«أطباء بلا حدود»: النظام الصحي في سوريا ينهار

رئيسة المنظمة قالت لـ «الشرق الأوسط» إنهم لم يتمكنوا من الحصول على ضمانات للعودة إلى الداخل

جوان ليو
جوان ليو
TT

«أطباء بلا حدود»: النظام الصحي في سوريا ينهار

جوان ليو
جوان ليو

اعتبرت الرئيسة الدولية لمنظمة «أطباء بلا حدود» جوان ليو أنه «لا يزال من المبكر جدًا الحديث عن نجاح الهدنة في سوريا، وبالتالي، عن انفراجات على الصعيد الإنساني»، لافتة إلى أنه «وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في عدد الغارات الجوية وعمليات القصف منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل أسبوع، إلا أن الهجمات العسكرية والعمليات القتالية لم تتوقف».
ليو أوضحت في حديث مع «الشرق الأوسط» أن الأيام الأخيرة شهد كذلك تراجعًا في تحركات المدنيين السوريين الفارين باتجاه الحدود وبالتحديد الشمالية مع تركيا، وذلك بعد هرب مئات الآلاف منهم الشهر الماضي من مناطق إدلب وحلب مع اشتداد حدة المواجهات وعمليات القصف. وقالت: «لكن هؤلاء النازحين لم يعودوا بعد إلى قراهم ومدنهم على الرغم من الهدنة وكأنهم ينتظرون ما إذا كانت ستصمد».
ورأت ليو أنه من المبكر أيضًا البحث بعودة طواقم «أطباء بلا حدود» إلى الداخل السوري بعدما كانت قد قررت المغادرة في عام 2014 في أعقاب اختطاف 5 موظفين تابعين لها شمال البلاد، وتابعت أنه «من الصعوبة جدا في مكان الحصول على ضمانات بموضوع سلامة العاملين، ونحن نعتقد أن 6 أيام من الهدنة غير كافية لاتخاذ قرار بهذا الشأن خصوصًا أننا لم ننجح طوال الفترة الماضية بعقد أي اتفاق يؤمن سلامة طواقمنا».
وحاليًا تدعم «أطباء بلا حدود» 153 مرفقًا طبيًا وفرقًا طبية سورية، وتحاول أن تؤمن مستلزماتها. وهي، بحسب ليو، على تواصل دائم مع الأطباء العاملين في المناطق المحاصرة، وكذلك أولئك الموجودون في مناطق سيطرة المعارضة بحيث يجري التواصل معهم عبر «سكايب» وبرامج أخرى لمناقشة حالات المرضى وسبل مساعدتهم.
وأشارت ليو إلى أن «التعامل مع الحرب السورية شكّل ولا يزال يشكل تحديًا كبيرًا أمام المنظمة التي اضطرت كما غيرها من المنظمات الإنسانية لإدخال تعديلات إلى طريقة عملها للتعاطي مع الوضع السوري الاستثنائي». ثم قالت: «نعتمد بالأساس على وجود فرقنا مباشرة على الأرض وعلى التنسيق مع المجتمعات المحلية، لكن وبما أننا اليوم غير قادرين على أن نكون موجودين داخل سوريا، فذلك يخلق تحديات كبيرة أمامنا كي نكون فاعلين».
جدير بالذكر أن الفرق الطبية التابعة للمنظمة قدمت منذ اندلاع الحرب في سوريا أكثر من 140 ألف استشارة طبية، معظمها تخص الإصابات البليغة والأمراض المزمنة المهددة للحياة، كما أجرت نحو 7 آلاف عملية جراحية، وساعدت أكثر من 1900 امرأة في وضع مواليدهن في ظروف آمنة. ولكن وبعد اختطاف 5 من العاملين فيها، اضطررت «أطباء بلا حدود» إلى تعليق وجودها في سوريا، لكنها واصلت أنشطتها الطبية في خمسة مستشفيات وعيادات مؤقتة في سوريا. كذلك واصلت برنامج الدعم المخصص لشبكات الأطباء السوريين. وهي تقدم الإمدادات الطبية والدعم التقني إلى 50 مستشفى و80 مركزًا صحيًا في سبع محافظات، تغطي المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة والحكومة على حد سواء.
وقالت ليو إنّها لا تستطيع تحديد الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى موت المدنيين في سوريا، إلا أنها أشارت إلى أن سبعة آلاف قتلوا في العام 2015، و154 ألفًا جرحوا، 40 في المائة منهم من الأطفال والنساء. وأوضحت أن هذه الإحصائية تعتمد على المعطيات المستخلصة من 70 مرفقًا طبيًا تدعمها المنظمة. ثم لفتت ليو إلى أن «النظام الصحي في سوريا ينهار نتيجة النزاع الطويل الأمد» وتدمير عدد كبير من المرافق الصحية داخل البلاد، موضحة أن المدنيين هناك لم يعودوا يحصلون، ولو على الحد الأدنى من الوقاية من الأمراض والفيروسات بعدما صارت أرضهم خصبة لتكاثرها.
