منال العالم: هاجسي إيصال تفاصيل مطبخنا الشرقي إلى العالم

أول طاهية تدخل ثقافة المعايير على المطبخ العربي من أجل وصفات مطابقة

وصفات منال العالم في كتاب - حلوى منال - البيتزا على طريقة منال العالم
وصفات منال العالم في كتاب - حلوى منال - البيتزا على طريقة منال العالم
TT

منال العالم: هاجسي إيصال تفاصيل مطبخنا الشرقي إلى العالم

وصفات منال العالم في كتاب - حلوى منال - البيتزا على طريقة منال العالم
وصفات منال العالم في كتاب - حلوى منال - البيتزا على طريقة منال العالم

قد يكون القول المأثور «الوصول إلى قلب الرجل يمر بمعدته»، هو حقيقة لامستها الشيف منال العالم.
فعندما اكتشفت شغفها بالمطبخ لم يكن لديها إلا زوجها، لتجري عليه تجارب التذّوق لأطباقها المالحة والحلوة. وتقول: «أنا ستّ بيت بالدرجة الأولى. وعندما تزوّجت شعرت أن مسؤوليتي تجاه زوجي كبيرة بخصوص تحضير الطعام له. وبما أنني كنت أستقرّ في الكويت بعيدًا عن أمي في الأردن، قررت أن أخوض هذا التحدّي وحدي وأن أكون على المستوى المطلوب». وتضيف الشيف التي أعدّت وقدّمت أكثر من برنامج تلفزيوني على شاشات عربية: «التحدّي الأكبر بالنسبة للوصفات التي كنت أقرأها في كتب تعليم الطبخ هو تطبيق الوصفة كما هي، ولم يكن هذا الأمر مكتملا في تلك الوصفات إذ كانت تعتمد على معايير بدائية: ملعقة شاي ونصف كوب ورشة بهار، وإلى ما هنالك من معايير اعتدنا استعمالها في مطبخنا على البركة. ومن هنا جاءتني فكرة استعمال المقادير بمكاييل خاصة. فهذا الأمر مهم جدّا لتحضير الطبق نفسه أكثر من مرة وليتمتّع بنفس الطعم».
وعن دور زوجها في تلك الفترة قالت: «لا شك أن زوجي لعب دورا هاما في مشواري هذا، إذ كان يتقبّل أطباقي ويزودني بملاحظاته بنعومة دون أن يجرحني. والأهم هو أنه كان يثني على طعامي دائما ويقول لي «ست الستات فأطباقك لذيذة جدا»، مع أنني كنت أعلم أنه كان ينقصها بعض النكهات. لقد كان باله طويلا ومشجعا كبيرا لي، ويعطيني ملاحظاته بطريقة إيجابية وهذه التفاصيل مجتمعة تلعب دورا هاما لدى الزوجة، التي يهمّها رأي زوجها أولا في صناعة أطباقها».
وتتذكّر: «لقد كان لدي في البداية تجارب فاشلة لا بل محبطة، فأول مرة صنعت طبق يخنة البازيللا كانت مجرّد حبيبات خضراء تسبح في مرقة حمراء، لا طعم ولا نكهة. حينها قال لي زوجي أنت تصنعيها بطريقة مختلفة فهذا يميّزك عن غيرك، ولكن ما رأيك لو جعلت المرق أكثر سماكة؟»
تؤكّد الشيف منال، التي ذاع صيتها في العالم العربي، فصارت مثلا يحتذى به في المطبخ الشرقي، وشاركت في لجنة حكم برنامج «النجم الشيف» على قناة «إم بي سي»، كما صار يستعان بها في المهرجانات كعضو في لجان حكم تشرف على مسابقات إعداد الطعام، أن كتب الطبخ العربية في الماضي لم تكن شبيهة وصفاتها أبدا بتلك الموجودة في المجلات الأجنبية، فكانت تشعر دائما بأن هناك أمرا ما ناقصا في الوصفة. «صرت أقرأ وأبحث وأفتّش عن الحلّ لملء هذا النقص، وأضع ميزانية مادية لشرائي بعض الكتب والمجلات، فبدل أن أشتري فستانا أو حقيبة كنت أفضل أن أشتري كتابا للطبخ في معارض الكتب التي كانت تجري هنا وهناك».
