ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

الخبراء: الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري.. وواشنطن تدرس التدخل مرة أخرى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
TT

ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011

يبدو أن سقوط العقيد معمر القذافي أثبت صحة موقف هيلاري كلينتون، فبعد ذلك رفضت الميليشيات التخلي عن سلاحها، وعمدت الدول المجاورة على تأجيج نيران الحرب الأهلية، ثم وجد تنظيم داعش لنفسه ملاذا داخل البلاد.
وعليه، تدرس الولايات المتحدة التدخل مرة أخرى في ليبيا ـ هذه المرة، لقتال «داعش» ـ لكن يبقى التساؤل: هل الحل العسكري مناسب؟
الواضح أن الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري في ليبيا. وفي تلك الفترة، وجدت كلينتون نفسها محصورة بين البريطانيين والفرنسيين وآخرين متشككين.
وجاء هذا التدخل ليدشن حقبة جديدة في التاريخ الليبي، وجرى سحب الديكتاتور السابق من داخل ماسورة صرف صحي كان يختبئ بها لتتقاذفه أيدي مسلحين غاضبين، ويكيلون إليه الضربات الوحشية.

يكشف فيديو مصور من خلال هاتف جوال الدماء تنهال من وجه «الزعيم» معمر القذافي الذي بث الرعب في صدور الليبيين على مدار أربعة عقود، بينما بدا مذعورًا ومتحيرًا لعلمه باقتراب ساعة قتله ـ ما حدث بالفعل.
وصلت أولى الأنباء عن إلقاء القبض وقتل القذافي إلى وزيرة الخارجية، في أكتوبر (تشرين الأول)، أثناء وجودها بالعاصمة الأفغانية كابل، حيث كانت تستعد لإجراء مقابلة تلفزيونية. وسرعان ما انطلقت منها صيحات الدهشة بمجرد أن وقعت عيناها على الخبر عبر جهاز «بلاكبيري» يخص أحد مساعديها، قبل أن تنبه بحذر إلى أن الخبر لم يتم التأكيد عليه بعد. ومع ذلك، بدت كلينتون تواقة لوضع نهاية للحملة العسكرية متعددة الأطراف داخل ليبيا، التي بذلت جهودًا مضنية لتنظيمها. وفي لحظة نادرة، تخلت عن تحفظها وصاحت قائلة: «لقد مات!»
قبل ذلك بيومين، كانت كلينتون قد توجهت لزيارة العاصمة الليبية، طرابلس. وعلى امتداد أسابيع، عمد مساعدوها على توزيع بيانات تصف دورها المحوري في الأحداث التي قادت لتلك اللحظة. وفي إحدى المذكرات، كتب كبير مساعديها، جسك سوليفان، متحدثًا عن «قيادتها وتوجيهها للسياسة الأميركية تجاه ليبيا من البداية حتى النهاية». وتحدثت هذه المذكرة عن كلينتون باعتبارها كانت الشخصية المحورية في كل ما جرى بخصوص ليبيا.
كشفت هذه المذكرة عن قدر بالغ من الغرور لدى وزيرة بالحكومة الأميركية تطمح لمنصب الرئاسة، وأثارت الرغبة المحمومة لفريق العمل المعاون لكلينتون في نسب كل الفضل إليها الدهشة داخل البيت الأبيض والبنتاغون، بل ولم يملك البعض أنفسهم من الضحك لدى استماعهم لمساعديها يدعون أنها من أصدر توجيهاته بشن ضربات جوية في ليبيا.
ومع ذلك، كانت هناك مؤشرات كثيرة توحي بأن هذا الانتصار قصير الأمد، وأن الفراغ الذي خلفه موت القذافي سيؤجج أعمال العنف والانقسامات.
في الواقع، في ذات اليوم من أغسطس (آب) الذي وضع فيه سوليفان مذكرته التي تنضح بالثناء والإشادة لكلينتون، بعث المسؤول الأول بوزارة الخارجية المعني بالشرق الأوسط، جيفري دي فيلتمان، رسالة عبر البريد الإلكتروني تحمل نبرة مغايرة تمامًا حيال انطباعه عن زيارته لليبيا.
كتب فيلتمان أن القيادات المؤقتة في ليبيا تبدو منعزلة بصورة خطيرة عن الواقع، مشيرًا إلى أن محمود جبريل، القائم بأعمال رئيس الوزراء والذي ساعد في إقناع كلينتون بدعم المعارضة،، ولم يظهر بليبيا سوى لفترات وجيزة. كما تعرض جنرال بارز في صفوف المسلحين للقتل، مما كشف خطر «أعمال القتل الانتقامية». في الوقت ذاته، كان المتطرفون يتحركون بقوة نحو الاستيلاء على السلطة، بتمويل من أعضاء التحالف المناهض للقذافي.
وفيما يخص مهمة اكتسبت حينها أهمية قصوى، وهي نزع تسليح الميليشيات التي نجحت في إسقاط القذافي لكنها الآن أصبحت تهدد وحدة البلاد، نبه فيلتمان إلى حالة من التراخي الخطير. وكتب يقول إن جبريل ومعاونيه «حاولوا غض أبصارهم» عن المشكلة التي قد تمثلها الميليشيات لما بعد حقبة القذافي.
موجز القول إن الرجال أصحاب النوايا الحسنة الذين تولوا، اسميًا، إدارة شؤون البلاد كانوا يعتمدون على «الحظ والانضباط القبلي والطبيعة اللطيفة للشعب الليبي» في ضمان مستقبل سلمي. وقال فيلتمان: «سنستمر في الضغط فيما يخص هذا الأمر».
وكشفت الشهور التالية أن المذكرة التي وضعها فيلتمان كانت تحمل قدرًا كبيرًا من بعد النظر. ومع ذلك، سرعان ما تركزت أنظار الحلفاء الغربيين الذين عملوا معًا في ليبيا على الأزمة السورية، لتتراجع ليبيا إلى مرتبة متأخرة في اهتماماتهم.
أما كلينتون فتراجع دورها إلى مجرد متفرج، مع سقوط البلاد في حالة من الفوضى أسفرت نهاية الأمر عن حرب أهلية تسببت في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وأججت أزمة لاجئين داخل أوروبا وسمحت لـ«داعش» ببناء ملاذ آمن لها داخل ليبيا تحاول واشنطن الآن احتواءه قدر الإمكان.
وعن هذا قال محمد شمام، الذي عمل متحدثًا رسميًا باسم الحكومة المؤقتة: «لن يقول أحد إن الأوان قد فات، فلا أحد يرغب في التفوه بذلك، لكنني أخشى من أن الوقت يداهم ليبيا».
وأشارت تقارير إعلامية لزيارة واحدة سريعة لكلينتون إلى ليبيا في أكتوبر 2011 باعتبارها «زيارة الانتصار»، لكن هذا الإعلان جاء سابقًا لأوانه للغاية. خلال الزيارة، جرى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة على نحو استثنائي، مع تمركز بوارج عسكرية قبالة السواحل الليبية استعدادًا لأي عملية إجلاء طارئة. ومرت الزيارة من دون أعمال عنف، لكن مشاهد الاحتفال العارمة في شوارع العاصمة الليبية ذلك اليوم سلطت الضوء على الانقسامات التي ضربت الحقبة الجديدة بالبلاد.
