو بعض المرونة، والابتكار لكسب الثقة.


أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
TT

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)
التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل العديد من خبراء الأزياء والمصممون أزياء الشتاء على أزياء الصيف لما تتيحه من تنوع في الأقمشة يفتح المجال لابتكار أوسع. ولا يقل المستهلك ابتكاراً عن المصمم، إذ يمتلك بدوره حرية تنسيق هذه التصاميم وفق ذوقه الخاص ليصنع أسلوبه الخاص.

في عروض الأزياء الموجهة للخريف والشتاء، يُتحفنا المصممون دائماً بتصاميم، إما هندسية أو مفصلة على الجسم، لكن تكون دائماً ازدواجية الخفة والسماكة هي القاسم المشترك بينها، معتمدين على أقمشة لا تتقيد بموسم. فالحرير والموسلين يأخذان نفس أهمية الصوف والكشمير، هذا عدا عن تنوع الإكسسوارات بين القبعات الواقية من البرد أو المطر والثلج، وبين القفازات والإيشاربات والجوارب والنظارات وغيرها.

القبعة تعدت الوقاية من البرد والرطوبة لتصبح إكسسواراً قائماً بذاته في عرض «فندي» (فندي)

كل هذا من دون خوف على رشاقة الجسم من سُمك هذه الأقمشة. شركة «يونيكلو» اليابانية مثلاً توفر ملابس داخلية وسترات بتقنيات متطورة منعشة، وفي الوقت ذاته تبثّ الدفء حتى في أعالي الجبال لممارسي رياضات التزلج. بيوت أزياء أخرى، مثل «زيغنا» و«مونكلر» حتى «رالف لورين»، باتوا يراعون هذا العنصر ويفتنون فيه باللعب على أسلوب الطبقات المتعددة، مدركين أن ما تتطلبه سفوح وأعالي الجبال يختلف في التفاصيل فقط عما تتطلبه المدن والأيام العادية.

أسلوب الطبقات المتعددة من الأساليب التي ينصح بها الخبراء في هذا الموسم (رالف لورين)

ومن هنا، فإن أسلوب الطبقات المتعددة أكثر ما ينصح به خبراء الموضة لتحقيق المعادلة بين الأناقة والوقاية من قرص البرد. هذا الأسلوب لا يساعد على التنقل براحة بين درجات الحرارة المتغيرة حسب المكان، بل أيضاً يرقى بالإطلالة ويمنحها تميزاً حسب الطريقة المعتمدة. مثلاً يمكن ارتداء قميص من القطن أو الحرير تحت كنزة من الكشمير، وفوقهما سترة من الصوف يمكن التخلي عنها في الأماكن المغلقة. بالنسبة للمرأة يمكن أيضاً الاستفادة من فستان صيفي أو تنورة بتنسيقهما مع جوارب صوفية وكنزة مفتوحة أو معطف وهكذا.

الجوارب

الممثلة الإسبانية روزيو مونوز موراليس وإطلالة من دار «دولتشي أند غابانا» من الرأس إلى القدمين حيث نسّقت حذاءها مع جورب من الصوف بنفس اللون الأسود (دولتشي أند غابانا)

يقال إن الحفاظ على حرارة الجسم يبدأ من الأقدام، وهذا يعني اختيار جوارب بخامات جيدة للرجل والمرأة على حدّ سواء. يمكن القول إن حظ المرأة أكبر من حظ الرجل في هذا الجانب، بفضل التنوع المتاح. فالجوارب الشفافة استُبدلت حالياً بجوارب مبطنة بالصوف تعطي مظهر جوارب النايلون، لكنها توفر نسبة عالية من الدفء تتيح فرصة ارتداء فساتين وتنورات في عزّ البرد، وعندما تتطلب المناسبة مظهراً أنيقاً لكن عملياً.

الجوارب القصيرة التي تصل إلى الكاحل أو إلى نصف الساق، خضعت هي الأخرى لعمليات تجميل تجعلها تتعدى التدفئة لتكون إكسسوارات تمنح الإطلالة شخصية تجمع بين الجرأة والخصوصية. بعضها مطروح بألوان فاتحة وتطريزات بأحجار الكريستال، وبعضها من النايلون يمكن ارتداؤها على طريقة الممثلة الإسبانية روزيو مونوز موراليس، التي تألقت في إطلالة من دار «دولتشي أند غابانا» نسقت فيها حذاءً بتصميم كلاسيكي من الجلد مع جوارب من الصوف من نفس اللون.

