المأزق الوجودي في تجربة القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

كانت شخصيته مؤثرة في مرحلة الثمانينات وساهمت في التأسيس للكتابة التجريبية

د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
TT

المأزق الوجودي في تجربة القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان
د. لمياء باعشن و القاص السعودي الراحل سباعي عثمان

يأتي اختياري لتجربة سباعي عثمان القصصية في ضوء عدة محاور فرعية للموضوع الرئيسي للملتقى، فقد كان شخصية إبداعية مؤثرة في الحركة الأدبية في مرحلة الثمانينات ومساهمة في التأسيس للكتابات التجريبية في مجال القصة القصيرة وداعمة وموجهة من خلال مؤسسة إعلامية للكتاب ونتاجهم الابتكاري، ومن يتابع المنجز القصصي لسباعي عثمان سيهوله مدى التواصل والتعالق، ليس فقط مع المعطيات الثقافية للعالم العربي، ولكن مع تلك السائدة في الغرب آنذاك.
بين يدي شهادات متعددة من كتاب وأدباء وقاصين تدين لسباعي عثمان بالفضل ولا يختلف بعضها عن بعض في إشادتها بجهوده في تحفيزهم ودفعهم للكتابة كمحرر لصفحة «دنيا الأدب» بجريدة «المدينة»، وقد سجل الغذامي أن سباعي عثمان كان رمزًا ثقافيًا له دور في «دفع الوعي الحداثي»، لكنه أيضًا كان «أستاذًا وموجهًا» (كما يقول محمد علي قدس)، «وقد انطلق عشرات أو حتى مئات الكتاب في السعودية على يديه»، وكان قد تبنى جيلاً من المبدعين وأدار دفة طموحاتهم». يقول عبد الله باقازي: «كانت تلك الصفحة الأدبية في جريدة (المدينة) لنا ميدانا للتنافس، بل كانت مدرسة تخرج منها كثير من كتاب القصة».
كان سباعي عثمان أديبا متفردا تمكن من تحديث تقنيات القصة القصيرة، وهو مدرك لأبعاد التغيير الذي يجريه، وذلك لخبرته في التعامل مع أنماط سردية عربية وعالمية. ولأنه كان غزير الثقافة منفتحا على كل التيارات فقد قدم ثلاث مجموعات قصصية تمتاز بالنضج الفني، وتم له ذلك في خضم الجدل الثقافي الإعلامي إبان فترة الصراع الثقافي في مرحلة الثمانينات بين التيار المحافظ والتيار الحداثي. لكن إبحار سباعي في ذلك الخضم لم يكن عسيرًا، فعلى الرغم من خصائص الحداثة الواضحة على منتجه الأدبي ومن تأثيره الملموس على أعداد كبيرة من كتاب القصة القصيرة، فإن اسمه لم يذكر سوى مرة واحدة في كتاب الحداثة في ميزان الإسلام وبشكل عابر في حديث عوض القرني عن الملاحق الثقافية. يقول القرني: «وأخيرًا إليك بعض الأمثلة مما يسمونه أدبًا وأسميه جنونًا:»، وكان يشير إلى مواد تنشر بعرض الصفحات في الجرائد اليومية. كان عوض مستفزا مما سماه «السيطرة على الملاحق الأدبية والثقافية في أغلب الصحف وتوجيهها لخدمة فكرهم.
ما الذي فعله سباعي عثمان حين حول ملحقه الأدبي إلى ورشة عمل مشتركة لإنتاج الجنون؟ القصة القصيرة هي أكثر الفنون الأدبية حرية من أي قيود كتابية، وكونها فنا حديثا حتى في الغرب فهي تسمح بالتمرد المستمر على آليات القص السابقة، وكونها فنا يعتمد الإيحاء في المقام الأول فهي تكتفي بالإشارة لمضامينها دون إفصاح مباشر. وجد عوض القرني وغيره من القراء أنهم أمام نقلة جديدة في كتابة القصة من ناحية المعالجة المدهشة والقالب الفني والصياغة المبتكرة التي وضعت معارفهم وقدراتهم القرائية على حد التحدي، وقد كانت جنونًا لأنها كانت عصية على الأفهام وعلى قارئها مسؤولية إعادة نظمها واستشفاف الرؤى الفكرية التي تغذيها. حمل سباعي عثمان نصوصه ومضامينها المتخفية في التقنيات