المأزق الوجودي في تجربة القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

كانت شخصيته مؤثرة في مرحلة الثمانينات وساهمت في التأسيس للكتابة التجريبية

د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
TT

المأزق الوجودي في تجربة القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

يأتي اختياري لتجربة سباعي عثمان القصصية في ضوء عدة محاور فرعية للموضوع الرئيسي للملتقى، فقد كان شخصية إبداعية مؤثرة في الحركة الأدبية في مرحلة الثمانينات ومساهمة في التأسيس للكتابات التجريبية في مجال القصة القصيرة وداعمة وموجهة من خلال مؤسسة إعلامية للكتاب ونتاجهم الابتكاري، ومن يتابع المنجز القصصي لسباعي عثمان سيهوله مدى التواصل والتعالق، ليس فقط مع المعطيات الثقافية للعالم العربي، ولكن مع تلك السائدة في الغرب آنذاك.
بين يدي شهادات متعددة من كتاب وأدباء وقاصين تدين لسباعي عثمان بالفضل ولا يختلف بعضها عن بعض في إشادتها بجهوده في تحفيزهم ودفعهم للكتابة كمحرر لصفحة «دنيا الأدب» بجريدة «المدينة»، وقد سجل الغذامي أن سباعي عثمان كان رمزًا ثقافيًا له دور في «دفع الوعي الحداثي»، لكنه أيضًا كان «أستاذًا وموجهًا» (كما يقول محمد علي قدس)، «وقد انطلق عشرات أو حتى مئات الكتاب في السعودية على يديه»، وكان قد تبنى جيلاً من المبدعين وأدار دفة طموحاتهم». يقول عبد الله باقازي: «كانت تلك الصفحة الأدبية في جريدة (المدينة) لنا ميدانا للتنافس، بل كانت مدرسة تخرج منها كثير من كتاب القصة».
كان سباعي عثمان أديبا متفردا تمكن من تحديث تقنيات القصة القصيرة، وهو مدرك لأبعاد التغيير الذي يجريه، وذلك لخبرته في التعامل مع أنماط سردية عربية وعالمية. ولأنه كان غزير الثقافة منفتحا على كل التيارات فقد قدم ثلاث مجموعات قصصية تمتاز بالنضج الفني، وتم له ذلك في خضم الجدل الثقافي الإعلامي إبان فترة الصراع الثقافي في مرحلة الثمانينات بين التيار المحافظ والتيار الحداثي. لكن إبحار سباعي في ذلك الخضم لم يكن عسيرًا، فعلى الرغم من خصائص الحداثة الواضحة على منتجه الأدبي ومن تأثيره الملموس على أعداد كبيرة من كتاب القصة القصيرة، فإن اسمه لم يذكر سوى مرة واحدة في كتاب الحداثة في ميزان الإسلام وبشكل عابر في حديث عوض القرني عن الملاحق الثقافية. يقول القرني: «وأخيرًا إليك بعض الأمثلة مما يسمونه أدبًا وأسميه جنونًا:»، وكان يشير إلى مواد تنشر بعرض الصفحات في الجرائد اليومية. كان عوض مستفزا مما سماه «السيطرة على الملاحق الأدبية والثقافية في أغلب الصحف وتوجيهها لخدمة فكرهم.
ما الذي فعله سباعي عثمان حين حول ملحقه الأدبي إلى ورشة عمل مشتركة لإنتاج الجنون؟ القصة القصيرة هي أكثر الفنون الأدبية حرية من أي قيود كتابية، وكونها فنا حديثا حتى في الغرب فهي تسمح بالتمرد المستمر على آليات القص السابقة، وكونها فنا يعتمد الإيحاء في المقام الأول فهي تكتفي بالإشارة لمضامينها دون إفصاح مباشر. وجد عوض القرني وغيره من القراء أنهم أمام نقلة جديدة في كتابة القصة من ناحية المعالجة المدهشة والقالب الفني والصياغة المبتكرة التي وضعت معارفهم وقدراتهم القرائية على حد التحدي، وقد كانت جنونًا لأنها كانت عصية على الأفهام وعلى قارئها مسؤولية إعادة نظمها واستشفاف الرؤى الفكرية التي تغذيها. حمل سباعي عثمان نصوصه ومضامينها المتخفية في التقنيات القصصية الجديدة إلى آفاق الحداثة والتجريب، فكانت جنونًا بحتًا، وكان يعرف طبيعة وقعها على آذان قراء غير مهيئين لتلقيها، فظهرت كلمة «جنون» على ألسنة الشخصيات داخل قصصه في ردود أفعالها على أفكار وتصرفات البطل. مفردات وصيغ كثيرة تتردد في مواضع مختلفة. تقول نوار: أنت مجنون. أنت غريب حقا. يقول جندي المرور: أنت مجنون. تقول حبيبتي: أنت تحيرني، أنت تفكر بصورة معقدة. يقول الشرطي: أنت غريب الأطوار حقًا. يقول صاحبي: أنت تفكر بصورة مشبوهة. أنت غير طبيعي...
