الجلاد والضحية على طاولة التشريح

شهادة ترقى إلى مستوى الوثيقة عن زمن الديكتاتور العراقي

غلاف «في باطن الجحيم»
غلاف «في باطن الجحيم»
TT

الجلاد والضحية على طاولة التشريح

غلاف «في باطن الجحيم»
غلاف «في باطن الجحيم»

قليلة هي الروايات التي تتناول الجلاد والضحية في آنٍ معا. فالكاتب العراقي يركّز غالبا على نفسه بوصفه كائنا مُستلَبا ومقموعا ومُصادَرا وينسى الجلاد، أو أن تركيزه ينصب كليا على شخصية الجلاد وينسى ضحاياه، غير أن الروائي سلام إبراهيم قد فعل العكس تماما حينما وضع الجلاد وضحاياه على «طاولة» التشريح ليقدم لنا رؤية محايدة ترتقي فعلا إلى مستوى الوثيقة التي وضعت الأمور في نصابها الصحيح.
قد تبدو الإحالة الزمكانية في هذه الرواية «التعبيرية» المحايدة مراوغة بعض الشيء، لأن العنوان الرئيس مذيّل بحملة الأنفال بين 1987 و1988، لكن زمن الرواية الحقيقي يمتد إلى عام 1972 حينما اعتقل راوي النص ومبدعه وهو لم يجتز السادسة عشرة من عمره، وتعرّض إلى ضرب مبرح في مديرية أمن الديوانية ليذكِّرنا بأن فصول الاعتقال والتعذيب سوف تتكرر غير مرة قبل أن نلج وإياه إلى باطن الجحيم الحقيقي حينما يتعرض هو وثَنيّة روحه «بهار»، ناهدة جابر جاسم، وبقية رفاقه إلى القصف بالأسلحة الكيماوية المحرّمة دوليا في 1987/6/5، وسوف يمتد زمن الرواية إلى 2008، وهو العام الذي وضع فيه اللمسات الأخيرة على هذا النص السردي على الرغم من أن النهاية الإبداعية تتجسد في «التيه الإيراني» حينما يلقي الراوي اسمه الحركي جانبا ويستعيد اسمه الحقيقي بلذة مُضاعفة وكأنه يسترجع أرضا مغتصبة.
يشكل البيتان الشعريان اللذان استهل بهما الرواية عتبة نصية معبرة جدا تعزز ما ذهبنا إليه بصدد الدراسة المتوازنة لشخصيتي الجلاد والضحية: «ننصت أنا والطاغية/ هو في دهشة وامتعاض/ وأنا في نشوة وطرب/ هو في قفص وأنا في فضاء». وسوف تمتد ثنائية الامتعاض والنشوة، والسجن والحرية على مدار هذا النص الإنساني المؤثر. فالراوي يستمتع، ويشعر بالبهجة، ويغرق في المسرة حتى يصل حد النشوة، وهو يرى الجلاد مدهوشا، ممتعضا، مسجونا في قفص، بعد أن ترك مذعورا قمة الهرم ليلوذ بحفرة متعفنة دامسة الظلام. أما الراوي الذي ينتمي إلى شريحة الضحايا فقد أصبح حرا، طليقا، منتشيا نشوة غريبة قد تفوق نشوة الجِماع! فلا غرابة أن نسمعه يترنّم على مدار النص بأغنية يوسف عمر «آه يا أسمر اللون حبيبي الأسمراني»، ليراقب عن كثب محاكمة الطاغية عن جريمة «الأنفال» التي ارتكبها بحق الكرد العراقيين وليتابع بعين فاحصة وأذن مرهفة انكسارات الجلاد الذي فقد بريقه، وعاد إلى طبيعته الأولى من دون رتوش. لا يقتصر المكان على وادي زيوة أو كردستان برمتها، وإنما يمتد إلى تركيا وإيران وسوريا وموسكو والدنمارك، الأمر الذي سيمنح الرواية بُعدا كوزموبوليتانيا فيه الطبيب الروسي، والمحامي الدنماركي، والمحققة الهولندية، وعنصر الاستخبارات التركي، ورجل الأمن الإيراني وما إلى ذلك.
