مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

وسط أجواء التأزم وعلى وقع طبول الحرب

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»
TT

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

مصير اقتصاد تونس واللاجئين الليبيين بين يدي «داعش»

تؤكد التقارير الرسمية الإيطالية والأميركية والأطلسية أن «شن الحرب الشاملة ضد ميليشيات (داعش) وحلفائها في ليبيا» بات وشيكًا. كذلك كشفت تقارير «سريّة» من صناع القرار العسكري والسياسي أن ما لا يقل عن 6 آلاف عسكري تابعة لقوات الحلف الأطلسي (ناتو) بقيادة إيطاليا والولايات المتحدة جاهزون للمشاركة في «عمليات عسكرية واسعة» في ليبيا تدعمها قوات من حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» التي انتقلت من الخليج إلى جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى جانب قوات أطلسية ستتحرك انطلاقًا من قواعد في مالطا وإيطاليا والنيجر. وفي هذه الأثناء تتباين مواقف الزعماء الليبيين والمسؤولين التونسيين من حرب يتخوفون من مضاعفاتها داخل ليبيا وعلى دول جوارها، وخصوصًا على تونس، التي فر إليها في «حرب 2011» نحو ثلث الشعب الليبي وملايين العمال الأجانب، وهي لا تزال تؤوي مئات آلاف اللاجئين وغالبية الساسة الليبيين وأعضاء البعثات الدبلوماسية والأممية المعتمدة في طرابلس. والسؤال الكبير اليوم في تونس والعواصم الغربية المقربة منها: كيف ستنعكس المستجدات العسكرية والأمنية في ليبيا على تونس وشعبها وثورته التي يعتقد كثير من المراقبين أن من بين «أبرز أسباب تعثّرها حروب ليبيا وأزماتها»؟