القصصية الجديدة إلى آفاق الحداثة والتجريب، فكانت جنونًا بحتًا، وكان يعرف طبيعة وقعها على آذان قراء غير مهيئين لتلقيها، فظهرت كلمة «جنون» على ألسنة الشخصيات داخل قصصه في ردود أفعالها على أفكار وتصرفات البطل. مفردات وصيغ كثيرة تتردد في مواضع مختلفة. تقول نوار: أنت مجنون. أنت غريب حقا. يقول جندي المرور: أنت مجنون. تقول حبيبتي: أنت تحيرني، أنت تفكر بصورة معقدة. يقول الشرطي: أنت غريب الأطوار حقًا. يقول صاحبي: أنت تفكر بصورة مشبوهة. أنت غير طبيعي...
كان سباعي مفتونًا بإمكانات التقنيات السردية المتاحة فاغترف منها واستفاض: حذف المقدمة وفتح النهاية، قطّع الزمن في تقدمه وكسر تواليه، جذّر الحدث وبعثر تسلسله المنطقي، شتت السياق النصي وفتت الحبكة، همّش العناصر البنائية، وشطر صوت الراوي بين مخاطب ومتحدث وغائب، غاص في أعماق الشعور واللاشعور وحلق في التأملات والانقطاعات، اعتمد التكرار والإيقاع السريع والجمل المتلاحقة والتكثيف اللغوي والضغط اللحظي والفلاش باك والمونتاج والغموض، وأفرط في استغلال النقاط والفواصل والأقواس وعلامات التعجب وعلامات الاستفهام.
كانت التقنيات واجهة للتحول الجديد في كتابة القصة، أما المغزى والمعنى فقد طُمسا بحرص جعلهما مستغلقيْن حتى على القارئ المتذوق. يقول الدكتور محمد عناني إن «قصص سباعي عثمان لا تسلم نفسها في يُسر». ولا أعرف إن كان النقاد قد أشفقوا على سباعي من توضيح ما كانت تموج به قصصه من أفكار عصرية، أم أنها لم تسلم نفسها لقراءتهم كذلك. عندما كان النقاد والصحافيون يتساءلون عن انعكاس ماضيه وعائلته في بورسودان على فضاء قصصه، ويتعجبون من غياب الأرضية السعودية من نصوصه، أتخيل أنه كان يقهقه في داخله: أين أنتم مني وأين أنا منكم! أو أنه حين يختلي بنفسه كان يذرف دمعة على عدم وصول رسالته للناس: «إنني أكتب لأن هناك إلحاحًا من داخلي على الكتابة، ولأنني أريد أن أقول للناس شيئًا». كان الإبداع همه، والصحافة مهنته: «لقد عطلتني الصحافة كثيرًا».
انعكاس الواقع داخل النص الخيالي كان افتراضًا تقليديًا بحتًا، وأعمال سباعي لم تكن تقليدية ولا واقعية ولا انطباعية، كان التيار الذي تسري فيه قصصه تيارًا حداثيًا تجريديًا وجوديًا. قد جرّد سباعي فضاءات قصصه من الأزمنة والأمكنة المطابقة للواقع وخفّض تفاصيلهما إلى كونهما مكانا وزمانا فقط.
كذلك فقد جرّد أبطاله من كل علامات تفصل بينهم حتى إننا نكاد نجزم أن أبطال قصص المجموعات الثلاث هم شخص واحد لا يتغير. السمات الشخصية لهذا البطل متكررة، فجميعهم لا اسم لهم ولا ملامح، لا أهل لهم ولا أقارب (إلا ما ندر)، لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون. كلهم يبدون في مظهرهم الخارجي في سكون إلا أنهم من الداخل يعانون من التوتر، ومن القلق، يحسون باختناق وبضيق شديد، يصيبهم الملل وتعصرهم اللوعة. جميعهم يسرحون بعيون زائغة إلى البعيد ويحدقون في الفراغ الهائل، يوغلون في التأمل، ويفقدون القدرة على التركيز وينسون أين تركوا أشياءهم. جميعهم يداهمهم الصداع الحاد الذي يكاد يفجر رؤوسهم، فيدخنون السجائر ويسحقون أعقابها ويسعلون بإعياء ويبصقون على الأرض بتقزز، وهم لا يهتمون بشيء والأمور عندهم كلها سيان. كل الأشياء عندهم قد فقدت طعمها، لذا فهم يلعنون كل شيء.
