صوت الأكثرية الصامتة في المسافة الفاصلة بين الثورة والدولة

عرفان نظام الدين يأسف على مآل الربيع العربي في «ربيع الأمل والدم»

جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
TT

صوت الأكثرية الصامتة في المسافة الفاصلة بين الثورة والدولة

جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})

من شرارة صغيرة ألهبت النار في جسد شاب تونسي بائس كان يحتج على إهانة شرطية له بينما كان يحاول أن يكسب دنانير قليلة من اقتصاد مغرق في استقطابه وتخلفه، من هذه الشرارة انطلقت عاصفة عاتية عبر العالم العربي كسّرت أصنام الخوف وأسقطت أنظمة لم يظن أحد من قبل أنها ستسقط فامتلأت القلوب بآمال التغيير والغد الأفضل. لكن هذه الموجة التي أطلق عليها أحدهم تسمية الربيع العربي قياسًا ربما على ربيع براغ 1968، تحولت بعد خمس سنوات إلى مأساة خالصة. لا يزال التاريخ هنا طازجًا وهنالك كثير من سوء الفهم المتعمد أو غير المتعمد في نقل وتحليل ما يجري وما قد جرى ويصعب بالتأكيد رؤية تأثيراته الحاسمة على مستقبل المنطقة العربية وشعوبها على المدى القصير. لكننا بالضرورة بحاجة إلى توثيق شهادات الخبراء الذين عاشوا المرحلة لتكون دليلا تستند إليه الأجيال لقراءة ما جرى، من هنا تأتي في رأينا قيمة كتاب «ربيع الأمل والدم» لمؤلفه عرفان نظام الدين.
أمضى نظام الدين قرابة نصف قرن في كواليس السياسة والصحافة المكتوبة والمرئية في العالم العربي، محاورا لمعظم الملوك والرؤساء والقادة والزعماء والدبلوماسيين العرب. وعلى مقربة منهم، شهد صعود وسقوط كثير من دول المنطقة العربية وتحولات الأزمنة فيها، فضلاً عن مشاركته الكثيفة - عبر كتبه ومقالاته وأنشطته التأسيسية والإدارية والاستشارية لكثير من مؤسسات صناعة الإعلام العربي. لذا فهو عندما يقدم لنا وجهة نظره في مآلات الربيع العربي، ربما ينبغي لنا أن ننصت جيدًا لما يقول.
في «ربيع الأمل والدم» الصادر عن دار الساقي - لندن 2015. يأخذنا المؤلف في مسيرة حافلة بالتساؤلات لاستكشاف أبعاد هذا «الربيع» ويحلل لنا خفاياه وأسبابه ويصف جذور انطلاقته وطاقة الأمل التي فتحها منذ مطلع العام 2011 ومن ثم خيبة أملنا جميعًا في تداعيات أحداثه الدموية التي ما زالت مستمرة إلى اليوم في غير بلد عربي.
يبدأ نظام الدين كتابه بفصل عن «جذور المحنة» يحلل فيه أصل الداء وعوامل المرض وهو في ذلك يرى أن «الأسباب الموجبة للثورة والاعتراض ليست ابنة ساعتها بل هي قديمة تعود إلى عمر الأنظمة وبدايات انطلاقتها بعد الاستقلال» وقيام الدول ضمن حدود سايكس - بيكو.
هو يتحدث عن بدايات الربيع، فيلاحظ بعين الخبير غياب القيادة الموحدة للثورات وتسرعها في الهدم دون البناء؛ إذ يقول إن كثيرًا من الظواهر الأولى للربيع تتشابه حد التطابق مع المشروع الأميركي المدعوم إسرائيليًا المعروف بالفوضى الخلاقة في إطار مشروع «الشرق الأوسط الجديد» ذلك رغم اعترافه بحسن نيات الغالبية الساحقة من المنتفضين، كما يحدد مركزية المشروع الصهيوني في قلب أزمات المنطقة العربية وتداخل ذلك حتميًا مع الصراعات الدولية الكبرى. ومن ثم يأخذنا إلى فصل ثان «عن دنيا العرب» يتطرق فيه إلى مواقع ضعف وهزال المنظومة المجتمعية والسياسية العربية التي حتمت على الربيع العربي أن يكون فصلاً من التاريخ أقرب إلى شتاء في «بلاد العجائب» منه إلى الربيع.
في الفصل الثالث جولة خاطفة على دول الربيع العربي: من تونس وثورة الياسمين حيث «دروس وعبر ثمينة»، إلى مصر التي انتهت ثورتها الفاشلة إلى الجمود والانقسام مع التشديد على الخطر الكامن في جماعات الإسلام المسيس، ثم إلى ليبيا حيث الفوضى العارمة التي تفتقد إلى الأفق، وسوريا الجريحة بحربها العبثية التي دمرت البلاد والعباد، قبل أن يصف تجربة السودان بوصفه كان ضحية التجربة الأولى في التقسيم على أسس عرقية وهو النموذج الذي يسعى البعض لتطبيقه في بقية البلدان بعد إسقاط أنظمتها الحاكمة. يتساءل الكاتب هنا عن «ربيع القدس»، لكنه يريده - بعد أنهار الدماء التي سالت في العالم العربي - لأن يكون ربيع نضال سلمي يوفر دماء الناس ويتحدى آلة القمع الإسرائيلية دون عسكرة غير متكافئة.