وتتابع: «لقد استهللت عصارة أبحاثي هذه بدعوة أصدقاء وأقارب لي لمشاركتي في وصفات قرأتها في المجلة الأميركية (شوكولاتييه). فحققت نتائج جيّدة وكرّت السبحة بعدها، إذ صرت أدعو صديقاتي لمشاهدتي وأنا أحضّر أطباقًا عدة، مشترطة عليهن أن لا يدونوا ما أقوم به، بل أن يستمتعوا بمراقبتي، وأنا بعدها أوزّع عليهن الوصفة مكتوبة بخطّ يدي».
درست الشيف منال الأردنية الأصل علم النفس في كلية الآداب في جامعة عين شمس، إلا أن شغفها بالطبخ حوّلها لامتهان الطهي ونشر أسلوبها في العالم أجمع.
وتشير الشيف منال، وهي واحدة من النساء القليلات المعروفات في هذا المجال عربيا، والذي تقتصر نجاحاته على الرجل الشيف في غالبية الوقت، إلى أن «أي وصفة قد نرغب في القيام بها علينا عدم تجزئة أي مقادير منها، أو التلاعب فيها لتكون متينة بعناصرها. فلا يتبدّل طعمها أبدا وهنا يكمن سرّ ربّة المنزل الناجحة في المطبخ حسب رأيها».
المعلومات التي تقدّمها الشيف منال في أي وصفة ترتكز على ذكر المقادير مع معاييرها مع درجة الحرارة للفرن ونوع الأواني المستخدمة فيها. وتعلّق: «كل هذه العناصر مجتمعة تؤثّر على الطبق، فإذا ما استعملنا مثلا وعاء معدنيا غير الذي يجب أن يطبخ فيه الطعام قد يشهد طعمه تغييرا». فلا سكّينة ولا ملعقة ولا لوح خشب ولا كوب ولا ملعقة تهيمن على مسيرة تحضير الطبق عند الشيف منال، إذ إن المكاييل الخاصة هي التي تلازمها فقط في مطبخها.
استمرّت «منال العالم» في عقد تجمعاتها هذه، إلى حين تحولّت من لقاءات بسيطة إلى صفوف تعلّم فيها الطبخ. وحسب خبرتها فهناك سرّين ساهما في انتشارها، ويرتكز الأول على نشرها ثقافة المعايير، والثاني على الشغف الذي تكنّه للطبخ. «هي متعة لا تشبه أي متعة أخرى، تعتمد على الوضوح وليس على سحر الأنامل كما يخيّل للبعض، فمن أجل تقديم طبق جيد عليك أن تستمتعي في تحضيره وتطبّقيه بالمقادير اللازمة له. كل التعب الذي تبذله المرأة في المطبخ يتحوّل إلى سعادة، عندما يقال لها «ما أطيب أكلاتك كيف حضّرتها؟».
للشيف منال العالم عدة إصدارات في مجال الطهي، بينها كتاب «وصفات في بطاقات» و«الطهي بالمايكرويف» و«منال العالم». ومن بين برامجها التلفزيونية المعروفة، «تسلم إيدك» على قناة الكويت، و«مطبخ منال» على «إم بي سي»، و«سفرة منال» على تلفزيون «الراي».
اليوم يستعان بالشيف منال في المطاعم والفنادق، عندما تطلب بالاسم لتحضير مائدة ضخمة لمناسبة مهمّة (أعراس وخطوبة وغيرها).كما أسست «نادي منال» ويضمّ في عضويته 6 آلاف امرأة من الكويت والعالم العربي.
أما فنّ الاستحداث، فهو لا يغيب عن «مطبخ منال»، إذ لمعت في تحضير حلوى الكنافة مثلا والتي تقدّمها على شكل أقماع محشوة، صارت أسلوبا يحتذى به في المطاعم والفنادق، كذلك الأمر بالنسبة لأسلوبها في تحضير العوامات والزلابية في أكياس خاصة توضع فيها عجينة هذه الحلويات لتخرج بشكل يسيل له اللعاب.