وخلال زيارتها، أعلنت كلينتون بينما كان يقف بجوارها جبريل وعلى وجهه ابتسامة مشرقة: «إنني فخورة بالوقوف هنا على أرض ليبيا الحرة. إنه شرف كبير معاينة مستقبل جديد لليبيا تجري صياغة ملامحه. ولا شك أن الفترة القادمة ستحمل تحديات كبيرة، لكن الشعب الليبي أظهر العزم والصلابة اللازمين لتحقيق أهدافهم».
إلا أنه في كل مكان ذهبت إليه كلينتون، كان هناك دومًا الوجه الآخر للثورة، متمثلاً في حشود من المقاتلين يحملون «الكلاشينكوف». وانطلقت منهم الهتافات والصيحات، بينما ظلت كلينتون محتفظة برباطة جأشها، لكن المكلفين بحمايتها ظلوا يراقبون المشهد بتوتر بالغ.
وبالطبع، كانت كلينتون مدركة لمدى صعوبة الفترة الانتقالية نحو ليبيا ما بعد القذافي. في فبراير (شباط) ، قبل أن تبدأ أعمال القصف من جانب التحالف، أشارت كلينتون إلى أن التغيير السياسي بمصر جاء مضطربًا وصاخبًا رغم قوة مؤسسات الدولة.
وأضافت: «إذن لكم أن تتخيلوا مدى الصعوبة التي سيكون عليها ذلك في بلد مثل ليبيا حكمها القذافي طيلة 42 عامًا من خلال تدمير جميع المؤسسات والحرص على عدم بناء جيش، بحيث لا يمكن لأحد استخدامه ضده».
في وقت سابق، كان مستشار الأمن القومي للرئيس، توم دونيلون، قد شكل مجموعة تخطيط باسم «ما بعد القذافي». وقد عاونت كلينتون في تنظيم «مجموعة الاتصال الليبية»، وهي مجموعة من الدول التي تعهدت بالعمل نحو بناء مستقبل مستقر وزاهر لليبيا. بحلول مطلع عام 2012. كانت قد شاركت في عدة اجتماعات دولية حول ليبيا.
من جانبه، دعا ديني بي. روس، الخبير المخضرم بشؤون الشرق الأوسط داخل مجلس الأمن الوطني، لإرسال قوة حفظ سلام خارجية إلى ليبيا ـ لكن من دون جدوى. إلا أنه مع بدء تدفق النفط مجددًا من الآبار الليبية، شعر بالدهشة والسعادة حيال أن الأمور بدت تسير على نحو طيب داخل ليبيا.
وعن ذلك، قال: «كان لدي قلق من أنه لا يجري بذل جهود كافية وسريعة لخلق قوات أمنية متناغمة، لكن الشهور الستة الأخيرة من 2011 حملت قدرًا كبيرًا من التفاؤل».
ومع ذلك، ازدادت الفجوة ما بين مسؤولي الحكومة المؤقتة أصحاب التعليم الرفيع والقادرين على الحديث بالإنجليزية بطلاقة من ناحية، والثوار من ناحية أخرى. وبعد عقود في المنفى، اتضح أن بعض القيادات أصبحت أكثر معرفة بالجامعات الأميركية والبريطانية عن القبائل الليبية والميليشيات التي انبثقت منها. إضافة لذلك، أحاطت مشاعر الريبة آخرين داخل بعض الدوائر، مثل جبريل، بسبب أدوارهم السابقة داخل نظام القذافي. وبدا واضحًا على نحو متزايد أن الجيش الشعبوي الذي نجح بالفعل في إسقاط القذافي لا يتلقى أوامره من الرجال المرتدين البزات الرسمية والذين ظنوا أنفسهم قادة ليبيا الجدد.
من جهته، قال جيرمي شابيرو، الذي تولى مسؤولية الملف الليبي من بين معاوني كلينتون، إن الإدارة كانت تبحث عن «الشخص القادر على توحيد الصفوف ـ نيلسون مانديلا الليبي»، مستطردًا أنه: «لهذا بدا جبريل شخصية جذابة للغاية. وقد قلنا فيما بيننا دومًا: هذا هو الشخص القادر على التواصل مع جميع الفرق. إلا أن الأمر الذي كان ينبغي أن نبحث عنه حقًا ـ ولم نكن قط بارعين في العثور عليه ـ فهو توازن القوى».
في ظل هذه الظروف، رأى البعض في الدفع نحو إجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2012. أي بعد تسعة شهور فقط من مقتل القذافي، أمرًا سابقا لأوانه، لكن هذا الموعد جاء متوافقًا مع الجدول الذي تعهدت به المعارضة أمام الغرب، وحاز تأييد الفرق المتنافسة.
من جانيه، قال عبد الرزاق مختار، عضو الحكومة المؤقتة الذي عاش سنوات كثيرة في كاليفورنيا ويعمل حاليًا سفيرًا لليبيا لدى تركيا: «فجأة، وجدت أمامك أفرادا منتمين لأحزاب سياسية مختلفة والإخوان المسلمين وكذلك جبريل، يعلنون أن الوقت قد حان لعقد انتخابات. إلا أننا في الحقيقة لم نكن مستعدين لذلك، وإنما كنا بحاجة لخارطة طريق تضع الأمن أولاً».
بحلول يناير (كانون الثاني) 2012، أصبحت المؤشرات على وجود مشكلات ظاهرة على نحو لا تخطئه عين. ومع تراجع شعبيته، استقال جبريل من منصبه كرئيس وزراء مؤقت، بعد اتهام عالم مسلم بارز بأنه يقود البلاد نحو «حقبة جديدة من الطغيان والاستبداد». وفي إطار اتفاق عقد بين اثنتين من الميليشيات القوية البارزة، حل محله عبد الرحيم الكيب، بروفسور الهندسة الذي تولى التدريس لسنوات بجامعة ألاباما.
في 5 يناير، بعثت صديقة كلينتون المقربة ومستشارتها سيدني بلومنثال إليها برسالة تحمل أحدث سلسلة تقارير من خلف الكواليس حول ليبيا، والتي وضعها في معظمها ضابط متقاعد من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، يدعى تيلر درميلير، والذي توفي العام الماضي.
وتناولت الرسالة التوترات المشتعلة بين المتطرفين والعلمانيين حول دور الشريعة، والقتال الدائر بين الميليشيات المتناحرة المنتمية لمدينتين مختلفتين، والزيارات الأربع لـ«رجال ميليشيات غاضبين» لمكتب الكيب طالبوه خلالها بامتيازات.
وأوضحت الرسالة أن الكيب «يعتقد أنه حال عدم نزعه تسليح الميليشيات وتلبيته مطالبهم خلال الشهور الستة التالية، فإن هناك احتمالا كبيرا لأن تتفاقم أعمال القتال بين المجموعات المتناحرة، ما قد يسفر عن اشتعال حرب أهلية». من جهتها، نقلت كلينتون الرسالة لمساعدها سوليفان، مذيلة بتعليق موجز: «مثير للقلق».