محمد جنيفان، سفير تونس سابقًا في ليبيا، قال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «اندلاع الحرب في ليبيا يعني بالضرورة بروز أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية في تونس بحكم تداخل التركيبة الاجتماعية والقبلية والمصالح في الشعبين والبلدين إلى درجة أن كل الخبراء يعتبرون منذ عقود أن ليبيا وتونس أقرب العرب إلى بعضهم». وفي السياق ذاته، اعتبر صلاح الدين الجمالي، مساعد وزير الخارجية التونسي سابقًا وآخر سفير لتونس في ليبيا إبان عهد معمّر القذافي، أن «الحرب في ليبيا ستعني تفجير مزيد من الأزمات في تونس، وصعوبات بالجملة داخل الجالية التونسية في ليبيا التي تضم عشرات آلاف العمال التونسيين المقيمين في ليبيا منذ عقود».
* أخطر رسالة
وقبل أيام، صدرت «أخطر رسالة» من الميليشيات المسلحة في ليبيا ردًا على «الغارة الأميركية» التي استهدفت بنهاية فبراير (شباط) الماضي مسكنًا يؤوي عشرات المسلحين في مدينة صبراتة الليبية (70 كلم غربي الحدود التونسية - الليبية)، وأعلن أنها تسببت في «مقتل أكثر من 40 إرهابيًا تونسيًا» مقرّبين من مسلحي تنظيمات داعش و«القاعدة» و«أنصار الشريعة».
هذه «الرسالة» تمثلت بتسلل مجموعة من المسلحين التونسيين داخل محافظة مدنين، في الجنوب الشرقي التونسي، وبحوزتها أسلحة ثقيلة ومتوسطة ومتفجرات وأحزمة ناسفة و5 مركبات رباعية الدفع.
ولقد كشف ياسر مصباح، رئيس فريق الإعلام والاتصال لدى وزير الداخلية التونسي الهادي مجدوب، أن قوات الأمن والجيش التونسي اكتشفت المتسللين ونظمت ضدهم «عملية استباقية تحسبًا لتسلل عناصر إرهابية إلى تونس عقب ضربة صبراتة». وأعلن أن عددًا المسلحين من مستخدم مركبات رباعية الدفع، قادرة على التسلل عبر الرمال الصحراوية، حاولوا الدخول للتراب التونسي. وعندما تفطّنت لهم قوات الأمن والجيش، وأطلقت النار عليهم فرّ عدد منهم بمركباتهم وعادوا إلى التراب الليبي، في حين «تحصن عدد من الإرهابيين بأحد المنازل داخل تونس». ولقد أسفر تبادل إطلاق النار مع هؤلاء عن قتل 5 إرهابيين واعتقال 5 آخرين على الأقل. كذلك، كشف الناطق باسم وزير الداخلية التونسي أن قوات الأمن والجيش نجحت في احتجاز 3 مركبات تابعة لهذه المجموعة الإرهابية، إضافة إلى سلاح حربي ثقيل و5 أسلحة كلاشنيكوف ومخزنين لسلاح كلاشنيكوف، وأحزمة ناسفة وكمية كبيرة من الذخيرة ورمانات يدوية وهواتف جوالة.
* عبور.. وعمليات تونس
لكن ما يدعو المراقبين إلى القلق أن تصريحات الناطق الرسمي باسم وزير الداخلية نفسه تقرّ بأن الميليشيا الإرهابية المقبلة من ليبيا «اكتشفت» بعد نجاحها في التسلل إلى الداخل التونسي. ولكن أمكن «تجنب الكارثة» والكشف عن هؤلاء المسلحين في أعقاب عثور أعوان من الحرس الوطني - قبل ساعة من حدوث الاشتباكات - على «مخزن ذخيرة فارغ» ملقى على الأرض في أحد الطرق الجانبية المؤدية إلى مدينة بن قردان الحدودية مع ليبيا. وبعد اقتفاء آثار المركبات الرباعية الدفع، وجد أعوان الحرس الوطني هذه المجموعة الإرهابية. ولئن كشفت هذه الرواية عن نجاح الإرهابيين الآتين من ليبيا في التسلل إلى تونس، وبحوزتهم جوازات سفرهم التونسية، فإنها تؤكد أن الكشف عنهم حصل بسبب غلط ارتكبه أحدهم لما ألقى مخزن الذخيرة الفارغ في الطريق.