تكمن قوة هذا النص في منحاه التراجيدي، فعلى الرغم من قسوة العذابات البشرية التي تتعرض لها الشخصيتان الرئيستان، سلام وناهدة، اللذين تقنعا باسمي «أبي الطيب» و«بهار»، فإن كارثة القصف بالأسلحة الكيماوية كانت أشد وقعا من أي عذابات ثانوية أخرى، وذلك لبشاعة السلاح المحرّم الذي أودى بحياة بعض الضحايا أو كان سببا في إعاقتهم مدى الحياة بمن فيهم راوي النص وزوجته اللذان يعانيان من تداعيات الضربة الكيماوية حتى هذه اللحظة ولم يتخلصا من التأثيرات الجانبية لهذه الصدمة.
لقد أمسك راوي النص بتلابيبنا فعلا حينما وصف لنا الجحيم الذي أدخله الديكتاتور فيه، وأدخلنا كمتلقين أيضا، فأنا كقارئ كنت أتلمس على مدار الفصل الأول حجم الألم الفظيع الذي كان يعاني منه الراوي، حيث بدأ يشعر بالاختناق والاحتقان والحرقة الشديدة في عينيه الداميتين. ثم انتشار الألم الممض في معظم أنحاء جسده، وظهور الفقاعات المتقرحة في ظهره وخصيتيه وعضوه التناسلي، والتهاب لوزتيه اللتين أوشكتا أن تسدا بلعومه، كما ستصاب زوجته بالعمى المؤقت وبعض الأعراض المماثلة الأخف وطأة لأنها وضعت منديلا مبللا على فمها وأنفها في أثناء القصف خصوصا أنها شمّت رائحة غريبة غير طبيعية شبّهها أحد الرفاق الزوار بأنها «تشبه رائحة التفاح المتعفن والثوم». ولعل مشهد غط الرؤوس في مياه الينبوع الذي نصح به الدكتور أبو إلياس هو من أكثر المشاهد تأثيرا لأنها تكشف عن تعلّق الإنسان بالحياة، كما تعرّي بشاعة الجلاد ووحشيته في التعامل مع أبناء جلدته الذين يخالفونه في الرأي والعقيدة.
في خاتمة هذا الفصل نجد أنفسنا أمام شخصية إريك هانسن الذي استدعى الراوي إلى مكتبه في كوبنهاغن وحقق معه في تفاصيل حادثة القصف الكيماوي التي تعرّض لها نحو مائة شخص تقريبا وكان قد صورها أحد أعضاء «حدك» في اليوم الثاني من القصف، وقد وصل الشريط الذي ضم صور الضحايا من الشهداء والمعاقين والمحروقين إلى إريك هانسن الذي اختتم جلسته التحقيقية بسؤال الراوي إن كان يعرف نزار الخزرجي أم لا، وهل هو مستعد للإدلاء بشهادته في المحكمة الدولية لمجرمي الحرب بلاهاي في حال القبض عليه من قبل شرطة الإنتربول أم لا، خصوصا أن هذا الأخير كان رئيسا لأركان الجيش، وهو الذي أشرف على عمليات الأنفال آنذاك، وقد وصل إلى الدنمارك لاحقا، لكنه هرب في ظروف غامضة من مقر إقامته الجبرية قبيل الهجوم الأميركي على العراق عام 2003.