يظهر البطل نفسه على امتداد النصوص القصصية وكأنه الرابط المنظم لتشاكل موضوعاتها، وهو يعمل في كل النصوص كقوة محورية تحمل ثقل الاستغراق في علميات ذهنية مكثفة، تصطرع وتتناقض، حتى تتشظى متخاصمة وتنقسم على ذاتها. هذا الشخص الواحد / المنقسم يبقى عند سباعي عثمان العنصر الثابت بين مجموعة من المتغيرات تطرحها كل قصة، هو زوج أو عاشق أو صديق أو موظف في مكتب أو في سيارة أو في طائرة أو قطار أو في سوق أو في سجن: الأزمنة والأمكنة لا تهم... والاتجاهات كذلك لا تهم. كلها تذوب في عمق اللحظة... فاللحظة هي كل شيء.
لتكتمل التجربة الحداثية عند سباعي عثمان يتصدر المأزق الوجودي منظومة التجديد القصصي، والتحديات الفكرية التي تواجه البطل في كل قصة لا تخرج عن أطر الفكر الوجودي ومسألة الحرية والإرادة، فالبدائل التي تقدمها الحياة له هي التي تحكم عواقب اختياراته حتى لو أوهم نفسه بروعة الحرية المطلقة، لكنه يعود ليدرك أن الحرية اختيار قسري، وأن الاختيار مسؤولية عاقبتها غير مأمونة. كل أبطال سباعي عثمان يقفون عاجزين أمام حسم قراراتهم، ويحجمون عن تحمل مسؤولية اتخاذ أي قرار، ويغضبون حين يدركون أن عدم اتخاذ قرار، هو قرار لا مفر منه، بينما هم غير قادرين على تجاوز عدميتهم في هذه المواقف العبثية: «نحن براغ صدئة في عجلة الحياة العملاقة التي تدور، ربما دون أن تحس بوجودنا».
ويتأمل بطل سباعي معاني الاختيار والإرادة وهو يغرق في وسط أفكاره المتزاحمة التي تصطخب في رأسه كالموج: عشرات من الصور المتناقضة تتداخل في بعضها، حقائق كالأوهام وأوهام كالحقائق، فيتأرجح بين الشك واليقين. تتبعثر الأشياء في ذهنه، المفاهيم تميع الآن في ذهنه بلا حدود ولا ضوابط.. ثمة أشياء كثيرة ومتداخلة.. الفروق بينها تذوب وتتساوى كل الأمور أشياء كثيرة تتلاحق الآن دون فواصل واضحة، ذابت فواصل الأشياء.
عند هذه اللحظة من الاستنارة يدرك البطل المتكرر أن هذا التدفق للأفكار المتداعية يتحقق بالدفع الذاتي الذي لا يترك له مجالا للتحكم في سريانها في رأسه: «تتداعى إلى ذهني صور كثيرة أعجز عن ملاحقتها.. أتعب في معالجة عشرات الدوائر الغامضة.. مشاعرنا لا تخضع للمنطق.. نحن لا نملك ذواتنا.. نحن لا نملك مجرى تفكيرنا كما يجب، أشياء تجتاحنا لا نملك لها ردًا.. كذلك خواطرنا، تجبرنا على ممارستها». هذا التدفق العشوائي والعبثي للخواطر التي تنبعث من مصدر ما، هو المسؤول عن بعض الاندفاعات التلقائية المتهورة Impulse التي تقفز إلى رأسه دون مقدمات، وتجعله يرغب في الصراخ، أو أن ينطح الجدار عدة نطحات، أو أن يرمي بكامل جسمه أمام سيارة منطلقة، أو أن يلقي بزوجته من النافذة، أو أن يُقدم على القتل بلا دافع منطقي! هذه الاندفاعات التلقائية محسوبة على اختياراته في حين أنه لم يخطط لها، بل فوجئ بها تتحقق، لكنه يظل يتحمل مسؤوليتها.
في قصة تلو الأخرى يجري سباعي تجربة يبحث من خلالها عن أجوبة مختلفة لأسئلة فلسفية كبرى، عن عنصر غائب يحل أزمة الوجود لكنه لا يأتي، فيخرج من كل وضع خائبًا: «من المحزن دائما ألا تكون هناك نتيجة. ولكن يظل البحث عن حل ما قائما على الدوام. هكذا دائمًا نبدأ، وهكذا ننتهي، ولكن لنبدأ من جديد». مع كل بداية جديدة كان يسقط أكثر في اللامعنى.. واللامعقول واللاجدوى!! تميد به الأشياء.. يا لكل شيء من كل شيء. رغم كل شيء.. يحدث كل شيء.. يموت كل شيء.. ويحيا كل شيء... ما زال.. ما زال كل شيء يأكل كل شيء».
* ورقة عمل ألقيت في ملتقى النص الأدبي الرابع عشر الذي نظمه نادي
جدة الأدبي أخيرا



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.