أربع فرضيات تفسر قرار الانسحاب الروسي

مصادر دبلوماسية غربية لـ «الشرق الأوسط»: القرار الروسي شكل مفاجأة لنا

مظاهر الدمار بحمص خلال مواجهات سابقة بين قوات النظام والمعارضة (رويترز)
مظاهر الدمار بحمص خلال مواجهات سابقة بين قوات النظام والمعارضة (رويترز)
TT

أربع فرضيات تفسر قرار الانسحاب الروسي

مظاهر الدمار بحمص خلال مواجهات سابقة بين قوات النظام والمعارضة (رويترز)
مظاهر الدمار بحمص خلال مواجهات سابقة بين قوات النظام والمعارضة (رويترز)

أرخى قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالبدء بسحب الأساسي من قواته الجوية وغير الجوية من سوريا الذي جاء مفاجئا للجميع بظله على أجواء جنيف وعلى المسؤولين والمفاوضين والدبلوماسيين الذين يرافقون المفاوضات من مجموعة الإشراف على وقف النار وبالمقام الأول على المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. ومنذ أن أعلن القرار، دارت التساؤلات والتحليلات على مغزى القرار وتوقيته وتداعياته على المسار التفاوضي الذي شهد عصر أمس أول لقاء رسمي بين دي ميستورا وبين وفد المعارضة السورية المنبثقة عن مؤتمر الرياض في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وقالت مصادر دبلوماسية غربية التقتها «الشرق الأوسط» في جنيف أمس مطولا إن القرار الروسي «شكل مفاجأة لها»، خصوصا أنها لم تلحظ أية مؤشرات تدل على حصوله. وكشفت هذه المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي حضر يوم الأحد الماضي اجتماعا في باريس ضمه إلى نظرائه الفرنسي والبريطاني والألماني والإيطالي و«وزيرة» خارجية الاتحاد الأوروبي «لم يأت إطلاقا على ذكره أو التلميح إليه»، مضيفة أنه استخدم «لغة فجة» داخل الاجتماع للتعبير عن «غيظ» أميركي إزاء التعاطي الروسي في مرحلة وقف الأعمال العدائية. وذهبت هذه المصادر إلى ترجيح أن يكون الطرف الروسي قد فاجأ أيضًا واشنطن بقراره.
بيد أن هذه المصادر وبانتظار أن يتبين بشكل أفضل مدى الانسحاب الروسي وترجمته ميدانيا وطبيعة القوات المنسحبة والأخرى التي ستبقى في سوريا والمهمات التي ستقوم بها، فضلت الالتزام بموقف «حذر» إذ إن موسكو «عودتنا على المفاجآت». ولكن بانتظار جلاء المواقف، فإن المصادر الغربية تطرح عدة فرضيات أولها أن تكون القرار الروسي «عقابًا للرئيس الأسد» لأنه لم يتعاون أو لم يستجب تماما لما تريد موسكو أن يقوم به بعد أن أخذ يشعر أنه في وضع قوي بفضل التدخل الروسي الكثيف الذي بدأ نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي. وبحسب هذه المصادر، فإنه إذا صحت هذه الفرضية فإن الأسد يكون قد ارتكب «خطأ فادحا لن يفلت من دفع ثمنه» باعتبار أن روسيا وفرت له بداية مظلة الحماية السياسية والدبلوماسية الدولية في الأمم المتحدة والمحافل الأخرى ومدته بالسلاح والعتاد والخبرات العسكرية قبل أن تهب لنجدته عندما وجدت أن وضعه العسكري قد تدهور وأن نظامه أصبح مهددا حقيقة.
أما الاعتبار الثاني الذي تتوقف عنده المصادر الغربية فيمس التكلفة المادية للتدخل الروسي رغم أنها تعتبر أن حرب روسيا في سوريا تدخل في باب الحروب «منخفضة الكلفة» لاعتبارات عسكرية وتقنية ونوعية الأسلحة المستخدمة وخلاف ذلك. بيد أن الوضع المتردي للاقتصاد الروسي لجهة تراجع أسعار النفط والغاز وحالة الميزانية الروسية يرجح أن تكون قد لعبت كلها دورا في حمل بوتين على اتخاذ قرار الانسحاب المفاجئ «كما اتخذ قرار التدخل الكثيف المفاجئ». ولا تستبعد هذه المصادر أن تكون موسكو قد سعت لقطع الطريق على عقوبات اقتصادية أميركية جديدة عليها، خصوصًا أن الوزير كيري كان قد أعلن أن فشل الهدنة سيعني اللجوء إلى خطة بديلة قد تكون عسكرية عن طريق تقديم دعم عسكري أقوى نوعيا وكميا للمعارضة أو فرض تدابير اقتصادية مشددة على روسيا. وفي أي حال، ترى هذه المصادر أن موسكو بررت تدخلها بالرغبة في ضرب التنظيمات التي تعتبرها إرهابية وعلى رأسها «داعش» و«النصرة». والحال أن هذه الهدف لم يتحقق رغم آلاف الطلعات التي قام بها الطيران الروسي. أما الهدف الثاني المتعلق بضرب المعارضة المعتدلة فهو الآخر لم ينجز لأن المعارضة رغم الأراضي التي خسرتها ما زالت قائمة وهي موجودة في جنيف للتفاوض وعادت فرض عملية الانتقال السياسية التي يريد النظام السوري الهروب منها على رأس جدول المفاوضات. وترى هذه المصادر أن الهدف الوحيد الذي حققته موسكو هو إنقاذ النظام في الوقت الراهن، مما يعني أن الحرب «ستستمر وأن روسيا ستجد نفسها غارقة في أوحالها وهذا ربما ما سعى بوتين لتلافيه» عبر قرار الانسحاب.