لهذا اعتبر الجنرال محمد المؤدب، المدير العام السابق للأمن العسكري والقمارق (الجمارك) التونسية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحرب في ليبيا لا مفر منها، وهي الطريق الأسلم لاعتقال الإرهابيين أو قتلهم في ليبيا قبل تفكيرهم في استخدام تونس معبرًا نحو أهداف في تونس أو وجهات إقليمية ودولية جديدة». ورأى المؤدب أن «الحرب المقبلة في ليبيا ستعني كذلك استفحال المخاطر والأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية في تونس لأن كل المؤشرات توحي بوجود آلاف الشباب التونسي والعربي والأفريقي الذي تدرّب على السلاح في معسكرات سرت ودرنة وبنغازي وصبراتة في ليبيا. وسيعمل هؤلاء على الفرار من قصف طيران (ناتو) وسلاح الجو الليبي ومن سيناريو الاعتقال عبر الفرار إلى الدول المجاورة عبر التراب التونسي.. مع إمكانية تنظيم بعضهم هجمات جديدة في تونس».
* مخاوف حقيقية
وفي الوقت الذي تحاول قوات الأمن والجيش الوطني إثبات نجاحها في مراقبة الحدود التونسية الليبية بعد بناء منطقة عازلة وجدار رملي كبير يغطي 200 كلم من الحدود الصحراوية ذات الـ500 كلم، أعلنت مصالح القمارق التونسية عن حجز معدات وأسلحة جديدة تابعة لإرهابيين حاولوا التسلل من ليبيا إلى تونس بعد عملية صبراتة. وبالفعل عثرت قوات حرس هذه المصالح وفق إعلانها أخيرًا في «المنطقة العازلة» على مركبة جديدة رباعية الدفع تابعة لمجموعة إرهابية، تحمل قاعدة رشاش وذخيرة وجوازات سفر وملابس مستعملة. كما عثرت قوات الأمن الديواني الحدودي على مركبة رباعية الدفع تحمل أيضًا قاعدة رشاش وذخيرة كلاشنيكوف، ليرتفع بذلك عدد السيارات التي عثر عليها في ظرف يومين فقط.
هذه الاكتشافات الأمنية أثارت مزيدًا من المخاوف في صفوف المواطن التونسي ورجال الأعمال والمستثمرين التونسيين والليبيين - وخصوصًا في الجنوب التونسي - «حيث تعددت في الأسابيع القليلة الماضية محاولات إقامة مشاريع تونسية ليبية جديدة»، وفق عبد الحفيظ السكروفي، رئيس المجلس الأعلى للأعمال التونسي الليبي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط».
* نصف مليون ليبي
السكروفي قدّر عدد الليبيين المقيمين بصفة دائمة في تونس حاليًا بنحو نصف مليون مقيمًا مسجّلاً. لكنه أردف أن عددهم انخفض كثيرًا العام الماضي «بسبب انخفاض قيمة الدينار الليبي بنسبة تجاوزت الـ70 في المائة، واستفحال الصعوبات المالية والاقتصادية في ليبيا، وعجز غالبيتهم عن تسديد تكاليف الإيجار والعيش في تونس». ويتوقع السكروفي الآن أن تتعقّد الصعوبات المالية والاجتماعية في أغلب المؤسسات الطبية والسياحية التونسية إذا مدّدت الأزمة الليبية ولم يحسم ملف الإرهاب والحروب فيها. وللعلم، كان عدد اللاجئين الليبيين في تونس قد بلغ في فترة سابقة، حسب وزارة الداخلية التونسية، مليونًا و650 ألفًا غالبيتهم من غرب ليبيا أو من بين العائلات التي لديها مرضى وجرحى قدموا إلى تونس للعلاج.
ومن جهة ثانية، أبلغ المحامي التونسي فريد نصري «الشرق الأوسط» أن الشركات الطبية الليبية التي يمثلها في تونس أغلقت أبوابها أو تراجع دورها «بعدما كان بعضها في عهد القذافي، ثم في السنوات الأولى للثورة، يجلب سنويًا لتونس عشرات آلاف المرضى ومرافقيهم ضمن ما يسمى بـ(السياحة الطبية الليبية في تونس)». وفي الاتجاه ذاته، يخشى الإعلامي الليبي المقيم في تونس فؤاد عوام أن تؤدي الحرب المرتقبة في ليبيا إلى فرار عشرات الآلاف من الجرحى وأفراد عائلاتهم إلى تونس من دون أن تكون لديهم قدرة مالية على تغطية علاجهم ونفقات إقامتهم، بعد وصول أغلب مؤسسات التأمين الليبية إلى ما يشبه الإفلاس والعجز.
ومن جانبه، أوضح البرلماني التونسي أحمد العماري أن 15 مصحّة طبية خاصة كبيرة أنجزت في تونس خلال الأعوام القليلة الماضية لمواكبة إقبال ملايين المرضى الليبيين الميسوري الحال على تونس. لكن «حرب مطار طرابلس» في صيف 2014، وما أعقبها من أزمات وحروب، تسببت في تراجع الموارد المالية لليبيين مما تسبب بـ«إفلاس» أصحاب هذه المصحّات والحد من الزوار الليبيين في الفنادق التونسية، خصوصًا في منطقة جربة - جرجيس السياحية القريبة من الحدود الليبية وفي مدينة صفاقس، عاصمة الجنوب التونسي، (270 كلم جنوبي شرقي العاصمة تونس).