كان من المفترض أن تدفع هذه التقارير المثيرة للقلق واشنطن نحو اتخاذ إجراءات فعلية ـ لكن هذا لم يحدث. بعد سقوط القذافي، ومع وجود قدر ضئيل من أعمال العنف وقيادة مؤقتة صديقة، سرعان ما تراجعت أولوية ليبيا بأجندة البيت الأبيض. وتوقفت الاجتماعات المستمرة داخل البيت الأبيض بحضور الرئيس. واحتلت الثورة التي اشتعلت في سوريا، بقلب الشرق الأوسط، والتي يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف سكان ليبيا، الأولوية الأولى. ولم يكن تحول الاهتمام بعيدًا عن ليبيا مجرد إهمال، وإنما تحول إلى سياسة مقررة.
عن هذا، قال ديريك كوليت، الذي تولى حينها مسؤولية الملف الليبي داخل مجلس الأمن الوطني: «بدا أن الرئيس يعمد لتجنب خلق عراق جديد. وفي تلك الأثناء، ظل الأوروبيون يؤكدون أنهم يقومون بما يلزم وأنهم يدركون تمامًا ما يدور في ليبيا باعتبار أنها تقع داخل نطاقهم بصورة ما».
وعليه، أقر الرئيس ومجلس الأمن الوطني ما وصفه كوليت بـ«قيود شديدة» على الدور الأميركي، حيث شددا على أن واشنطن ستقدم العون فقط عندما لا يكون باستطاعة غيرها تقديم مثل هذا العون، وبناءً على طلب صريح من ليبيا، وعندما تدفع ليبيا مقابل هذا العون من عائداتها النفطية. عمليًا، كان معنى هذه الشروط أن الولايات المتحدة لن تفعل سوى القليل للغاية.
من ناحية أخرى، رغم زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لليبيا معًا، فإن اهتمامها سرعان ما تشتت بعيدًا عنها بسبب حملة ساركوزي لإعادة انتخابه والمخاوف الاقتصادية فيما يخص كاميرون.
من جانبهم، زاد الليبيون أنفسهم من سهولة إهمال الغرب لهم، حيث أبدى القادة المؤقتون للبلاد قدرًا من الوطنية الممزوجة بسذاجة واضحة من خلال إصرارهم، علانية على الأقل، عن رغبتهم في عدم تدخل أي أطراف خارجية ببلادهم. وقد أبدوا قلقًا حيال وجود أي قوات أجنبية على الأراضي الليبية لدرجة أنهم رفضوا السماح للأمم المتحدة بالإبقاء على قوة أمنية أساسية لحماية مقرها.
ومع مرور الشهور، تفاقم التقاتل بين مختلف الفرق، ما دفع كلينتون للضغط على الإدارة لبذل مزيد من الجهود بالملف الليبي، حيث طلبت من البنتاغون، على سبيل المثال، المعاونة في تدريب قوات أمنية ليبية. إلا أنها وجدت نفسها محصورة بين القيود التي فرضها الرئيس ورفض الليبيين أنفسهم.
حتى المقترحات المتواضعة انهارت، فعندما اقترحت كلينتون إرسال سفينة تحمل على متنها مستشفى لعلاج المقاتلين الليبيين المصابين، رفض مجلس الأمن الوطني الفكرة، وذلك حسبما أفاد مساعدون لها.
ومع ذلك، حرصت كلينتون على الحفاظ على علاقتها بالرئيس واحترمت سلطته في إقرار السياسات، ما أجبرها على المضي قدمًا في الالتزام بالسياسة المقررة.
من جانبه، حاول أندرو شابيرو بذل قصارى جهده لتحسين هذا الموقف الحرج، حيث اضطر لشرح ما تقوم به واشنطن من جهود لتأمين الترسانة العسكرية الضخمة التي خلفها القذافي وراءه ـ في استثناء لافت لسياسة النأي عن التدخل التي انتهجتها بلاده.
وخلال كلمة ألقاها في واشنطن في فبراير (شباط) 2012، استعرض شابيرو، مساعد وزيرة الخارجية للشؤون السياسية ـ العسكرية، الجهود الأميركية «لاستثارة استجابة دولية» للعثور على وتدمير مخازن الأسلحة. إلا أنه اعترف بأن البرنامج المخصص لهذا الأمر والذي أعلنته كلينتون بقيمة 40 مليون دولار، لا يسير على النحو المأمول، حتى فيما يخص أكثر أنماط الأسلحة المثيرة للقلق ـ الصواريخ المحمولة كتفًا القادرة على إسقاط طائرات.
وخلال كلمته، قال: «كم عدد الصواريخ المفقودة؟ الإجابة الصريحة هنا أننا لا ندري ـ وربما لن نعرف قط. ولا يمكننا استبعاد احتمالية تسرب بعض الأسلحة إلى خارج ليبيا».
وفي حين أن الاستخبارات المركزية الأميركية تحركت سريعا لتأمين أسلحة العقيد القذافي الكيميائية، فإن الجهود الأخرى كانت قاصرة. يتذكر روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي آنذاك قائلا: «كانت هناك ترسانة يعتقد بأنها تضم 20 ألف صاروخ، ما بين تلك المحمولة كتفا وقذائف سطح طجو، وإس-إيه7. والتي كانت اختفت للتو خلال الفوضى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
وكان من بين العراقيل أن إدارة أوباما كانت تتفاوض مع الوزراء الليبيين المؤقتين كما لو كانوا يمثلون حكومة موحدة. وواقع الأمر أنهم كانوا في كثير من الأحيان خصوما، يتصارعون على السلطة قبل الانتخابات.
وقال: أنتوني بلينكن، الذي كان وقتذاك كبير مستشاري نائب الرئيس جوزيف بايدن: «أعرف أن هذا يبدو غير معقول، لكننا على مدار شهور وشهور لم نكن قادرين على الوصول إلى أي شخص يتمتع بالسلطة في الحكومة لمجرد التوقيع على اتفاق على أي شيء، بما في ذلك عروضنا التفصيلية بتقديم مساعدات أمنية».
وقال الكثير من المسؤولين الليبيين: «عندما كان الأمر يتعلق بتأمين الأسلحة، فإن الفكرة الأولية الأميركية – وهي إعطاء الحكومة المؤقتة مساعدات لشراء هذه الأسلحة من جديد بنفسها – انهارت عندما أخفق الوزراء الليبيون في تنفيذ البرنامج.
ومن ثم فإن وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت تعمل مع «سي آي إيه»، لم تجد إلا محاولة التوصل لاتفاقات بمعرفتها مع الميليشيات. لكن لم يكن هناك حوافز تذكر لكي تبيع الميليشيات الأسلحة. وبحسب السيد شمام، المتحدث السابق باسم الحكومة المؤقتة: «كيف تشتري كلاشينكوف بـ1000 دولار؟ يمكن لشخص من خلال كلاشينكوف أن يكسب 1000 دولار يوميا عن طريق خطف الناس».
والأسوأ من هذا أن البرنامج خلق حوافز للميليشيات لاستيراد الأسلحة لبيعها للأميركيين، بحسب ما يقول علي زيدان، مستشار الحكومة المؤقتة، والذي انتقلت إليه مسؤولية البرنامج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، عندما أصبح رئيسا للوزراء.
قال زيدان: «إذا كنت تريد أن تشتري الأسلحة، فعليك أن تسيطر على الحدود»، مضيفا أن الإخفاق في هذا دفع المقاتلين إلى «بيعها، والحصول على المزيد من الأموال، وبيعها مجددا».
وردا على أسئلة أحد الصحافيين في ذلك الربيع عن السبب الذي جعل من الصعب على الولايات المتحدة أن «تتدخل بالشكل المناسب» عندما تدخلت في الشرق الأوسط، كانت السيدة كلينتون لا تزال تعتبر ليبيا نموذجا للنجاح. قالت السيدة كلينتون التي رفضت إجراء مقابلة من أجل هذا المقال: «أختلف مع ما يفترضه هذا السؤال». لكنها كانت مدركة كذلك لتدهور الوضع الأمني.
في تقرير في فبراير (شباط) 2012، وصفت منظمة العفو الدولية الميليشيات الليبية بأنها «خارجة عن السيطرة». وفي نفس الشهر، حذر السيد كريتز، السفير الأميركي، في رسالة بريد إلكتروني من أن انتخابات يوليو (تموز) قد تحدث في «سياق سيطرة الميليشيات».
في الدائرة الداخلية المحيطة بالسيدة كلينتون، كان التفاخر بإنجازها في ليبيا قد مهد الطريق لـ«حالة من القلق من أن هذا الإنجاز سينهار»، بحسب أحد كبار المساعدين. ويتذكر هذا المساعد تلقيه توجيها مازحا من السيد سوليفان بـ«التأكد من عدم حدوث هذا» قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني).
ومن ثم فعندما ذهب الليبيون إلى الانتخابات في السابع من يوليو (تموز) فيما وصفه المراقبون الدوليون بانتخابات نزيهة شهدت مشاركة كبيرة ونسبة قليلة من العنف، شعرت السيدة كلينتون وغيرها من أنصار التدخل بالارتياح. في أعقاب الربيع العربي في مصر وتونس، كان الناخبون اختاروا حكومات يقودها متشددون. لكن في ليبيا، كان الائتلاف الفائز يضم أحزابا صديقة للغرب يقودها السيد جبريل.
في الشهر التالي، ومع هتاف الحشود في طرابلس بأن «دم الشهداء لن يذهب هباء»، انتقلت السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، أول انتقال سلمي للسلطة في تاريخ ليبيا.
كانت السيدة كلينتون تسر إلى المحيطين بها بتخوف من أن البلاد ليست مستعدة للانتخابات، بحسب أحد مساعديها، ومع هذا فقد هنأت الليبيين على «هذه الخطوة التاريخية».
قالت: «الآن يبدأ العمل الشاق فعليا لبناء حكومة شفافة وفعالة توحد البلاد».
لكن الوحدة كانت مستحيلة بالفعل.
قال السيد جيرارد أرود، السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة في رسالة تأييد مبكرة للتدخل: «كانت قضية خاسرة منذ البداية.. كان نفس الخطأ الذي ارتكبته في العراق. تقوم بتنظيم انتخابات في بلد ليس لديه خبرة في تكوين الأحزاب السياسية. ومن ثم يكون لديك انتخابات، وتعتقد أن كل الأمور قد تم حلها. لكن في النهاية يعود الواقع القبلي ليسيطر على البلاد».
وفي حين ناضل الأميركيون ضد انتشار الأسلحة وكانوا يأملون في أن يحدث ما هو أفضل، تصدى ضابط متمرد سابق للمشكلة التي تقف في القلب من المعضلة الليبية: تفكيك القوى المتقلبة التي أطاحت بالعقيد القذافي، ومساعدة المقاتلين على أن يجدوا لهم مكانا في ليبيا الجديدة. لم يلتق الضابط، السيد مصطفى الساقزلي، السيدة كلينتون على الإطلاق. لكن نتيجة حملته الفردية كانت لتقرر إلى درجة معقولة مكان ليبيا في سجلها كوزيرة للخارجية.
وكنائب لقائد كتيبة شهداء 17 فبراير، إحدى أكبر الميليشيات وأكثرها قوة، حاول السيد الساقزلي بأقصى ما لديه أن يعتني بجنوده. شعر بأن ذلك كان التزاما لم ينته بنهاية الثورة.
سأل المقاتلين: «ما الذي تحتاجونه؟ ما هي أحلامكم؟»
بعد وقت قريب شكلت الحكومة الانتقالية هيئة شؤون المحاربين، برئاسة السيد الساقزلي. كان الكثير من بين 162 ألف مقاتل سابق قامت بتسجيلهم، أميين يحتاجون للتعليم. وكان بعضهم يريد الالتحاق بقوة الشرطة أو الجيش الجديد، لكن نصفهم تقريبا كانوا يأملون ببدء مشروعات تجارية صغيرة. قال السيد الساقزلي إنه نقل مقترحا إلى الحكومة الانتقالية: يمكن أن تساعد وزارة العمل رجال الأعمال المحتملين، بينما يمكن أن تساعد وزارة الداخلية في تدريب ضباط الشرطة والجمارك، في حين تساعد وزارة الدفاع على استيعاب الآخرين في الجيش الوطني وهكذا.
كان مقترحا طموحا، ولكن الحكومة كانت تتوفر على الكثير من الأموال؛ حيث كانت السيدة كلينتون عملت بجد على تحرير مليارات الدولارات من الأصول الليبية التي كان جرى تجميدها بفعل العقوبات على القذافي. وكانت وجهة نظرها، بحسب ما يقول أحد كبار مساعديها، هي أنه إذا لم تتمكن الحكومة الانتقالية من «الحكم بالقوة، فلتحكم بقوة المال».
في 8 أغسطس (آب) 2012، بعد الانتخابات بشهر واحد، وقع السفير الأميركي ستيفنز على برقية أرسلها إلى واشنطن تحت عنوان «بنادق أغسطس» في عنوان يحاكي قصة من تاريخ الحرب العالمية الأولى. وصفت البرقية بنغازي كمدينة تنتقل «من حالة الخوف إلى النشوة ثم العودة للخوف مجددا في ضوء سلسلة من أحداث العنف التي باتت تسيطر على المناخ السياسي»، محذرا من الفراغ الأمني.
لم يعرف أي مسؤول أميركي ليبيا كما عرفها، فكان دوما على استعداد لدفع حياته ثمنا لتصميمه على رؤية الواقع الصاخب لليبيا عن كثب. وبعد إرسال البرقية بشهر، هاجم مسلحون إسلاميون مقر القنصلية الأميركية في بنغازي، وكان ستيفنز أحد أربعة أميركيين لقوا حتفهم.
