ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

الخبراء: الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري.. وواشنطن تدرس التدخل مرة أخرى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
TT

ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011

يبدو أن سقوط العقيد معمر القذافي أثبت صحة موقف هيلاري كلينتون، فبعد ذلك رفضت الميليشيات التخلي عن سلاحها، وعمدت الدول المجاورة على تأجيج نيران الحرب الأهلية، ثم وجد تنظيم داعش لنفسه ملاذا داخل البلاد.
وعليه، تدرس الولايات المتحدة التدخل مرة أخرى في ليبيا ـ هذه المرة، لقتال «داعش» ـ لكن يبقى التساؤل: هل الحل العسكري مناسب؟
الواضح أن الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري في ليبيا. وفي تلك الفترة، وجدت كلينتون نفسها محصورة بين البريطانيين والفرنسيين وآخرين متشككين.
وجاء هذا التدخل ليدشن حقبة جديدة في التاريخ الليبي، وجرى سحب الديكتاتور السابق من داخل ماسورة صرف صحي كان يختبئ بها لتتقاذفه أيدي مسلحين غاضبين، ويكيلون إليه الضربات الوحشية.

يكشف فيديو مصور من خلال هاتف جوال الدماء تنهال من وجه «الزعيم» معمر القذافي الذي بث الرعب في صدور الليبيين على مدار أربعة عقود، بينما بدا مذعورًا ومتحيرًا لعلمه باقتراب ساعة قتله ـ ما حدث بالفعل.
وصلت أولى الأنباء عن إلقاء القبض وقتل القذافي إلى وزيرة الخارجية، في أكتوبر (تشرين الأول)، أثناء وجودها بالعاصمة الأفغانية كابل، حيث كانت تستعد لإجراء مقابلة تلفزيونية. وسرعان ما انطلقت منها صيحات الدهشة بمجرد أن وقعت عيناها على الخبر عبر جهاز «بلاكبيري» يخص أحد مساعديها، قبل أن تنبه بحذر إلى أن الخبر لم يتم التأكيد عليه بعد. ومع ذلك، بدت كلينتون تواقة لوضع نهاية للحملة العسكرية متعددة الأطراف داخل ليبيا، التي بذلت جهودًا مضنية لتنظيمها. وفي لحظة نادرة، تخلت عن تحفظها وصاحت قائلة: «لقد مات!»
قبل ذلك بيومين، كانت كلينتون قد توجهت لزيارة العاصمة الليبية، طرابلس. وعلى امتداد أسابيع، عمد مساعدوها على توزيع بيانات تصف دورها المحوري في الأحداث التي قادت لتلك اللحظة. وفي إحدى المذكرات، كتب كبير مساعديها، جسك سوليفان، متحدثًا عن «قيادتها وتوجيهها للسياسة الأميركية تجاه ليبيا من البداية حتى النهاية». وتحدثت هذه المذكرة عن كلينتون باعتبارها كانت الشخصية المحورية في كل ما جرى بخصوص ليبيا.
كشفت هذه المذكرة عن قدر بالغ من الغرور لدى وزيرة بالحكومة الأميركية تطمح لمنصب الرئاسة، وأثارت الرغبة المحمومة لفريق العمل المعاون لكلينتون في نسب كل الفضل إليها الدهشة داخل البيت الأبيض والبنتاغون، بل ولم يملك البعض أنفسهم من الضحك لدى استماعهم لمساعديها يدعون أنها من أصدر توجيهاته بشن ضربات جوية في ليبيا.
ومع ذلك، كانت هناك مؤشرات كثيرة توحي بأن هذا الانتصار قصير الأمد، وأن الفراغ الذي خلفه موت القذافي سيؤجج أعمال العنف والانقسامات.
في الواقع، في ذات اليوم من أغسطس (آب) الذي وضع فيه سوليفان مذكرته التي تنضح بالثناء والإشادة لكلينتون، بعث المسؤول الأول بوزارة الخارجية المعني بالشرق الأوسط، جيفري دي فيلتمان، رسالة عبر البريد الإلكتروني تحمل نبرة مغايرة تمامًا حيال انطباعه عن زيارته لليبيا.
كتب فيلتمان أن القيادات المؤقتة في ليبيا تبدو منعزلة بصورة خطيرة عن الواقع، مشيرًا إلى أن محمود جبريل، القائم بأعمال رئيس الوزراء والذي ساعد في إقناع كلينتون بدعم المعارضة،، ولم يظهر بليبيا سوى لفترات وجيزة. كما تعرض جنرال بارز في صفوف المسلحين للقتل، مما كشف خطر «أعمال القتل الانتقامية». في الوقت ذاته، كان المتطرفون يتحركون بقوة نحو الاستيلاء على السلطة، بتمويل من أعضاء التحالف المناهض للقذافي.
وفيما يخص مهمة اكتسبت حينها أهمية قصوى، وهي نزع تسليح الميليشيات التي نجحت في إسقاط القذافي لكنها الآن أصبحت تهدد وحدة البلاد، نبه فيلتمان إلى حالة من التراخي الخطير. وكتب يقول إن جبريل ومعاونيه «حاولوا غض أبصارهم» عن المشكلة التي قد تمثلها الميليشيات لما بعد حقبة القذافي.
موجز القول إن الرجال أصحاب النوايا الحسنة الذين تولوا، اسميًا، إدارة شؤون البلاد كانوا يعتمدون على «الحظ والانضباط القبلي والطبيعة اللطيفة للشعب الليبي» في ضمان مستقبل سلمي. وقال فيلتمان: «سنستمر في الضغط فيما يخص هذا الأمر».
وكشفت الشهور التالية أن المذكرة التي وضعها فيلتمان كانت تحمل قدرًا كبيرًا من بعد النظر. ومع ذلك، سرعان ما تركزت أنظار الحلفاء الغربيين الذين عملوا معًا في ليبيا على الأزمة السورية، لتتراجع ليبيا إلى مرتبة متأخرة في اهتماماتهم.
أما كلينتون فتراجع دورها إلى مجرد متفرج، مع سقوط البلاد في حالة من الفوضى أسفرت نهاية الأمر عن حرب أهلية تسببت في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وأججت أزمة لاجئين داخل أوروبا وسمحت لـ«داعش» ببناء ملاذ آمن لها داخل ليبيا تحاول واشنطن الآن احتواءه قدر الإمكان.
وعن هذا قال محمد شمام، الذي عمل متحدثًا رسميًا باسم الحكومة المؤقتة: «لن يقول أحد إن الأوان قد فات، فلا أحد يرغب في التفوه بذلك، لكنني أخشى من أن الوقت يداهم ليبيا».
وأشارت تقارير إعلامية لزيارة واحدة سريعة لكلينتون إلى ليبيا في أكتوبر 2011 باعتبارها «زيارة الانتصار»، لكن هذا الإعلان جاء سابقًا لأوانه للغاية. خلال الزيارة، جرى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة على نحو استثنائي، مع تمركز بوارج عسكرية قبالة السواحل الليبية استعدادًا لأي عملية إجلاء طارئة. ومرت الزيارة من دون أعمال عنف، لكن مشاهد الاحتفال العارمة في شوارع العاصمة الليبية ذلك اليوم سلطت الضوء على الانقسامات التي ضربت الحقبة الجديدة بالبلاد.