ولكن ما هي تبعات القررا الروسي على النظام؟
تقول المصادر الغربية إن النتائج مرتبطة عضويا بمدى الانسحاب وبالدور الذي سيعطى للقوات الروسية المتبقية في سوريا. ولكن الثابت أنه «سيشكل ورقة ضغط قوية على النظام» وسيحدث «انقلابا» في المفاوضات، الأمر الذي يفترض أن ينعكس على طريقة تعاطي دمشق مع المرحلة الجديدة وطبيعة أداء وفدها إلى جنيف. والسؤال الذي سيطرح نفسه في الأيام والأسابيع القادمة، يتناول قدرة النظام على المقاومة والبقاء واقفا على قدميه ورفض الضغوط إذا اتخذ الانسحاب الروسي طابعا جامعا.
في المقلب الإيراني، ترى هذه المصادر أنه «لا يتعين استبعاد أن يكون قرار موسكو رسالة لطهران كذلك»، علما أن بوادر توتر برزت بين العاصمتين في الأشهر الأخيرة. وكانت مصادر دبلوماسية قالت مؤخرا لـ«الشرق الأوسط» في باريس إن موسكو سعت لتسويق دورها في دمشق لدى دول خليجية بأن فائدته ستكون «تطويق النفوذ الإيراني» في سوريا.
وأمس أصدر دي ميستورا بيانا رحب فيه بالقرار الروسي واصفا إياه بأنه «تطور ذو معنى» وسيكون له «تأثير إيجابي على تقدم المفاوضات في جنيف الهادفة إلى إيجاد حل سياسي عبر عملية انتقال سياسية في هذا البلد». وقالت الخارجية الفرنسية إن «كل ما من شأنه المساهمة في تراجع العنف يجب أن يحظى بالتشجيع»، مضيفة أنه سيكون لها تأثير إيجابي إذا ما تمت ترجمتها ميدانيا.
وفي سياق مواز، اعتبرت بسمة قضماني، عضو الوفد السوري المعارض أن قرار بوتين جاء بمثابة «مفاجأة للجميع» وأنه «خبر جيد» للمعارضة من حيث المبدأ لأن من شأنه «إضعاف الأسد بسبب تراجع الدعم الذي كان يحظى به»، مضيفة أن روسيا استهدفت بالدرجة الأولى المعارضة المعتدلة وليس «داعش» أو «النصرة» كما كانت تدعي. وأشارت قضماني إلى وجود «مؤشرات» سابقة تبين أن موسكو ودمشق «لم تكونا على الخط نفسه» فيما لم تستبعد أن يكون قرار بوتين رسالة إلى الطرف الأميركي كذلك، بمعنى نقل الملف الساخن إليهم. فضلا عن ذلك، تعتبر قضماني أن من الأسباب التي قد تفسر قرار بوتين أن روسيا وصلت إلى نتيجة مفادها أن الأسد لن يكون قادرا على البقاء في السلطة أو إعادة فرض سلطته على كل الأراضي السورية وبالتالي لا فائدة من التعامل مع «نصف دولة»، خصوصًا أنه يستطيع المحافظة على مصالحه بطرق أخرى.
وصباح أمس، عقد وفد المعارضة السورية لقاء صحافيا بمناسبة دخول الانتفاضة السورية عامها السادس. وقال سالم المسلط، الناطق باسم الوفد التفاوضي إن الوفد موجود في جنيف للتفاوض بجدية ويريد «العثور على شريك حقيقي في المفاوضات يحرص على وضع حد لآلام السوريين»، وأضاف المسلط: «إذا كانت للنظام خطوطه الحمراء وهو بقاؤه، فإن خطنا الأحمر هو نصف مليون شهيد وهي أمانة في أعناقنا. ورفض المسلط أي دور للأسد في المرحلة الانتقالية منذ بدئها، معتبرا أن المطلوب عملية انتقال سياسية حقيقية. وشدد المسلط على أن طلب المعارضة هو أن تبدأ المحادثات في جنيف مباشرة حول هذه المسألة الجوهرية. أما بالنسبة لدور بروتوكولي للأسد مع بدء المرحلة الانتقالية، فقد أشار المسلط إلى أن قرار الشعب السوري هو ألا يكون للأسد دور وأن تشهد نهاية المفاوضات نهاية الأسد.
واليوم يلتقي المبعوث الدولي وفد النظام الذي التقاه الاثنين الماضي عملا بنهج المحادثات المنفصلة وغير المباشرة. وإذا حققت هذه الطريقة نجاحات معينة، يمكن عندها الانتقال إلى التفاوض وجها لوجه.