كان سباعي مفتونًا بإمكانات التقنيات السردية المتاحة فاغترف منها واستفاض: حذف المقدمة وفتح النهاية، قطّع الزمن في تقدمه وكسر تواليه، جذّر الحدث وبعثر تسلسله المنطقي، شتت السياق النصي وفتت الحبكة، همّش العناصر البنائية، وشطر صوت الراوي بين مخاطب ومتحدث وغائب، غاص في أعماق الشعور واللاشعور وحلق في التأملات والانقطاعات، اعتمد التكرار والإيقاع السريع والجمل المتلاحقة والتكثيف اللغوي والضغط اللحظي والفلاش باك والمونتاج والغموض، وأفرط في استغلال النقاط والفواصل والأقواس وعلامات التعجب وعلامات الاستفهام.
كانت التقنيات واجهة للتحول الجديد في كتابة القصة، أما المغزى والمعنى فقد طُمسا بحرص جعلهما مستغلقيْن حتى على القارئ المتذوق. يقول الدكتور محمد عناني إن «قصص سباعي عثمان لا تسلم نفسها في يُسر». ولا أعرف إن كان النقاد قد أشفقوا على سباعي من توضيح ما كانت تموج به قصصه من أفكار عصرية، أم أنها لم تسلم نفسها لقراءتهم كذلك. عندما كان النقاد والصحافيون يتساءلون عن انعكاس ماضيه وعائلته في بورسودان على فضاء قصصه، ويتعجبون من غياب الأرضية السعودية من نصوصه، أتخيل أنه كان يقهقه في داخله: أين أنتم مني وأين أنا منكم! أو أنه حين يختلي بنفسه كان يذرف دمعة على عدم وصول رسالته للناس: «إنني أكتب لأن هناك إلحاحًا من داخلي على الكتابة، ولأنني أريد أن أقول للناس شيئًا». كان الإبداع همه، والصحافة مهنته: «لقد عطلتني الصحافة كثيرًا».
انعكاس الواقع داخل النص الخيالي كان افتراضًا تقليديًا بحتًا، وأعمال سباعي لم تكن تقليدية ولا واقعية ولا انطباعية، كان التيار الذي تسري فيه قصصه تيارًا حداثيًا تجريديًا وجوديًا. قد جرّد سباعي فضاءات قصصه من الأزمنة والأمكنة المطابقة للواقع وخفّض تفاصيلهما إلى كونهما مكانا وزمانا فقط.
كذلك فقد جرّد أبطاله من كل علامات تفصل بينهم حتى إننا نكاد نجزم أن أبطال قصص المجموعات الثلاث هم شخص واحد لا يتغير. السمات الشخصية لهذا البطل متكررة، فجميعهم لا اسم لهم ولا ملامح، لا أهل لهم ولا أقارب (إلا ما ندر)، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون. كلهم يبدون في مظهرهم الخارجي في سكون إلا أنهم من الداخل يعانون من التوتر، ومن القلق، يحسون باختناق وبضيق شديد، يصيبهم الملل وتعصرهم اللوعة. جميعهم يسرحون بعيون زائغة إلى البعيد ويحدقون في الفراغ الهائل، يوغلون في التأمل، ويفقدون القدرة على التركيز وينسون أين تركوا أشياءهم. جميعهم يداهمهم الصداع الحاد الذي يكاد يفجر رؤوسهم، فيدخنون السجائر ويسحقون أعقابها ويسعلون بإعياء ويبصقون على الأرض بتقزز، وهم لا يهتمون بشيء والأمور عندهم كلها سيان. كل الأشياء عندهم قد فقدت طعمها، لذا فهم يلعنون كل شيء.