وفي الهجمات التي استهدفت المجمع الدبلوماسي وملحق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» المجاور، شهدت ليبيا أحداثا مروعة في وقت متزامن: سقطت الحكومة المركزية الضعيفة، انهارت دولة النظام والقانون، ظهرت الجماعات المسلحة وابتعدت ليبيا عن دائرة الضوء الأميركية. أسرع أعضاء الحزب الجمهوري باستغلال الموقف للبدء في طرح الاستجوابات وجلسات الاستماع لسنوات طويلة، وجمع التبرعات لهيلاري كلينتون. وفي الشهور الأخيرة لوجودها كوزيرة للخارجية، ركبت كلينتون الموجة الشعبية مدعومة بحملة على الإنترنت بعنوان «نصوص من أقوال هيلاري»، وكان شعار الحملة صورة لوزيرة الخارجية تحملق من خلال نظارتها السوداء في هاتفها المحمول «بلاكبيري». أدرك القليلون أن الصورة التقطت لهيلاري على متن طائرة عسكرية أقلتها إلى ليبيا في تلك الأيام العصيبة بعد سقوط الديكتاتور.
لو أن محاولة لوم هيلاري وتحميلها مسؤولية الهجوم الإرهابي على القنصلية ببنغازي فشلت لكانت نغمة التدخل في ليبيا باتت مبتذلة وسط كل النجاحات التي حققتها، فليبيا لن تتوافق مع السياسات الأميركية، سواء كان هدف أميركا استخدام ليبيا كهراوة تخيف بها الآخرين أو كان غرضها مجرد التباهي.
ومع خروجها من وزارة الخارجية في فبراير 2013. ازدادت وتيرة العنف الطائفي بدرجة جعلت نشوب حرب أهلية أمرا وارد الحدوث، وتزايدت أعداد اللاجئين الذين يدفعون المال للمهربين لمساعدتهم في رحلة الخطر عبر البحر المتوسط. كان من الممكن أن تؤدي الفوضى في ليبيا إلى ظهور حكومتين متنافستين؛ واحدة تدعمها مصر والإمارات، والأخرى تدعمها قطر وتركيا والسودان، وتوفر الأخيرة الملاذ للمتطرفين الذين سينضم إليهم مبعوثو «داعش».
الأسلحة التي صعبت من عملية تحقيق الاستقرار في ليبيا ظهرت في سوريا، وتونس، والجزائر، ومالي، والنيجر، وتشاد، ونيجيريا، والصومال، والسودان، ومصر، وغزة، وغالبا في أيدي إرهابيين أو متمردين أو مجرمين.
وفي خريف عام 2012، أعدت الاستخبارات الأميركية تقريرا عن زيادة كميات الأسلحة الواردة من ليبيا «فكان الأمر صادما جعلنا نقول يا إلهي»، وفق مايكل فلين، مدير جهاز الاستخبارات الحربية الأميركية آنذاك. أضاف: «لم نر كل تلك الكميات من الأسلحة منذ الحرب في فيتنام».
في ضوء تلك الخلفية، تعتقد وايتسون، المسؤولة عن رصد الأوضاع في ليبيا بمنظمة هيومان رايتس ووتش، أن فشل الولايات المتحدة في أن تتبعنا يعتبر خطأ لا يغتفر، مضيفة «إذا كنت ستقوم بتدخل عسكري لخلع الحكومة، فإنك تشارك في زعزعة استقرار تلك الدولة على المدى البعيد».
وقالت وايتسون إن التاريخ الذي اقتبسته هيلاري كلينتون كان من المفترض أن يكون مرشدا، مضيفة «في البوسنة، صحيح أننا تدخلنا لكن قوات حفظ السلام كانت هناك منذ 20 عاما».
لكن المدهش في الأمر أن الرئيس أوباما قال عام 2014 إن مثل هذا النقد كان عادلا وإن ليبيا قد علمته أكبر دروس حياته في السياسة الخارجية.
بيد أن أوباما لم يندم على التدخل، وفق حديثه إلى توماس فريدمان، الكاتب بصحيفة «نيويورك تايمز»، لأنه من دون الإطاحة بالديكتاتور القذافي «لكانت ليبيا مثل سوريا. أليس كذلك؟ لأن القذافي لم يكن بمقدوره احتواء ما حدث هناك».
لكن أوباما صرح بأن الولايات المتحدة وحلفاءها «قللوا من الحاجة إلى إرسال قوة عسكرية كاملة» بعد سقوط الديكتاتور. التجربة الليبية، وفق أوباما، هي «درس أطبقه الآن كل مرة أسأل فيها السؤال: هل نتدخل عسكريا؟ هل لدينا إجابة بشأن ما سيحدث في اليوم التالي للتدخل؟»
عززت ليبيا، وفق مساعدي الرئيس، من كراهيته للتحرك بجرأة أكبر في سوريا. «بشكل أكثر موضوعية، جعلت التجربة الليبية أوباما يتوقف ويفكر فيما سيحدث لو أنه أزال الدولة السورية»، وفق مستشار رفيع المستوي.
على النقيض، دفعت هيلاري كلينتون باتجاه المزيد من التدخل الأميركي في بداية الحرب الأهلية في سوريا، ودعت مرارا إلى فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا، وهي الخطوة التي ما زال أوباما يرفضها حتى الآن. فيبدو أن التجربة الليبية لم تهدئ من حماستها الشديدة في معالجة الأزمات الدولية.
ورغم أنهما استمرا حلفاء سياسيين، نطق الرئيس ووزيرة خارجيته السابقة ببعض التعبيرات التي تنم عن المصارحة، إذ سخرت كلينتون من مبدأ طبقه أوباما كثيرا في سياسته الخارجية عبر عنه بقوله «لا تفعل تلك الأمور الغبية». وفي مقابلة شخصية مع صحيفة «ذا أتلانتك»، علقت كلينتون بقولها «تحتاج الدول الكبرى لمبادئ تنظيمية، وعبارة لا تفعل الأمور الغبية ليست مبدأ تنظيمًا».
في الربيع الماضي، وبعد ما أزعجه النداء بمزيد من التدخل الأميركي في سوريا، رفض أوباما الأمر واعتبره كلاما «غير ناضج» و«هراء»، وعند سؤاله ما إذا كان يعني بذلك مقترحات كلينتون، أنكر الرئيس ذلك، وإن لم تبد إجابته مقنعة. وعندما طلب منها الدفاع عن تاريخها في ليبيا، أخذت كلينتون منحى مناقضا لمساعديها الذين أصروا قبل ذلك على ضرورة لعبها لدور محوري في التدخل. «ومع نهاية اليوم، كان هذا هو قرار الرئيس»، وفق تصريحها أمام لجنة من مجلس النواب في أكتوبر (تشرين الأول).
أفادت كلينتون بأن التحالف العسكري الذي أطاح بالقذافي عكس «القوة الذكية في أفضل حالاتها»، غير أنها اعتبرت ليبيا «حالة كلاسيكية للخيارات الصعبة». وفي أغلب الحالات، أصرت هيلاري على أن حكم التاريخ على التدخل وعلى دورها فيه ليس نهائيا بعد.
وكانت كلينتون قد صرحت عام 2014. بقولها «أعتقد أن التاريخ أحيانا يظهر عدم صبر الولايات المتحدة»، مضيفة «حسنا، لقد تخلصت من هذا الديكتاتور الذي هدم المؤسسات، لماذا لا تتصرف كديمقراطية ناضجة إذن؟ هذا لا يحدث بين عشية وضحاها».
غير أنه بالنسبة لأوباما، إذا كانت التجربة الليبية قد عززت الشكوك في قدرة الولايات المتحدة في تحديد شكل النتائج في الدول الأخرى، فقد أظهرت التجربة أيضا لهيلاري كلينتون أهمية الوجود الأميركي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
TT