ثم تطرقت ليو للهجوم الأخير الذي تعرض له أحد المستشفيات التي تدعمها في معرة النعمان بريف محافظة إدلب، معتبرة أنه من الصعب التصديق بأن الهجوم لم يكن متعمدًا باعتبار أنه كان تسلسليًا فتم قصف المشفى، وبعد 40 دقيقة قُصف مجددا لاستهداف المسعفين، حتى إنه تم قصف الموقع الذي تم إخلاء المرضى إليه. وقالت: «طالبنا بوقت سابق بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتحديد المسؤوليات، بهدف فهم ما حصل، والأهم تفادي تكراره مجددًا، باعتبار أنه ليس دورنا نحن كمنظمة دولية توجيه أصابع الاتهام». وكانت خمسة مرافق طبية ومدرستان في حلب وإدلب تعرضت خلال الشهر الماضي لقصف أدى إلى سقوط نحو خمسين قتيلاً. وكان مستشفى ترعاه «أطباء بلا حدود» في معرة النعمان في محافظة إدلب (شمال غرب) بين المراكز الطبية المستهدفة. وقد أسفر الهجوم عن مقتل تسعة من العاملين في مجال الرعاية الطبية و16 مريضًا وعن إصابة العشرات.
وفي حين رجّحت المنظمة أن تكون القوات النظامية السورية أو الروسية وراء الهجوم، اتهمت المعارضة الطيران الروسي بتنفيذ الاعتداء، بينما حمل نظام الأسد طيران التحالف الدولي المسؤولية. أما الخارجية الروسية فقالت إن الدول الغربية التي تحمّل روسيا مسؤولية ضرب مستشفيات في سوريا «ليس لديها أي دليل مباشر أو غير مباشر لإثبات مزاعمها».
وأفاد أحد التقارير الذي أصدرته المنظمة أخيرا بأن 63 مرفقًا طبيًا تدعمه «أطباء بلا حدود» تعرض لـ94 هجومًا جويًا وقصفًا مدفعيًا عام 2015، مما تسبب بدمار كامل لـ12 منها، وخلّف 81 قتيلاً وجريحًا في صفوف الموظفين. واعتبر التقرير أن الهجمات، التي يشتبه بأنها مزدوجة، «تتخطى العنف العشوائي مستخدمة الهجمات ضد عاملي الإنقاذ ومنهم فرق الاستجابة الطبية كوسيلة حرب».
ورأت ليو أنه من الصعوبة في مكان تحديد ما إذا كان المدنيون الموجودون داخل سوريا هم الأكثر معاناة أم أولئك الذين هربوا إلى البلدان المجاورة وأوروبا، لافتة إلى أن الخسارة الكبيرة هي القاسم المشترك بينهم. وأضافت: «المجموعة الأولى تتعرض يوميا للقتل جراء القصف وأعمال العنف، كما أن المجموعة الثانية تعامل بغياب أي ضوابط إنسانية في بلدان أوروبا التي يعتبر معظمها هؤلاء النازحون إرهابيين».
واستهجنت ليو كيف تسعى هذه الدول لإلقاء المسؤولية عن نفسها بإرسال الأموال على أن يتم معالجة الملف بعيدًا عنها، مشددة على أن «أزمة سوريا أزمة عالمية، وبالتالي تحتاج لالتفاتة كل دول العالم لحلها، فهي لا يمكن أن تكون مسؤولية دول الجوار والمنطقة وحدها». وأضافت: «ما يحصل معيب جدًا بحق الإنسانية، ولا نجد الكلمات لوصفه. النازحون على الحدود يحتمون من البرد بأوراق الشجر وليس لديهم الحد الأدنى من الماء والطعام».
وأوضحت ليو أن المنظمة التي ترأسها تقوم بجهود كبيرة لإيصال المساعدات لمئات آلاف الأشخاص اللاجئون على الحدود الشمالية كما الجنوبية لسوريا، الذين يرزحون تحت ظروف «مأساوية». واستذكرت أحد المواقف الذي أثّر بها عندما كانت على أحد شواطئ اليونان لاستقبال اللاجئين السوريين، لافتة إلى أنها سألت إحدى اللاجئات عن سبب المخاطرة بحياتها في البحر ومغادرة بلادها، فكان جوابها: «نحن نموت يوميًا في سوريا».



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.