* قيامة جديدة
ظل الراوي يتابع جلسات المحاكمة بشغف لا يفتر على الرغم من غياب الطاغية، فزمرته لا تقل عنه صلفا وفظاظة وعنادا، إذ لم يعتذر منهم أحد لما اقترفته يداه بحق الشعب العراقي. ففي هذا الفصل سوف يُدخِل الديكتاتور عددا من رفاق الراوي في جحيم آخر لا يقل ضراوة عن الجحيم السابق، لكن الراوي وكاتب النص سيعتمدان على تقنية قطع الحدث ثم المعاودة إليه متنقلين بين بيته في الدنمارك ومقرات فصيل المكتب السياسي في زيوة وكاني ساركي، وبين غرفة في فندق بلاهاي قبل التوجه إلى المحكمة. وقد أسهمت هذه التنويعات في كسر رتابة السرد التقليدي الذي قد يستغرق في تيمة محددة. فحينما يكون في بيته بروزكلده يتأمل في ثنائية الضحية والجلاد، وعندما ينتقل إلى زيوة يضعنا في مواجهة كارثة جديدة سيهلك فيها العديد من رفاقه بغاز الأعصاب هذه المرة بعد أن هلك رفاقه في الفصل الأول بغاز الخردل الحارق. وحينما ينتقل إلى لاهاي يحاصرنا برقة الهولنديين، ورهافة مشاعرهم، وحرصهم على تحقيق العدالة، وإنزال العقاب الصارم بمواطنهم الهولندي الذي كان يزوِّد النظام الديكتاتوري السابق بالأسلحة الكيماوية.
يتسم الفصل الثاني بنفسه التراجيدي المفجع أيضا إذ تعرّض رفاق الراوي إلى القصف بغاز الأعصاب هذه المرة وفارق بعضهم الحياة مثل أبي جواد وأبي الوسن وأبي أسعد الذي انتحر فيما أصيب آخرون بالهلوسة والأعراض الهستيرية مثل منذر وعمّودي الذي لم يتشوّش كليا. ثمة أفكار فلسفية عديدة كانت تلتمع في ذهن الراوي أثناء بعض الحوادث المفجعة، حيث كان يشعر بأن الطبيعة تبدو غير آبهة بموت رفاقه الثلاثة الذين تمّ دفنهم بطريقة غير لائقة بهم، بل إنهم اضطروا لسحب جثة أبي جواد لثقلها قبل أن يضعوها في أخدود ويغطوها بدل التراب بالحجر! ثم يأمر مسؤول الموقع بحرق المقر والانسحاب صوب الحدود التركية مع آلاف مؤلفة من القرويين الأكراد الذين يعيشون قيامة جديدة بين أوان وآخر.

* معسكرات التيه
لا يخلو الفصل الثالث من حوادث مؤسية تتوفر على قدر كبير من الشد والتوتر والمفاجآت، حيث تجمع آلاف النازحين عند نقطة حدود تركية لم تصمد كثيرا أمام إلحاحهم بالدخول خصوصا أن القصف المدفعي أوشك أن يطالهم فلم يكن أمام السلطات التركية إلا أن توافق على استقبالهم في معسكر مخصص لهذا الغرض. ثمة مواقف كثيرة تستحق الرصد والدراسة والتحليل وذلك لأهميتها في السياق السردي لهذا النص الروائي، مثل خطف الطبيب الكردي واستدراج أبي ماجد الذي يتحدث الألمانية إلى خارج المعسكر وضربهما ضربا مبرحا بسبب وجودهما المريب بين هذه الجموع القروية الغفيرة. كما تحتاج حكمة الشيخ عطا الطالباني ورأيه بالأحلام النظيفة والرجال الأطهار إلى وقفة خاصة لتسلط الضوء على ثنائية نبل الكائن البشري وخسته في بعض الأوقات النضالية الحرجة.
إن نشر هذه الشهادة التي ترقى إلى مستوى الوثيقة واجب وطني يعري، كما أسلفت، ثنائية الجلاد والضحية، ويكشف عن مواطن قوتنا وضعفنا في آن معا. وقد نجح سلام إبراهيم في الجانبين التوثيقي والإبداعي على حد سواء.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».