موقف نظام الدين من «الربيع العربي» إذن نقدي بامتياز، وقد أسهب كثيرًا في تحليل حتمية هبوب عاصفة التغيير على بلاد العرب إن آجلا أم عاجلاً بسبب انسداد الأفق وانعدام الأمل مع تفشي الفساد والتفرد بصنع القرار، لكنه لا ينكر أن لهذا الربيع فضيلة كسر جدار الخوف وأصنام الرعب، فـ«بين الحلم والواقع مسافة فاصلة»، وهذا ما سيكتشفه الشباب العرب عندما ينتقلون من «ميادين الثورات إلى أرض الواقع» وفيضان العواطف إلى عالم الممارسة العملية ومقتضيات تقديم التنازلات وفق معادلة الممكن والمستحيل وتقاطعات القوى وتناقضاتها. في الفصل الرابع «إلى أين؟»، الذي ربما يكون أهم فصول الكتاب، يهمس في أُذن شباب العرب بحكمة الشيخ المجرب «ما من ثورة، عبر التاريخ، استمرت إلى ما لا نهاية، بل وصلت إلى حدّ وجدت نفسها أمام واقع يستدعي الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة». ورغم قناعته بأن الأنظمة العربية قد وصلت إلى «نقطة لم يعد فيها معظم القادة العرب يملكون فيها أجوبة ولا خطة ولا حلاً ولا حتى قدرة على مواصلة مهامهم» فإنه يحذر من استبدال ديكتاتورية النخب بديكتاتورية الشارع، لأن الأخيرة «وصفة للدمار الشامل وجواز سفر مجهزٍ لقوى الظلام» وهو قلق كثيرًا ليس من ثورة مضادة، بل إن «الخوف الحقيقي هو على الثورة من الداخل».
ويعطي نظام الدين إضاءة على التحديات الحقيقية التي هي بانتظار شباب العرب ما بعد الثورات فيقول: «وبانتظار بلورة الشكل الجديد المعدّل لأنظمة الحكم المستقبلية.. وبعيدًا عن السياسة وشجونها وما يخطط له من دساتير وقوانين وانتخابات وصراعات وتنافس أحزاب.. لا بد من دق نواقيس خطر لقضية شائكة تتعلق بحياة الناس وحاضرهم ومستقبل أجيالهم: إنها القضية الاقتصادية». ويذكرنا بظاهرة «الحيطيست» الجزائرية وكيف أن البطالة تولد النقمة والأحقاد ولا تأتي إلا بشر مستطير. فكيف لأمة أن تنهض وفيها «52 مليونا يعيشون تحت خط الفقر.. و65 مليونا يعانون من الأمية..»..
وليؤكد على ما سماه «فساد مآلات الربيع المزعوم» يفتح نظام الدين ملفي الإعلام والثقافة في العالم العربي. ولا ينكر بأي حال مأزومية الإعلام العربي (خريف في ربيع) حتى من قبل (الربيع)، إذ يستنكر ظهور طبقة المحللين الثرثارين «الذين صبوا الزيت على النار»، وأيضًا «انعدام الأخلاقيات المهنية وتقلب المواقف. فيبدي خيبة أمل كبيرة بحال الثقافة كالمثقفين الذين كان ينبغي اعتبارهم الرابح الأكبر من رياح التغيير، لكنهم كانوا أول ضحاياه : «جرت الرياح بما لا تشتهي السفن الثقافية».
ثم يخصص الكاتب الفصل الخامس من كتابه ليتحدث عن «الإسلاموفوبيا» وفيه يفرق مبدئيا بين الدين الإسلامي - القائم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة - والإسلام السياسي بتجاربه الخطرة في أكثر البلاد العربية. يرفض الكاتب حفلات العسكرة كما العنف المجنون ودعوات القتل التي ترتكب باسم الإسلام، معتبرا إياها سبب دمار الربيع العربي، بينما يستشهد بما تركته الانتفاضة الفلسطينية الأولى من تأثيرات هائلة في وجدان العالم.
أما آخر فصول الكتاب «ما العمل؟» فهو بمثابة إشارات لتصحيح المسيرة لمرحلة مقبلة مع تحذيره المسبق بأن «المشوار طويل والطريق محفوف بالمخاطر»، ثم يقترح خطوطًا عريضة لبرنامج يعتمد الديمقراطية الانتخابية، تداول السلطة، فصل السلطات، سيادة القانون، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بوصفها أساسات البناء لإعادة تشكيل السياسة والاقتصاد والثقافة في العالم العربي ضمن مرحلة انتقالية تؤدي إلى بناء عقد اجتماعي جديد.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.