«أحب تحضير أطباق الحلويات فأتفنن في تطبيقها وكذلك الأمر بالنسبة للطعام، إلا أنه لدي ضعف للأول ولكن في الحالتين أقوم بما أشعر به وبما يدفعني إحساسي لإنجازه بهذه الطريقة أو بتلك». تقول الشيف منال في سياق حديثها لـ«الشرق الأوسط».
وعما يستفزّها في المطبخ الحديث أجابت: «يستفزني فيه أسلوب الطهي، فالناس بدأت تفقد هويتها بفعل ظاهرة (الفيوجن) الرائجة في مطابخنا اليوم، لست ضدّها فأنا استخدمها أيضًا، وهي تشكّل نوعا من لقاء الأجيال، شرط أن لا تفقدنا هويتنا العربية الحقيقية. فمن الجيّد المزج بين أطباقنا العربية والغربية، ولكن بعيدا عن المبالغة، فهناك حركات تجري في هذا الإطار غير مدروسة بتاتا، فالدمج يجب أن يحصل بذكاء».
وتضيف بهذا الصدد: «كيف يمكن أن يقوم يابانيا مثلا بتحضير طبق الكوسى باللبن الشرقي؟ فلذلك يجب أن نبذل جهدا لنتعلّم كيف نكتب تلك الوصفات، وهذا هو هاجسي في الحقيقة، لأوصل مطبخنا الشرقي بحذافيره للعالم أجمع». وتختم قائلة: «زي ما نحنا انفتحنا على الغرب علينا أن نكون جاهزين لانفتاحهم علينا وعلى أسس وركائز متينة».
وعن نصيحتها للمرأة العربية تقول: «عليها أن تعرف كيف تختار وبوعي أطباق مائدتها اليومية. فالحفاظ على الصحة من خلال أطباق صحية وتحتوي على عناصر التغذية المطلوبة يجب أن تتصدّر مائدتها». كيف ذلك؟ «ثقافة الغذاء تتضمن تقديم أطباق منوعة (مرة سمك ومرة لحمة حمراء أو بيضاء)، فيجب أن تحتوي الأطعمة على فيتامينات وبروتينات ونشويات، تحمينا من الأمراض، وتشكّل لنا أسلوبا غذائيا صحيحا. فهذا الموضوع ما زال بعيدًا عنّا ولا نعطيه الاهتمام المطلوب كوننا متعلقين حتى الآن بموروثات مطبخنا القديم، فيجب أن ندخل التغيير ونعلّمه لأولادنا». وتضيف: «أنا شخصيا أضع خطة أسبوعية للأطباق التي علي أن أحضّرها لأفراد عائلتي، وهذا الجدول يتبدّل من أسبوع لآخر، لكن ضمن عناصر تغذية مطلوبة لصحة سليمة». وتدعو الشيف منال المعروفة جدا في العالم العربي، إلى اتباع هذه الخطة حتى أثناء تسوقنا في السوبر ماركت والتعاونيات وتقول: «ممنوع علينا اليوم أن نتسوق بشكل عشوائي، وإنما بطريقة مدروسة، وبذلك نكون قد وفّرنا المال من ناحية والوقت اللازم للقيام بهذه الأمور من ناحية ثانية».
وتشدد الشيف منال على وجود طبق السلطة يوميا على المائدة: «قد يجهل كثيرون فوائد هذا الطبق الضروري في حياتنا اليومية، فالجرجير كما البقدونس والخسّ وجميع الخضراوات الورقية تحتوي على الألياف المهم تناولها».
مع «منال العالم» اجتاز مطبخنا المسافات البعيدة وتجاهل التقاليد البالية، فارتفع إلى مستوى المطبخ العالمي، من خلال تمسّكها بمعايير وصفات أطباقه، التي معها يستطيع أي شخص في أي بقعة وجد فيها على كوكبنا، أن يتلذذّ بطعمها الأصيل دون زيادة أو نقصان.



مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.


أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)
TT

أسبوع المطبخ التركي 2026 يحتفي بتاريخ الطهي

دولما تركية (الشرق الأوسط)
دولما تركية (الشرق الأوسط)

بين عبق التوابل العثمانية، ودفء الموائد العائلية الممتدة عبر قرون، تعود تركيا هذا العام للاحتفاء بتراثها الغذائي من خلال الدورة الخامسة لأسبوع المطبخ التركي 2026، الذي يُقام تحت شعار «مائدة التراث» ويبدأ في 21 مايو (أيار) حتى 27 من الشهر نفسه في تركيا وحول العالم. وفي مبادرة تجمع بين الثقافة وفنون الطهي، تسعى الفعاليات إلى تقديم المطبخ التركي بوصفه سجلاً حياً للذاكرة الجماعية، ولغة إنسانية تتجاوز الحدود، حيث تتحول الأطباق التقليدية إلى حكايات عن الهوية والهجرة والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

"كشكيك" على الطريقة التركية (الشرق الأوسط)

أعلنت وزارة الثقافة والسياحة في تركيا عن انطلاق هذه الفعالية التي تحمل اسم «مائدة التراث» (بير سوفرادا ميراس) التي ستقام في مختلف أنحاء تركيا، إلى جانب البعثات الدبلوماسية والمراكز الثقافية التركية حول العالم، بهدف تسليط الضوء على العمق التاريخي والاجتماعي للمائدة التركية، وما تحمله من قصص وذكريات وتقاليد متوارثة عبر الأجيال.

ويأتي اختيار شعار «مائدة التراث» هذا العام ليعكس رؤية، تُقدّم المطبخ التركي باعتباره مساحة مشتركة تجمع بين الثقافة والهوية والتجارب الإنسانية، حيث تشكّل الأطباق التقليدية امتداداً لتاريخ طويل من الهجرات والتنوع الثقافي والطقوس الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل هوية الطهي التركي عبر القرون.

البقلاوة التركية (الشرق الأوسط)

كما يركّز الحدث على إبراز أهمية المائدة كرمز للتواصل، ودورها في الحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز الروابط الاجتماعية، إلى جانب تعريف عشاق الطعام حول العرالم بثراء المطبخ التركي وتنوّعه الإقليمي.

وترتكز رسالة الحدث هذا العام على مفهوم أن «المائدة هي أقدم لغة للتواصل والترابط»، في تأكيد على قدرة الطعام على جمع الناس وربطهم عبر الزمن والثقافات المختلفة. ويستند شعار «مائدة التراث» إلى 3 مفاهيم رئيسية تتمثل في الحوار، باعتبار المائدة مساحة تتقاطع فيها الحضارات والعصور لصناعة معنى مشترك، والتحول الذي يعكس انتقال ذاكرة الطهي من وصفة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل، إضافة إلى مفهوم الأرشيف الذي يقدّم المطبخ بوصفه سجلاً حياً للتاريخ غير المكتوب والمتجدد يومياً عبر الموائد.

الدولما من أقدم الأطباق التركية (الشرق الأوسط)

وستشهد الفعاليات سلسلة من الأنشطة والتجارب التفاعلية داخل تركيا وخارجها، من بينها موائد عشاء جماعية تقام على طاولات طويلة احتفاءً بفكرة اللقاء والمشاركة، إلى جانب ورش عمل متخصصة تستعرض تقنيات الطهي التراثية التقليدية، مثل فرد عجينة «اليوفكا»، والطهي البطيء لإعداد أطباق «الكشكيك» و«التندير»، فضلاً عن أساليب الشواء على الفحم.

كما تتضمن الفعاليات تجربة «أرشيف التذوق»، وهي مساحة تفاعلية مؤقتة تستعرض وصفات وتقنيات تاريخية بإشراف خبراء في فنون التذوق والطهي، بحضور إعلاميين وشخصيات ثقافية ومهتمين بفنون الطهي، إضافة إلى إعداد أرشيف ميداني يوثّق الوصفات الحية والأطباق التي تأثرت بحركات الهجرة والاستقرار، بما يعكس التنوع الإقليمي للمطبخ التركي في الوقت الراهن.

طبق "مانتي" المؤلف من عجين وزبادي (الشرق الأوسط)

وتحضر خلال الحدث مجموعة من الأطباق، التي تمثل رموزاً للهوية الثقافية التركية، من أبرزها طبق «الكشكيك» المدرج ضمن قوائم اليونسكو للتراث الثقافي، الذي يجسّد قيم الاحتفال الجماعي والعمل المشترك، فيما تعبّر «البقلاوة» عن الحرفية العالية وتوارث التقاليد، بينما تعكس «المانتي» (قطع من العجين صغيرة الحجم مع الزبادي) أو الزلابية التركية تأثيرات الهجرة والسفر. كما تبرز «الدولما» بوصفها مثالاً على التنوع ضمن لغة طهي مشتركة، في حين ترمز أصناف الحلوى التقليدية إلى مفاهيم التضامن والذاكرة الاجتماعية.


البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.