من منصات العرض إلى المحلات.. مفهوم يقسم أوساط الموضة

الإيطاليون والفرنسيون يرفضون.. والبريطانيون والأميركيون يرحبون

من منصات العرض إلى المحلات.. مفهوم يقسم أوساط الموضة
TT

من منصات العرض إلى المحلات.. مفهوم يقسم أوساط الموضة

من منصات العرض إلى المحلات.. مفهوم يقسم أوساط الموضة

بقرارها توفير كل ما تعرضه على منصات عروض الأزياء في المحلات مباشرة ابتداء من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، قسمت «بيربري» عالم الموضة إلى قسمين؛ قسم رحّب بالفكرة وعانقها على أنه ستخفف من الضغط الذي تشهده ساحة الموضة أخيرًا بسبب كثرة العروض، وقسم معارض لا يرى أنه من السهل تطبيق الفكرة من دون إحداث فوضى وتشويش. أغلبية المصوتين، أو المرحبين بالفكرة هم من مصممي لندن ونيويورك، بينما شكل الباريسيون والإيطاليون الطرف الرافض. فرنسوا هنري بينو، صاحب مجموعة «كيرينغ» المالكة لبيوت أزياء مهمة مثل «ستيلا ماكارتني»، «ألكسندر ماكوين»، «بوتيغا فينيتا»، «غوتشي» وغيرها صرح بأنه لن يركب الموجة، وأنه سيبقى وفيًا للأسلوب المتبع لحد الآن، وهو توفير ما يتابعه الحضور على منصات العروض بعد ستة أشهر تقريبًا. تبريره أن أي طريقة أخرى ستلغي فكرة الحلم بالترف، التي تقوم عليها الموضة أولاً وأخيرًا، على أساس أن انتظار التشكيلة لبضعة أشهر يؤجج الرغبة والحلم أكثر.
رالف توليدانو رئيس غرفة الموضة الفرنسية، كانت له الفكرة نفسها ورفض المفهوم الجديد لعروض الأزياء التي ينادي بها مصممون مثل كريستوفر بايلي وتوم فورد وغيرهم، من منطلق أنه لا يمكن عرض تشكيلات كثيرة اليوم والتوقع من الزبائن الاختيار من بينها مباشرة من دون أن يمنحوا بعض الوقت للتفكير.
طبعًا لغة الرفض كانت أقوى في ميلانو في الأسبوع الماضي، وهو ما لم يكن مفاجئًا أو مستغربًا. فإيطاليا ترفض أي شيء سريع، بدليل أنها كانت البلد الذي رفض فكرة الوجبات السريعة رفضًا باتًا في الثمانينات، وعندما فتحت «ماكدونالد» أول محل لها في روما، قامت الدنيا ولم تقعد، لأنها اعتبرت الأمر عدم احترام لثقافتها. واللافت أن أغلبية الإيطاليين ما زالوا لحد الآن لا يستلذون أي قهوة إلا إذا كانت «إسبريسو» بصنع محلي. لهذا من البديهي أن ترفض مفهوم الموضة السريعة، بمعناها الجديد، أي أن تصل المنتجات إلى الزبون مباشرة بعد انتهار العرض. كارلو كاباسا، رئيس غرفة الموضة الإيطالية قال إن الموضة الإيطالية تدفعها «الرغبة في الابتكار» بينما «الموضة السريعة» تقوم على تلبية حاجة الزبائن. بالنسبة له والفئة الرافضة فإن الإبداع يتطلب وقتًا للبحث والتطوير، سواء تعلق الأمر بالتصميم أو بالتكنولوجيا، كما يتطلب من الزبائن وقتًا لفهم التصاميم المبتكرة واستيعابها، مما يجعل المدة التي يستغرقها وصول المنتج إلى الزبون، من الورق إلى التنفيذ، مهم. ماريو بوزيللي، الرئيس الفخري لغرفة الموضة الإيطالية، أيضًا أدلى بدلوه في الموضوع معلقًا بأن المسألة الآن بين مدرستين؛ الأولى تضم بريطانيا والولايات المتحدة، والثانية تضم إيطاليا وفرنسا. «نيويورك ترتبط وتهتم دائمًا بالتلميع والتسويق، بينما نحن والفرنسيين نهتم بالإبداع والحرفية أكثر». أما إذا كان المستهلك هو الذي يريد التغيير ولا يقوى على الانتظار، فإن السوق واسعة، ويمكنه أن يختار ما يريد، حسب بوزيللي. ويوافقه الرأي فرنسوا هنري بينو، قائلا إن عروض الأزياء بالنسبة لبيوت الأزياء هي وسيلة للتواصل والتفاعل مع الزبائن، مضيفًا «بيربري قررت ما يناسبها، ونحن بدورنا سنقرر ما يناسبنا وحسب منظورنا إلى الترف». وأشار إلى أنه لا يتوقع أن يُحدث قرار «بيربري» تغيرات جذرية في برنامج الموضة، لأن دمج عروض الأزياء الرجالية مع النسائية سيمثل تحديًا بالنسبة للكثير من الماركات العالمية خصوصًا تلك التي يعمل بها مصممو أزياء مستقلون للجنسين.