أيضًا، في ظل الأزمة التي تمرّ بها قطاعات السياحة والصناعات التقليدية والخدمات التونسية منذ الهجمات الإرهابية على متحف باردو بتونس العاصمة قبل سنة، ثم على منتجع سوسة السياحي في شهر رمضان الماضي، يواجه الاقتصاد التونسي عامة - وقطاع السياحة خاصة - حسب الخبير الاقتصادي جمال عويديدي «خطر الانهيار بصورة نهائية ما لم يتوافد السياح الليبيون والجزائريون بكثافة من جديد».
* أزمة متعدّدة الأوجه
وحقًا، يجمع التونسيون والليبيون على كون الشراكة الاقتصادية بينهما كانت دائمًا «فرصة ملموسة» لخدمة مصالح الشعبين والبلدين. ويسجل الخبير الجامعي منصف ونّاس أن الأزمات التي مرّت بها العلاقات التونسية الليبية في عهد الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي لم تمنع الشعبين من ابتكار أساليب لتطوير المبادلات التجارية القانونية وغير القانونية في الاتجاهين. وفعلاً، قدر سفير ليبيا بتونس سابقا أحمد النقاصة القيمة الحقيقية للمبادلات في الاتجاهين بأكثر من 8 مليارات دولار، أي ضعف قيمة المبادلات مع فرنسا التي توصف دومًا بكونها الشريك الأول لتونس. غير أن محمد المعلول سفير ليبيا الحالي لدى تونس يتحدث عن «تراجع فرص تشابك المصالح اليوم بين الشعبين التونسي والليبي بسبب انتشار الإرهاب والعصابات المسلحة في ليبيا، واستفحال المشكلات المادية لليبيين المقيمين في تونس ولمئات آلاف التونسيين الذين كانوا يعتمدون في استثماراتهم الصناعية والخدماتية والسياحية على السوق الليبية».
أما محمد نوّار نائب رئيس مجلس الأعمال التونسي الليبي، فيعرب عن انزعاج التونسيين والليبيين المقيمين في تونس منذ سقوط القذافي في 2011 من ظواهر اجتماعية «سلبية» جديدة من بينها حرمان نسبة كبيرة من أطفال ليبيا وشبابها من الدراسة والرعاية الثقافية والاجتماعية والنفسية، بسبب الفرار من بؤر التوتر في ليبيا وتعقيدات مرحلة الصراعات المسلحة. وبالمناسبة، كانت وزارة التربية التونسية قد أصدرت قرارًا استثنائيًا يسمح للأطفال والشباب الليبيين بالدراسة مجانًا في المدارس والمعاهد والجامعات التونسية على غرار نظرائهم التونسيين، بيد أن نسبة كبيرة من الطلبة الليبيين عجزوا عن الاندماج تربويًا وتعليميًا في المؤسسات التونسية.
ولئن نجحت أطراف ليبية في تأسيس خمس مدارس ليبية خاصة بالطلبة الليبيين في تونس، فإن طاقة استيعابها تظل أقل بكثير من عدد الأطفال والشباب، الذي يظل منذ خمس سنوات محرومًا من الدراسة. ولذا يخشى عدد من الخبراء وعلماء النفس والاجتماع، مثل المهدي مبروك والمنصف وناس، أن يتسبب حرمان أعداد هائلة من هؤلاء الأطفال والمراهقين من الدراسة في دفعهم نحو «الحلول اليائسة»، وبينها الانضمام يومًا ما إلى الجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة.
كما تتخوف رئيسة مركز دراسات الأمن الشامل بدرة قعلول من أن تتسبب الحرب الأطلسية المقبلة في ليبيا «في ضخ الميليشيات المسلحة الليبية والتونسية المقيمة في ليبيا بمزيد من المتطوعين» للقتال من بين الشباب المتأثر بمقولات متشددة وبسياسيين سيوظفون التدخل العسكري الإيطالي والأميركي والفرنسي البريطاني من أجل تعبئة مزيد من الأنصار «للجهاد في سبيل الله وطرد الغزاة الجدد».
في كل الحالات تبدو تونس وليبيا مقبلتين على مرحلة جديدة من الصعوبات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والأمنية قد تزيدها خطورة صراعات السياسيين وصناع القرار في البلدين، وغياب مواقف واضحة لديهم من استراتيجية مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة ومن سيناريو تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة في طرابلس.



الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون تبرعات في ريف صنعاء لدعم جبهاتهم

الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)
الحوثيون أجبروا مزارعين في ريف صنعاء على دعم الجبهات (فيسبوك)

فرضت الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في محافظة ريف صنعاء، لإجبارهم على تقديم تبرعات نقدية وعينية ومحاصيل زراعية لصالح مقاتليها في الجبهات، في ظل أوضاع إنسانية قاسية يكابدها السكان، وفق ما أفادت به مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط».

وتؤكد هذه التطورات اتساع نطاق الممارسات التي تُصنَّف ضمن أدوات «اقتصاد الحرب»؛ إذ تعتمد الجماعة الانقلابية في اليمن على تعبئة الموارد المحلية لتعويض تراجع مصادر التمويل التقليدية، ما يفاقم الأعباء على السكان في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية حادة.

ووفق المصادر، كثّفت الجماعة خلال الأيام الأخيرة من النزول الميداني لمشرفيها إلى قرى وعزل في 12 مديرية بمحافظة ريف صنعاء، من بينها همدان، وسنحان، وأرحب، والحصن، وحجانة، وبني حشيش، والحيمتين، وبني مطر، ومناخة، وصعفان، وخولان، لفرض ما تسميه «التبرعات الطوعية» تحت لافتة تسيير «قوافل عيدية» للجبهات.

الجماعة الحوثية أرغمت مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

ويقول سكان إن هذه التبرعات تُفرض فعلياً بالقوة، ودون مراعاة للظروف المعيشية المتدهورة؛ إذ يُطلب من الأهالي تقديم مساهمات نقدية وعينية بشكل متكرر، بالتزامن مع حملات مشابهة في الأحياء والمؤسسات الخاضعة للجماعة في العاصمة المختطفة.

وتشمل هذه الحملات إلزام السكان بالمشاركة في تجهيز قوافل غذائية، إلى جانب جمع تبرعات مالية تحت أسماء متعددة، مثل «المجهود الحربي» و«إسناد المقاتلين»، فضلاً عن رسوم إضافية تُفرض لتغطية تكاليف النقل والتجهيز.

استنزاف مصادر الدخل

في موازاة ذلك، طالت الجبايات القطاع الزراعي؛ إذ أُجبر عشرات المزارعين في مناطق «طوق صنعاء» على تقديم جزء من محاصيلهم، بما في ذلك الفواكه والخضراوات، وأحياناً المواشي، ضمن القوافل التي تُرسل إلى الجبهات.

ويحذر مزارعون من أن هذه الإجراءات تُلحق أضراراً مباشرة بإنتاجهم؛ إذ تؤدي إلى تقليص العائدات وتُضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الزراعة، ما يهدد استمرارية نشاطهم في المدى المتوسط.

ويقول أحد المزارعين في مديرية بني حشيش: «أجبرونا هذا الموسم على تسليم جزء كبير من محصول الزبيب بحجة دعم الجبهات، ولم نحصل على أي مقابل. خسرنا جهد موسم كامل، ولم يتبقَّ ما نعيل به أسرنا».

أهالي الحيمة في ريف صنعاء الغربي أُجبروا على تقديم التبرعات النقدية (إكس)

كما يوضح أحد السكان من مديرية همدان، يُشار إليه باسم «مصلح»، أن مشرفين حوثيين فرضوا على الأسر مبالغ مالية تتراوح بين 10 آلاف و50 ألف ريال يمني (الدولار بنحو 530 ريالاً يمنياً) تحت أسماء مختلفة. ويضيف: «في حال عدم الدفع، نتعرض للمضايقات أو الاستدعاء، ما يجعل الأمر مرهقاً للغاية».

وفي مديرية بني مطر، يشير مزارعون إلى أن الإتاوات شملت أيضاً محاصيل أساسية مثل البطاطس والخضراوات، إضافة إلى فرض المساهمة في تكاليف نقلها، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع العائدات.

أعباء متفاقمة

تعكس هذه الشهادات حجم الضغوط التي يواجهها السكان في محافظة صنعاء، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الممارسات المفروضة، لتشكّل عبئاً متزايداً على الحياة اليومية لمختلف الفئات.

ولا تقتصر تداعيات هذه الجبايات على المزارعين؛ إذ تمتد إلى الموظفين الذين يعانون من انقطاع الرواتب، والتجار الذين يواجهون ركوداً في الأسواق، فضلاً عن الأسر التي تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.

وتأتي هذه الضغوط الحوثية في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من موجات تضخم حادة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الغذائية، ما يجعل أي التزامات مالية إضافية عبئاً يصعب تحمّله.

جانب من «قافلة عيدية» للمقاتلين قدمها القطاع الصحي الخاضع للحوثيين (إعلام حوثي)

ويرى مراقبون أن تصاعد هذه الممارسات يعكس اعتماد الجماعة الحوثية المتزايد على «اقتصاد الحرب»، الذي يقوم على تعبئة الموارد المحلية لتمويل العمليات العسكرية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات الأخرى.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي، ويقوّض فرص التعافي في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة، خصوصاً في الأرياف التي تعاني أساساً من ضعف البنية الاقتصادية نتيجة سنوات الصراع.


مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
TT

مياه الأمطار تغمر شوارع عدن

سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)
سكان عدن أفاقوا على شوارع غمرتها مياه الأمطار (إعلام محلي)

كثَّفت الفرق الفنية التابعة للسلطة المحلية في مدينة عدن، حيث العاصمة المؤقتة لليمن، جهودها لمواجهة آثار الأمطار الغزيرة التي هطلت على المدينة. وبنما تمَّ فتح عدد من الشوارع، تعمل هذه الفرق على مدار الساعة لاستكمال المهمة، وسط تحذيرات من استمرار الحالة المطرية الناتجة عن منخفض جوي.

ومع ساعات الصباح الأولى، أفاق سكان المدينة الساحلية، التي لا تشهد الأمطار إلا نادراً، على كميات غزيرة من الأمطار غمرت الشوارع الرئيسية، بينما أشرفت السلطة المحلية، على سير أعمال فتح الطرق ومنافذ تصريف المياه، حيث تولَّت الآليات شفط وتصريف مياه الأمطار في عدد من المديريات، في إطار الجهود المستمرة للتعامل مع تداعيات الحالة الجوية وتحسين مستوى الخدمات المُقدَّمة للسكان.

ونشرت السلطة فرق مؤسسة المياه وصندوق النظافة في عدد من المواقع المتضررة، حيث تولَّت عملية شفط مياه الأمطار المتراكمة في الشارع الرئيسي بمديرية المعلا، والطريق الرابط بينها وبين مديرية خور مكسر، والتي شهدت تدفقاً كبيراً للمياه؛ نتيجة هطول الأمطار.

كما انتشرت فرق ميدانية أخرى في مديرية المنصورة، وعملت على فتح انسدادات مناهل الصرف الصحي في مديرية الشيخ عثمان، ضمن خطة طوارئ تهدف إلى الحد من تجمعات المياه وإعادة فتح الطرق أمام حركة السير.

الفرق الميدانية أعادت فتح عدد من شوارع عدن (إعلام محلي)

وعلى الرغم من كميات الأمطار الكبيرة التي هطلت على المدينة، والتحذيرات من استمرارها، فإن فرق العمل واصلت مهامها حتى ساعات المساء. واطلع مسؤولو السلطة المحلية على طبيعة الأعمال المُنفَّذة والتحديات التي تواجه الفرق، وفي مُقدِّمتها كثافة المياه وتراكم المخلفات في قنوات التصريف، والتي تعيق سرعة الإنجاز.

وشدَّد المسؤولون على ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية والاستجابة السريعة لمواجهة أي طارئ، والتنسيق المستمر مع الجهات ذات العلاقة لضمان تصريف المياه بشكل آمن والحفاظ على سلامة السكان وممتلكاتهم.

إجراءات احترازية

أكدت السلطة المحلية في عدن، أنها سخّرت إمكاناتها الفنية والبشرية كافة، بما في ذلك مضخات الشفط وآليات النقل إلى جانب الكوادر الميدانية، للعمل على مدار الساعة في مختلف المديريات المتأثرة، داعية السكان إلى التعاون مع هذه الفرق وعدم رمي المخلفات في قنوات تصريف المياه لما لذلك من آثار سلبية على كفاءة الشبكة.

وكان وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد وجه الجهات المختصة برفع مستوى الجاهزية والاستعداد، واتخاذ التدابير الاحترازية اللازمة، بالتزامن مع بدء هطول الأمطار على عدد من مديريات المدينة، في ضوء التحذيرات الصادرة عن مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر بشأن استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي لأيام عدة، والتي قد يصاحبها تدفق للسيول ونشاط للرياح.

الفرق الفنية تواصل شفط المياه وسط تحذيرات باستمرار الحالة المطرية (إعلام محلي)

وطالب محافظ عدن صندوق النظافة والتحسين، ومكتب الأشغال العامة والطرق، والدفاع المدني، ومؤسستَي المياه والكهرباء، وشرطة السير، بالعمل على الحد من المخاطر وحماية الأرواح والممتلكات، وتكثيف أعمال فتح وصيانة قنوات تصريف مياه الأمطار، ورفع المخلفات من مجاري السيول، ومراجعة البنية التحتية لشبكات الكهرباء والمياه، وتنظيم الحركة المرورية في الشوارع التي تشهد تجمعات للمياه.