«اتفاق غزة»: الوسطاء يبحثون عن حل لتعثر «المرحلة الثانية»

فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»: الوسطاء يبحثون عن حل لتعثر «المرحلة الثانية»

فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون على طول زقاق موحل في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة بحي الزيتون بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تتواصل جهود الوسطاء للدفع نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم قبل نحو شهرين، وسط حديث إسرائيل عن أن هناك تعثراً وشروطاً إسرائيلية للانتقال لتلك المرحلة.

تلك الجهود التي تشمل تحركات واتصالات أميركية ومصرية بخلاف اجتماع عسكري بالدوحة، تعزز فرص التوصل إلى حل لإنهاء تعثر المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بحسب ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، معتقدين أن هناك ترقباً للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لحسم الانتقال من عدمه.

وعاد الحراك الأميركي بشأن غزة مكثفاً، وأطلع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا ترمب، وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين، على المستجدات بشأن اتفاق غزة خلال مؤتمر عبر الفيديو، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».

فلسطيني يجمع قوالب الخرسانة الخفيفة لبناء مأوى لعائلته قبل حلول فصل الشتاء في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن توم برّاك مبعوث ترمب يصل إلى إسرائيل، الاثنين، لبحث بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكدة أن «الزيارة بالغة الحساسية، وتقيّم مدى استعداد إسرائيل للتقدم نحو المرحلة الثانية، وتعكس نفاد صبر الرئيس ترمب إزاء تعثر الانتقال إلى المرحلة التالية من خطته لقطاع غزة، وستناقش قوات الاستقرار بغزة».

وأوضحت أن «برّاك يرى أن تركيا يجب أن تكون جزءاً من قوة الاستقرار، بفضل قدراتها العسكرية ونفوذها في غزة، ولكن إسرائيل تعدّ ذلك خطاً أحمر، إذ ترى أن أي طرف يحتفظ بعلاقات مع (حماس) لا يمكن أن يُصنف قوةَ استقرار، وإشراكه (في القوة الدولية) قد يقوض الاتفاق».

ورأت الهيئة زيارة برّاك، رغم أنه مهتم أكثر بشؤون سوريا ولبنان، «خطوة تحضيرية مباشرة للقاء المرتقب بين نتنياهو وترمب بفلوريدا في 29 ديسمبر (كانون الأول) الحالي»، في ظل انشغال ويتكوف وكوشنر بملف أوكرانيا.