تشبث بينو بنهجه الحالي مفهوم وله ما يبرره، فدار «غوتشي» التي تعتبر الماسة في تاج مجموعته «كيرينغ» تحقق أرباحًا لم تحققها منذ سنوات. فمنذ أن تسلمها أليساندرو ميشال، وهي تثير الكثير من الانتباه بتصاميمها التي تبدو وكأنها ترنو إلى الماضي بلمسة «فينتاج»، لكنها تتوجه إلى المستقبل بكل جوارحها، مما يجعل ميشال من أهم المصممين في الساحة العالمية في الوقت الحالي، لا سيما في ظل تحركات المصممين وتغييراتهم الأخيرة. بعضهم استقال بسبب ضغوط العمل وكثرة التشكيلات التي أصبحوا مطالبين بتصميمها في وقت وجيز، مما أدى إلى رفضهم أن يأتي التجاري على حساب الإبداع الفني، مثل راف سيمونز. فهذا البلجيكي استقال من «ديور» في العام الماضي ورفض تجديد عقده معها بعد ثلاث سنوات فقط، لأنه وجد أن البرنامج المكثف لعروض الأزياء لا تُطاق، إضافة إلى الأنشطة التي لا تنتهي وتؤثر بشكل مباشر على إمكانية اختبار الأفكار ثم تجويدها. فالإيقاع السريع للموضة لا يتيح له ولأمثاله هذا الترف، مما جعله يفضل الانسحاب على الاستمرار. مصممون آخرون اعترفوا بأنهم يعانون من المشكلة نفسها، وبأن المصمم أصبح منسق أزياء أكثر منه مبتكرًا أو مبدعًا بسبب ضغوط العمل والعروض التي أصبح ملزمًا بإنتاجها.
كارل لاغرفيلد، المصمم المسؤول عن هذه الضغوط، بشكل غير مباشر، أمسك بالعصا من المنتصف. فرغم أنه قال إن تطبيق الفكرة صعب، وشبه مستحيل، لأنه سيخلق فوضى، إلا أنه لم يرفض كل جوانبها. «الواقع يتطلب أن تمنح الناس وقتًا للاختيار واتخاذ قرار الشراء سواء تعلق الأمر بالأزياء أو الإكسسوارات، كما يتطلب أيضًا إنتاجهما بأسلوب جميل وأنيق حتى يتمكن محررو الأزياء من تصويرها بشكل جيد. إن لم يتحقق هذا فإن النهاية وشيكة». وأضاف أن الشركات التي تتوفر على مئات المحلات ومعامل ضخمة يمكنها أن تنفذ العملية، بينما ستعاني الشركات الصغيرة أو المصممون الذين ليست لديهم محلات خاصة بهم.
مسؤولية كارل لاغرفيلد فيما يعاني منه المصممون الشباب من ضغوطات ومسارعتهم للموافقة على دمج أربعة عروض في اثنين سنويا حسب ما اقترحته «بيربري»، تعود إلى نجاحه وإنتاجيته أكثر من أي شيء آخر. فرغم تعديه الثمانينات من العمر، لا يتعب ولا يكل، ومن أكثر المصممين إنتاجًا. فهو الذي منح الكثير من الخطوط الهامشية قوة، جعلتها تصبح بقوة الخطوط الأساسية. ثم أنه لا يكتفي بتنظيم عروض ضخمة تحقق للدار صيتًا عالميًا وأرباحًا تجعل الكل يريد الاقتداء باستراتيجيات «شانيل»، بل أصبح يطرح ما لا يقل عن ست تشكيلات في العام لـ«شانيل» وحدها، إضافة إلى عمله مع «فندي» وعدم توقفه عن التفكير في المزيد. فقد أعلن أخيرًا أنه ينوي طرح تشكيلة جديدة لا تتوفر سوى على مواقع الإنترنت. وهذه بالنسبة له تواكب تطور العصر وتلبي رغبات الزبون الذي لا يريد الانتظار عدة أشهر، لكنها عمل إضافي لا بديل. أما بالنسبة له، فعلى الأرجح أنه يرى نفسه مجرد مواكب لتغيرات العصر ومنصتًا جيدًا لنبض الشارع بدليل قوله إن «العالم يتغير دائما.. أحيانًا ليس للأفضل، ومع ذلك نحن ملزمون بمواكبة تغيراته، ودخول عصر الإنترنت. لكن هناك طرقًا مختلفة لتحقيق ذلك، عوض إطلاق أفكار في الهواء من دون التفكير فيها جديًا».



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.