وأكد المحافظ اليمني أن السلطة المحلية تتابع تطورات الحالة الجوية أولاً بأول، وتعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان سرعة الاستجابة والتعامل مع أي طارئ، والتخفيف من آثار الحالة الجوية على العاصمة عدن.

كما دعا السكان إلى الالتزام بالإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، وتجنب الوجود في مجاري السيول، والحذر في أثناء السير في الطرق الزلقة، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار خلال فترات هطول الأمطار والرياح المصاحبة.

فصل الكهرباء

ضمن الأعمال الاحترازية، أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة، فصل التيار الكهربائي عن المناطق والمحطات التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة عدن؛ تجنباً لوقوع حالات تماس كهربائي أو كوارث تهدِّد حياة السكان.

وشدَّدت على ضرورة التنسيق مع فرق الصرف الصحي لسحب المياه المتراكمة من الأحياء المتضررة قبل إعادة الخدمة. ودعت السكان إلى أخذ الحيطة والحذر والابتعاد عن الأعمدة والأسلاك والمحولات الكهربائية المبتلة، مع التحذير من استمرار هطول الأمطار.

وكان «مركز التنبؤات الجوية والإنذار المبكر»، التابع للهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، قد حذَّر من أمطار رعدية غزيرة في عدد من المحافظات؛ نتيجة تأثر البلاد بأخدود منخفض جوي.

بسبب ضعف البنية التحتية تتعرض عدن موسمياً لمخاطر السيول (إكس)

وتوقَّع هطول أمطار رعدية متفرقة قد تكون غزيرةً على محافظة عدن، مع امتداد تأثير الحالة ليشمل أجزاء من الصحاري والمرتفعات والهضاب، إضافة إلى المناطق الساحلية في محافظات أبين وشبوة وحضرموت والمهرة.

ونبه المركز إلى استمرار الحالة المطرية مع ازدياد شدتها واتساع نطاقها لتشمل المرتفعات والمنحدرات الغربية، من محافظة صعدة شمالاً حتى الضالع وتعز ولحج جنوباً، مع امتدادها شرقاً إلى مأرب والجوف، وغرباً إلى السواحل المطلة على البحر الأحمر.

وطلب من السكان عدم الوجود في بطون الأودية ومجاري السيول، وتجنب السير في الطرق الطينية الزلقة، والحذر من الانهيارات الصخرية، والابتعاد عن أعمدة الكهرباء واللوحات الإعلانية والأشجار.


عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
TT

عُمان تعمل على ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز

وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي (د.ب.أ)

كشفت سلطنة عُمان، اليوم الاثنين، بأنها تعمل على وضع ترتيبات لضمان «مرور آمن» في مضيق هرمز، غداة تهديد طهران بإغلاق المضيق بالكامل في حال استهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب منشآت الطاقة في إيران.

وكتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في منشور على منصة «إكس»: «بغض النظر عن رأيك في إيران، فإن هذه الحرب ليست من صنعها. وهي تُسبب بالفعل مشاكل اقتصادية واسعة النطاق، وأخشى أن تتفاقم إذا استمرت الحرب. وتعمل عُمان جاهدة على وضع ترتيبات للمرور الآمن في مضيق هرمز».

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في وقت سابق اليوم، أن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات وصفها بأنها «جيدة ومثمرة» بشأن التوصل إلى تسوية شاملة للتوترات في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، في بيان، إن هذه المناقشات «المعمَّقة والبنّاءة» ستستمر طوال الأسبوع، مشيراً إلى أنه، وبناءً على «طبيعة وأجواء» هذه المحادثات، أصدر توجيهات بتأجيل أي ضربات عسكرية محتملة تستهدف محطات الطاقة والبنية التحتية الإيرانية لمدة خمسة أيام.

وأوضح أن هذا التأجيل يبقى «رهناً بنجاح الاجتماعات والمشاورات الجارية».

ومنح ترمب، أول من أمس، إيران مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية مهدداً بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال»: «إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل، ومن دون أي تهديد، خلال 48 ساعة من الآن، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستضرب وتدمر مختلف محطاتها للطاقة، بدءا بأكبرها!».

وبعد دقائق من تهديد ترمب، أعلن الجيش الإيراني أنه سيستهدف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في المنطقة إذا نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته بتدمير بنيتها التحتية للطاقة.