الصوف... خامة الشتاء

الأقمشة الدافئة مثل المخمل والصوف والتويد كانت عنوان تشكيلة «رالف لورين» لموسم الشتاء (رالف لورين)

غني عن القول إن الصوف هو الخيار الأفضل عندما يتعلق الأمر بالملابس الخارجية. فأليافه الطبيعة تخلق جيوباً هوائية عازلة للحرارة مقارنة بباقي الأقمشة. لكن هذا لا يمنع من الحرص على اختيار نوعية جيدة من الصوف الطبيعي الخالص والابتعاد عن الاصطناعي أو الممزوج بخامات أخرى، مثل الأكليريك. أفضل الأنواع هو صوف الألباكا، عكس صوف الأغنام، نظراً لقدرته الطبيعية على سحب الرطوبة والحفاظ على الدفء. كما أنه لا يحتوي على اللانولين، وهي مادة شمعية موجودة في صوف الأغنام، قد تسبب حساسية لدى البعض. المأخذ الوحيد عليه أنه باهظ الثمن لندرته، الأمر الذي يجعل الكشمير الخيار الأمثل.

الأحذية المناسبة

تتوفر حالياً أحذية متنوعة لكل المناسبات بعضها مبطن بالفرو لتناسب أقاصي الجبال (جيورجيو أرماني)

كل أنواع الأحذية ذات الرقبة العالية مناسبة، لكن إذا كانت الأجواء ثلجية أو باردة للغاية، يمكن اعتماد الأحذية المبطنة بالفرو من الداخل، لأنها توفر عزلاً دافئاً وتحافظ على شكل خارجي أنيق. بالنسبة للأحذية العادية، يمكن أن تلعب نفس الدور في حال استعمالها مع جوارب صوفية. المهم أن الخيارات كثيرة لتغطي كل الأذواق، بدءاً من «السبور» التي تناسب النزهات في الهواء الطلق إلى الأكثر أناقة بكعوب عالية، تناسب المناسبات الرسمية.

النظارات الشتوية

لم تترك دار «رالف لورين» للبرد منفذاً في تشكيلتها الأخيرة لموسم الشتاء (رالف لورين)

لم تعد حكراً على الصيف، فزاوية الشمس المنخفضة في الشتاء تؤثر على العين وتؤثر عليها. بينما تغلب العدسات الداكنة في هذا الفصل، فإن الشركات وبيوت الأزياء العالمية باتت تتفنن فيها وتطرحها بأشكال وألوان شهية، مثل الأزرق السماوي والوردي حتى في أعلى الجبال. فيما يخص الأشكال، منها ذات الأحجام الكبيرة التي تغطي نصف الوجه، ومنها الصغيرة التي تخاطب شاباً يفضل تناسبها مع شكل الوجه أولاً، والعملية ثانية.

القفازات

القفازات أصبحت جزءاً من الأناقة وبالتالي لم تعد تكتفي بالصوف أو الجلد أو بلون واحد (أونوري)

أصبحت جزءاً من الأناقة حالياً وليس للتدفئة فقط، بالنظر إلى خاماتها وتطريزاتها. لكن بما أن الهواتف أصبحت جزءاً من حياتنا، فإن الاستثمار في قفازات مفتوحة عند الأصابع تبقى المفضلة لما تتيحه من سهولة لمس الشاشات واستعمال الهاتف من دون حاجة إلى خلعها.

الوشاح لا غنى عنه

الشال جزء مهم من الأناقة والوقاية (رالف لورين)

منذ بضعة مواسم والموضة تُروِّج للأوشحة ذات الأحجام الكبيرة، التي تبدو وكأنها بطانيات. رغم أنها تمنح الإطلالة مظهراً درامياً لافتاً، إلا أنها لا تناسب كل الأحجام، لهذا يجب مراعاة النسبة والتناسب عند اختيارها. في كل الأحوال، وبغضّ النظر عن أحجامها، يجب أن تكون بخامة طبيعية جيدة حتى ترتقي بالمظهر، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اختيار هذا الإكسسوار باللون أو النقشات المناسبة، يمكنه أن يضفي على إطلالة داكنة وعادية كثيراً من الإشراق والتألق.

المخمل المضلع والتويد

التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

الأول معروف باسم curdroy وهو مثل التويد من الخامات التي تنتعش في فصل الشتاء لمساهمتهما في حبس حرارة الجسم. يمكن أن يُعوِّض بنطلون مصنوع من أي من الخامتين عن بنطلون الجينز. المخمل المضلع يأتي بلون واحد كلاسيكي في الغالب، مثل العنابي والأسود أو الرمادي الغامق، وبالتالي يخلق إطلالة أنيقة، ربما تميل إلى العملية والكلاسيكية بعض الشيء، لكن من السهل إخراجها من هذه الخانة بتنسيقها مع أقمشة أخرى ومع ألوان مشعة. التويد في المقابل أكثر تنوعاً، إذ يمكن أن تتداخل فيه الخيوط بألوان مختلفة، ما يُغنيه عن استعمال قطع أخرى لتخرجه من خانة القتامة. بيوت أزياء كثيرة تطرحه منذ سنوات مثل «شانيل» إلى حدّ أنها أصبحت ضليعة في غزله، ليأتي بنعومة الحرير، من دون أن يفقد دفأه. لكن في ظل الموضة الرجالية السائدة حالياً على الأزياء النسائية، فإن بيوتاً أخرى مثل «روالف لورين» وغيرها تتعمد الحفاظ على شخصيته الذكورية لإطلالات درامية.