صوت الأكثرية الصامتة في المسافة الفاصلة بين الثورة والدولة

عرفان نظام الدين يأسف على مآل الربيع العربي في «ربيع الأمل والدم»

جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
TT

صوت الأكثرية الصامتة في المسافة الفاصلة بين الثورة والدولة

جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})
جانب من مظاهرات بميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير المصرية ({الشرق الأوسط})

من شرارة صغيرة ألهبت النار في جسد شاب تونسي بائس كان يحتج على إهانة شرطية له بينما كان يحاول أن يكسب دنانير قليلة من اقتصاد مغرق في استقطابه وتخلفه، من هذه الشرارة انطلقت عاصفة عاتية عبر العالم العربي كسّرت أصنام الخوف وأسقطت أنظمة لم يظن أحد من قبل أنها ستسقط فامتلأت القلوب بآمال التغيير والغد الأفضل. لكن هذه الموجة التي أطلق عليها أحدهم تسمية الربيع العربي قياسًا ربما على ربيع براغ 1968، تحولت بعد خمس سنوات إلى مأساة خالصة. لا يزال التاريخ هنا طازجًا وهنالك كثير من سوء الفهم المتعمد أو غير المتعمد في نقل وتحليل ما يجري وما قد جرى ويصعب بالتأكيد رؤية تأثيراته الحاسمة على مستقبل المنطقة العربية وشعوبها على المدى القصير. لكننا بالضرورة بحاجة إلى توثيق شهادات الخبراء الذين عاشوا المرحلة لتكون دليلا تستند إليه الأجيال لقراءة ما جرى، من هنا تأتي في رأينا قيمة كتاب «ربيع الأمل والدم» لمؤلفه عرفان نظام الدين.
أمضى نظام الدين قرابة نصف قرن في كواليس السياسة والصحافة المكتوبة والمرئية في العالم العربي، محاورا لمعظم الملوك والرؤساء والقادة والزعماء والدبلوماسيين العرب. وعلى مقربة منهم، شهد صعود وسقوط كثير من دول المنطقة العربية وتحولات الأزمنة فيها، فضلاً عن مشاركته الكثيفة - عبر كتبه ومقالاته وأنشطته التأسيسية والإدارية والاستشارية لكثير من مؤسسات صناعة الإعلام العربي. لذا فهو عندما يقدم لنا وجهة نظره في مآلات الربيع العربي، ربما ينبغي لنا أن ننصت جيدًا لما يقول.
في «ربيع الأمل والدم» الصادر عن دار الساقي - لندن 2015. يأخذنا المؤلف في مسيرة حافلة بالتساؤلات لاستكشاف أبعاد هذا «الربيع» ويحلل لنا خفاياه وأسبابه ويصف جذور انطلاقته وطاقة الأمل التي فتحها منذ مطلع العام 2011 ومن ثم خيبة أملنا جميعًا في تداعيات أحداثه الدموية التي ما زالت مستمرة إلى اليوم في غير بلد عربي.
يبدأ نظام الدين كتابه بفصل عن «جذور المحنة» يحلل فيه أصل الداء وعوامل المرض وهو في ذلك يرى أن «الأسباب الموجبة للثورة والاعتراض ليست ابنة ساعتها بل هي قديمة تعود إلى عمر الأنظمة وبدايات انطلاقتها بعد الاستقلال» وقيام الدول ضمن حدود سايكس - بيكو.
هو يتحدث عن بدايات الربيع، فيلاحظ بعين الخبير غياب القيادة الموحدة للثورات وتسرعها في الهدم دون البناء؛ إذ يقول إن كثيرًا من الظواهر الأولى للربيع تتشابه حد التطابق مع المشروع الأميركي المدعوم إسرائيليًا المعروف بالفوضى الخلاقة في إطار مشروع «الشرق الأوسط الجديد» ذلك رغم اعترافه بحسن نيات الغالبية الساحقة من المنتفضين، كما يحدد مركزية المشروع الصهيوني في قلب أزمات المنطقة العربية وتداخل ذلك حتميًا مع الصراعات الدولية الكبرى. ومن ثم يأخذنا إلى فصل ثان «عن دنيا العرب» يتطرق فيه إلى مواقع ضعف وهزال المنظومة المجتمعية والسياسية العربية التي حتمت على الربيع العربي أن يكون فصلاً من التاريخ أقرب إلى شتاء في «بلاد العجائب» منه إلى الربيع.
في الفصل الثالث جولة خاطفة على دول الربيع العربي: من تونس وثورة الياسمين حيث «دروس وعبر ثمينة»، إلى مصر التي انتهت ثورتها الفاشلة إلى الجمود والانقسام مع التشديد على الخطر الكامن في جماعات الإسلام المسيس، ثم إلى ليبيا حيث الفوضى العارمة التي تفتقد إلى الأفق، وسوريا الجريحة بحربها العبثية التي دمرت البلاد والعباد، قبل أن يصف تجربة السودان بوصفه كان ضحية التجربة الأولى في التقسيم على أسس عرقية وهو النموذج الذي يسعى البعض لتطبيقه في بقية البلدان بعد إسقاط أنظمتها الحاكمة. يتساءل الكاتب هنا عن «ربيع القدس»، لكنه يريده - بعد أنهار الدماء التي سالت في العالم العربي - لأن يكون ربيع نضال سلمي يوفر دماء الناس ويتحدى آلة القمع الإسرائيلية دون عسكرة غير متكافئة.