وتأتي تلك الزيارة عشية استضافة الدوحة اجتماعاً للقيادة المركزية الأميركية، بمشاركة 25 دولة، الثلاثاء، لبحث هيكل القيادة وقضايا أخرى متعلقة بقوة الاستقرار في غزة، بحسب ما ذكره مسؤولان أميركيان لـ«رويترز» قبل أيام.

وسبق أن تحدثت القناة «14» الإسرائيلية أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بأن الولايات المتحدة حددت منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل، موعداً لبدء انتشار «قوة الاستقرار الدولية» في غزة، ونهاية أبريل (نيسان) المقبل موعداً نهائياً لإتمام عملية نزع السلاح من القطاع، مشيرة إلى أن ذلك طموح منفصل عن الواقع، في إشارة إلى إمكانية تأجيله مجدداً.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، أن المساعي الأميركية تعكس وجود ضغوط لتسهيل التفاوض بشأن المرحلة الثانية، التي تبدو معقدة للغاية مع مساعي نزع سلاح القطاع وتشكيل قوات الاستقرار ولجنة إدارة القطاع، مشيراً إلى أن «تلك الملفات لم تحسم بعد، وليست هناك ملامح بشأن إنجازها قريباً والأمور ضبابية».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، بأنه «أياً كانت المساعي فيجب أولاً وقف التماهي بين إسرائيل والولايات المتحدة، وأن تضغط واشنطن بقوة على نتنياهو، غير ذلك ستذهب التحركات الأميركية بلا نتائج مؤثرة، خصوصاً أن هناك حديثاً عن توجه للقفز للبند 17 من اتفاق غزة الذي يسمح ببدء تحركات فردية إسرائيلية في أماكن سيطرتها وإعمارها، وهذا أمر خطير».

ووسط تلك المساعي الأميركية، والمخاوف، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اتصال هاتفي، الاثنين، مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، أهمية ضمان استدامة وقف إطلاق النار، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة ترمب، وأهمية نشر قوة الاستقرار الدولية المؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، عن مصدر أمني، أن تنفيذ المرحلة الثانية «غير وشيك»، مع استمرار مساعي إسرائيل لاستعادة جثة الرهينة ران غويلي، التي تعد آخر جثة تطالب باستعادتها من قطاع غزة، فيما أفاد موقع «والا» العبري بأن تل أبيب تربط التقدم في الاتفاق باستعادة الجثة.

ويرى السفير هريدي أن إسرائيل تتعمد إفساد التوجه للمرحلة الثانية بتلك الذرائع، مشيراً إلى أن «القاهرة تعمل على إنهاء تلك الذرائع وتوسيع دائرة التحركات، لدفع واشنطن نحو إجبار نتنياهو على تنفيذ الاتفاق، وهذا سيتضح أكثر خلال لقاء القمة مع ترمب أواخر الشهر».

وشدد الرقب على أن «محددات المرحلة الثانية 3 أمور رئيسية؛ هي وصول قوات الاستقرار، وتشكيل لجنة إدارة القطاع، ووجود جهاز شرطي فلسطيني لتسلم غزة، وجميع ذلك لم يحدث، وبالتالي سيتأخر الانتقال لتلك المرحلة، ما لم يحسم ترمب الأمر مع نتنياهو خلال القمة المرتقبة».


الحد الأدنى للأجور يفجر تراشقاّ كلامياً بين ملياردير وبرلماني في مصر

مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
TT

الحد الأدنى للأجور يفجر تراشقاّ كلامياً بين ملياردير وبرلماني في مصر

مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)
مطالبات في مصر بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور (أرشيفية - رويترز)

تفجّرت مشادة كلامية بين رجل الأعمال المصري البارز نجيب ساويرس، وعضو مجلس النواب مصطفى بكري، حول قيمة الحد الأدنى للأجور في البلاد.

وبدأت المهاوشة على خلفية دعوة ساويرس لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه شهرياً (الدولار يساوي نحو 47.48 جنيه)، إلا أن الرد من بكري جاء لاذعاً، متهماً رجل الأعمال بـ«البطولة الوهمية»، مطالباً إياه بأن يبدأ بنفسه بتطبيق الحد الأدنى في شركاته قبل أن يطالب الدولة.

رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس (صفحته الرسمية)

كان نجيب ساويرس قال قبل أيام، خلال كلمته في مؤتمر توظيفي، إن مؤسسة «ساويرس للتنمية الاجتماعية» تواصل جهودها في دعم وتأهيل الشباب لسوق العمل، بما يسهم في رفع دخولهم من مستويات متدنية قد لا تتجاوز ألفي جنيه إلى نحو 14 و15 ألف جنيه، وهو ما اعتبره «الحد الأدنى الضروري للمعيشة وضمان حياة كريمة للمواطن في ظل التضخم الحالي».

وقرر «المجلس القومي للأجور» في فبراير (شباط) الماضي زيادة الحد الأدنى من 6 آلاف جنيه لتصل إلى 7 آلاف جنيه بدأ تطبيقها في مارس (آذار) الماضي.

وتأتي دعوة رجل الأعمال المصري وسط مطالبات مجتمعية وبرلمانية متزايدة برفع مستويات الدخل في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات وتكاليف المعيشة، ومع تذبذب مؤشرات التضخم.

وأصدر البنك المركزي المصري، الأربعاء الماضي، بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيان التضخم عن نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الذي أظهر استمرار التراجع الطفيف في وتيرة ارتفاع الأسعار؛ حيث بلغ معدل التضخم السنوي في الحضر 12.3 في المائة مقارنة مع 12.5 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول) السابق عليه.

ورغم أن مطلب ساويرس لاقى دعماً شعبياً واسعاً، وهو ما اتفق عليه أيضاً البرلماني والإعلامي مصطفى بكري، فإنه أضاف في تغريدة له على حسابه بمنصة «إكس»، موجهاً حديثه لرجل الأعمال: «ما رأيك أن تبدأ أنت بالمبادرة وترفع رواتب الموظفين عندك»، واتهم ساويرس بأن رواتب الأغلبية لديه «لا تتعدى 5760 جنيهاً شهرياً، وهناك من هو أقل من ذلك».

وأثارت هذه المهاوشة الافتراضية تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين من يرى أن ساويرس يسلط الضوء على قضية فعلية تتعلق بضعف الأجور، ومن يعتبر أن بكري محق في مطالبته لرجل الأعمال بأن يكون قدوة في مؤسساته الخاصة قبل أن يطالب الدولة بالتغيير.

وأيد كثير من نشطاء التواصل الاجتماعي أن يكون الحد الأدنى للأجر 15 ألف جنيه، وتمنوا أن يصل صوت ساويرس إلى المسؤولين في مصر.

كما تفاعل عدد من الإعلاميين مع ما نادى به رجل الأعمال، وقال الإعلامي عمرو أديب، خلال برنامجه «الحكاية»، مساء الأحد، «إن مصر تحتاج إلى وزارة للرحمة، وأن المجتمع المصري لن ينجو بالاقتصاد ولكن سينجو بالرحمة».

وأشار إلى أنه طالب بهذا الرقم قبل سنوات ما عرضه للانتقاد وقتها، موضحاً «أن الحد الأدنى الحالي للأجور البالغ 7 آلاف لا يطبق في أغلب الشركات».

بدوره، قال الإعلامي محمد علي خير، في برنامجه «المصري أفندي»، إن ملف الأجور في مصر أصبح أحد أخطر ملفات العدالة الاجتماعية، مشدداً على أن الدخول الحالية لم تعد قادرة على تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، خصوصاً للشباب المقبل على الزواج.

وأضاف: «الحديث عن أجور 4000 و5000 و6000 و7000 جنيه لم يعد مقبولاً في ظل الغلاء الحالي وتراجع القدرة الشرائية»، مؤكداً أن الأجور في مصر تحتاج إلى تغيير جذري وليس حلولاً شكليةً.

كما تبادل العديد من النشطاء الرؤى حول الحد الأدنى المناسب للراتب، لضمان حياة كريمة للملايين من العاملين.