روسيا وانتخابات في زمن الحرب... السلطة تفوز على نفسها

جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)
جندي في وزارة الطوارئ الروسية يجلس تحت جدارية للرئيس فلاديمير بوتين مرسومة بالنمط السوفياتي خارج مركز اقتراع في دونتسك (أ.ف.ب)

ليس مفاجئاً أن مسار الانتخابات العامة في روسيا ونتائجها لم يحملا مفاجآت أو تغييرات في موازين القوى السياسية والحزبية الداخلية، فقد سارت الحملات بهدوء لافت، على الرغم من ضجيج الحرب وهيمنة تداعياتها وتأثيراتها المباشرة أو غير المباشرة، في كل مدينة وقرية روسية.

أما النتائج فقد بدت وكأنها رسمت بدقة لتعكس واقع الحال في بلد يواجه «حرباً كونية» ويخوض منذ خمس سنوات تقريباً أخطر منعطف في تاريخه المعاصر.

ومع اكتساح حزب «روسيا الموحدة» الحاكم مقاعد مجلس الدوما (النواب) وضمان نسب إقبال غير مسبوقة في أي انتخابات، بدا أن الرئيس فلاديمير بوتين نجح في تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى مناسبة لتجديد الولاء بشكل كامل، ونيل التأييد لسياساته بعد مرور عامين فقط على انتخابات رئاسية برز فيها زعيماً أوحد، بنسب تأييد اقتربت من 90 في المائة وذلك للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

لكن الأهم من ذلك كله يبقى أن الحملة الانتخابية ونتائجها حملا رسائل عدة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وعكسا واقع الحال في روسيا حيث «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

لجان انتخابية تعمل على فرز الأصوات في نهاية انتخابات الـ«دوما» الروسية في منطقة بودولسك قرب موسكو (إ.ب.أ)

فوز كاسح... غير مفاجئ

على الرغم من غياب عنصر المفاجأة في نتائج الانتخابات، فإن الأرقام والنسب جاءت لافتة للأنظار، وهي لم تقتصر على حصيلة الحزب الحاكم الذي وسَّع سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ؛ فبعدما كان يستحوذ على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً في البرلمان السابق، وهي نسبة تمنحه غالبية دستورية مريحة، بات الآن يسيطر على 350 مقعداً تاركاً هامشاً ضئيلاً لكل الأحزاب التقليدية الأخرى التي حافظت على وجودها في الهيئة الاشتراعية، في حين لم تتمكن الأحزاب الصغيرة التي خاضت المنافسة من تجاوز عتبة الـ5 في المائة لدخول البرلمان.

بهذه الحصيلة حصد حزب السلطة رقماً قياسياً لم يسجل في أي انتخابات سابقة. فهو فرض سيطرة مطلقة تمنحه القدرة على سن القوانين وتعديل الدستور وتشكيل اللجان النيابية وتمرير الموازنات، من دون حتى أن يحتاج إلى تأييد الأحزاب الأصغر التي هي أصلاً ليست معارضة لسياسات الكرملين في أوكرانيا، وفي ملفات السياسات الخارجية عموماً.

لكن هذه النسبة لم تعكس وحدها الانتصار الساحق لبوتين وحزبه الحاكم؛ إذ دلت نسب الإقبال العالية بدورها على حجم المكاسب التي حققها الكرملين بفضل الدعاية الموجهة التي وضعت الروس أمام خيارين: «التصويت بكثافة أو القبول بمساعي الغرب لتقويض روسيا وتهديد سيادتها وحقها في تقرير مصيرها»، كما قال بوتين في خطاب موجه للروس عشية الانتخابات.

ومع الإعلان عن نسبة مشاركة قياسية بلغت 59 في المائة، حرصت موسكو على تأكيد أن تصعيد الهجمات الأوكرانية على المدن خلال الاستحقاق الانتخابي لم يضعف مستويات إقبال الروس على صناديق الاقتراع.

واللافت أن هذه النتائج لم تنسحب فقط على «شعبية» الحزب الحاكم في إطار القائمة الانتخابية الحزبية، بل امتدت لتكتسح الدوائر الفردية بشكل ساحق، ما دل على أن اختيار المرشحين في الأقاليم لعب دوراً بارزاً في تثبيت هذا الانتصار، وقد حصل حزب «روسيا الموحدة» على نحو 57 في المائة من الأصوات في قوائم الأحزاب، لكنه عزز انتصاره بالاستحواذ على 208 من أصل 225 دائرة انتخابية ذات مقعد واحد. كما فاز بفارق كبير كل حكام الأقاليم الذين رشحهم الكرملين على المنافسين.

ناخبون روس يدلون بأصواتهم من خلف الستارة في مركز اقتراع في ماريوبال - دونتسك (إ.ب.أ)

انتخابات تحت النار

جرت الانتخابات على مدار ثلاثة أيام، وشهد اليوم الثالث منها توتراً هائلاً بسبب تصعيد الهجمات الأوكرانية بالمسيَّرات بشكل كبير في عدد من المدن الروسية، وقال مسؤولون روس إن أوكرانيا شنت 1900 هجوم بأسراب من الطائرات المسيَّرة، استهدفت موسكو والمنطقة المحيطة بها في اليوم الأخير من الانتخابات.

واتهمت وزارة الدفاع الروسية أوكرانيا بالسعي إلى «إفشال التعبير الديمقراطي عن إرادة المواطنين الروس». وأكدت أن موسكو ستواصل «تكثيف ضرباتها باستخدام أسلحة عالية الدقة ضد أهداف عسكرية في كييف». ووصف رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين الهجوم بأنه «غير مسبوق وخُطط له بوضوح بهدف تعطيل الانتخابات». وأضاف: «العدو لم ينجح».

كما تعرضت روسيا لسلسلة هجمات إلكترونية خلال الاستحقاق. وأعلنت لجنة الانتخابات أنها رصدت أكثر من ألف موجة من الهجمات الرامية إلى إغراق نظام التصويت الإلكتروني بالطلبات، إضافة إلى هجمات استهدفت البنية التحتية للاتصالات في روسيا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصل إلى ملتقى الثقافة في سان بطرسبرغ في روسيا (أ.ب)

رسائل بوتين

الأكيد أن الاستحقاق الانتخابي ونتائجه حملا رسائل تعمد الكرملين التركيز عليها في أكثر من مفصل. وهي وإن كانت تعكس في غالبيتها شأناً داخلياً، فإنها موجهة كما ظهر بالدرجة الأولى إلى الخارج.

أبرز تلك الرسائل تعلق بتأكيد استقرار الوضع الداخلي الروسي حتى في أحلك أوقات الحرب. ولا يقتصر الأمر هنا على تأكيد أن النظام السياسي راسخ وقوي، وينال رضا الجمهور الذي أقبل بكثافة على الانتخابات، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الآخر غير المعلن هنا، والمتعلق بفقدان النظام الأوكراني شرعيته وعدم قدرته على تجديد ثقة الناس به، نظراً لأن كييف كانت قد أجلت الاستحقاقات الانتخابية غير مرة، بما في ذلك انتخاب رئيس البلاد منذ أكثر من عامين بسبب حالة الطوارئ المعلنة في البلاد.

وهو أمر جادلت موسكو بشأنه طويلاً مع الأميركيين وغيرهم من الوسطاء، ورأت أن «النظام فقد شرعيته ولم يعد طرفاً يمكن إبرام اتفاقات سلام معه».

وعبّر بوتين عن ذلك بوضوح في خطاب إلى الأمة سبق الانتخابات، وأكد فيه حرصه على إنجاح الاستحقاق «في موعده الدستوري»، وأن البلاد تحافظ على احترام تجديد شرعية مؤسساتها الرئاسية (انتخابات 2024) والنيابية والمحلية في الانتخابات الحالية.

الرسالة الثانية تتعلق بتأكيد التفاف الشعب الروسي حول سياسات الكرملين. وهنا كان من المهم جداً أن تأتي النسب مرتفعة جداً، ليس فقط في مجلس الدوما بل وفي المقاطعات والأقاليم التي اختارت حكامها ومجالسها المحلية.

والخلاصة التي تنبثق من هنا مباشرة أن القرارات المتعلقة بالحرب والسلام ورؤية الكرملين لأي شروط للتسوية المقبلة تحظى بإجماع روسي شبه كامل، وهذا أمر مهم لتعزيز مواقف بوتين أمام دعوات الانخراط في سلام «غير مقبول» شعبياً في الداخل الروسي.

أكثر من 500 عازف وعازفة يشاركون في احتفالية «موسيقى النصر» الوطنية إحياء لذكرى قائد النصر جورجي زوخوف في موسكو (إ.ب.أ)

أما الرسالة الثالثة فقد عكست واحداً من أبرز مستويات تأثير الحرب الجارية على واقع المجتمع. ومع القرارات الكثيرة التي وضعت الأولوية القصوى لدعم الجيش والقوات الرديفة المتمثلة بمئات الألوف من المتعاقدين المحاربين على خطوط النار، بما في ذلك عبر تقديم خدمات وتسهيلات غير مسبوقة في قطاعات عدة على رأسها القطاع المصرفي، حمل ترشيح مئات ممن سبق لهم القتال على الجبهات إلى مجلس الدوما وفوز 46 عضواً منهم في البرلمان الجديد إشارة مهمة إلى مستوى التأثير الحاصل للحرب في المجتمع. ما يعني أن واحداً من كل عشرة أعضاء تقريباً في البرلمان الجديد شارك مباشرة في العمليات القتالية، علماً بأن 41 من هؤلاء الفائزين رشحوا على قوائم الحزب الحاكم نفسه.

الرسالة الرابعة تمثلت في الغياب الكامل للمعارضة في مجتمع بات كتلة واحدة يذكر إلى حد كبير بالمجتمع السوفياتي الموالي تماماً أو الصامت تماماً عن التعبير السياسي. وهنا يجدر التذكير بأن المعارضة النشطة المتمثلة بأنصار المعارض الراحل أليكسي نافالني ومن بقي من الملتفين حول أفكاره هي ضعيفة أصلاً وغدت في الجزء الأعظم منها منفية خارج البلاد، بعدما حوصرت بسلسلة قوانين تتهمها بالإرهاب ودعم الأعداء ومساعي تفتيت الجبهة الداخلية. أما المعارضة «الرسمية» الضعيفة أيضاً والتي بقيت داخل البلاد، فقد مثلها حزب «يابلوكا» الليبرالي وهو الوحيد الذي أعلن معارضة الحرب في أوكرانيا، ومُنع بقرار قضائي من المشاركة في الانتخابات الحالية قبل حلول موعدها بأسابيع قليلة.

متطوع في حزب «الشعب الجديد» الروسي في افتتاح ملتقى مراقبي الانتخابات في موسكو (إ.ب.أ)

ثمة رسائل كثيرة أخرى، تتلخص بين عناصر كثيرة، في ثبات الاقتصاد الروسي وقدرته على تمويل انتخابات ناجحة برغم الضغوط الخارجية، وكذلك في انفكاك روسيا من فكرة الرقابة الغربية على استحقاقاتها الداخلية، وهنا كان ملاحظاً أن نحو 350 مراقباً أشرفوا على الانتخابات بينهم ممثلون عن 12 مؤسسة تابعة لهياكل موالية لروسيا في رابطة الدول المستقلة ومنظمة الأمن الجماعي ومجموعة «بريكس».

هل اختفت المعارضة؟

في هذا السياق تبدو المعارضة وكأنها غير موجودة، لكنها فاعلة خصوصاً خارج البلاد، ومن المفيد إلقاء نظرة على تعليقاتها المرتبطة بالانتخابات والحرب. فوفقاً لكاتبة معارضة بارزة، فإن «الأمر الوحيد الذي يمكن قوله عن الانتخابات دون مزيد من التوضيح أن حزب (روسيا الموحدة) حقق مرة أخرى ما بُني النظام الانتخابي الروسي برمته في السنوات الأخيرة من أجله: السيطرة، وحصد الأغلبية، والقدرة على تمرير أي قرارات يطلبها الكرملين عبر مجلس الدوما دون عوائق. وبهذا المعنى، لم تكن هناك مفاجآت».

معارضون للرئيس الروسي يتظاهرون أمام السفارة الروسية ببرلين في يوم الانتخابات (أ.ف.ب)

يعكس هذا الاختصار بوضوح المشهد من جانب معارضة تبدو هامشية وصغيرة لكن صوتها مسموع بقوة في أوروبا والعالم.

ومن بين مآخذ المعارضة أيضاً، أن الانتخابات لم تسمح بمناقشة برامج الأحزاب، أو تداول السلطة، أو التمثيل السياسي. بل «جرت خلال حرب لم تكن مجرد الحدث الأبرز في حياة البلاد، بل أصبحت نمط حياة الدولة. الحرب تُغيّر الميزانيات، وسوق العمل، والمدارس، والتلفزيون، والمحادثات العائلية، وقائمة الكلمات المحظورة، وبالطبع، عمل البرلمان القائم أساساً على تمرير القوانين التي تخدم الحرب فوراً، وتحويل أدنى معارضة إلى جريمة».

ووفقاً للمعارضين فإن هذه الآلة ستعمل الآن في ظروف قد لا تكفي فيها القرارات التقليدية المعتادة. بعد عام 2026، تتطلب الحرب أكثر من مجرد الكلمات المناسبة والخطابات الوطنية. إنها تتطلب المال، والبشر، والتعبئة المستمرة للمجتمع، حرفياً ومجازياً.

وكان موضوع مشاركة «أبطال الحرب» في الانتخابات عرضة أيضاً لانتقادات المعارضة، التي رصدت تحولاً ستكون له أبعاد اجتماعية كبيرة. ومع التذكير بتغيير مفهوم الامتيازات والتسهيلات الضخمة التي كان يحصل عليها «المحاربون القدامى» (الحرب العالمية) في السابق، لصالح نخبة جديدة من الذين احترفوا القتال للحصول على عائدات وامتيازات كبيرة، تحذر أوساط في روسيا حالياً من أن «من شاركوا في الحرب سيصبحون النخبة الروسية الجديدة، وأنهم سيحكمون المناطق، ويشغلون المناصب، ويسنون القوانين، ويعلمون الشباب، ويحلون عموماً محل التكنوقراط والبيروقراطيين».

أخيراً يحمل بعض المعارضين على «الأرقام الفلكية» التي حصدها بعض الشخصيات المقربة من الكرملين، مثل رئيس الشيشان رمضان قاديروف الذي حصل وفقاً للنتائج على نسبة 99.85 في المائة من أصوات الشيشانيين. يرى البعض أن هذه الحصيلة «لا تُشير في الواقع إلى الثقة. بل إنها نتيجة تدل على استحالة قياس الثقة. ولا تعكس شيئاً عن آراء الناس، أو ما إذا كانوا خائفين، أو ما إذا كانوا يدعمونه بالفعل».

عموماً فإن الاستحقاق الانتخابي الذي كان يفترض أن يكون داخلياً بامتياز وألا يعكس تأثيرات كبيرة على مجريات السياسة الخارجية، تحول بالفعل إلى مقياس جدي لمستوى تأثير الحرب الكبرى التي تواجهها روسيا على حياة الناس وقراراتهم، وهو بهذا المعنى تحول بالفعل كما قال بوتين قبل الانتخابات إلى استحقاق «حاسم» و«مصيري» قد تعكس نتائجه فضلاً عن الأبعاد السياسية، ملامح المجتمع الروسي لسنوات مقبلة.


الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.