موقف نظام الدين من «الربيع العربي» إذن نقدي بامتياز، وقد أسهب كثيرًا في تحليل حتمية هبوب عاصفة التغيير على بلاد العرب إن آجلا أم عاجلاً بسبب انسداد الأفق وانعدام الأمل مع تفشي الفساد والتفرد بصنع القرار، لكنه لا ينكر أن لهذا الربيع فضيلة كسر جدار الخوف وأصنام الرعب، فـ«بين الحلم والواقع مسافة فاصلة»، وهذا ما سيكتشفه الشباب العرب عندما ينتقلون من «ميادين الثورات إلى أرض الواقع» وفيضان العواطف إلى عالم الممارسة العملية ومقتضيات تقديم التنازلات وفق معادلة الممكن والمستحيل وتقاطعات القوى وتناقضاتها. في الفصل الرابع «إلى أين؟»، الذي ربما يكون أهم فصول الكتاب، يهمس في أُذن شباب العرب بحكمة الشيخ المجرب «ما من ثورة، عبر التاريخ، استمرت إلى ما لا نهاية، بل وصلت إلى حدّ وجدت نفسها أمام واقع يستدعي الانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة». ورغم قناعته بأن الأنظمة العربية قد وصلت إلى «نقطة لم يعد فيها معظم القادة العرب يملكون فيها أجوبة ولا خطة ولا حلاً ولا حتى قدرة على مواصلة مهامهم» فإنه يحذر من استبدال ديكتاتورية النخب بديكتاتورية الشارع، لأن الأخيرة «وصفة للدمار الشامل وجواز سفر مجهزٍ لقوى الظلام» وهو قلق كثيرًا ليس من ثورة مضادة، بل إن «الخوف الحقيقي هو على الثورة من الداخل».
ويعطي نظام الدين إضاءة على التحديات الحقيقية التي هي بانتظار شباب العرب ما بعد الثورات فيقول: «وبانتظار بلورة الشكل الجديد المعدّل لأنظمة الحكم المستقبلية.. وبعيدًا عن السياسة وشجونها وما يخطط له من دساتير وقوانين وانتخابات وصراعات وتنافس أحزاب.. لا بد من دق نواقيس خطر لقضية شائكة تتعلق بحياة الناس وحاضرهم ومستقبل أجيالهم: إنها القضية الاقتصادية». ويذكرنا بظاهرة «الحيطيست» الجزائرية وكيف أن البطالة تولد النقمة والأحقاد ولا تأتي إلا بشر مستطير. فكيف لأمة أن تنهض وفيها «52 مليونا يعيشون تحت خط الفقر.. و65 مليونا يعانون من الأمية..»..
وليؤكد على ما سماه «فساد مآلات الربيع المزعوم» يفتح نظام الدين ملفي الإعلام والثقافة في العالم العربي. ولا ينكر بأي حال مأزومية الإعلام العربي (خريف في ربيع) حتى من قبل (الربيع)، إذ يستنكر ظهور طبقة المحللين الثرثارين «الذين صبوا الزيت على النار»، وأيضًا «انعدام الأخلاقيات المهنية وتقلب المواقف. فيبدي خيبة أمل كبيرة بحال الثقافة كالمثقفين الذين كان ينبغي اعتبارهم الرابح الأكبر من رياح التغيير، لكنهم كانوا أول ضحاياه : «جرت الرياح بما لا تشتهي السفن الثقافية».
ثم يخصص الكاتب الفصل الخامس من كتابه ليتحدث عن «الإسلاموفوبيا» وفيه يفرق مبدئيا بين الدين الإسلامي - القائم على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة - والإسلام السياسي بتجاربه الخطرة في أكثر البلاد العربية. يرفض الكاتب حفلات العسكرة كما العنف المجنون ودعوات القتل التي ترتكب باسم الإسلام، معتبرا إياها سبب دمار الربيع العربي، بينما يستشهد بما تركته الانتفاضة الفلسطينية الأولى من تأثيرات هائلة في وجدان العالم.
أما آخر فصول الكتاب «ما العمل؟» فهو بمثابة إشارات لتصحيح المسيرة لمرحلة مقبلة مع تحذيره المسبق بأن «المشوار طويل والطريق محفوف بالمخاطر»، ثم يقترح خطوطًا عريضة لبرنامج يعتمد الديمقراطية الانتخابية، تداول السلطة، فصل السلطات، سيادة القانون، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، بوصفها أساسات البناء لإعادة تشكيل السياسة والاقتصاد والثقافة في العالم العربي ضمن مرحلة انتقالية تؤدي إلى بناء عقد اجتماعي جديد.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».