وتطور الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص المصري منذ إقراره لأول مرة في يناير (كانون الثاني) 2022، حيث بدأ بـ2400 جنيه، ثم ارتفع إلى 2700 جنيه في يناير 2023، و3000 جنيه في يوليو (تموز) 2023، ثم 3500 جنيه في يناير 2024، و6000 جنيه في مايو (حزيران) 2024، ليصل إلى 7000 جنيه اعتباراً من مارس 2025.

في المقابل، انتقد بعض المدونين كلمات بكري المنتقدة لمطلب رجل الأعمال البارز، مطالبين إياه بمساندة ساويرس في كلامه بدلاً من السخرية منه. كما طالبه آخرون، كونه إعلامياً بارزاً وصوتاً للمواطن في البرلمان، بفتح النقاش عن الحد الأدنى للرواتب والمعاشات.

بينما سخر طرف ثالث من المهاوشة الافتراضية، لافتين إلى أن طرفيها رجلان يملكان الملايين، ويتنازعان حول أجور ومستحقات البسطاء، في حين أن المحصلة النهائية ستكون غياب أي نتيجة إيجابية من الطرفين.


أزمة تمويل تهدد معيشة اليمنيين خلال العام المقبل

فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
TT

أزمة تمويل تهدد معيشة اليمنيين خلال العام المقبل

فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)
فجوة كبيرة في التمويل الدولي الموجه إلى المساعدات وأعمال الإغاثة في اليمن (إ.ب.أ)

على الرغم من أن التدخلات التنموية في اليمن تمكّنت من إحداث فارق ملموس في تحسين سبل العيش، تزداد تحذيرات وكالات الأمم المتحدة من اتساع فجوة تمويل الأعمال الإنسانية في اليمن، مع سعيها إلى الاستجابة الطارئة لحماية الأطفال والفئات الأكثر هشاشة من الوصول إلى مستويات شديدة من نقص الاحتياجات.

نفاد الإمدادات

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) عن حاجتها إلى 126.25 مليون دولار، لتنفيذ خطتها الإنسانية في البلاد للعام المقبل، وضمان استمرار خدمات الصحة والتغذية والمياه والتعليم والحماية لملايين الأطفال الذين يعتمد غالبيتهم على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، محذرة من أن استمرار التدهور قد يحرم أعداداً متزايدة من الرعاية الأساسية.

وتراجعت حاجة «اليونيسف» إلى تمويل نشاطها في اليمن للعام المقبل بنسبة 40 في المائة عن العام الحالي، الذي طلبت فيه تمويلاً بمبلغ 212 مليون دولار.

ونبهت المنظمة الأممية إلى أن إغلاق أكثر من 3000 مركز تغذية، ونفاد الإمدادات الحيوية بحلول أوائل العام المقبل، يجعلان حياة مئات الآلاف من الأطفال عرضة للخطر.

ملايين الأطفال اليمنيين يواجهون خطر سوء التغذية ونقص الخدمات الصحية (الأمم المتحدة)

بدورها، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) نداء تمويلياً بقيمة 86.57 مليون دولار، لدعم سُبل العيش الزراعية وتعزيز القدرة على الصمود لنحو 9.15 مليون شخص في اليمن خلال العام نفسه.

تدخلات زراعية

تقدّر «فاو» أن اليمن يُعد ثالث أكبر أزمة غذاء في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 41 ألف شخص معرضون لخطر المجاعة، بعد عقد من بدء النزاع المسلح، والتطورات الأخيرة التي عطّلت سلاسل التوريد، إلى جانب الانهيار الاقتصادي والتغيرات المناخية القاسية.

ويتوقع المنسق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة، جمال بلفقيه، أن نقل مكتب منسق الشؤون الإنسانية إلى العاصمة المؤقتة عدن سيساعد بشكل كبير على تنفيذ خطط الاستجابة الإنسانية وتغيير مسار العمل الإنساني وبيان أثرها، داعياً إلى الشراكة بين المنظمات الدولية والقطاع الخاص في اليمن، لتوفير السلع الأساسية والشراء من السوق المحلية.

فجوة تمويل الإغاثة في اليمن تهدد بتراجع كبير في القدرة الشرائية للسكان وفق خبراء (أ.ف.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» يبدي المسؤول الإغاثي الحكومي قلقه من أن اختطاف الجماعة الحوثية العاملين في الوكالات الأممية، وممارسة الابتزاز باستخدام الورقة الإنسانية سيعوقان أداء المنظمات ويؤثران سلباً على الدعم الخارجي، مبدياً تفاؤله بأن تؤدي الإجراءات الاقتصادية الحكومية إلى تحسين أسعار المواد الأساسية، مما يساعد في تحسين القوة الشرائية.

وتوضح الوكالة الأممية أن 17.68 من التمويل سيُوجّه إلى صالح تدخلات زراعية طارئة لتحقيق تعافي سُبل المعيشة، ويشمل ذلك توزيع البذور، وتطعيم الماشية، وإعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية والمائية، في مساعٍ للحد من اعتماد السكان الكامل على المساعدات الغذائية، فيما سيُستخدم المبلغ المتبقي لتعزيز القدرة على الصمود للفئات المستهدفة.

وبسبب مواجهة برنامج الغذاء العالمي عجزاً كبيراً في تمويله، تم تقليص المستفيدين من خدماته إلى النصف، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية وسحب ما بين 200 و300 مليون دولار سنوياً من الأسواق المحلية، حسبما أورده المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، فارس النجار.

تعزيز صمود الريف

وبينما يحتاج البرنامج الأممي إلى أكثر من 300 مليون دولار للستة الأشهر المقبلة، لم يحصل سوى على 106 ملايين دولار فقط.

طفل يتلقى العلاج من سوء التغذية في أحد مستشفيات صنعاء (الأمم المتحدة)

ويقدّر النجار أن سوء التغذية سيؤدي إلى خسارة مستقبلية في إنتاجية الفرد ما بين 10 و15 في المائة، مما يعني اقتصاداً أصغر وناتجاً أقل لعقد كامل إذا لم تجرِ حماية الفئات الأضعف، لافتاً إلى أن عدم تمويل خطة الاستجابة الإنسانية سيضع اليمنيين أقرب من أي وقت مضى أمام سيناريوهات المجاعة.

في غضون ذلك، كشف الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) عن أن التدخلات التنموية متوسطة المدى يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً حتى في ظل استمرار النزاع، وأن هذه التدخلات عززت من تحسين سبل العيش والأمن الغذائي لعشرات الآلاف من السكان في المناطق الريفية في اليمن، رغم استمرار النزاع وانهيار البنية التحتية والخدمات الأساسية.

جاء ذلك بعد أن أظهر مشروع تنمية سبل العيش الريفية، المنفذ بين عامَي 2021 و2024، أن تحسين الوصول إلى المياه وتحديث أنظمة الري أسهما في خفض استهلاك المياه بنسبة وصلت إلى 80 في المائة، إلى جانب زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين دخل آلاف الأسر في خمس محافظات يمنية.

تنمية سبل العيش الريفية تُسهم في تحسين الإنتاج الزراعي وتحسين دخل آلاف الأسر (إيفاد)

وذكر «إيفاد»، في تقرير حديث، أن إجمالي تمويل المشروع وصل إلى 5.3 مليون دولار، وشمل 5 محافظات و31 مديرية، واستفاد منه أكثر من 84 ألف شخص في نحو 12 ألف أسرة ريفية. وركزت التدخلات على تحسين الوصول إلى المياه، وإعادة تأهيل أنظمة الري، وحماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، بالإضافة إلى دعم المزارعين بمدخلات زراعية وتدريب تقني.

ونوه «إيفاد» إلى أن اعتماد نهج التعاقد المجتمعي، بالشراكة مع صندوق التنمية الاجتماعية ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، مكّن المجتمعات المحلية من قيادة عملية التخطيط والتنفيذ، مما عزّز الحوكمة المحلية والتماسك الاجتماعي في بيئات تعاني هشاشة مؤسسية شديدة.

وبيّن التقرير أن تحديث البنية التحتية المائية أسهم في خفض استهلاك مياه الري بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المائة، وتحسين إنتاجية المزارعين، إلى جانب حماية 131 هكتاراً من الأراضي الزراعية. كما استفاد أكثر من 3300 مزارع من المدارس الحقلية والأعمال الزراعية، فيما تلقت 4000 امرأة ورجل تدريبات في مجالات التغذية والزراعة المنزلية.