وخلال زيارتها، أعلنت كلينتون بينما كان يقف بجوارها جبريل وعلى وجهه ابتسامة مشرقة: «إنني فخورة بالوقوف هنا على أرض ليبيا الحرة. إنه شرف كبير معاينة مستقبل جديد لليبيا تجري صياغة ملامحه. ولا شك أن الفترة القادمة ستحمل تحديات كبيرة، لكن الشعب الليبي أظهر العزم والصلابة اللازمين لتحقيق أهدافهم».
إلا أنه في كل مكان ذهبت إليه كلينتون، كان هناك دومًا الوجه الآخر للثورة، متمثلاً في حشود من المقاتلين يحملون «الكلاشينكوف». وانطلقت منهم الهتافات والصيحات، بينما ظلت كلينتون محتفظة برباطة جأشها، لكن المكلفين بحمايتها ظلوا يراقبون المشهد بتوتر بالغ.
وبالطبع، كانت كلينتون مدركة لمدى صعوبة الفترة الانتقالية نحو ليبيا ما بعد القذافي. في فبراير (شباط) ، قبل أن تبدأ أعمال القصف من جانب التحالف، أشارت كلينتون إلى أن التغيير السياسي بمصر جاء مضطربًا وصاخبًا رغم قوة مؤسسات الدولة.
وأضافت: «إذن لكم أن تتخيلوا مدى الصعوبة التي سيكون عليها ذلك في بلد مثل ليبيا حكمها القذافي طيلة 42 عامًا من خلال تدمير جميع المؤسسات والحرص على عدم بناء جيش، بحيث لا يمكن لأحد استخدامه ضده».
في وقت سابق، كان مستشار الأمن القومي للرئيس، توم دونيلون، قد شكل مجموعة تخطيط باسم «ما بعد القذافي». وقد عاونت كلينتون في تنظيم «مجموعة الاتصال الليبية»، وهي مجموعة من الدول التي تعهدت بالعمل نحو بناء مستقبل مستقر وزاهر لليبيا. بحلول مطلع عام 2012. كانت قد شاركت في عدة اجتماعات دولية حول ليبيا.
من جانبه، دعا ديني بي. روس، الخبير المخضرم بشؤون الشرق الأوسط داخل مجلس الأمن الوطني، لإرسال قوة حفظ سلام خارجية إلى ليبيا ـ لكن من دون جدوى. إلا أنه مع بدء تدفق النفط مجددًا من الآبار الليبية، شعر بالدهشة والسعادة حيال أن الأمور بدت تسير على نحو طيب داخل ليبيا.
وعن ذلك، قال: «كان لدي قلق من أنه لا يجري بذل جهود كافية وسريعة لخلق قوات أمنية متناغمة، لكن الشهور الستة الأخيرة من 2011 حملت قدرًا كبيرًا من التفاؤل».
ومع ذلك، ازدادت الفجوة ما بين مسؤولي الحكومة المؤقتة أصحاب التعليم الرفيع والقادرين على الحديث بالإنجليزية بطلاقة من ناحية، والثوار من ناحية أخرى. وبعد عقود في المنفى، اتضح أن بعض القيادات أصبحت أكثر معرفة بالجامعات الأميركية والبريطانية عن القبائل الليبية والميليشيات التي انبثقت منها. إضافة لذلك، أحاطت مشاعر الريبة آخرين داخل بعض الدوائر، مثل جبريل، بسبب أدوارهم السابقة داخل نظام القذافي. وبدا واضحًا على نحو متزايد أن الجيش الشعبوي الذي نجح بالفعل في إسقاط القذافي لا يتلقى أوامره من الرجال المرتدين البزات الرسمية والذين ظنوا أنفسهم قادة ليبيا الجدد.
من جهته، قال جيرمي شابيرو، الذي تولى مسؤولية الملف الليبي من بين معاوني كلينتون، إن الإدارة كانت تبحث عن «الشخص القادر على توحيد الصفوف ـ نيلسون مانديلا الليبي»، مستطردًا أنه: «لهذا بدا جبريل شخصية جذابة للغاية. وقد قلنا فيما بيننا دومًا: هذا هو الشخص القادر على التواصل مع جميع الفرق. إلا أن الأمر الذي كان ينبغي أن نبحث عنه حقًا ـ ولم نكن قط بارعين في العثور عليه ـ فهو توازن القوى».
في ظل هذه الظروف، رأى البعض في الدفع نحو إجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2012. أي بعد تسعة شهور فقط من مقتل القذافي، أمرًا سابقا لأوانه، لكن هذا الموعد جاء متوافقًا مع الجدول الذي تعهدت به المعارضة أمام الغرب، وحاز تأييد الفرق المتنافسة.
من جانيه، قال عبد الرزاق مختار، عضو الحكومة المؤقتة الذي عاش سنوات كثيرة في كاليفورنيا ويعمل حاليًا سفيرًا لليبيا لدى تركيا: «فجأة، وجدت أمامك أفرادا منتمين لأحزاب سياسية مختلفة والإخوان المسلمين وكذلك جبريل، يعلنون أن الوقت قد حان لعقد انتخابات. إلا أننا في الحقيقة لم نكن مستعدين لذلك، وإنما كنا بحاجة لخارطة طريق تضع الأمن أولاً».
بحلول يناير (كانون الثاني) 2012، أصبحت المؤشرات على وجود مشكلات ظاهرة على نحو لا تخطئه عين. ومع تراجع شعبيته، استقال جبريل من منصبه كرئيس وزراء مؤقت، بعد اتهام عالم مسلم بارز بأنه يقود البلاد نحو «حقبة جديدة من الطغيان والاستبداد». وفي إطار اتفاق عقد بين اثنتين من الميليشيات القوية البارزة، حل محله عبد الرحيم الكيب، بروفسور الهندسة الذي تولى التدريس لسنوات بجامعة ألاباما.
في 5 يناير، بعثت صديقة كلينتون المقربة ومستشارتها سيدني بلومنثال إليها برسالة تحمل أحدث سلسلة تقارير من خلف الكواليس حول ليبيا، والتي وضعها في معظمها ضابط متقاعد من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، يدعى تيلر درميلير، والذي توفي العام الماضي.
وتناولت الرسالة التوترات المشتعلة بين المتطرفين والعلمانيين حول دور الشريعة، والقتال الدائر بين الميليشيات المتناحرة المنتمية لمدينتين مختلفتين، والزيارات الأربع لـ«رجال ميليشيات غاضبين» لمكتب الكيب طالبوه خلالها بامتيازات.
وأوضحت الرسالة أن الكيب «يعتقد أنه حال عدم نزعه تسليح الميليشيات وتلبيته مطالبهم خلال الشهور الستة التالية، فإن هناك احتمالا كبيرا لأن تتفاقم أعمال القتال بين المجموعات المتناحرة، ما قد يسفر عن اشتعال حرب أهلية». من جهتها، نقلت كلينتون الرسالة لمساعدها سوليفان، مذيلة بتعليق موجز: «مثير للقلق».
كان من المفترض أن تدفع هذه التقارير المثيرة للقلق واشنطن نحو اتخاذ إجراءات فعلية ـ لكن هذا لم يحدث. بعد سقوط القذافي، ومع وجود قدر ضئيل من أعمال العنف وقيادة مؤقتة صديقة، سرعان ما تراجعت أولوية ليبيا بأجندة البيت الأبيض. وتوقفت الاجتماعات المستمرة داخل البيت الأبيض بحضور الرئيس. واحتلت الثورة التي اشتعلت في سوريا، بقلب الشرق الأوسط، والتي يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف سكان ليبيا، الأولوية الأولى. ولم يكن تحول الاهتمام بعيدًا عن ليبيا مجرد إهمال، وإنما تحول إلى سياسة مقررة.
عن هذا، قال ديريك كوليت، الذي تولى حينها مسؤولية الملف الليبي داخل مجلس الأمن الوطني: «بدا أن الرئيس يعمد لتجنب خلق عراق جديد. وفي تلك الأثناء، ظل الأوروبيون يؤكدون أنهم يقومون بما يلزم وأنهم يدركون تمامًا ما يدور في ليبيا باعتبار أنها تقع داخل نطاقهم بصورة ما».
وعليه، أقر الرئيس ومجلس الأمن الوطني ما وصفه كوليت بـ«قيود شديدة» على الدور الأميركي، حيث شددا على أن واشنطن ستقدم العون فقط عندما لا يكون باستطاعة غيرها تقديم مثل هذا العون، وبناءً على طلب صريح من ليبيا، وعندما تدفع ليبيا مقابل هذا العون من عائداتها النفطية. عمليًا، كان معنى هذه الشروط أن الولايات المتحدة لن تفعل سوى القليل للغاية.
من ناحية أخرى، رغم زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لليبيا معًا، فإن اهتمامها سرعان ما تشتت بعيدًا عنها بسبب حملة ساركوزي لإعادة انتخابه والمخاوف الاقتصادية فيما يخص كاميرون.
من جانبهم، زاد الليبيون أنفسهم من سهولة إهمال الغرب لهم، حيث أبدى القادة المؤقتون للبلاد قدرًا من الوطنية الممزوجة بسذاجة واضحة من خلال إصرارهم، علانية على الأقل، عن رغبتهم في عدم تدخل أي أطراف خارجية ببلادهم. وقد أبدوا قلقًا حيال وجود أي قوات أجنبية على الأراضي الليبية لدرجة أنهم رفضوا السماح للأمم المتحدة بالإبقاء على قوة أمنية أساسية لحماية مقرها.
ومع مرور الشهور، تفاقم التقاتل بين مختلف الفرق، ما دفع كلينتون للضغط على الإدارة لبذل مزيد من الجهود بالملف الليبي، حيث طلبت من البنتاغون، على سبيل المثال، المعاونة في تدريب قوات أمنية ليبية. إلا أنها وجدت نفسها محصورة بين القيود التي فرضها الرئيس ورفض الليبيين أنفسهم.
حتى المقترحات المتواضعة انهارت، فعندما اقترحت كلينتون إرسال سفينة تحمل على متنها مستشفى لعلاج المقاتلين الليبيين المصابين، رفض مجلس الأمن الوطني الفكرة، وذلك حسبما أفاد مساعدون لها.
ومع ذلك، حرصت كلينتون على الحفاظ على علاقتها بالرئيس واحترمت سلطته في إقرار السياسات، ما أجبرها على المضي قدمًا في الالتزام بالسياسة المقررة.
من جانبه، حاول أندرو شابيرو بذل قصارى جهده لتحسين هذا الموقف الحرج، حيث اضطر لشرح ما تقوم به واشنطن من جهود لتأمين الترسانة العسكرية الضخمة التي خلفها القذافي وراءه ـ في استثناء لافت لسياسة النأي عن التدخل التي انتهجتها بلاده.
وخلال كلمة ألقاها في واشنطن في فبراير (شباط) 2012، استعرض شابيرو، مساعد وزيرة الخارجية للشؤون السياسية ـ العسكرية، الجهود الأميركية «لاستثارة استجابة دولية» للعثور على وتدمير مخازن الأسلحة. إلا أنه اعترف بأن البرنامج المخصص لهذا الأمر والذي أعلنته كلينتون بقيمة 40 مليون دولار، لا يسير على النحو المأمول، حتى فيما يخص أكثر أنماط الأسلحة المثيرة للقلق ـ الصواريخ المحمولة كتفًا القادرة على إسقاط طائرات.
وخلال كلمته، قال: «كم عدد الصواريخ المفقودة؟ الإجابة الصريحة هنا أننا لا ندري ـ وربما لن نعرف قط. ولا يمكننا استبعاد احتمالية تسرب بعض الأسلحة إلى خارج ليبيا».
وفي حين أن الاستخبارات المركزية الأميركية تحركت سريعا لتأمين أسلحة العقيد القذافي الكيميائية، فإن الجهود الأخرى كانت قاصرة. يتذكر روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي آنذاك قائلا: «كانت هناك ترسانة يعتقد بأنها تضم 20 ألف صاروخ، ما بين تلك المحمولة كتفا وقذائف سطح طجو، وإس-إيه7. والتي كانت اختفت للتو خلال الفوضى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
وكان من بين العراقيل أن إدارة أوباما كانت تتفاوض مع الوزراء الليبيين المؤقتين كما لو كانوا يمثلون حكومة موحدة. وواقع الأمر أنهم كانوا في كثير من الأحيان خصوما، يتصارعون على السلطة قبل الانتخابات.
وقال: أنتوني بلينكن، الذي كان وقتذاك كبير مستشاري نائب الرئيس جوزيف بايدن: «أعرف أن هذا يبدو غير معقول، لكننا على مدار شهور وشهور لم نكن قادرين على الوصول إلى أي شخص يتمتع بالسلطة في الحكومة لمجرد التوقيع على اتفاق على أي شيء، بما في ذلك عروضنا التفصيلية بتقديم مساعدات أمنية».
وقال الكثير من المسؤولين الليبيين: «عندما كان الأمر يتعلق بتأمين الأسلحة، فإن الفكرة الأولية الأميركية – وهي إعطاء الحكومة المؤقتة مساعدات لشراء هذه الأسلحة من جديد بنفسها – انهارت عندما أخفق الوزراء الليبيون في تنفيذ البرنامج.
ومن ثم فإن وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت تعمل مع «سي آي إيه»، لم تجد إلا محاولة التوصل لاتفاقات بمعرفتها مع الميليشيات. لكن لم يكن هناك حوافز تذكر لكي تبيع الميليشيات الأسلحة. وبحسب السيد شمام، المتحدث السابق باسم الحكومة المؤقتة: «كيف تشتري كلاشينكوف بـ1000 دولار؟ يمكن لشخص من خلال كلاشينكوف أن يكسب 1000 دولار يوميا عن طريق خطف الناس».
والأسوأ من هذا أن البرنامج خلق حوافز للميليشيات لاستيراد الأسلحة لبيعها للأميركيين، بحسب ما يقول علي زيدان، مستشار الحكومة المؤقتة، والذي انتقلت إليه مسؤولية البرنامج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، عندما أصبح رئيسا للوزراء.
قال زيدان: «إذا كنت تريد أن تشتري الأسلحة، فعليك أن تسيطر على الحدود»، مضيفا أن الإخفاق في هذا دفع المقاتلين إلى «بيعها، والحصول على المزيد من الأموال، وبيعها مجددا».
وردا على أسئلة أحد الصحافيين في ذلك الربيع عن السبب الذي جعل من الصعب على الولايات المتحدة أن «تتدخل بالشكل المناسب» عندما تدخلت في الشرق الأوسط، كانت السيدة كلينتون لا تزال تعتبر ليبيا نموذجا للنجاح. قالت السيدة كلينتون التي رفضت إجراء مقابلة من أجل هذا المقال: «أختلف مع ما يفترضه هذا السؤال». لكنها كانت مدركة كذلك لتدهور الوضع الأمني.
في تقرير في فبراير (شباط) 2012، وصفت منظمة العفو الدولية الميليشيات الليبية بأنها «خارجة عن السيطرة». وفي نفس الشهر، حذر السيد كريتز، السفير الأميركي، في رسالة بريد إلكتروني من أن انتخابات يوليو (تموز) قد تحدث في «سياق سيطرة الميليشيات».
في الدائرة الداخلية المحيطة بالسيدة كلينتون، كان التفاخر بإنجازها في ليبيا قد مهد الطريق لـ«حالة من القلق من أن هذا الإنجاز سينهار»، بحسب أحد كبار المساعدين. ويتذكر هذا المساعد تلقيه توجيها مازحا من السيد سوليفان بـ«التأكد من عدم حدوث هذا» قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني).
ومن ثم فعندما ذهب الليبيون إلى الانتخابات في السابع من يوليو (تموز) فيما وصفه المراقبون الدوليون بانتخابات نزيهة شهدت مشاركة كبيرة ونسبة قليلة من العنف، شعرت السيدة كلينتون وغيرها من أنصار التدخل بالارتياح. في أعقاب الربيع العربي في مصر وتونس، كان الناخبون اختاروا حكومات يقودها متشددون. لكن في ليبيا، كان الائتلاف الفائز يضم أحزابا صديقة للغرب يقودها السيد جبريل.
في الشهر التالي، ومع هتاف الحشود في طرابلس بأن «دم الشهداء لن يذهب هباء»، انتقلت السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، أول انتقال سلمي للسلطة في تاريخ ليبيا.
كانت السيدة كلينتون تسر إلى المحيطين بها بتخوف من أن البلاد ليست مستعدة للانتخابات، بحسب أحد مساعديها، ومع هذا فقد هنأت الليبيين على «هذه الخطوة التاريخية».
قالت: «الآن يبدأ العمل الشاق فعليا لبناء حكومة شفافة وفعالة توحد البلاد».
لكن الوحدة كانت مستحيلة بالفعل.
قال السيد جيرارد أرود، السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة في رسالة تأييد مبكرة للتدخل: «كانت قضية خاسرة منذ البداية.. كان نفس الخطأ الذي ارتكبته في العراق. تقوم بتنظيم انتخابات في بلد ليس لديه خبرة في تكوين الأحزاب السياسية. ومن ثم يكون لديك انتخابات، وتعتقد أن كل الأمور قد تم حلها. لكن في النهاية يعود الواقع القبلي ليسيطر على البلاد».
وفي حين ناضل الأميركيون ضد انتشار الأسلحة وكانوا يأملون في أن يحدث ما هو أفضل، تصدى ضابط متمرد سابق للمشكلة التي تقف في القلب من المعضلة الليبية: تفكيك القوى المتقلبة التي أطاحت بالعقيد القذافي، ومساعدة المقاتلين على أن يجدوا لهم مكانا في ليبيا الجديدة. لم يلتق الضابط، السيد مصطفى الساقزلي، السيدة كلينتون على الإطلاق. لكن نتيجة حملته الفردية كانت لتقرر إلى درجة معقولة مكان ليبيا في سجلها كوزيرة للخارجية.
وكنائب لقائد كتيبة شهداء 17 فبراير، إحدى أكبر الميليشيات وأكثرها قوة، حاول السيد الساقزلي بأقصى ما لديه أن يعتني بجنوده. شعر بأن ذلك كان التزاما لم ينته بنهاية الثورة.
سأل المقاتلين: «ما الذي تحتاجونه؟ ما هي أحلامكم؟»
بعد وقت قريب شكلت الحكومة الانتقالية هيئة شؤون المحاربين، برئاسة السيد الساقزلي. كان الكثير من بين 162 ألف مقاتل سابق قامت بتسجيلهم، أميين يحتاجون للتعليم. وكان بعضهم يريد الالتحاق بقوة الشرطة أو الجيش الجديد، لكن نصفهم تقريبا كانوا يأملون ببدء مشروعات تجارية صغيرة. قال السيد الساقزلي إنه نقل مقترحا إلى الحكومة الانتقالية: يمكن أن تساعد وزارة العمل رجال الأعمال المحتملين، بينما يمكن أن تساعد وزارة الداخلية في تدريب ضباط الشرطة والجمارك، في حين تساعد وزارة الدفاع على استيعاب الآخرين في الجيش الوطني وهكذا.
كان مقترحا طموحا، ولكن الحكومة كانت تتوفر على الكثير من الأموال؛ حيث كانت السيدة كلينتون عملت بجد على تحرير مليارات الدولارات من الأصول الليبية التي كان جرى تجميدها بفعل العقوبات على القذافي. وكانت وجهة نظرها، بحسب ما يقول أحد كبار مساعديها، هي أنه إذا لم تتمكن الحكومة الانتقالية من «الحكم بالقوة، فلتحكم بقوة المال».
في 8 أغسطس (آب) 2012، بعد الانتخابات بشهر واحد، وقع السفير الأميركي ستيفنز على برقية أرسلها إلى واشنطن تحت عنوان «بنادق أغسطس» في عنوان يحاكي قصة من تاريخ الحرب العالمية الأولى. وصفت البرقية بنغازي كمدينة تنتقل «من حالة الخوف إلى النشوة ثم العودة للخوف مجددا في ضوء سلسلة من أحداث العنف التي باتت تسيطر على المناخ السياسي»، محذرا من الفراغ الأمني.
لم يعرف أي مسؤول أميركي ليبيا كما عرفها، فكان دوما على استعداد لدفع حياته ثمنا لتصميمه على رؤية الواقع الصاخب لليبيا عن كثب. وبعد إرسال البرقية بشهر، هاجم مسلحون إسلاميون مقر القنصلية الأميركية في بنغازي، وكان ستيفنز أحد أربعة أميركيين لقوا حتفهم.
وفي الهجمات التي استهدفت المجمع الدبلوماسي وملحق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» المجاور، شهدت ليبيا أحداثا مروعة في وقت متزامن: سقطت الحكومة المركزية الضعيفة، انهارت دولة النظام والقانون، ظهرت الجماعات المسلحة وابتعدت ليبيا عن دائرة الضوء الأميركية. أسرع أعضاء الحزب الجمهوري باستغلال الموقف للبدء في طرح الاستجوابات وجلسات الاستماع لسنوات طويلة، وجمع التبرعات لهيلاري كلينتون. وفي الشهور الأخيرة لوجودها كوزيرة للخارجية، ركبت كلينتون الموجة الشعبية مدعومة بحملة على الإنترنت بعنوان «نصوص من أقوال هيلاري»، وكان شعار الحملة صورة لوزيرة الخارجية تحملق من خلال نظارتها السوداء في هاتفها المحمول «بلاكبيري». أدرك القليلون أن الصورة التقطت لهيلاري على متن طائرة عسكرية أقلتها إلى ليبيا في تلك الأيام العصيبة بعد سقوط الديكتاتور.
لو أن محاولة لوم هيلاري وتحميلها مسؤولية الهجوم الإرهابي على القنصلية ببنغازي فشلت لكانت نغمة التدخل في ليبيا باتت مبتذلة وسط كل النجاحات التي حققتها، فليبيا لن تتوافق مع السياسات الأميركية، سواء كان هدف أميركا استخدام ليبيا كهراوة تخيف بها الآخرين أو كان غرضها مجرد التباهي.
ومع خروجها من وزارة الخارجية في فبراير 2013. ازدادت وتيرة العنف الطائفي بدرجة جعلت نشوب حرب أهلية أمرا وارد الحدوث، وتزايدت أعداد اللاجئين الذين يدفعون المال للمهربين لمساعدتهم في رحلة الخطر عبر البحر المتوسط. كان من الممكن أن تؤدي الفوضى في ليبيا إلى ظهور حكومتين متنافستين؛ واحدة تدعمها مصر والإمارات، والأخرى تدعمها قطر وتركيا والسودان، وتوفر الأخيرة الملاذ للمتطرفين الذين سينضم إليهم مبعوثو «داعش».
الأسلحة التي صعبت من عملية تحقيق الاستقرار في ليبيا ظهرت في سوريا، وتونس، والجزائر، ومالي، والنيجر، وتشاد، ونيجيريا، والصومال، والسودان، ومصر، وغزة، وغالبا في أيدي إرهابيين أو متمردين أو مجرمين.
وفي خريف عام 2012، أعدت الاستخبارات الأميركية تقريرا عن زيادة كميات الأسلحة الواردة من ليبيا «فكان الأمر صادما جعلنا نقول يا إلهي»، وفق مايكل فلين، مدير جهاز الاستخبارات الحربية الأميركية آنذاك. أضاف: «لم نر كل تلك الكميات من الأسلحة منذ الحرب في فيتنام».
في ضوء تلك الخلفية، تعتقد وايتسون، المسؤولة عن رصد الأوضاع في ليبيا بمنظمة هيومان رايتس ووتش، أن فشل الولايات المتحدة في أن تتبعنا يعتبر خطأ لا يغتفر، مضيفة «إذا كنت ستقوم بتدخل عسكري لخلع الحكومة، فإنك تشارك في زعزعة استقرار تلك الدولة على المدى البعيد».
وقالت وايتسون إن التاريخ الذي اقتبسته هيلاري كلينتون كان من المفترض أن يكون مرشدا، مضيفة «في البوسنة، صحيح أننا تدخلنا لكن قوات حفظ السلام كانت هناك منذ 20 عاما».
لكن المدهش في الأمر أن الرئيس أوباما قال عام 2014 إن مثل هذا النقد كان عادلا وإن ليبيا قد علمته أكبر دروس حياته في السياسة الخارجية.
بيد أن أوباما لم يندم على التدخل، وفق حديثه إلى توماس فريدمان، الكاتب بصحيفة «نيويورك تايمز»، لأنه من دون الإطاحة بالديكتاتور القذافي «لكانت ليبيا مثل سوريا. أليس كذلك؟ لأن القذافي لم يكن بمقدوره احتواء ما حدث هناك».
لكن أوباما صرح بأن الولايات المتحدة وحلفاءها «قللوا من الحاجة إلى إرسال قوة عسكرية كاملة» بعد سقوط الديكتاتور. التجربة الليبية، وفق أوباما، هي «درس أطبقه الآن كل مرة أسأل فيها السؤال: هل نتدخل عسكريا؟ هل لدينا إجابة بشأن ما سيحدث في اليوم التالي للتدخل؟»
عززت ليبيا، وفق مساعدي الرئيس، من كراهيته للتحرك بجرأة أكبر في سوريا. «بشكل أكثر موضوعية، جعلت التجربة الليبية أوباما يتوقف ويفكر فيما سيحدث لو أنه أزال الدولة السورية»، وفق مستشار رفيع المستوي.
على النقيض، دفعت هيلاري كلينتون باتجاه المزيد من التدخل الأميركي في بداية الحرب الأهلية في سوريا، ودعت مرارا إلى فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا، وهي الخطوة التي ما زال أوباما يرفضها حتى الآن. فيبدو أن التجربة الليبية لم تهدئ من حماستها الشديدة في معالجة الأزمات الدولية.
ورغم أنهما استمرا حلفاء سياسيين، نطق الرئيس ووزيرة خارجيته السابقة ببعض التعبيرات التي تنم عن المصارحة، إذ سخرت كلينتون من مبدأ طبقه أوباما كثيرا في سياسته الخارجية عبر عنه بقوله «لا تفعل تلك الأمور الغبية». وفي مقابلة شخصية مع صحيفة «ذا أتلانتك»، علقت كلينتون بقولها «تحتاج الدول الكبرى لمبادئ تنظيمية، وعبارة لا تفعل الأمور الغبية ليست مبدأ تنظيمًا».
في الربيع الماضي، وبعد ما أزعجه النداء بمزيد من التدخل الأميركي في سوريا، رفض أوباما الأمر واعتبره كلاما «غير ناضج» و«هراء»، وعند سؤاله ما إذا كان يعني بذلك مقترحات كلينتون، أنكر الرئيس ذلك، وإن لم تبد إجابته مقنعة. وعندما طلب منها الدفاع عن تاريخها في ليبيا، أخذت كلينتون منحى مناقضا لمساعديها الذين أصروا قبل ذلك على ضرورة لعبها لدور محوري في التدخل. «ومع نهاية اليوم، كان هذا هو قرار الرئيس»، وفق تصريحها أمام لجنة من مجلس النواب في أكتوبر (تشرين الأول).
أفادت كلينتون بأن التحالف العسكري الذي أطاح بالقذافي عكس «القوة الذكية في أفضل حالاتها»، غير أنها اعتبرت ليبيا «حالة كلاسيكية للخيارات الصعبة». وفي أغلب الحالات، أصرت هيلاري على أن حكم التاريخ على التدخل وعلى دورها فيه ليس نهائيا بعد.
وكانت كلينتون قد صرحت عام 2014. بقولها «أعتقد أن التاريخ أحيانا يظهر عدم صبر الولايات المتحدة»، مضيفة «حسنا، لقد تخلصت من هذا الديكتاتور الذي هدم المؤسسات، لماذا لا تتصرف كديمقراطية ناضجة إذن؟ هذا لا يحدث بين عشية وضحاها».
غير أنه بالنسبة لأوباما، إذا كانت التجربة الليبية قد عززت الشكوك في قدرة الولايات المتحدة في تحديد شكل النتائج في الدول الأخرى، فقد أظهرت التجربة أيضا لهيلاري كلينتون أهمية الوجود الأميركي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
TT

أذربيجان تتحدى العواصف الإقليمية بتدشين معركة «علمانية الدولة»

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب
صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لتلميذات أذريات منعن من دخول الصفوف بسبب الحجاب

في الأيام القليلة الماضية، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات ناشطين في مناطق كثيرة، بمقاطع فيديو وصور فتيات أجبرن على مغادرة مقاعد الدراسة في مدارس أذربيجان؛ لأنهن محجبات. وتداول كثيرون مشاهد استفزت مشاعر ملايين الأذريين، لتلميذات طردن من مقاعد الدراسة، ومعلمات أحطن بأطفال يذرفون دموعاً غزيرة في أثناء مراسم وداع أقيمت على عجل بعدما أجبرن على مغادرة صفوف الدراسة بسبب الحجاب.

كانت مشاهد عشرات الفتيات وهن يحاولن التواصل مع زميلاتهن من خلف أسوار المدرسة، أو اجتمعن في صف على الدرج الخارجي لمواصلة التعليم على الرغم من حظر دخولهن، مثيرة ولافتة، خصوصاً بعدما اقترن الوضع بمحاولات لاقتحام المدارس وخلع أبوابها وإشعال حرائق في بعض الممتلكات العائدة لمديريها. ثم اندلاع احتجاجات صاخبة عمت البلاد، التي حكمت بقبضة من حديد على مدى عقود، ولم يكن مظهر الاحتجاجات النشطة رائجاً فيها.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لمدرّسة أذرية تقوم بتعويض طالباتها عن الدروس خارج بناء المدرسة

علاوة على ذلك، انتشر مقطع فيديو صوّرته معلمة على الإنترنت، تُطالب فيه طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها بخلع حجابها أمام جميع الطلاب. تبكي الطفلة لكنها ترفض الامتثال. في مقطع فيديو آخر، تقف امرأة أمام لوحة مدرسية تحمل صور جنود قُتلوا في حرب كاراباخ، بينهم والد طفلتها، وطالبت بالسماح لابنتها بالذهاب إلى المدرسة أو إزالة صورة والدها.

في اليوم الأول من منع التلميذات من الذهاب إلى المدارس، انتشرت لقطات تُظهر اقتحام المدارس وحرق سيارة مدير مدرسة على الأقل. وقد اعتُقل ما لا يقل عن 200 شخص نتيجةً للاضطرابات الجماهيرية، وهم يواجهون حالياً عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وقالت وزارة الداخلية الأذرية في بيان لها: «الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات هو منع إغلاق الطرق وتعطيل سير العمل الطبيعي للمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى ضمان سلامة الطلاب والمعلمين والمواطنين الآخرين».

والجدير ذكره أن معظم وسائل الإعلام في البلاد تجاهلت الاحتجاجات تماماً. فبينما كان الأطفال وذووهم يحاصرون المدارس في باكو، نقلت وسائل الإعلام الحكومية تغطيات واسعة لزيارة رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيه إلى البلاد. مع ذلك، تُغطي هذه المنشورات نفسها بالتفصيل احتجاجات طلاب المدارس في فرنسا، متهمةً الجمهورية الخامسة بالإمبريالية والاستعمار الجديد.

الرئيس الأذري إلهام علييف (أرشيفية - أ.ف.ب)

كاراباخ الحاضرة

مشهد جديد وصادم؛ حمل على المستوى الرسمي عنوان «احترام علمانية الدولة، وفرض إجراءات تتماشى مع نبذ أي مظاهر دينية أو عقائدية داخل المؤسسات التعليمية». وعلى المستوى الشعبي جاءت الترجمة مناقضة لمبدأ الدفاع عن القيم المتوارثة وهوية المجتمع الذي يمثل المسلمون 96 في المائة منه.

الجديد في المشهد أن الاحتجاجات لم ترفع شعارات سياسية مباشرة خلافاً لموجات احتجاج شعبية شهدتها في السابق بلدان المنطقة. بل عكست خيبة أمل واسعة تجاه حكم حظيت سياساته الخارجية عموماً برضا شعبي واسع.

لكن ذلك لا يعني أن السياسة غابت تماماً، ولكنها غلفت بإطار مختلف نوعياً. وخير مثال على ذلك مشهد السيدة التي نزعت صورة زوجها «الشهيد» التي علقت على جدار المدرسة، وقالت إن المدرسة التي تطرد ابنتها لأنها محجبة يجب ألا تبقى فيها صورة الوالد الذي ضحى بدمائه من أجل «تحرير كاراباخ».

وموضوع كاراباخ كان حاضراً بقوة في الاحتجاجات على مستويين؛ الأول عبر انخراط قدامى المحاربين لاستعادة هذا الجزء من البلاد في النشاطات الاحتجاجية، والثاني مساعي الكثيرين للتذكير بأن السياسات الداخلية التي يحاول الرئيس إلهام علييف فرضها تتعارض مع حجم الالتفاف الجماهيري حول تحركاته كـ«محرر كاراباخ».

الأهم من هذا وذاك، أن كثيرين تداولوا مقاطع فيديو لم يتم التأكد من صحتها، تظهر رفع الأذان في بعض ثكنات الجيش كنوع من الاحتجاج «العسكري» الصامت على ما يجري. وفي حال صحت تلك المقاطع فإن هذا يعكس مستوى الغضب الداخلي وامتداده إلى أكثر المؤسسات التزاماً وصلابة في الولاء لعلييف.

أما الجزء الصادم من المشهد، فتمثل في حجم الاحتجاجات التي انتشرت في البلاد، وشاركت فيها بنشاط فئات لا تظهر في سلوكها اليومي التزاماً دينياً. وإذا ما قال ذلك شيء، فهو أن القبضة الفولاذية التي حكمت البلاد منذ عقود يمكن أن تفلت الأمور منها لأسباب مجتمعية وداخلية لا علاقة مباشرة لها بما يدور حولها من صراعات وحروب.

وزير خارجية أذربيجان جيهون بيراموف ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يحضران مؤتمراً صحافياً مشتركاً في موسكو 17 يوليو الماضي (إ.ب.أ)

مقص بطرس الأكبر

عموماً يظهر المشهد واحداً من الحالات الصارخة لـلاحتجاج ضد ما يوصف بأنه «الإصلاحات» المنبوذة جماهيرياً.

ولا شك أن تاريخ المنطقة حافل بأمثلة أبرزها الإصلاحات التي شهدتها روسيا بعد انهيار الدولة السوفياتية، والتي أسفرت عن تفاقم الفقر والجوع ونزول نحو نصف المجتمع إلى ما دون خط الفقر. لكن المقارنة هنا، في الإطار الديني والثقافي والمجتمعي قد تكون أكثر وضوحاً مع استذكار مقص الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر باني الدولة الروسية والمصلح الأبرز في تاريخها.

وتعود الحكاية إلى ما بين عامي 1697 و1698، عندما قام بطرس الأكبر برحلة إلى أوروبا الغربية للتعرف على بلدان تلك المناطق وثقافاتها، وكانت بين نتائج زياراته القرار بإحداث ثورة كاملة في المجال الثقافي والمجتمعي، بما في ذلك في إطار محاربة المظهر العام والأزياء السائدة.

وعند عودته إلى بلاده أجبر بعض النبلاء على حلق لحاهم، بل وقص لحى بعضهم بنفسه، وفرض تقصير ثياب النساء من طبقة النبلاء بعدما كانت الثياب التقليدية الروسية طويلة جداً. كما فرض ضرائب باهظة على من يخالف تعليماته بشأن المظهر العام واللباس. وألزم مرسوم إمبراطوري الأشخاص المقربين من القيصر والنبلاء والمسؤولين وكبار الموظفين بارتداء ملابس شبيهة بملابس الطبقة الأرستقراطية في بلدان أوروبا الغربية حينها.

وعلى الرغم من حماس بطرس الأكبر لتحديث روسيا، واجهت إصلاحاته انتقادات كبيرة. كانت الفترة المحددة لتنفيذ المرسوم قصيرة، كما أن الملابس الأوروبية كانت غير عملية في الشتاء الروسي، حيث اضطر الناس لارتداء ملابس قصيرة وجوارب بدلاً من الفراء الدافئ. بالإضافة إلى ذلك، لم تُطبق الإصلاحات على رجال الدين والفلاحين، الذين كانوا يشكلون غالبية ساحقة من السكان، مما زاد من الفوارق الطبقية وعمّق الانقسام بين «النخبة الأوروبية المحدثة» وبقية الشعب.

لكن علييف ليس بطرس الأكبر، وأذربيجان من جهة المساحة والثقل الجيوسياسي والتأثير لا يمكن مقارنتها بالإمبراطورية الروسية التي كانت في ذلك الحين تولد لتغدو عملاقاً سياسياً مقبلاً. لذلك فإن مقص علييف ضد غطاء الرأس بعيد عن مقص الإمبراطور الروسي، وإن كان يحاول التشبه به.

صورة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لفتاة أذرية منعت من دخول مدرستها بأمر من الشرطي

احتجاجات منبوذة

الاحتجاج على حظر الحجاب في مدارس أذربيجان، سرعان ما فتح ملف إصلاحات مثيرة للجدل ظلت مشاعر الاستياء تجاهها حبيسة في المجتمع ولم تظهر في تحركات مباشرة على مدار سنوات. لكنها تسللت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في المدن الأذرية، وبينها، مع رفض مبدأ علمانية التعليم، قرارات الحكومة السابقة بفرض تعديلات دستورية اعتبرتها المعارضة والشارع تراجعاً ديمقراطياً يهدف إلى ترسيخ حكم عائلة علييف. في هذا الإطار جاء تمديد الولاية الرئاسية ورفع مدة الرئاسة من 5 إلى 7 سنوات. واستحداث مناصب جديدة، بينها إنشاء منصب «النائب الأول للرئيس» وتعيين زوجة الرئيس فيه، مع منح الرئيس صلاحية حل البرلمان، فضلاً عن تعديلات تشريعية فرضت عقوبات مالية باهظة وأحكاماً بالسجن على المشاركين في احتجاجات غير مصرح بها.

بالإضافة إلى انتقادات سابقة لسياسات اقتصادية اعتبرت مجحفة، وشهدت البلاد بسببها احتجاجات عمالية وشعبية متفرقة (مثل احتجاجات بلدة إسماعيلي واحتجاجات عام 2020)، رفعت شعارات تتحدث عن سوء توزيع الثروة، وحصر العوائد النفطية بيد النخبة الحاكمة وسط ارتفاع تكاليف المعيشة.

وكانت تلك السياسات قد قوبلت بمظاهرات قمعتها الشرطة بحزم، واعتقلت مئات المشاركين بدعوى تنظيم تجمعات غير مرخصة. غير أن الاستياء منها عاد ليطل برأسه خلال الاحتجاجات الحالية.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس والرئيس الأذري إلهام علييف يوقعان نسخاً من ميثاق الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وأذربيجان في مقر الرئاسة «زاغولبا» في باكو. أذربيجان 10 فبراير الماضي (رويترز)

كرة ثلج في محيط مضطرب

اللافت أيضاً في الأحداث التي تشهدها أذربيجان أنها قد تتحول وفقاً لبعض المعارضين إلى كرة ثلج تتضخم بسرعة رغم كل التدابير التي اتخذها السلطات، وبينها إبطاء سرعة الإنترنت لحرمان الناس من التواصل ونشر الدعوات الاحتجاجية والاطلاع عما يجري في باقي مناطق البلاد. فضلاً عن ملاحقة الناشطين البارزين وفرض إجراءات عقابية حازمة ضد مئات منهم.

ورغم الدعاية الرسمية التي تؤكد أنه لا نية للتراجع عن القرارات المتخذة، يتزايد شعور مجتمعي بأن الحدث الحالي قد تكون له تداعيات واسعة. لكن السلطات تبدي اطمئناناً؛ لأن الاحتجاجات سوف تذوي شيئاً فشيئاً، و«لن يحدث شيء»، وفقاً لفاضل مصطفى، رئيس اللجنة البرلمانية للجمعيات العامة والمؤسسات الدينية، الذي قال إنه كان ينبغي حظر ارتداء الحجاب في المدارس؛ لأنه يسمح للدول الأجنبية «بتسميم» الشباب الأذريين بآيديولوجيتها. وذهبت أيغون مرادخانلي، رئيسة قناة «برايم تي في»، وصف الآباء المحتجين بـ«السلفيين وعملاء إيران».

وقالت: «معظم المتظاهرين ضد حظر ارتداء الحجاب في المدارس هم من ذوي الصلات بإيران. وهناك متظاهرون آخرون من السلفيين، ولا شك في ارتباطهم بمراكز معينة. إن من يبالغون في هذه القضية على مواقع التواصل الاجتماعي لا يكترثون بتعليم أبنائهم، وخاصة الفتيات. فهم لا يرسلونهم إلى المدارس أصلاً، بل لديهم مدارسهم الخاصة في الأحياء الراقية في باكو. الجميع يعلم بهذا، لكن الحكومة تجهله لسبب ما».

وصرح إيلخان شاهين أوغلو، رئيس مركز أطلس للدراسات السياسية، لموقع «إن جي» الإخباري بأن أذربيجان دولة إسلامية علمانية، حيث تُمارس الشعائر الدينية بحرية، ويتزايد عدد المساجد باستمرار. وفي الوقت نفسه، تُعزز بعض الدول، بما فيها إيران نفوذها على المسلمين الأذريين، مما يُؤجج النزعات المتطرفة بينهم.

وأضاف: «يشعر المسؤولون الأذريون والمواطنون المؤيدون للعلمانية بالقلق إزاء هذا الأمر. ويمكن استغلال حظر ارتداء الحجاب في المدارس لكشف القوى المتطرفة. أمام العائلات المتدينة خياران: إما السماح لبناتها بارتداء الزي المدرسي، وإما عدم إرسالهن إلى المدارس. ولن تتراجع الحكومة الأذرية».

مظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت نظمها «كشف المهدي» التابع لـ«حزب الله» تضامناً مع قضية الحجاب في أذربيجان (إ.ب.أ)

مكافحة المعارضة

في المقابل، يعتقد الخبير بشؤون القوقاز، فلاديمير نوفيكوف، أن حظر الحجاب جزء من مكافحة المعارضة في أذربيجان.

ويضيف: «سبق للرئيس إلهام علييف أن نجح في حل مشكلة المعارضة العلمانية، لكن السخط الشعبي بدأ يركز على الدين. لذا، فهو يهاجم هذه القضية أيضاً، ما يعزز سلطته. وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن هذه العملية عفوية، لكن هناك جهات فاعلة مهتمة بها». فعلى سبيل المثال، عارض أوكتاي سارال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ذلك علناً؛ علاوة على ذلك، هناك بعض الاضطرابات بين النخب القديمة التي برزت خلال حكم حيدر علييف. عموماً، من غير المرجح أن تشهد قضية الحجاب نفسها مضاعفات تهدد استقرار البلاد، لكن من الواضح أن خطاً جديداً من التوتر قد نشأ في أذربيجان وسيستمر في فرض حضوره.

لكن المهم هنا، هو تلك الإشارات المتزايدة إلى إيران وتركيا والنزاع التاريخي مع أرمينيا «حليفة إيران» ما يعطي التطورات الداخلية في أذربيجان بعداً إقليمياً في مرحلة تشهد فيها المنطقة اضطرابات محمومة. ويحمل جزء من الأذريين على سياسة باكو تجاه إيران، التي تضم جالية أذرية مهمة للغاية تشكل نحو ربع السكان. وكان هذا الحضور للأذريين (ثاني أكبر تكتل قومي في إيران بعد الفرس) أحد أبرز أسباب التوتر التاريخي في العلاقات بين باكو وطهران، بسبب مخاوف الأخيرة من استخدام هذا التكتل السكاني الضخم ضد سياساتها.

لكن الأهم هنا مع الاضطرابات المحيطة أن باكو اتخذت خلال السنوات الأخيرة سياسة نشطة للتقارب مع إسرائيل، وتحولت كما يقول معارضون إلى «رأس حربة إقليمية لمحاربة إيران». ويبلغ التغلغل الإسرائيلي السياسي في أذربيجان مستويات متقدمة، وتعد البلاد شريكاً إقليمياً أساسياً لإسرائيل أمنياً واستخباراتياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.

المثير هنا أنه رغم عدم وجود أي دليل على دور إسرائيلي في تطوير سياسات العلمنة في أذربيجان واتخاذ القرارات الأخيرة بحظر الحجاب في المدارس، برزت اتهامات لتل أبيب بأنها ساهمت في دفع الحكومة الأذرية لقرارات حاسمة أججت عملياً الأزمة الحالية.

يقول معارضون أذريون إنه لطالما شكلت العلاقات بين باكو وطهران مصدر قلق لإسرائيل. وتسعى وسائل الإعلام الموالية لإسرائيل إلى إضعاف العلاقات الإقليمية لأذربيجان مع جيرانها المسلمين من خلال التركيز على المواقف المعادية للإسلام في أذربيجان، والمقارنة المتعمدة بين باكو والرأي العام في تركيا وإيران.

يرى البعض أيضاً أن نهج إسرائيل جزء من سيناريو أوسع يهدف إلى توجيه جمهورية أذربيجان نحو هوية علمانية بحتة تتوافق مع تل أبيب.

تركيا... ومصير «شعب واحد في دولتين»

يبرز هنا عنصر آخر لا يقل أهمية ويتعلق بالسياسات الإقليمية؛ فالعلاقة الوثيقة التي تربط أذربيجان وتركيا والتي تحمل عنواناً سياسياً لافتاً: «شعب واحد في دولتين» تبدو معرضة لاختبار جدي أيضاً في ظل سياسات فرض العلمانية في أذربيجان. وقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها مناطق تركية ضد سياسات باكو حول الحجاب جانباً من هذا الاختبار، فضلاً عن أن تفاقم التوتر في علاقات أنقرة وتل أبيب يضع الشريك و«الشقيق» الأذري في موضع تساؤلات متزايدة.

ويكفي هنا أن نقارن بين ردود فعل تركيا وأذربيجان على خطاب الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) الذي انعقد أخيراً في باكو. وقد غادر الوفد التركي القاعة في أثناء خطاب هرتسوغ، بينما استُقبل الرئيس الإسرائيلي بحفاوة بالغة في العاصمة الأذرية.


الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.