يظهر البطل نفسه على امتداد النصوص القصصية وكأنه الرابط المنظم لتشاكل موضوعاتها، وهو يعمل في كل النصوص كقوة محورية تحمل ثقل الاستغراق في علميات ذهنية مكثفة، تصطرع وتتناقض، حتى تتشظى متخاصمة وتنقسم على ذاتها. هذا الشخص الواحد / المنقسم يبقى عند سباعي عثمان العنصر الثابت بين مجموعة من المتغيرات تطرحها كل قصة، هو زوج أو عاشق أو صديق أو موظف في مكتب أو في سيارة أو في طائرة أو قطار أو في سوق أو في سجن: الأزمنة والأمكنة لا تهم... والاتجاهات كذلك لا تهم. كلها تذوب في عمق اللحظة... فاللحظة هي كل شيء.
لتكتمل التجربة الحداثية عند سباعي عثمان يتصدر المأزق الوجودي منظومة التجديد القصصي، والتحديات الفكرية التي تواجه البطل في كل قصة لا تخرج عن أطر الفكر الوجودي ومسألة الحرية والإرادة، فالبدائل التي تقدمها الحياة له هي التي تحكم عواقب اختياراته حتى لو أوهم نفسه بروعة الحرية المطلقة، لكنه يعود ليدرك أن الحرية اختيار قسري، وأن الاختيار مسؤولية عاقبتها غير مأمونة. كل أبطال سباعي عثمان يقفون عاجزين أمام حسم قراراتهم، ويحجمون عن تحمل مسؤولية اتخاذ أي قرار، ويغضبون حين يدركون أن عدم اتخاذ قرار، هو قرار لا مفر منه، بينما هم غير قادرين على تجاوز عدميتهم في هذه المواقف العبثية: «نحن براغ صدئة في عجلة الحياة العملاقة التي تدور، ربما دون أن تحس بوجودنا».
ويتأمل بطل سباعي معاني الاختيار والإرادة وهو يغرق في وسط أفكاره المتزاحمة التي تصطخب في رأسه كالموج: عشرات من الصور المتناقضة تتداخل في بعضها، حقائق كالأوهام وأوهام كالحقائق، فيتأرجح بين الشك واليقين. تتبعثر الأشياء في ذهنه، المفاهيم تميع الآن في ذهنه بلا حدود ولا ضوابط.. ثمة أشياء كثيرة ومتداخلة.. الفروق بينها تذوب وتتساوى كل الأمور أشياء كثيرة تتلاحق الآن دون فواصل واضحة، ذابت فواصل الأشياء.
عند هذه اللحظة من الاستنارة يدرك البطل المتكرر أن هذا التدفق للأفكار المتداعية يتحقق بالدفع الذاتي الذي لا يترك له مجالا للتحكم في سريانها في رأسه: «تتداعى إلى ذهني صور كثيرة أعجز عن ملاحقتها.. أتعب في معالجة عشرات الدوائر الغامضة.. مشاعرنا لا تخضع للمنطق.. نحن لا نملك ذواتنا.. نحن لا نملك مجرى تفكيرنا كما يجب، أشياء تجتاحنا لا نملك لها ردًا.. كذلك خواطرنا، تجبرنا على ممارستها». هذا التدفق العشوائي والعبثي للخواطر التي تنبعث من مصدر ما، هو المسؤول عن بعض الاندفاعات التلقائية المتهورة Impulse التي تقفز إلى رأسه دون مقدمات، وتجعله يرغب في الصراخ، أو أن ينطح الجدار عدة نطحات، أو أن يرمي بكامل جسمه أمام سيارة منطلقة، أو أن يلقي بزوجته من النافذة، أو أن يُقدم على القتل بلا دافع منطقي! هذه الاندفاعات التلقائية محسوبة على اختياراته في حين أنه لم يخطط لها، بل فوجئ بها تتحقق، لكنه يظل يتحمل مسؤوليتها.
في قصة تلو الأخرى يجري سباعي تجربة يبحث من خلالها عن أجوبة مختلفة لأسئلة فلسفية كبرى، عن عنصر غائب يحل أزمة الوجود لكنه لا يأتي، فيخرج من كل وضع خائبًا: «من المحزن دائما ألا تكون هناك نتيجة. ولكن يظل البحث عن حل ما قائما على الدوام. هكذا دائمًا نبدأ، وهكذا ننتهي، ولكن لنبدأ من جديد». مع كل بداية جديدة كان يسقط أكثر في اللامعنى.. واللامعقول واللاجدوى!! تميد به الأشياء.. يا لكل شيء من كل شيء. رغم كل شيء.. يحدث كل شيء.. يموت كل شيء.. ويحيا كل شيء... ما زال.. ما زال كل شيء يأكل كل شيء».
* ورقة عمل ألقيت في ملتقى النص الأدبي الرابع عشر الذي نظمه نادي
جدة الأدبي أخيرا



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended