ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

الخبراء: الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري.. وواشنطن تدرس التدخل مرة أخرى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
TT

ليبيا الجديدة تصارع الفوضى

أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011
أطلال وبقايا من بنغازي عقب قصف مستمر بين كتائب الجيش وميليشيات «أنصار الشريعة» وآخرين موالين للعقيد الراحل (نيويورك تايمز) - عناصر من الميليشيات المسلحة الذين ساهموا في إسقاط القذافي يتلقون رواتبهم (نيويورك تايمز) - وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تصافح جنديا تابعا للحكومة المؤقتة في زيارة إلى العاصمة طرابلس عام 2011

يبدو أن سقوط العقيد معمر القذافي أثبت صحة موقف هيلاري كلينتون، فبعد ذلك رفضت الميليشيات التخلي عن سلاحها، وعمدت الدول المجاورة على تأجيج نيران الحرب الأهلية، ثم وجد تنظيم داعش لنفسه ملاذا داخل البلاد.
وعليه، تدرس الولايات المتحدة التدخل مرة أخرى في ليبيا ـ هذه المرة، لقتال «داعش» ـ لكن يبقى التساؤل: هل الحل العسكري مناسب؟
الواضح أن الفوضى الحالية كانت نتيجة حتمية للتدخل العسكري في ليبيا. وفي تلك الفترة، وجدت كلينتون نفسها محصورة بين البريطانيين والفرنسيين وآخرين متشككين.
وجاء هذا التدخل ليدشن حقبة جديدة في التاريخ الليبي، وجرى سحب الديكتاتور السابق من داخل ماسورة صرف صحي كان يختبئ بها لتتقاذفه أيدي مسلحين غاضبين، ويكيلون إليه الضربات الوحشية.

يكشف فيديو مصور من خلال هاتف جوال الدماء تنهال من وجه «الزعيم» معمر القذافي الذي بث الرعب في صدور الليبيين على مدار أربعة عقود، بينما بدا مذعورًا ومتحيرًا لعلمه باقتراب ساعة قتله ـ ما حدث بالفعل.
وصلت أولى الأنباء عن إلقاء القبض وقتل القذافي إلى وزيرة الخارجية، في أكتوبر (تشرين الأول)، أثناء وجودها بالعاصمة الأفغانية كابل، حيث كانت تستعد لإجراء مقابلة تلفزيونية. وسرعان ما انطلقت منها صيحات الدهشة بمجرد أن وقعت عيناها على الخبر عبر جهاز «بلاكبيري» يخص أحد مساعديها، قبل أن تنبه بحذر إلى أن الخبر لم يتم التأكيد عليه بعد. ومع ذلك، بدت كلينتون تواقة لوضع نهاية للحملة العسكرية متعددة الأطراف داخل ليبيا، التي بذلت جهودًا مضنية لتنظيمها. وفي لحظة نادرة، تخلت عن تحفظها وصاحت قائلة: «لقد مات!»
قبل ذلك بيومين، كانت كلينتون قد توجهت لزيارة العاصمة الليبية، طرابلس. وعلى امتداد أسابيع، عمد مساعدوها على توزيع بيانات تصف دورها المحوري في الأحداث التي قادت لتلك اللحظة. وفي إحدى المذكرات، كتب كبير مساعديها، جسك سوليفان، متحدثًا عن «قيادتها وتوجيهها للسياسة الأميركية تجاه ليبيا من البداية حتى النهاية». وتحدثت هذه المذكرة عن كلينتون باعتبارها كانت الشخصية المحورية في كل ما جرى بخصوص ليبيا.
كشفت هذه المذكرة عن قدر بالغ من الغرور لدى وزيرة بالحكومة الأميركية تطمح لمنصب الرئاسة، وأثارت الرغبة المحمومة لفريق العمل المعاون لكلينتون في نسب كل الفضل إليها الدهشة داخل البيت الأبيض والبنتاغون، بل ولم يملك البعض أنفسهم من الضحك لدى استماعهم لمساعديها يدعون أنها من أصدر توجيهاته بشن ضربات جوية في ليبيا.
ومع ذلك، كانت هناك مؤشرات كثيرة توحي بأن هذا الانتصار قصير الأمد، وأن الفراغ الذي خلفه موت القذافي سيؤجج أعمال العنف والانقسامات.
في الواقع، في ذات اليوم من أغسطس (آب) الذي وضع فيه سوليفان مذكرته التي تنضح بالثناء والإشادة لكلينتون، بعث المسؤول الأول بوزارة الخارجية المعني بالشرق الأوسط، جيفري دي فيلتمان، رسالة عبر البريد الإلكتروني تحمل نبرة مغايرة تمامًا حيال انطباعه عن زيارته لليبيا.
كتب فيلتمان أن القيادات المؤقتة في ليبيا تبدو منعزلة بصورة خطيرة عن الواقع، مشيرًا إلى أن محمود جبريل، القائم بأعمال رئيس الوزراء والذي ساعد في إقناع كلينتون بدعم المعارضة،، ولم يظهر بليبيا سوى لفترات وجيزة. كما تعرض جنرال بارز في صفوف المسلحين للقتل، مما كشف خطر «أعمال القتل الانتقامية». في الوقت ذاته، كان المتطرفون يتحركون بقوة نحو الاستيلاء على السلطة، بتمويل من أعضاء التحالف المناهض للقذافي.
وفيما يخص مهمة اكتسبت حينها أهمية قصوى، وهي نزع تسليح الميليشيات التي نجحت في إسقاط القذافي لكنها الآن أصبحت تهدد وحدة البلاد، نبه فيلتمان إلى حالة من التراخي الخطير. وكتب يقول إن جبريل ومعاونيه «حاولوا غض أبصارهم» عن المشكلة التي قد تمثلها الميليشيات لما بعد حقبة القذافي.
موجز القول إن الرجال أصحاب النوايا الحسنة الذين تولوا، اسميًا، إدارة شؤون البلاد كانوا يعتمدون على «الحظ والانضباط القبلي والطبيعة اللطيفة للشعب الليبي» في ضمان مستقبل سلمي. وقال فيلتمان: «سنستمر في الضغط فيما يخص هذا الأمر».
وكشفت الشهور التالية أن المذكرة التي وضعها فيلتمان كانت تحمل قدرًا كبيرًا من بعد النظر. ومع ذلك، سرعان ما تركزت أنظار الحلفاء الغربيين الذين عملوا معًا في ليبيا على الأزمة السورية، لتتراجع ليبيا إلى مرتبة متأخرة في اهتماماتهم.
أما كلينتون فتراجع دورها إلى مجرد متفرج، مع سقوط البلاد في حالة من الفوضى أسفرت نهاية الأمر عن حرب أهلية تسببت في زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، وأججت أزمة لاجئين داخل أوروبا وسمحت لـ«داعش» ببناء ملاذ آمن لها داخل ليبيا تحاول واشنطن الآن احتواءه قدر الإمكان.
وعن هذا قال محمد شمام، الذي عمل متحدثًا رسميًا باسم الحكومة المؤقتة: «لن يقول أحد إن الأوان قد فات، فلا أحد يرغب في التفوه بذلك، لكنني أخشى من أن الوقت يداهم ليبيا».
وأشارت تقارير إعلامية لزيارة واحدة سريعة لكلينتون إلى ليبيا في أكتوبر 2011 باعتبارها «زيارة الانتصار»، لكن هذا الإعلان جاء سابقًا لأوانه للغاية. خلال الزيارة، جرى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة على نحو استثنائي، مع تمركز بوارج عسكرية قبالة السواحل الليبية استعدادًا لأي عملية إجلاء طارئة. ومرت الزيارة من دون أعمال عنف، لكن مشاهد الاحتفال العارمة في شوارع العاصمة الليبية ذلك اليوم سلطت الضوء على الانقسامات التي ضربت الحقبة الجديدة بالبلاد.
وخلال زيارتها، أعلنت كلينتون بينما كان يقف بجوارها جبريل وعلى وجهه ابتسامة مشرقة: «إنني فخورة بالوقوف هنا على أرض ليبيا الحرة. إنه شرف كبير معاينة مستقبل جديد لليبيا تجري صياغة ملامحه. ولا شك أن الفترة القادمة ستحمل تحديات كبيرة، لكن الشعب الليبي أظهر العزم والصلابة اللازمين لتحقيق أهدافهم».
إلا أنه في كل مكان ذهبت إليه كلينتون، كان هناك دومًا الوجه الآخر للثورة، متمثلاً في حشود من المقاتلين يحملون «الكلاشينكوف». وانطلقت منهم الهتافات والصيحات، بينما ظلت كلينتون محتفظة برباطة جأشها، لكن المكلفين بحمايتها ظلوا يراقبون المشهد بتوتر بالغ.
وبالطبع، كانت كلينتون مدركة لمدى صعوبة الفترة الانتقالية نحو ليبيا ما بعد القذافي. في فبراير (شباط) ، قبل أن تبدأ أعمال القصف من جانب التحالف، أشارت كلينتون إلى أن التغيير السياسي بمصر جاء مضطربًا وصاخبًا رغم قوة مؤسسات الدولة.
وأضافت: «إذن لكم أن تتخيلوا مدى الصعوبة التي سيكون عليها ذلك في بلد مثل ليبيا حكمها القذافي طيلة 42 عامًا من خلال تدمير جميع المؤسسات والحرص على عدم بناء جيش، بحيث لا يمكن لأحد استخدامه ضده».
في وقت سابق، كان مستشار الأمن القومي للرئيس، توم دونيلون، قد شكل مجموعة تخطيط باسم «ما بعد القذافي». وقد عاونت كلينتون في تنظيم «مجموعة الاتصال الليبية»، وهي مجموعة من الدول التي تعهدت بالعمل نحو بناء مستقبل مستقر وزاهر لليبيا. بحلول مطلع عام 2012. كانت قد شاركت في عدة اجتماعات دولية حول ليبيا.
من جانبه، دعا ديني بي. روس، الخبير المخضرم بشؤون الشرق الأوسط داخل مجلس الأمن الوطني، لإرسال قوة حفظ سلام خارجية إلى ليبيا ـ لكن من دون جدوى. إلا أنه مع بدء تدفق النفط مجددًا من الآبار الليبية، شعر بالدهشة والسعادة حيال أن الأمور بدت تسير على نحو طيب داخل ليبيا.
وعن ذلك، قال: «كان لدي قلق من أنه لا يجري بذل جهود كافية وسريعة لخلق قوات أمنية متناغمة، لكن الشهور الستة الأخيرة من 2011 حملت قدرًا كبيرًا من التفاؤل».
ومع ذلك، ازدادت الفجوة ما بين مسؤولي الحكومة المؤقتة أصحاب التعليم الرفيع والقادرين على الحديث بالإنجليزية بطلاقة من ناحية، والثوار من ناحية أخرى. وبعد عقود في المنفى، اتضح أن بعض القيادات أصبحت أكثر معرفة بالجامعات الأميركية والبريطانية عن القبائل الليبية والميليشيات التي انبثقت منها. إضافة لذلك، أحاطت مشاعر الريبة آخرين داخل بعض الدوائر، مثل جبريل، بسبب أدوارهم السابقة داخل نظام القذافي. وبدا واضحًا على نحو متزايد أن الجيش الشعبوي الذي نجح بالفعل في إسقاط القذافي لا يتلقى أوامره من الرجال المرتدين البزات الرسمية والذين ظنوا أنفسهم قادة ليبيا الجدد.
من جهته، قال جيرمي شابيرو، الذي تولى مسؤولية الملف الليبي من بين معاوني كلينتون، إن الإدارة كانت تبحث عن «الشخص القادر على توحيد الصفوف ـ نيلسون مانديلا الليبي»، مستطردًا أنه: «لهذا بدا جبريل شخصية جذابة للغاية. وقد قلنا فيما بيننا دومًا: هذا هو الشخص القادر على التواصل مع جميع الفرق. إلا أن الأمر الذي كان ينبغي أن نبحث عنه حقًا ـ ولم نكن قط بارعين في العثور عليه ـ فهو توازن القوى».
في ظل هذه الظروف، رأى البعض في الدفع نحو إجراء انتخابات في يوليو (تموز) 2012. أي بعد تسعة شهور فقط من مقتل القذافي، أمرًا سابقا لأوانه، لكن هذا الموعد جاء متوافقًا مع الجدول الذي تعهدت به المعارضة أمام الغرب، وحاز تأييد الفرق المتنافسة.
من جانيه، قال عبد الرزاق مختار، عضو الحكومة المؤقتة الذي عاش سنوات كثيرة في كاليفورنيا ويعمل حاليًا سفيرًا لليبيا لدى تركيا: «فجأة، وجدت أمامك أفرادا منتمين لأحزاب سياسية مختلفة والإخوان المسلمين وكذلك جبريل، يعلنون أن الوقت قد حان لعقد انتخابات. إلا أننا في الحقيقة لم نكن مستعدين لذلك، وإنما كنا بحاجة لخارطة طريق تضع الأمن أولاً».
بحلول يناير (كانون الثاني) 2012، أصبحت المؤشرات على وجود مشكلات ظاهرة على نحو لا تخطئه عين. ومع تراجع شعبيته، استقال جبريل من منصبه كرئيس وزراء مؤقت، بعد اتهام عالم مسلم بارز بأنه يقود البلاد نحو «حقبة جديدة من الطغيان والاستبداد». وفي إطار اتفاق عقد بين اثنتين من الميليشيات القوية البارزة، حل محله عبد الرحيم الكيب، بروفسور الهندسة الذي تولى التدريس لسنوات بجامعة ألاباما.
في 5 يناير، بعثت صديقة كلينتون المقربة ومستشارتها سيدني بلومنثال إليها برسالة تحمل أحدث سلسلة تقارير من خلف الكواليس حول ليبيا، والتي وضعها في معظمها ضابط متقاعد من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، يدعى تيلر درميلير، والذي توفي العام الماضي.
وتناولت الرسالة التوترات المشتعلة بين المتطرفين والعلمانيين حول دور الشريعة، والقتال الدائر بين الميليشيات المتناحرة المنتمية لمدينتين مختلفتين، والزيارات الأربع لـ«رجال ميليشيات غاضبين» لمكتب الكيب طالبوه خلالها بامتيازات.
وأوضحت الرسالة أن الكيب «يعتقد أنه حال عدم نزعه تسليح الميليشيات وتلبيته مطالبهم خلال الشهور الستة التالية، فإن هناك احتمالا كبيرا لأن تتفاقم أعمال القتال بين المجموعات المتناحرة، ما قد يسفر عن اشتعال حرب أهلية». من جهتها، نقلت كلينتون الرسالة لمساعدها سوليفان، مذيلة بتعليق موجز: «مثير للقلق».
كان من المفترض أن تدفع هذه التقارير المثيرة للقلق واشنطن نحو اتخاذ إجراءات فعلية ـ لكن هذا لم يحدث. بعد سقوط القذافي، ومع وجود قدر ضئيل من أعمال العنف وقيادة مؤقتة صديقة، سرعان ما تراجعت أولوية ليبيا بأجندة البيت الأبيض. وتوقفت الاجتماعات المستمرة داخل البيت الأبيض بحضور الرئيس. واحتلت الثورة التي اشتعلت في سوريا، بقلب الشرق الأوسط، والتي يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف سكان ليبيا، الأولوية الأولى. ولم يكن تحول الاهتمام بعيدًا عن ليبيا مجرد إهمال، وإنما تحول إلى سياسة مقررة.
عن هذا، قال ديريك كوليت، الذي تولى حينها مسؤولية الملف الليبي داخل مجلس الأمن الوطني: «بدا أن الرئيس يعمد لتجنب خلق عراق جديد. وفي تلك الأثناء، ظل الأوروبيون يؤكدون أنهم يقومون بما يلزم وأنهم يدركون تمامًا ما يدور في ليبيا باعتبار أنها تقع داخل نطاقهم بصورة ما».
وعليه، أقر الرئيس ومجلس الأمن الوطني ما وصفه كوليت بـ«قيود شديدة» على الدور الأميركي، حيث شددا على أن واشنطن ستقدم العون فقط عندما لا يكون باستطاعة غيرها تقديم مثل هذا العون، وبناءً على طلب صريح من ليبيا، وعندما تدفع ليبيا مقابل هذا العون من عائداتها النفطية. عمليًا، كان معنى هذه الشروط أن الولايات المتحدة لن تفعل سوى القليل للغاية.
من ناحية أخرى، رغم زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لليبيا معًا، فإن اهتمامها سرعان ما تشتت بعيدًا عنها بسبب حملة ساركوزي لإعادة انتخابه والمخاوف الاقتصادية فيما يخص كاميرون.
من جانبهم، زاد الليبيون أنفسهم من سهولة إهمال الغرب لهم، حيث أبدى القادة المؤقتون للبلاد قدرًا من الوطنية الممزوجة بسذاجة واضحة من خلال إصرارهم، علانية على الأقل، عن رغبتهم في عدم تدخل أي أطراف خارجية ببلادهم. وقد أبدوا قلقًا حيال وجود أي قوات أجنبية على الأراضي الليبية لدرجة أنهم رفضوا السماح للأمم المتحدة بالإبقاء على قوة أمنية أساسية لحماية مقرها.
ومع مرور الشهور، تفاقم التقاتل بين مختلف الفرق، ما دفع كلينتون للضغط على الإدارة لبذل مزيد من الجهود بالملف الليبي، حيث طلبت من البنتاغون، على سبيل المثال، المعاونة في تدريب قوات أمنية ليبية. إلا أنها وجدت نفسها محصورة بين القيود التي فرضها الرئيس ورفض الليبيين أنفسهم.
حتى المقترحات المتواضعة انهارت، فعندما اقترحت كلينتون إرسال سفينة تحمل على متنها مستشفى لعلاج المقاتلين الليبيين المصابين، رفض مجلس الأمن الوطني الفكرة، وذلك حسبما أفاد مساعدون لها.
ومع ذلك، حرصت كلينتون على الحفاظ على علاقتها بالرئيس واحترمت سلطته في إقرار السياسات، ما أجبرها على المضي قدمًا في الالتزام بالسياسة المقررة.
من جانبه، حاول أندرو شابيرو بذل قصارى جهده لتحسين هذا الموقف الحرج، حيث اضطر لشرح ما تقوم به واشنطن من جهود لتأمين الترسانة العسكرية الضخمة التي خلفها القذافي وراءه ـ في استثناء لافت لسياسة النأي عن التدخل التي انتهجتها بلاده.
وخلال كلمة ألقاها في واشنطن في فبراير (شباط) 2012، استعرض شابيرو، مساعد وزيرة الخارجية للشؤون السياسية ـ العسكرية، الجهود الأميركية «لاستثارة استجابة دولية» للعثور على وتدمير مخازن الأسلحة. إلا أنه اعترف بأن البرنامج المخصص لهذا الأمر والذي أعلنته كلينتون بقيمة 40 مليون دولار، لا يسير على النحو المأمول، حتى فيما يخص أكثر أنماط الأسلحة المثيرة للقلق ـ الصواريخ المحمولة كتفًا القادرة على إسقاط طائرات.
وخلال كلمته، قال: «كم عدد الصواريخ المفقودة؟ الإجابة الصريحة هنا أننا لا ندري ـ وربما لن نعرف قط. ولا يمكننا استبعاد احتمالية تسرب بعض الأسلحة إلى خارج ليبيا».
وفي حين أن الاستخبارات المركزية الأميركية تحركت سريعا لتأمين أسلحة العقيد القذافي الكيميائية، فإن الجهود الأخرى كانت قاصرة. يتذكر روبرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي آنذاك قائلا: «كانت هناك ترسانة يعتقد بأنها تضم 20 ألف صاروخ، ما بين تلك المحمولة كتفا وقذائف سطح طجو، وإس-إيه7. والتي كانت اختفت للتو خلال الفوضى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا».
وكان من بين العراقيل أن إدارة أوباما كانت تتفاوض مع الوزراء الليبيين المؤقتين كما لو كانوا يمثلون حكومة موحدة. وواقع الأمر أنهم كانوا في كثير من الأحيان خصوما، يتصارعون على السلطة قبل الانتخابات.
وقال: أنتوني بلينكن، الذي كان وقتذاك كبير مستشاري نائب الرئيس جوزيف بايدن: «أعرف أن هذا يبدو غير معقول، لكننا على مدار شهور وشهور لم نكن قادرين على الوصول إلى أي شخص يتمتع بالسلطة في الحكومة لمجرد التوقيع على اتفاق على أي شيء، بما في ذلك عروضنا التفصيلية بتقديم مساعدات أمنية».
وقال الكثير من المسؤولين الليبيين: «عندما كان الأمر يتعلق بتأمين الأسلحة، فإن الفكرة الأولية الأميركية – وهي إعطاء الحكومة المؤقتة مساعدات لشراء هذه الأسلحة من جديد بنفسها – انهارت عندما أخفق الوزراء الليبيون في تنفيذ البرنامج.
ومن ثم فإن وزارة الخارجية الأميركية، التي كانت تعمل مع «سي آي إيه»، لم تجد إلا محاولة التوصل لاتفاقات بمعرفتها مع الميليشيات. لكن لم يكن هناك حوافز تذكر لكي تبيع الميليشيات الأسلحة. وبحسب السيد شمام، المتحدث السابق باسم الحكومة المؤقتة: «كيف تشتري كلاشينكوف بـ1000 دولار؟ يمكن لشخص من خلال كلاشينكوف أن يكسب 1000 دولار يوميا عن طريق خطف الناس».
والأسوأ من هذا أن البرنامج خلق حوافز للميليشيات لاستيراد الأسلحة لبيعها للأميركيين، بحسب ما يقول علي زيدان، مستشار الحكومة المؤقتة، والذي انتقلت إليه مسؤولية البرنامج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، عندما أصبح رئيسا للوزراء.
قال زيدان: «إذا كنت تريد أن تشتري الأسلحة، فعليك أن تسيطر على الحدود»، مضيفا أن الإخفاق في هذا دفع المقاتلين إلى «بيعها، والحصول على المزيد من الأموال، وبيعها مجددا».
وردا على أسئلة أحد الصحافيين في ذلك الربيع عن السبب الذي جعل من الصعب على الولايات المتحدة أن «تتدخل بالشكل المناسب» عندما تدخلت في الشرق الأوسط، كانت السيدة كلينتون لا تزال تعتبر ليبيا نموذجا للنجاح. قالت السيدة كلينتون التي رفضت إجراء مقابلة من أجل هذا المقال: «أختلف مع ما يفترضه هذا السؤال». لكنها كانت مدركة كذلك لتدهور الوضع الأمني.
في تقرير في فبراير (شباط) 2012، وصفت منظمة العفو الدولية الميليشيات الليبية بأنها «خارجة عن السيطرة». وفي نفس الشهر، حذر السيد كريتز، السفير الأميركي، في رسالة بريد إلكتروني من أن انتخابات يوليو (تموز) قد تحدث في «سياق سيطرة الميليشيات».
في الدائرة الداخلية المحيطة بالسيدة كلينتون، كان التفاخر بإنجازها في ليبيا قد مهد الطريق لـ«حالة من القلق من أن هذا الإنجاز سينهار»، بحسب أحد كبار المساعدين. ويتذكر هذا المساعد تلقيه توجيها مازحا من السيد سوليفان بـ«التأكد من عدم حدوث هذا» قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني).
ومن ثم فعندما ذهب الليبيون إلى الانتخابات في السابع من يوليو (تموز) فيما وصفه المراقبون الدوليون بانتخابات نزيهة شهدت مشاركة كبيرة ونسبة قليلة من العنف، شعرت السيدة كلينتون وغيرها من أنصار التدخل بالارتياح. في أعقاب الربيع العربي في مصر وتونس، كان الناخبون اختاروا حكومات يقودها متشددون. لكن في ليبيا، كان الائتلاف الفائز يضم أحزابا صديقة للغرب يقودها السيد جبريل.
في الشهر التالي، ومع هتاف الحشود في طرابلس بأن «دم الشهداء لن يذهب هباء»، انتقلت السلطة إلى المؤتمر الوطني العام المنتخب، أول انتقال سلمي للسلطة في تاريخ ليبيا.
كانت السيدة كلينتون تسر إلى المحيطين بها بتخوف من أن البلاد ليست مستعدة للانتخابات، بحسب أحد مساعديها، ومع هذا فقد هنأت الليبيين على «هذه الخطوة التاريخية».
قالت: «الآن يبدأ العمل الشاق فعليا لبناء حكومة شفافة وفعالة توحد البلاد».
لكن الوحدة كانت مستحيلة بالفعل.
قال السيد جيرارد أرود، السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة في رسالة تأييد مبكرة للتدخل: «كانت قضية خاسرة منذ البداية.. كان نفس الخطأ الذي ارتكبته في العراق. تقوم بتنظيم انتخابات في بلد ليس لديه خبرة في تكوين الأحزاب السياسية. ومن ثم يكون لديك انتخابات، وتعتقد أن كل الأمور قد تم حلها. لكن في النهاية يعود الواقع القبلي ليسيطر على البلاد».
وفي حين ناضل الأميركيون ضد انتشار الأسلحة وكانوا يأملون في أن يحدث ما هو أفضل، تصدى ضابط متمرد سابق للمشكلة التي تقف في القلب من المعضلة الليبية: تفكيك القوى المتقلبة التي أطاحت بالعقيد القذافي، ومساعدة المقاتلين على أن يجدوا لهم مكانا في ليبيا الجديدة. لم يلتق الضابط، السيد مصطفى الساقزلي، السيدة كلينتون على الإطلاق. لكن نتيجة حملته الفردية كانت لتقرر إلى درجة معقولة مكان ليبيا في سجلها كوزيرة للخارجية.
وكنائب لقائد كتيبة شهداء 17 فبراير، إحدى أكبر الميليشيات وأكثرها قوة، حاول السيد الساقزلي بأقصى ما لديه أن يعتني بجنوده. شعر بأن ذلك كان التزاما لم ينته بنهاية الثورة.
سأل المقاتلين: «ما الذي تحتاجونه؟ ما هي أحلامكم؟»
بعد وقت قريب شكلت الحكومة الانتقالية هيئة شؤون المحاربين، برئاسة السيد الساقزلي. كان الكثير من بين 162 ألف مقاتل سابق قامت بتسجيلهم، أميين يحتاجون للتعليم. وكان بعضهم يريد الالتحاق بقوة الشرطة أو الجيش الجديد، لكن نصفهم تقريبا كانوا يأملون ببدء مشروعات تجارية صغيرة. قال السيد الساقزلي إنه نقل مقترحا إلى الحكومة الانتقالية: يمكن أن تساعد وزارة العمل رجال الأعمال المحتملين، بينما يمكن أن تساعد وزارة الداخلية في تدريب ضباط الشرطة والجمارك، في حين تساعد وزارة الدفاع على استيعاب الآخرين في الجيش الوطني وهكذا.
كان مقترحا طموحا، ولكن الحكومة كانت تتوفر على الكثير من الأموال؛ حيث كانت السيدة كلينتون عملت بجد على تحرير مليارات الدولارات من الأصول الليبية التي كان جرى تجميدها بفعل العقوبات على القذافي. وكانت وجهة نظرها، بحسب ما يقول أحد كبار مساعديها، هي أنه إذا لم تتمكن الحكومة الانتقالية من «الحكم بالقوة، فلتحكم بقوة المال».
في 8 أغسطس (آب) 2012، بعد الانتخابات بشهر واحد، وقع السفير الأميركي ستيفنز على برقية أرسلها إلى واشنطن تحت عنوان «بنادق أغسطس» في عنوان يحاكي قصة من تاريخ الحرب العالمية الأولى. وصفت البرقية بنغازي كمدينة تنتقل «من حالة الخوف إلى النشوة ثم العودة للخوف مجددا في ضوء سلسلة من أحداث العنف التي باتت تسيطر على المناخ السياسي»، محذرا من الفراغ الأمني.
لم يعرف أي مسؤول أميركي ليبيا كما عرفها، فكان دوما على استعداد لدفع حياته ثمنا لتصميمه على رؤية الواقع الصاخب لليبيا عن كثب. وبعد إرسال البرقية بشهر، هاجم مسلحون إسلاميون مقر القنصلية الأميركية في بنغازي، وكان ستيفنز أحد أربعة أميركيين لقوا حتفهم.
وفي الهجمات التي استهدفت المجمع الدبلوماسي وملحق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه» المجاور، شهدت ليبيا أحداثا مروعة في وقت متزامن: سقطت الحكومة المركزية الضعيفة، انهارت دولة النظام والقانون، ظهرت الجماعات المسلحة وابتعدت ليبيا عن دائرة الضوء الأميركية. أسرع أعضاء الحزب الجمهوري باستغلال الموقف للبدء في طرح الاستجوابات وجلسات الاستماع لسنوات طويلة، وجمع التبرعات لهيلاري كلينتون. وفي الشهور الأخيرة لوجودها كوزيرة للخارجية، ركبت كلينتون الموجة الشعبية مدعومة بحملة على الإنترنت بعنوان «نصوص من أقوال هيلاري»، وكان شعار الحملة صورة لوزيرة الخارجية تحملق من خلال نظارتها السوداء في هاتفها المحمول «بلاكبيري». أدرك القليلون أن الصورة التقطت لهيلاري على متن طائرة عسكرية أقلتها إلى ليبيا في تلك الأيام العصيبة بعد سقوط الديكتاتور.
لو أن محاولة لوم هيلاري وتحميلها مسؤولية الهجوم الإرهابي على القنصلية ببنغازي فشلت لكانت نغمة التدخل في ليبيا باتت مبتذلة وسط كل النجاحات التي حققتها، فليبيا لن تتوافق مع السياسات الأميركية، سواء كان هدف أميركا استخدام ليبيا كهراوة تخيف بها الآخرين أو كان غرضها مجرد التباهي.
ومع خروجها من وزارة الخارجية في فبراير 2013. ازدادت وتيرة العنف الطائفي بدرجة جعلت نشوب حرب أهلية أمرا وارد الحدوث، وتزايدت أعداد اللاجئين الذين يدفعون المال للمهربين لمساعدتهم في رحلة الخطر عبر البحر المتوسط. كان من الممكن أن تؤدي الفوضى في ليبيا إلى ظهور حكومتين متنافستين؛ واحدة تدعمها مصر والإمارات، والأخرى تدعمها قطر وتركيا والسودان، وتوفر الأخيرة الملاذ للمتطرفين الذين سينضم إليهم مبعوثو «داعش».
الأسلحة التي صعبت من عملية تحقيق الاستقرار في ليبيا ظهرت في سوريا، وتونس، والجزائر، ومالي، والنيجر، وتشاد، ونيجيريا، والصومال، والسودان، ومصر، وغزة، وغالبا في أيدي إرهابيين أو متمردين أو مجرمين.
وفي خريف عام 2012، أعدت الاستخبارات الأميركية تقريرا عن زيادة كميات الأسلحة الواردة من ليبيا «فكان الأمر صادما جعلنا نقول يا إلهي»، وفق مايكل فلين، مدير جهاز الاستخبارات الحربية الأميركية آنذاك. أضاف: «لم نر كل تلك الكميات من الأسلحة منذ الحرب في فيتنام».
في ضوء تلك الخلفية، تعتقد وايتسون، المسؤولة عن رصد الأوضاع في ليبيا بمنظمة هيومان رايتس ووتش، أن فشل الولايات المتحدة في أن تتبعنا يعتبر خطأ لا يغتفر، مضيفة «إذا كنت ستقوم بتدخل عسكري لخلع الحكومة، فإنك تشارك في زعزعة استقرار تلك الدولة على المدى البعيد».
وقالت وايتسون إن التاريخ الذي اقتبسته هيلاري كلينتون كان من المفترض أن يكون مرشدا، مضيفة «في البوسنة، صحيح أننا تدخلنا لكن قوات حفظ السلام كانت هناك منذ 20 عاما».
لكن المدهش في الأمر أن الرئيس أوباما قال عام 2014 إن مثل هذا النقد كان عادلا وإن ليبيا قد علمته أكبر دروس حياته في السياسة الخارجية.
بيد أن أوباما لم يندم على التدخل، وفق حديثه إلى توماس فريدمان، الكاتب بصحيفة «نيويورك تايمز»، لأنه من دون الإطاحة بالديكتاتور القذافي «لكانت ليبيا مثل سوريا. أليس كذلك؟ لأن القذافي لم يكن بمقدوره احتواء ما حدث هناك».
لكن أوباما صرح بأن الولايات المتحدة وحلفاءها «قللوا من الحاجة إلى إرسال قوة عسكرية كاملة» بعد سقوط الديكتاتور. التجربة الليبية، وفق أوباما، هي «درس أطبقه الآن كل مرة أسأل فيها السؤال: هل نتدخل عسكريا؟ هل لدينا إجابة بشأن ما سيحدث في اليوم التالي للتدخل؟»
عززت ليبيا، وفق مساعدي الرئيس، من كراهيته للتحرك بجرأة أكبر في سوريا. «بشكل أكثر موضوعية، جعلت التجربة الليبية أوباما يتوقف ويفكر فيما سيحدث لو أنه أزال الدولة السورية»، وفق مستشار رفيع المستوي.
على النقيض، دفعت هيلاري كلينتون باتجاه المزيد من التدخل الأميركي في بداية الحرب الأهلية في سوريا، ودعت مرارا إلى فرض منطقة حظر طيران فوق سوريا، وهي الخطوة التي ما زال أوباما يرفضها حتى الآن. فيبدو أن التجربة الليبية لم تهدئ من حماستها الشديدة في معالجة الأزمات الدولية.
ورغم أنهما استمرا حلفاء سياسيين، نطق الرئيس ووزيرة خارجيته السابقة ببعض التعبيرات التي تنم عن المصارحة، إذ سخرت كلينتون من مبدأ طبقه أوباما كثيرا في سياسته الخارجية عبر عنه بقوله «لا تفعل تلك الأمور الغبية». وفي مقابلة شخصية مع صحيفة «ذا أتلانتك»، علقت كلينتون بقولها «تحتاج الدول الكبرى لمبادئ تنظيمية، وعبارة لا تفعل الأمور الغبية ليست مبدأ تنظيمًا».
في الربيع الماضي، وبعد ما أزعجه النداء بمزيد من التدخل الأميركي في سوريا، رفض أوباما الأمر واعتبره كلاما «غير ناضج» و«هراء»، وعند سؤاله ما إذا كان يعني بذلك مقترحات كلينتون، أنكر الرئيس ذلك، وإن لم تبد إجابته مقنعة. وعندما طلب منها الدفاع عن تاريخها في ليبيا، أخذت كلينتون منحى مناقضا لمساعديها الذين أصروا قبل ذلك على ضرورة لعبها لدور محوري في التدخل. «ومع نهاية اليوم، كان هذا هو قرار الرئيس»، وفق تصريحها أمام لجنة من مجلس النواب في أكتوبر (تشرين الأول).
أفادت كلينتون بأن التحالف العسكري الذي أطاح بالقذافي عكس «القوة الذكية في أفضل حالاتها»، غير أنها اعتبرت ليبيا «حالة كلاسيكية للخيارات الصعبة». وفي أغلب الحالات، أصرت هيلاري على أن حكم التاريخ على التدخل وعلى دورها فيه ليس نهائيا بعد.
وكانت كلينتون قد صرحت عام 2014. بقولها «أعتقد أن التاريخ أحيانا يظهر عدم صبر الولايات المتحدة»، مضيفة «حسنا، لقد تخلصت من هذا الديكتاتور الذي هدم المؤسسات، لماذا لا تتصرف كديمقراطية ناضجة إذن؟ هذا لا يحدث بين عشية وضحاها».
غير أنه بالنسبة لأوباما، إذا كانت التجربة الليبية قد عززت الشكوك في قدرة الولايات المتحدة في تحديد شكل النتائج في الدول الأخرى، فقد أظهرت التجربة أيضا لهيلاري كلينتون أهمية الوجود الأميركي.
* خدمة «نيويورك تايمز»



«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
TT

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)
مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز)

اختلطت خرائط الطاقة بحدود السياسة في حوض شرق البحر المتوسط، فتحوّل الغاز من مجرد ثروة طبيعية، إلى وقود لصراع مفتوح تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية.

فأمام ازدياد الاستكشفات النفطية في هذه المنطقة الاستراتيجية، ارتفع منسوب التوتر، وتمثَّل ذلك في شكاوى متبادلة إلى الأمم المتحدة بين ليبيا واليونان ومصر وقبرص، بجانب تحركات دبلوماسية لا تخلو من رسائل مبطَّنة، ليتشكَّل مشهد مضطرب يشي بأن معركة الغاز أبعد ما تكون عن الحسم.

وفي قلب هذه التشابكات المعقَّدة، تبرز السياسة بوصفها المحرِّك الأساسي للصراع. فتركيا، الساعية إلى كسر عزلتها في المتوسط، ترى في علاقتها مع ليبيا بوابة استراتيجية لحصد مكاسب جيوسياسية وفي مجال الطاقة، فيما تتحصَّن بقية الأطراف بتحالفات متشابكة واتفاقيات متنافسة، تمتد من أثينا حتى تل أبيب.

وعليه، بات «حوض المتوسط» أشبه بـ«مراجل» تغلي على نار السياسة، كاشفاً عن نزاع مستقبلي تتصاعد مؤشراته وتتوالى نذره؛ فبينما يبرز التنافس على مكامن الغاز كعنوان ظاهري، يظل الجوهر هو إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. هذا ما يستشفه خبراء دوليون وعرب في قراءتهم للمشهد عبر «الشرق الأوسط»، محذرين من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جيوسياسي طويل الأمد».

بدايات الصراع

بدأ الصراع الفعلي على غاز شرق المتوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مع توالي الاكتشافات الضخمة التي حوَّلت المنطقة من مجرد ممرات ملاحية إلى خزان عالمي للطاقة، وتصاعدت حدتها مع اكتشافات حقول غاز كبيرة بين عامي 2009 و2010 قبالة سواحل فلسطين (تمار ثم ليفياثان).

تلا ذلك اكتشاف قبرص لحقل «أفروديت» عام 2011 وهو ما فجَّر التوتر مع تركيا التي اعترضت على قيام «جمهورية قبرص» بالتنقيب دون اتفاق مع «جمهورية شمال قبرص التركية»، وكان ذلك نقطة التحول التي لفتت أنظار الإقليم والعالم إلى ثروات شرق المتوسط.

السفينة «LNG Endeavour» تحمل شحنة غاز من «مجمع إدكو» المصري في طريقها إلى كندا (وزارة البترول المصرية)

ومع تسارع الاكتشافات التي كان أبرزها أيضاً حقل «ظهر» قبالة السواحل المصرية، تعززت أهمية المنطقة طاقوياً، ليتصاعد الصراع أكثر ما بين عامي 2019 و2020 بعدما وقَّعت تركيا مع سلطات طرابلس الليبية مذكرة تفاهم تمنح أنقرة نطاقاً بحرياً ممتداً، وهو ما اعتبرته اليونان ومصر و«جمهورية قبرص» حينها «انتهاكاً للقانون الدولي وتعدياً على حقوقها السيادية»، عقب ذلك تحول الصراع من مجرد خلافات فنية إلى استقطاب سياسي وعسكري.

وعاد الصراع ساخناً إلى الواجهة عندما أعلنت اليونان في 12 يونيو (حزيران) 2025، عن دعوة دولية إلى تقديم عروض لمنح تصاريح للتنقيب عن الهيدروكربونات واستغلالها في مناطق بحرية جنوب جزيرة كريت مما أثار حفيظة حكومتي غرب ليبيا وشرقها وعدَّتا ذلك «انتهاكاً صريحاً للحقوق السيادية الليبية».

خرائط الأمر الواقع

تتسارع راهناً، أطراف الأزمة ممَثلة في دول: ليبيا واليونان وتركيا ومصر و«جمهورية قبرص» فيما يمكن تعريفه بـ«سباق مصالح» عبر لقاءات رفيعة وزيارات مكوكية كانت القاهرة وأثينا ثم القدس أهم محطاتها، بقصد غلّ يد «الطرف الآخر» وقطع الطريق عليه. وتركيا من جانبها ترفض تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بصيغتها التي تعتمدها اليونان وقبرص ومصر، وتعارض منح الجزر مثل (كاستيلوريزو اليونانية) مناطق اقتصادية خالصة، وترى أن ذلك يغصب حقوقها وحقوق «جمهورية شمال قبرص التركية» في الجرف القاري التركي بشرق المتوسط.

وبدا أن التحركات الحالية لتركيا واليونان آخذة في التصعيد، إذ سارعت كل منهما- على نحو مستقل- إلى تحديث «خريطة تخطيط الحيز البحري» بغرض «فرض أمر واقع» في أجواء لم تخلُ من اتهامات متبادلة، يشبهها بعض المحللين «ببرميل بارود يوشك على الانفجار».

وتقول اليونان إن تركيا تحاول السيطرة على «أرض يونانية» في خطوة «تفتقر إلى أساس قانوني»، بينما ترى أنقرة أن «مساعي اليونان لفرض خريطتها دون الترسيم مع جيرانها خطوات أحادية الجانب مخالفة للقانون الدولي ومحكوم عليها بالفشل».

خلف هذا النزاع المتصاعد، تبرز قوى دولية في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى لحماية أجنداته غير المباشرة وتوجيه التطورات بما يخدم مصالح شركائه الإقليميين. وفي هذا الصدد، يؤكد الخبير الدولي في اقتصاديات الطاقة ممدوح سلامة، أن اليونان، مسنودةً بدعم أوروبي صريح، «لن تتهاون تجاه أي محاولات تركية أو ليبية لاختراق منطقتها الاقتصادية الخالصة بغرض التنقيب عن الهيدروكربونات».

والمنطقة الاقتصادية الخالصة، هي منطقة بحرية نصت عليها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، وتمنح الدولة الساحلية حقوقاً سيادية محددة على موارد هذه المنطقة، تمتد إلى 200 ميل بحري كحد أقصى من خط الأساس (شاطئ الدولة).

ويذهب سلامة- وهو أستاذ زائر في اقتصاديات الطاقة بكلية «إي إس سي بي» لإدارة الأعمال في لندن- في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «إذا أصرت تركيا على انتهاك المياه اليونانية؛ فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري خطير في البحر المتوسط».

وجزيرة قبرص المتوسطية مقسمة شطرين منذ عام 1974: الأول هو «جمهورية شمال قبرص» التي لا تعترف بها سوى أنقرة، والآخر هو «جمهورية قبرص» المعترف بها دولياً والعضو في الاتحاد الأوروبي. وجاء تقسيم الجزيرة بعدما استولت القوات التركية على الجزء الشمالي من الجزيرة، رداً على ما تقول أنقرة إنها محاولة القبارصة اليونانيين «الانقلاب على الحكومة وإلحاق الجزيرة باليونان».

حفتر والاستخبارات التركية

خلف كواليس الصراع تسابق أنقرة الزمن لكسب ودّ المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي بغرض دفع مجلس النواب الذي يترأسه عقيلة صالح بالتصديق على مذكرة ترسيم الحدود البحرية التي سبق ووقعتها مع سلطات طرابلس عام 2019. من أجل ذلك، أجرى رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن زيارة إلى بنغازي عبر الفرقاطة «TCG قنالي أدا» في نهاية أغسطس (آب) 2025، وهو ما أشارت إليه صحيفة «إيكاثمريني» اليونانية.

في مقابل ذلك، وخلال زيارة بالقاسم حفتر «مدير صندوق إعادة إعمار ليبيا» إلى أثينا بدايات سبتمبر (أيلول) 2025، نقل إليه وزير الخارجية اليوناني جورج غيرابتريتيس، رفض بلاده والاتحاد الأوروبي مذكرة التفاهم الموقّعة مع تركيا، والتي وصفها بـ«الباطلة وغير القانونية»، بحسب بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية اليوناية لانا زوخيو.

وتهدأ أزمة الطاقة في «المتوسط» لبعض الوقت، لتعود وتطفو على السطح مجدداً بمزيد من التوتر.

عامل يدير صماماً بمنشأة تخزين غاز في روسيا التي تأثرت بشكل ملحوظ بتراجع صادراته لأوروبا (رويترز)

ويرى ريكاردو فابياني مدير مشروع شمال أفريقيا في «مجموعة الأزمات الدولية» أن «قضية موارد الغاز في شرق البحر المتوسط تظل قائمة ومشتعلة، بالنظر إلى أن اهتمام معظم الدول الإقليمية منصب راهناً على قضايا أخرى مثل الأوضاع في قطاع غزة.

ويعتقد فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا في اتصال مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة الحدود البحرية «ستبقى دون حل؛ رغم تحسن العلاقات بين مصر وتركيا» لافتاً إلى أن المنطقة لا تزال منقسمة بين تركيا وليبيا من جهة، وبقية الدول الأخرى من جهة ثانية».

وعلى عكس موقف تركيا التي تريد دفع البرلمان الليبي إلى الموافقة على مذكرة ترسيم الحدود الموقعة 2019 تطالب اليونان بعكس ذلك، وهو ما ألقى بظلاله على العلاقات الدبلوماسية بين سلطات أثينا وبنغازي، ودفع الأخيرة ممثلة في وزارة الخارجية بحكومة أسامة حماد إلى استدعاء القنصل اليوناني، أثاناسيوس أناستوبولوس ونائبته.

وكان رئيس البرلمان اليوناني، نيكيتاس كاكلامانيس، قد دعا رئيس مجلس النواب الليبي، خلال محادثاتهما في أثينا، في بدايات ديسمبر (كانون الأول) إلى عدم التصديق على مذكرة التفاهم التركية-الليبية، وطالب بإلغائها. وقد أثارت هذه التصريحات غضب سلطات شرق ليبيا.

وتتيح مذكرة التفاهم- والتي أعادت حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة التأكيد على الالتزام بها عام 2021، مع اتفاقات إضافية تتعلق بالطاقة- ترسيم مناطق اقتصادية خالصة متصلة بين البلدين في «شرق المتوسط».

ويعني هذا من وجهة نظر اليونان إلغاء حقوقها البحرية لعديد الجزر التابعة لها مثل رودس، وكاستيلوريزو وكارباثوس وكريت، ولهذا عارضت مذكرة التفاهم بشدة، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً لقانون البحار» الذي يمنح الجزر «حقوقاً بحرية كاملة»، كما رأت أنها تمنح في المقابل تركيا نفوذاً «غير مشروع» في منطقة غنية بالغاز والطاقة.

وسبق ووقعت بعض دول المتوسط، اتفاقيات ترسيم للحدود من بينها: قبرص ولبنان عام 2007- قبرص وإسرائيل عام 2010- مصر وقبرص عام 2013، والأخيرة اعترضت عليها أنقرة في حينها. علماً بأن قانونيين ينظرون إليها على أنها متوافقة مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982.

سفينة عسكرية إسرائيلية تبحر بجوار منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أرشيفية - رويترز)

شكاوى في الأمم المتحدة

أظهرت مذكرات رفعتها ليبيا ومصر واليونان وقبرص إلى الأمم المتحدة جانباً من الصراع المكتوم بشأن مكامن حوض شرق المتوسط، وتمحور الخلاف حول سؤال قانوني-سياسي: من يملك حق التنقيب والاستغلال؟

واحتجت طرابلس دبلوماسياً في مذكرتها على مطالب أثينا بالحدود البحرية جنوب وغرب جزيرة كريت. وأعلنت فيها بشكل رسمي حدود الجرف القاري الليبي، مدعومة بخرائط وإحداثيات تفصيلية، وذلك لتثبيت شرعية مذكرة التفاهم الموقعة مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية. كما اتهمت أثينا «بخلق أوضاع فعلية تضر بالحقوق السيادية لليبيا»، ورأت أن عملية الترخيص اليونانية «إجراء غير قانوني وأحادي الجانب دون أساس قانوني أو اتفاق ثنائي».

كما رفضت طرابلس اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين مصر واليونان عام 2020، واعتبرته «باطلاً وغير متسق مع قواعد القانون الدولي وقانون البحار».

ورأت طرابلس أن اليونان ومصر «لا تملكان أي حقوق قانونية في المناطق البحرية التي تشملها مذكرة التفاهم الليبية- التركية، مؤكدة أن هذه المناطق تقع ضمن نطاق السيادة الليبية الكاملة».

ورداً على ذلك، رأت اليونان في مذكرتها إلى الأمم المتحدة أن «المطالب الليبية لا تستند على أساس من الصحة أو القانون، وتتجاهل حقيقة أن أثينا تتمتع بحقوق سيادية بحكم الأمر الواقع على الجرف القاري وموارده في هذه المناطق»، كما قالت اليونان إن «خط الحدود الذي اقترحته ليبيا ليس له أساس قانوني، ورُسم في انتهاك كامل لقانون البحار الدولي».

وترى اليونان- مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار- بأن من حقها إقامة منطقة اقتصادية خالصة تمتد على مسافة 200 ميل بحري حول كل واحدة من جزرها المتعددة بالبحر المتوسط.

ويعتبر الخبير الاقتصادي الليبي محمد الشحاتي، الصراع بالمتوسط «قضية معقدة جداً؛ نظرا لتداخل الاحتياطات مع قضايا ترسيم الحدود السياسية والبحرية»، لكنه يشير إلى أن «احتمالية تزايد النزاع في قادم الأيام واردة جداً».

ويلفت الشحاتي إلى أن بلاده «تمتلك ميزةً استراتيجية تتمثل في عدم الاستعجال لاستغلال المناطق المتنازع عليها، نظراً لتوفر موارد بديلة؛ مما يمنحها القدرة على المناورة التكتيكية وتأجيل المواجهة، ريثما تتوصل الأطراف الأخرى لا سيما في (المثلث التركي المصري اليوناني) إلى تسوية لخلافاتها».

وفي المذكرة التي تقدمت بها بعثة ليبيا لدى الأمم المتحدة في 20 يوليو (تموز) 2025، وكُشف عنها في الشهر الذي يليه، قالت إن «المنطقة التي أعلنت عنها اليونان للتنقيب، تقع ضمن مناطق بحرية لا تزال خاضعة لنزاع لم يُحل بين البلدين».

جانب من المنتدى الدولي الـ14 للغاز في سانت بطرسبرغ... 8 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

مكامن الغاز

دفعت الأزمات المبكرة في «حوض شرق المتوسط» سبع دول إلى إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط» بوصفه «فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها»، خصوصاً مع ظل وجود احتياطات كبيرة من الغاز، تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً للهيئة العامة المصرية للاستعلامات في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

غير أن أسامة مبارز الأمين العام للمنتدى قدر هذه الاحتياطات بنحو 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وفقاً للدراسات، وذلك خلال تصريحات إعلامية في فبراير (شباط) 2025.

ووقَّعت مصر والأردن واليونان وجمهورية قبرص وفلسطين وإسرائيل وإيطاليا، على تأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» في سبتمبر (أيلول) 2020 كمنظمة إقليمية مقرها القاهرة، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب في الانضمام إليها.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصدر قراراً في ديسمبر 2022 بتحديد الحدود البحرية الغربية للبلاد بالبحر المتوسط. ونشرت الجريدة الرسمية القرار، الذي تضمن قوائم الإحداثيات الخاصة بالحدود، إضافة إلى إخطار الأمين العام للأمم المتحدة بالقرار والإحداثيات المحددة.

أبعاد النفوذ والسيادة

الصراع الدائر حول مكان شرق المتوسط انتقل من خانة الخلاف على الغاز إلى صدام وشيك حول «السيادة البحرية»، وفق ما ترصده دراسات المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فتركيا تتبنى مشروعها المعروف بـ«الوطن الأزرق»، وهي رؤية جيوسياسية تعتبر أن الجزر اليونانية القريبة من الساحل التركي «لا تملك جرفاً قارياً». والهدف وفقاً للتحليلات كسر الحصار الجغرافي المفروض عليها ومنع تحوّل البحر المتوسط إلى «بحيرة يونانية».

ويستند الموقف اليوناني- الأوروبي، إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويرى الاتحاد الأوروبي أن «أي مساس بحقوق اليونان وجمهورية قبرص هو مساس بالأمن القومي الأوروبي»، مما جعل الغاز «محركاً» لترسيم الحدود.

أما دور إسرائيل، فيشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنها تدير ملف الغاز وفق استراتيجية «دبلوماسية الأنابيب»، ويرى أن الغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر والأردن ليس صفقة تجارية فحسب، بل هو وسيلة لخلق «اعتماد متبادل» يقلل من احتمالات الصدام العسكري ويجعل الاستقرار السياسي مصلحة اقتصادية مشتركة. ووفق شركة «نيوميد إنرجي» الإسرائيلية، تبلغ قيمتها 35 مليار دولار.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

وتحلل تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الدور الأميركي كـ«ضامن للمسارات البديلة»، بمعنى أن واشنطن ترى في «غاز المتوسط» فرصة استراتيجية لتقليل ارتهان أوروبا للغاز الروسي.

ويتحدث طارق المجريسي، الزميل الأول في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، عن «سعي النخب الليبية كافة لاسترضاء واشنطن بشتى الوسائل»، معتبراً أن «الطاقة تظل الورقة الرابحة في هذا المسعى». وكشف عن وساطة أجراها مسعد بولس، مستشار ترمب للشؤون العربية والشرق أوسطية خلال زيارة حديثة «لتسهيل صفقات مع شركتي (هيل إنترناشيونال) و(إكسون موبيل) بهدف استكشاف وتطوير الحقول البحرية».

ويقرأ جيمي إنغرام، المحرر الإداري في مجلة (MEES) المشهد المحيط بغاز شرق المتوسط على اعتبار أن الموارد الطبيعية والحدود المتنازع عليها «تشكّل دائماً مزيجاً قابلاً للاشتعال»، ومع ذلك يرى أن الخلاف القائم «من غير المرجّح أن يتفاقم بشكل كبير في الوقت القريب».

(MEES) تعدُّ واحدة من أقدم النشرات التحليلية المتخصصة في شؤون الطاقة والاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومقرها في نيقوسيا بقبرص. ويقول إنغرام لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه القضية في جوهرها مسألة تم استغلالها ضمن سياق قضايا جيوسياسية أوسع»؛ ويدلل على ذلك بأن «تركيا ترى في دعمها لمطالب ليبيا فوائد اقتصادية وسياسية، وهي في موقع جيّد لتقديم هذا الدعم نظراً لاستيائها من الحدود البحرية الأخرى في المنطقة».

وفي ظل التباين في التقديرات حول احتمالات نشوب مواجهة، يربط مراقبون دوليون هذا السيناريو بمدى التوافق بين الأطراف الفاعلة في الأزمة. وفي هذا الإطار، يعزو فابياني، خبير الاقتصاد الكلي المتخصص في شؤون شمال أفريقيا، حالة الهدوء الحذر إلى انشغال هذه الأطراف بملفات أخرى، لافتاً إلى أن القاهرة وأنقرة «تميلان حالياً إلى ترجيح كفة التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك».

ويضيف فابياني أن التوترات مع اليونان «لا تزال قائمة مع غياب أي أفق للحل حالياً، مما يرجح استمرار التصعيد الدبلوماسي. كما استبعد التوصل إلى تسوية قريبة بشأن ترسيم الحدود البحرية، نظراً لغياب الضغوط الجدية التي تدفع الأطراف نحو إيجاد حل».

واليونان التي تحظى بدعم من مالطا، تتمسك بـ«حقها في التنقيب»، وقال وزير خارجيتها جورج غيرابتريتيس إن «بلده يعتزم وضع خريطة طريق خاصة بترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر المتوسط مع ليبيا بحلول نهاية العام الحالي»، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.

جانب من حقل «ظهر» للغاز في شرق المتوسط (الرئاسة المصرية)

وكان موقع «توفيما» اليوناني قد أفاد في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، بأن مالطا انضمت إلى الموقف اليوناني في الأزمة؛ إذ وجهت مذكرتي احتجاج رسميتين تدعوان حكومة طرابلس إلى الانخراط في الحوار».

وضمَّنت مالطا إحدى هاتين المذكرتين «رفضها القاطع للخريطة والإحداثيات التي أرفقتها حكومة طرابلس في مذكرتها المقدمة إلى الأمم المتحدة، بداعي أنها تتداخل مع الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة لمالطا».

كما رأت مالطا أن طرابلس «أقدمت من جانب واحد على تحريك الخط الأوسط شمالاً على حساب مالطا، وطبقت الخط الأوسط على السواحل القارية متجاهلة الجزر مما شوّه ترسيم الحدود».

«شيفرون» الأميركية على الخط

دافع الجيولوجي النفطي وخبير اقتصاديات الطاقة الدكتور كونستانتينوس نيكولاو، عن موقف بلده اليونان في رفضها للمذكرة المقدمة من حكومة طرابلس إلى الأمم المتحدة، وعدّها «غير مقبولة»، ودلل على ذلك بالمادة «121» من القانون الدولي للبحار، التي تمنح الجزر كامل الحقوق في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.

واعتبر نيكولاو في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن فوز شركة «شيفرون» الأميركية للطاقة بمناقصة استكشاف وإنتاج الهيدروكربونات، «يشكل تحدياً كاملاً لمذكرة تركيا- ليبيا لدعم مبدأ (الوطن الأزرق) لتركيا».

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين بقطاع النفط والغاز في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

وأعلنت اليونان رسميا في 25 أكتوبر 2025 منح أربع قطع بحرية لتحالف دولي، تقوده «شيفرون» بغرض الاستكشاف والتنقيب عن موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وهي المنطقة المتنازع عليها مع ليبيا.

وأوضحت اليونانية أنه بعد إجراء التقييمات والمفاوضات مع «شيفرون»، وقع الاختيار على تحالف «شيفرون - اليونان القابضة»، وهو مشروع مشترك.

وتشمل الكتل البحرية في العرض الذي قدمته «شيفرون» الكتل المسماة جنوب بيلوبونيز، و«إيه 2»، وجنوب كريت الأول، وجنوب كريت الثاني. وتعمل أثينا و«شيفرون» الآن على وضع اللمسات النهائية على اتفاقية الامتياز.

ومن منظور يوناني، يعتقد نيكولاو أن استراتيجية «الوطن الأزرق اخترعتها أنقرة للمطالبة والاستحواذ على الجزء الشرقي من بحر إيجة باتجاه اليونان؛ بما في ذلك العديد من الجزر اليونانية». لكنَّ محليين أتراكاً يرفضون هذه النظرة من منطلق أن بلادهم «تدافع عن مصالحها الاستراتيجية».

نيكولاو يرى أن ذلك «تم على النقيض من القانون الدولي للبحار 1982، الذي ينص في المادة 121 على «حق الجزر اليونانية في امتلاك المنطقة الاقتصادية الخالصة».

ويعدُّ «شرق المتوسط» مركزاً رئيسياً للاستكشاف في السنوات الماضية، ففي منتصف يناير (كانون الثاني) 2025 أعلنت شركة «إكسون موبيل» عن اكتشاف مكامن غاز طبيعي قبالة سواحل مصر، بعد نجاحها في حفر بئر استكشافية في البحر الأبيض المتوسط.

تحالفات عسكرية

متغيرات دولية عدة وتربيطات تتم في الكواليس الدولية للسيطرة على مكامن غاز «شرق المتوسط»، شيء من هذا يتم بين تركيا والصين، ففي 23 سبتمبر (أيلول) 2025 وصفت صحيفة «غريك سيتي تايمز» اليونانية ما يجرى بشأن هذا الملف بأنه «إعصار جيوسياسي» يقترب من منطقة شرق المتوسط، ويهدد سلاسل الإمداد الرئيسية للطاقة في المنطقة.

وتحدثت الصحيفة عن «بداية حرب باردة جديدة في المنطقة»، بالنظر إلى التطورات الجارية في شرق البحر المتوسط وفي ليبيا، وأشارت إلى «تشكّل تحالف تركي– صيني في شرق البحر المتوسط، يعمل على ضم ليبيا»، وقالت إن هذا التحرك «ستكون له تداعيات أوسع نطاقاً على طموحات دول في المنطقة مثل اليونان وحلفائها، ومن بينها إسرائيل».

صهاريج غاز البترول المسال في منشأة مملوكة لشركة «إركوتسك» للنفط في روسيا (رويترز)

وفي نهاية ديسمبر 2025 شهدت مدينة القدس قمة ثلاثية، وأعلنت إسرائيل واليونان وجمهورية قبرص اتفاقها على تعميق التعاون الأمني والدفاعي، في خطوة عدها متابعون تتجاوز التنسيق السياسي إلى بناء مظلة أمنية أكثر تماسكاً في شرق المتوسط.

وفي نهاية ديسمبر 2025 أعلن الجيش الإسرائيلي، توقيع برنامج تعاون عسكري ثلاثي مع اليونان وجمهورية قبرص لعام 2026.

وعدَّ رئيس وزراء «جمهورية شمال قبرص التركية»، أونال أوستال، هذا الاتفاق «محاولة إسرائيلية لنقل الاضطراب إلى شرق المتوسط». واعتبر في بيان صادر عن مكتب رئاسة الوزراء، أن «المحاولات الجارية لإخراج المنطقة من كونها (ساحة سلام) وتحويلها إلى (مسرح للصراع) لا تهدد جزيرة قبرص فحسب؛ بل تهدد حوض البحر الأبيض المتوسط ​​بأكمله، وأن «قبول الثنائي اليوناني القبرصي بأن يكونا مجرد بيادق في هذه المؤامرة الخطيرة خطأ تاريخي».

ما يجري راهناً في كواليس الأزمة دفع المجريسي المحلل السياسي الليبي إلى طرح تساؤل جوهري حول طبيعة حقول الغاز في البحر المتوسط: هل هي «مناجم ذهب» للازدهار الاقتصادي أم «براكين تغلي» تهدد بانفجار الصراع؟

كما تساءل الدبلوماسي المصري، بلال المصري عبر دراسة نشرها المركز الديمقراطي العربي في أغسطس 2025: هل الحدود البحرية في شرق المتوسط ستكون سبباً رئيسياً لمواجهة مسلحة محتملة؟

وفي تحليل تشريحي للأزمة الراهنة، يرى المجريسي أن الصراع يتجاوز مجرد تسويق الغاز؛ إذ لطالما اعتبرت أنقرة ليبيا حجر زاوية في عقيدتها الاستراتيجية المعروفة بـ«الوطن الأزرق». ويهدف هذا المشروع إلى بسط السيادة التركية على مناطق شاسعة في حوض المتوسط، سعياً لتحقيق حزمة من المكاسب المالية والجيوسياسية والأمنية المتكاملة.

منصة غاز في حقل «ظهر» المصري (وزارة البترول المصرية)

التحكيم الدولي... أم الحرب؟

يعتقد إنغرام، المحرر الإداري في مجلة MEES أنه في نهاية المطاف بعد هذه الصراعات، «يظل أفضل سبيل هو توقّيع الأطراف كافة على اتفاق للتحكيم الدولي، بحيث تُحدَّد الحدود البحرية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار». لكن إنغرام، يرى أن هذا الطرح «غير واقعي؛ فكثير من مطالب تركيا المتعلقة بحدودها البحرية مع اليونان وقبرص سيُرجَّح رفضها».

وأمام تعقّد الأزمة، وتمسّك كل دولة بما تعتبره «حقها المشروع»، يشير فابياني خبير الاقتصاد الكلي المختص بشمال أفريقيا، إلى أن «الحل يجب أن يبدأ من (منتدى غاز شرق المتوسط) بشكل أكثر شمولية، على أن يشمل أصحاب المصلحة كافة؛ مع إشراك تركيا بشكل فعَّال لتعزيز التعاون الإقليمي من أجل الاستثمارات الضرورية».

وضمن هذا الإطار، يرى فابياني أنه يمكن للأطراف المتنازعة «التوصل إلى تسويات بشأن حدودهم البحرية، وهو أمر لن يكون سهلاً، لكنه ممكن مع تقديم تنازلات متبادلة أيضاً في قضايا إقليمية أخرى».

عامل يفحص صمامات التحكم في مركز الغاز الطبيعي التابع لشركة النفط والأنابيب التركية غرب أنقرة (Hv)

وفي مقابل تشابك الاتهامات، يطرح الخبير الدولي ممدوح سلامة سيناريو بديلاً للحل، يستند إلى وفرة الموارد النفطية الليبية في المناطق البرية والبحرية غير المتنازع عليها، ما يغني طرابلس عن الانخراط في صراع مع اليونان مدفوعاً بالأجندة التركية، خاصة في ظل التبعات الاقتصادية القاسية للحرب الأهلية المستمرة منذ 2014. ويحذر سلامة من أن الصدام مع أثينا حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة قد يؤدي إلى عزوف الاستثمارات الأجنبية، التي تعد حجر الزاوية لتطوير احتياطاتها من الهيدروكربونات».

وينتهي سلامة إلى أن «الحل الوحيد هو التوصل إلى اتفاق لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة من خلال تفاوض تشارك فيه تركيا واليونان وليبيا معاً».

وعقب تصاعد دخان الأزمة أممياً، تطرق الرئيس المصري إلى الحدود البحرية، وذلك خلال استقباله حفتر بالقاهرة في 8 ديسمبر 2025. وأشار المتحدث باسم الرئاسة المصرية إلى «توافق الجانبين في ملف ترسيم الحدود البحرية، وأهمية استمرار التعاون المشترك بما يحقق مصلحة البلدين دون إحداث أي أضرار؛ وفقاً لقواعد القانون الدولي».

وكانت مصر ضمَّنت مذكرتها إلى الأمم المتحدة رفضها للحدود المعلنة للقارة البحرية الليبية، معتبرة أن مواقف ليبيا «لا تتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وتنتهك أحكام القانون الدولي»، وهو ما وصفه الجيولوجي النفطي اليوناني نيكولاو، بـ«السياسة الصحيحة». معتقداً أن «أي طريق آخر قد يؤدي إلى قانون الغاب... والبديل هو استخدام القوة».

وبسؤاله عن احتمالية اتجاه الأوضاع نحو اللجوء للقوة، نظراً لأن كل طرف يصر على ما يعتبره «حقه التاريخي»، قال نيكولاو إن بوادر الأزمة المستقبلية «باتت تلوح في الأفق»، في ظل ما وصفه بـ«اللامبالاة» من جانب الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، و«عزوفهم عن التدخل لفرض تسوية تمنع الانفجار».

ويختتم قراءته للمشهد المأزوم بالتأكيد على أن «جمهورية قبرص، بمقدراتها المحدودة، لا تمتلك القدرة على مجابهة تركيا؛ مما يجعل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي المخرج السلمي الوحيد المتاح».

وفي ظل تداخل الملفات وتعارض المصالح الإقليمية والدولية، يستشرف اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، نُذر خطر وشيك، لافتاً إلى أن بلاده تواجه تحديات جسيمة تهدد أمنها القومي على المحاور الاستراتيجية كافة.

وخلص فرج إلى أن «النزاع المسلح القادم في المنطقة سيتمحور حول غاز المتوسط... الحروب التقليدية لم تعد هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب التجارية والاقتصادية هي الفيصل في حسم الصراعات الدولية».


مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

TT

مسيحيو سوريا... حراسة ذاتية وأعياد صاخبة لكسر «الخوف الطبيعي»

رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)
رجال أمن سوريون يحرسون موكب الكشافة المسيحية في دمشق القديمة (أ.ف.ب)

إنها صبيحة يوم جمعة وكنيسة مار إلياس في حي الدويلعة الدمشقي تدق أجراسها إيذاناً ببدء القداس الأسبوعي. هنا ترفع صلوات وترانيم يومية، بينما يقام قداس الأحد أيام الجمعة أيضاً ليتزامن مع العطلة الأسبوعية في البلاد، ويناسب «الموظفين ومن يرتبطون بدوام عمل أو دراسة»، والأمر على هذا المنوال منذ أيام النظام السابق.

هي الكنيسة نفسها التي تعرَّضت قبل 6 أشهر لتفجير انتحاري أودى بحياة 25 شخصاً، ولا تزال صورهم مرفوعة في الساحة العامة للمنطقة على شكل لافتة كبيرة وأخرى كزينة على شكل شجرة ميلاد، في حين القداديس والمناسبات الدينية ولقاءات الفرق الكشفية تجري كلها في قاعة سفلية يُفترَض أنها مؤقتة.

على بعد أيام قليلة من عيد الميلاد لدى الطوائف المسيحية الغربية، كان المبنى الرئيسي للكنيسة لا يزال قيد الترميم. وكان أهالي الحي، والعائلات المكلومة تحديداً، يأملون في أن تنتهي الأعمال بوتيرة أسرع علّهم ينجحون في إحياء صلاة العيد في كنيستهم. لكن ذلك لم يحدث.

كنيسة مار إلياس في الدويلعة قيد الترميم بعد التفجير الانتحاري الذي وقع فيها في 22 يونيو الماضي (الشرق الأوسط)

كثر الحديث والترويج لتبرعات من رجال أعمال مسلمين أطلقت عملية الترميم من دون إمكانية التثبت من ذلك، حتى من الكنيسة نفسها.

في النهار كان فتيان وفتيات الكشافة كما القساوسة والشبان الأكبر سناً يتراكضون في الأحياء وبين الأزقة للمشاركة والإشراف على سير الأعمال، من نصب منصة وتنظيف أرصفة وتأمين مقاعد كافية لحدث استثنائي. إضاءة شجرة الميلاد الكبيرة واحتفالية اجتماعية دينية تعلن بدء موسم الأعياد. لكن ذلك أيضاً، لم يحدث.

فما إن بدأ الناس في التوافد إلى المكان مع ساعات المساء الأولى، حتى سرت شائعة بأن «داعشياً» يتجوّل بين الجموع. أثار الأمر بلبلة واستنفاراً أمنياً وتدافعاً كبيراً نتج منه حالتا إغماء لسيدتين ومزيد من الفوضى مع وصول المسعفين، انتهت كلها بإلغاء الفعالية وتأجيلها لوقت آخر بلا كثير جمهرة وصخب.

تضاربت الروايات عمّا حدث تماماً في تلك اللحظة، وبدا أن أحداً من أهل المنطقة لا يريد الخوض في التفاصيل. فحتى أحد أهالي الضحايا الذي كان وافق موافقة مبدئية على التحدث إلينا، عاد واعتذر تفادياً لـ«تقليب المواجع».

شاع الخبر واختفى سريعاً كأنه لم يحدث.

شجرة الدويلعة مزينة بصور وأسماء ضحايا التفجير الانتحاري الذي وقع في كنيسة مار إلياس في يونيو الماضي (أ.ب)

«مخاوف طبيعية»

نفى صاحب صيدلية في الدويلعة أن يكون الحادث متعلقاً بأي عمل إرهابي وإنما رد المسألة برمتها إلى «مخاوف طبيعية». قال الرجل مفضلاً عدم ذكر اسمه إن «كل ما في الأمر أن شاباً على موتوسيكل يحمل علم (لا إله إلا الله) الأبيض، وهو شائع جداً هذه الأيام، مرّ للفرجة بينما الناس يتوافدون إلى الحفل». وتابع قوله: «يبدو أن أحد شباب الحراسة المحلية لحق به فهرب مسرعاً؛ ما أثار الذعر والفوضى والتدافع». وقلل الرجل من تلك البلبلة كونها «أمراً طبيعياً في هذه الظروف».

وإذ تبدو الإحالة إلى الطبيعة محط كلام شائع بين الناس هنا لتفسير أحوالهم، فإنها تبقى كالسهل الممتنع حيال أي محاولة للاستفاضة أو الشرح. إنها تبديد للسؤال قبل الخوض في البحث عن إجابة.

وأما الخوف «الطبيعي» بدوره، فقد أرجعه الصيدلاني إلى صدمة لم تكمل عامها الأول بعد، ولا تزال تحفر في النفوس و«أفقدت الناس الشعور بالأمان»، بعدما وقع ما لم يخطر ببال. عن لحظة تفجير الكنيسة في يونيو (حزيران) 2024، قال: «كان جاري هنا في الصيدلية وسمعنا الصوت. تهافت الناس وبدأوا يصرخون: انتحاري في الكنيسة. انتحاري في الكنيسة. لم نصدّق وأكملنا حديثنا معتقدين أنه مجرد كذب وتهويل».

رجال إنقاذ وأشخاص يتفقدون الدمار في موقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق (أ.ف.ب)

وأضاف بعد برهة صمت كمن يعاتب نفسه: «كيف نصدق؟ بعمري هيك شيء ما صار!».

وعندما هرعت سيارات الإسعاف وهبّ الجميع للمساعدة وجاء رجل بابنته إلى الصيدلية لتطبيب جرحها والدماء تسيل من جبينها، حدثت فجأة لحظة يقظة.

إنه انتحاري فجَّر نفسه بين المصلين. لقد حدث ذلك بالفعل.

وحي الدويلعة الذي شاع ذكره بعد تلك الحادثة يقع في جنوب شرقي دمشق. وهو مختلط سكانياً بين مسلمين سنة وغالبية مسيحية متنوعة مذهبياً تتقاسم كنائسها المختلفة الشوارع الرئيسية للمنطقة التي تشبه قرية صغيرة، في حين الأبنية في الأحياء الداخلية أقرب إلى العشوائيات.

وقد شهدت منطقة الدويلعة دفقاً سكانياً كبيراً جعلها مكتظة بشكل أكبر بعد توافد مهجَّرين من المناطق السورية الأخرى التي شهدت أعمالاً عسكرية وحربية، بينما بقيت هي بمنأى عن أي «حوادث أمنية»، وذلك على عكس أحياء تكاد تكون ملاصقة لها مثل جوبر والتضامن المدمَّرين تدميراً كاملاً.

حراسة أهلية وأمن ذاتي

واليوم، تحمي الدويلعة نفسها بنظام «حراسة أهلية»، يتناوب من خلاله شبان من أبناء المنطقة على حفظ الأمن ومراقبة دخول وخروج «الغرباء». وقد شاع هذا النمط في أكثر من منطقة أو مدينة، ومنها جرمانا المختلطة طائفياً بين مسلمين ومسيحيين وأقليات أخرى وغالبية درزية طاغية، ويفصلها عن الدويلعة الجسر المتحلق الجنوبي.

مسؤول «قطاع أمني» في الدويلعة، شرح لنا تقسيمات العمل الميداني و«التدرج في التشدد الأمني»، فقال: «مباشرة بعد لحظة السقوط استنفرنا كشباب حي لحفظ الممتلكات من السرقة والنهب. توزعنا في الشوارع وتحت منازلنا بطريقة عفوية في البداية، ثم أخذنا نوزّع الورديات والأدوار بيننا. ولم يأت أحد نحونا. أعتقد أننا كنا منسيين أصلاً... واستمرت بنا الحال هكذا حتى تفجير (كنيسة) مار إلياس».

وكما شكَّل العمل الإرهابي لحظة يقظة لصاحب صيدلية، فقد كان صفعة أيقظت أحياء كاملة من «المنسيين» وكأن مقولة «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» وجدت ترجمتها الحرفية هنا.

طفل يغفو في قداس ليلة عيد الميلاد في كنيسة مار يعقوب النصيبي في القامشلي (رويترز)

ويوضح الشاب كيف تغير الوضع كلياً، فقال: «تطوعنا بشكل أكبر لحماية الكنائس أولاً فتم تطويقها، بالإضافة إلى توزيع مجموعات أكثر بين البيوت وعند مداخل الأحياء الصغيرة وبدأنا بنحو 80 أو 90 شاباً».

وبالفعل، لدى زيارة الدويلعة كانت كنيسة مار إلياس مغلقة للعامة ويمكن الدخول إليها عبر باب خلفي ضيق يعرفه مرتادوها ومن يعرِّفون عن نفسهم عبر شخص ثقة. وكان هذا حال غالبية دور العبادة المسيحية التي مررنا بها، كما بدا الشبان المتجمعون عند النواصي أكثر من مجرد «متسكعين» في يوم جمعة مشمس.

وحسب الشاب الذي يزاوج بين وظيفة حكومية نهاراً ومهمة الحراسة مساءً، فإن هؤلاء «الأمنيين» كلهم متطوعون بالكامل، يسهرون على أهلهم وأرزاقهم من دون مقابل مادي وكل بحسب قدرته وظروفه، «يشاركهم أحياناً بعض أصدقائهم أو جيرانهم المسلمون».

تعاون مع المخفر

وأما عن رجال الأمن الفعليين، التابعين للحكومة السورية، فهؤلاء يبقون في المخفر وفي فرع الأمن الجنائي عند مدخل المنطقة، لا يتجولون في الشارع إلا بطلب مباشر من «مجموعات الأحياء». فإذا وقع حادث أو مشادة تتطلب تدخلهم، يتم استدعاؤهم؛ لكون المتطوعين غير مسلحين إلا ببعض القطع الفردية «وهي قليلة جداً ومرخصة ويحملها أصحابها بمعرفة المخفر».

ويوضح محدثي أن أحداً من حملة السلاح الفردي لا يستخدمه في مناوبات الحراسة المشتركة لئلا يتحمل مسؤولية فردية عن أي حادث عام فتنزلق الأمور إلى تصعيد غير مضبوط «خصوصاً أن شباب الأمن لا يتأخرون في الاستجابة عندما نطلبهم».

ويتابع: «الوضع مربك جداً. فما عدنا نعلم كيف نميز الخطر الحقيقي... وفي الحادثة الأخيرة وصل الأمن وساعدنا منذ اللحظة الأولى، لكن حالة هلع عامة أصابت الناس. ماذا نفعل مع الخوف؟ مشكلتنا ليست أبداً مع الدولة، فنحن نريد دولة، ولا مع رجال الأمن، فقد وقفوا معنا. مشكلتنا في غياب الأمن».

مسلح درزي (يسار) يتحدث مع قوات الأمن السورية التي توصلت إلى اتفاق للانتشار حول جرمانا جنوب دمشق (أ.ب)

«تفاهمات» جرمانا

ذلك الكلام بحرفيته تسمعه في جرمانا التي نالت حصتها من «صفعة اليقظة» مع مشاكل المناطق الدرزية بدءاً بمواجهات صحنايا نهاية أبريل (نيسان) الماضي، ثم أحداث السويداء، لكن سريعاً ما نأت جرمانا بنفسها عبر «تفاهمات محلية»، أبرزها مشاركة الشباب الدروز في دوريات الأمن العام ونقاط الحراسة والعمل معهم بواقع شاب أو اثنين لكل مجموعة أمنية من خمسة عناصر.

وإذ لا يرتدي شبان الحراسة الأهلية في جرمانا اللباس العسكري، غير أنهم يلتزمون بشيء من الملمح العسكري كالبنطال والقميص الأسودين تحت سترة كاكية أو كحلية، ويشكّلون بذلك «مفاتيح» الأحياء ووجهاً مألوفاً للأهالي ورجال الأمن معاً فيضبطون إيقاع الطرفين معاً.

وبخلاف الدويلعة، تعدُّ جرمانا تقليدياً مدينة للطبقة المتوسطة وأصحاب المهن الحرة في دمشق وهي شهدت بدورها توسعاً كبيراً في العقد الأخير، جعلها أكثر اكتظاظاً وزحمة وعشوائية. لكن الركيزة فيها حسب أحد شبانها، وهو رجل دين درزي، أن «التعايش الأهلي هنا فطري وسابق على الأوضاع الحالية»، لافتاً إلى أن دروز جرمانا هم «سكان أصليون يقيمون فيها منذ ما يقارب ألف عام، ولا يتحدرون من حلب وشمال البلاد».

وبالتالي، فإن «الإشكالات الأمنية» التي برزت في العام الماضي، هي مرة أخرى «أمور طبيعية»، ألفها دروز جرمانا عبر العصور وباختلاف أنظمة الحكم في دمشق. وهنا، في هذه البقعة من الفسيفساء السورية، يشكل الترابط السني - الدرزي التاريخي، صمغ الروابط الاجتماعية وركيزة الأمن السياسي. لذا؛ حين فاوض أبناء جرمانا على إبقاء سلاحهم، وهم بعكس أبناء الدويلعة، مسلحون ولا يخفون ذلك، فقد نجحوا في التوصل إلى «حلول وسطية مُرضية للجميع» بالمشاركة الفاعلة في حفظ أمن منطقتهم والبقاء ضمن حدودها.

زينة ميلاد ورأس السنة في أحد أحياء حلب وبدا رجلا أمن يحرسان المكان (الشرق الأوسط)

وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين مطلب السكان بـ«ضبط الأمن» من جهة، وندائهم الصامت بـ«الحفاظ على خصوصية المنطقة» من جهة ثانية في معادلة صعبة تشوبها جيرة قابلة للاشتعال في أي لحظة، قال الشاب الأمني ابن الدويلعة: «في الواقع عرضوا علينا الانتساب للشرطة عوضاً عن العمل التطوعي هذا، لكن الأهالي رفضوا لأن ذلك يعني خروج الشباب من الحي لتأدية خدمتهم، حيث يتم توزيعهم في المناطق السورية كافة، كذلك يفترض بهم الالتزام بقرارات القيادة وهم يفضلون البقاء في الدويلعة».

صور نمطية

وإذا كانت جرمانا تعيش بشيء من الرخاء الاقتصادي، فإن الدويلعة، وباختلاف الانتماءات الطائفية والمناطقية فيها، يبقى القاسم المشترك الأبرز بين سكانها هو الحالة الاقتصادية المتردية التي تشابه الفقر إن لم تكن الفقر بعينه. يقول شاب من أبناء الحي تهجَّر مع والدته «في مطلع الأحداث» (الثورة ضد نظام بشار الأسد) من درعا ولم يكن يتجاوز العاشرة من عمره: «هناك نظرة للمسيحيين بأنهم بالضرورة مرفَّهون وأغنياء وهم لا يعرفون كيف يعيش الناس هنا. يعتقدون أننا جميعاً من القصَّاع وباب توما».

شجرة ميلاد وزينة في أحد فنادق باب توما في دمشق (الشرق الأوسط)

وعمَّا إذا كان يعرف هاتين المنطقتين الشهيرتين معرفة جيدة أو له أقارب فيهما مثلاً، قال إنه يذهب أحياناً مع أصدقائه للفرجة، ولكنه يعود قبل هبوط الليل.

وهناك في القصَّاع وباب توما، حيث البيوت الدمشقية التقليدية التي تحولت فنادق ومطاعم فاخرة، بدت زينة الميلاد هذا العام استثنائية بكل المقاييس، وطغت على المشهد العام للعاصمة السورية؛ إذ امتدت إلى شوارع وأحياء خارج حدود المناطق ذات الطابع المسيحي حصراً.

بدت أحياء دمشق الراقية كلها مزدانة بشجرات العيد والزينة الحديثة كما عمدت الفنادق والأسواق التي امتنعت عن إبداء أي مظاهر احتفالية العام الماضي، إلى استعراض كل ما لديها من إضاءة وتصاميم ميلادية متنوعة. في أكثر من فندق حمل حرفيون وفنانون محليون بضائعهم ومصنوعاتهم اليدوية للمشاركة في «معارض الميلاد»، حيث عزفت فرق شبابية موسيقى غربية من وحي المناسبة.

عائلة سورية تلتقط صورة تذكارية أمام شجرة الميلاد في دمشق (أ.ف.ب)

ولا يخفى أن شجرات الزينة في الأماكن العامة والفعاليات ومداخل الحارات محمية بعناصر من الأمن العام أو سيارات شرطة، أو بحراسات أهلية تعمل بالتنسيق كما هي الحال في الدويلعة. كذلك، فإن الضوء الأخضر الحكومي، غير المعلن ولا المكتوب، بضرورة أن يحتفل المسيحيون بأكثر صخب ممكن، لا يخفى بدوره. فالجهد الكبير المبذول في «طمأنة» القلقين، يتجاوز دمشق وأحياءها إلى حلب وما بينهما من بلدات مسيحية بدأت تشهد عودة أهلها تدريجياً ومعهم طقوسهم الميلادية وصورهم وفيديوهاتهم التي انتشرت على «السوشيال ميديا».

أقليات ضمن أقليات

قد يوحي ذلك المشهد العام لبرهة بأن للمسيحيين في سوريا حصةً أكبر من حجمهم الديمغرافي في قطاعات السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو أي حيز عام، وهم كانوا حتى مطلع 2011 يقاربون 10 في المائة من السكان، حسب المعلن رسمياً. لكنهم عملياً وبمختلف مذاهبهم ومشاربهم (وهم يقاربون 11 طائفة) ممثلون بوزارة واحدة للشؤون الاجتماعية تحتل فيها الوزيرة هند قبوات مقعد المرأة ومقعد الطائفة معاً، مثلما منح الدروز وزيراً للزراعة هو ابن السويداء أمجد بدر.

شجرة ميلاد وبابا نويل في بلدة القنيّة في إدلب (أ.ف.ب)

وفي وقت تتسابق فيه مكونات المجتمع السوري من «الأقليات الأكبر» على نفض خطاب «الأمة العربية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة» الذي كان يرفعه حزب «البعث» شعاراً، وحجز مواقع في التركيبة الجديدة تعكس واقعهم على الأرض، يبدو الإحجام والترفع عن المطالبة بحصة وازنة من الدولة ومؤسساتها هو مآل «الأقليات الأصغر». فحتى وظيفة الشرطي في حي فقير كالدويلعة لا تبدو مغرية كفاية، وكأن جُلّ المطالب يتحقق في شجرة عيد وبعض الزينة الموسمية ومشاركة ضمن حدود الحارة، وهم إذ ذاك يرسخون كونهم استثناءً نادراً و«أقلية نموذجية».


تسونامي الذكاء الاصطناعي يجرف ملايين إلى البطالة

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
TT

تسونامي الذكاء الاصطناعي يجرف ملايين إلى البطالة

«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)
«الذكاء الاصطناعي في العالم المادي» على شاشة أمام مشاركين بمؤتمر لعرض التطورات في تكنولوجيا القيادة الذاتية بكاليفورنيا في 11 ديسمبر 2025 (رويترز)

لم يكن عام 2025 سعيداً على اللبنانية حامدة الشاكر، وهي مدققة ومحررة لغوية، إذ انتهت مسيرتها المهنية قبل أن ينتهي العام. الشاكر، التي لامس عمرها الستين، لم يسبق لها تجربة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التحدث مع «تشات جي بي تي»، كما يفعل الكثيرون، ولم تدرك أن هذه الأدوات التي غزت أجهزة الجوال والكمبيوتر باتت تؤدي عملها بسرعة وكفاءة مذهلتين.

لقد شكّل هذا التحول في المهن «تسونامي» جرفها مع ملايين الموظفين حول العالم نحو البطالة، في ظاهرة لا تستثني أحداً وتضرب قطاعات متعددة. لكن تأثيرها يكون أشد على الموظفين الذين تجاوزوا سن الخمسين، ولم يواكبوا سرعة التغيير التكنولوجي. فوفقاً لموقع «allaboutai»، تسبب اعتماد الذكاء الاصطناعي حتى الآن في فقدان نحو 14 مليون موظف لأعمالهم حول العالم، و«الحبل على الجرار»؛ إذ هناك توقعات بزوال 92 مليون وظيفة في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة.

في جوهره، الذكاء الاصطناعي هو قدرة الأنظمة الحاسوبية على محاكاة التفكير البشري، واتخاذ القرارات، وتنفيذ المهام المعقدة، بدءاً من التخطيط وصولاً إلى التطبيق العملي، بخاصة في المجالات النظرية والتحريرية.

صدمة ومستقبل غامض

هذا الواقع لم تكن الشاكر على علم به، ما تسبب لها بصدمة تلتها صدمة أخرى خلال 2025 الذي شهد أوسع انتشار لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. كانت الصدمة الأولى حين تلقت اتصالاً من قسم الموارد البشرية يخبرها بتخفيض راتبها بنسبة 50 في المائة بسبب «صعوبات مالية تواجهها الشركة». وبعد أقل من خمسة أشهر، جاءتها الثانية عبر اتصال آخر يبلغها بقرار الاستغناء عنها، من دون أن تفهم السبب.

لكن وفق رواية الشاكر، نقلاً عن مسؤول قسمها، لم تكن وحيدة في ذلك؛ إذ فقد نصف الفريق وظائفهم نتيجة تأثير الذكاء الاصطناعي على عقود العملاء، أي الشركات التي راحت تستعين بالذكاء الاصطناعي لصياغة أخبارها وبياناتها وتقاريرها، مجاناً أو مقابل اشتراك شهري زهيد، مقارنة بالمبالغ التي كانت تتكبدها للتعاقد مع وكالات متخصصة في مجال العلاقات العامة والدعاية.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات اقتصادية، نشرتها «رويترز»، إلى أن الاشتراك السنوي في أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة – حتى على مستوى المؤسسات – لا يتجاوز في كثير من الحالات تكلفة راتب موظف واحد لشهور محدودة. وهذا يجعل القرار، من منظور إداري بحت، خياراً «موفراً» وسهل التبرير مالياً.

وهكذا، تصبح الشاكر وزملاؤها رقماً إضافياً في معادلة باردة: شركات تزيد أرباحها وتخفض تكلفة الإنتاج، مقابل اتساع رقعة العاملين الذين يُدفعون خارج السوق، ليس لأنهم أقل كفاءة، بل لأن الخوارزميات باتت أقل كلفة من البشر.

القطاعات الأكثر تأثراً

قصة الشاكر وزملائها ليست حالات فردية؛ بل هي جزء من ظاهرة عالمية متنامية، شملت موظفين وعمالاً في قطاعات متعددة. وتشير تقارير متخصصة إلى أن الوظائف القائمة على المهام الروتينية أو المعالجة المتكررة للبيانات هي الأكثر عرضة للاستبدال، وذلك مع التوسع في استخدام أدوات الأتمتة والذكاء الاصطناعي التوليدي. وهنا نظرة على أبرز تلك القطاعات:

خدمات الزبائن ومراكز الاتصالات: تُعد في مقدمة القطاعات المهددة. فأنظمة المحادثة الذكية وتحليل النصوص والصوت باتت قادرة على التعامل مع استفسارات المستخدمين بكفاءة عالية، وفقاً لموقع TechRT.

البيانات والدعم الإداري: يبرز هذا القطاع بين الأكثر تأثراً. فمهام مثل إدخال البيانات وتصنيف الملفات وأعمال السكرتارية تُستبدل بأدوات أتمتة متقدمة، حسب منصة Complete AI Training.

التجزئة وسلاسل التوريد: تُظهر تقارير Pleeq Software وninjatech.blog أن الدفع الذاتي، والمستودعات الذكية، وأتمتة المخزون، أسهمت في تقليل الحاجة إلى موظفي الصندوق (الكاشير) والعمال التقليديين في المخازن.

الصناعة والإنتاج: عزّز انتشار الروبوتات الاصطناعية وتقنيات التحكم الآلي من تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف العمالة اليدوية، حسب موقع All About AI.

المحاسبة والعمليات المالية: وظائفها البسيطة تسجل تراجعاً في الطلب، وذلك نتيجة اعتماد الشركات على برمجيات مالية ذكية قادرة على تنفيذ مهام مسك الدفاتر (bookkeeping) والعمليات الروتينية، حسب Complete AI Training.

صناعة المحتوى والإعلام: لم تكن هذه الصناعة بمنأى عن التحولات؛ إذ بات الذكاء الاصطناعي قادراً على كتابة المحتوى وتلخيصه وإعادة صياغته، مما يهدد عدداً من المهام الكتابية البسيطة.

ولا يدري كثير من الموظفين الذين فقدوا أعمالهم أنهم ضحايا «الثورة الصناعية الرابعة»، التي كان كلاوس شواب، مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ومديره حينها، نبّه إلى نتائجها قبل حدوثها بقوله، أمام «القمة العالمية للحكومات» في دبي عام 2016، إن «العالم يقف على حافة ثورة تكنولوجية من شأنها أن تحدث تغييراً جذرياً في أنماط الحياة التي نعيشها والعمل الذي نؤديه والطريقة التي نتعامل بها بعضنا مع بعض. وبسبب عظم حجم هذه الثورة ونطاقها وتعقيداتها، فإن التغييرات التي سترافقها لم ترَ البشرية مثيلاً لها من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف ستكون تلك التغييرات، لكن شيئاً واحداً واضحاً لنا الآن: يجب أن يكون تجاوبنا نحن (مهما كنا في القطاع الخاص والعام والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني) معها متكاملاً وشاملاً».

متطلبات السوق والمهارات البشرية

وما توقعه شواب تحقق بشكل كبير، خصوصاً في الأشهر الأخيرة، مع تزايد تبني الشركات حول العالم لأدوات الذكاء الاصطناعي، ولم تعد الخبرة وحدها كافية للبقاء ضمن سوق العمل التنافسي. الوظائف التقليدية تتغير بسرعة، والمهارات البشرية المطلوبة أصبحت أكثر تخصصاً وتعقيداً؛ إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على الأداء الفردي، بل على القدرة على التعاون مع الأنظمة الذكية وتحويل المعلومات إلى قيمة مضافة.

في هذا السياق، يبرز دور الخبراء المهنيين الذين يفهمون كيفية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي دون التضحية بجودة النتائج أو العمق التحليلي، وفق ما يوضحه مزيد حجاز، رئيس تحرير وكالة «نحو الحوار للدعاية والإعلان» في الرياض.

ويؤكد حجاز لـ«الشرق الأوسط» أن «الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من العمل اليومي من ناحية السرعة والكمية، بينما تبقى المراجعة والتحرير والتحليل مرتبطة بالكامل بالإنسان لضمان الجودة».

ويضيف حجاز أن «القطاع يحتاج اليوم إلى مهارات جديدة، ومن يتخلف عنها يكن خارج السرب. أبرزها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحليل، وقراءة البيانات، والتحليل التنبؤي، وتحويل المعلومات إلى سردية مشوّقة. الدمج بين مهارات الإنسان وأدوات الذكاء الاصطناعي هو ما يضمن التفوق».

من جانبه، يشدد فراس بركات، خبير الاتصالات الاستراتيجية في السعودية، على أن الذكاء الاصطناعي «يمثل نقطة تحول محورية في أسواق العمل، تعزز الكفاءة وتعيد تشكيل طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة».

ويقول بركات لـ«الشرق الأوسط»: «لا شك أنه تسبب في فقدان وظائف تقليدية كالمهام الروتينية، لكنه، في المقابل، محرك ضخم لتوليد فرص عمل جديدة في مجالات متقدمة مثل تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية، وهندسة الحلول الرقمية، ووظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة».

تكرار التاريخ

إلا أن حسن يحيى، الخبير التكنولوجي المقيم في الولايات المتحدة، يقدم رأياً مستنداً إلى التاريخ، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليست المرة الأولى التي يقف فيها العالم مذهولاً أمام التطورات التقنية. يتكرر الخطاب نفسه حول فقدان الوظائف مع كل ابتكار ضخم»، لافتاً إلى أنه في عام 1959، عندما أدخلت «جنرال موتورز» الروبوت الاصطناعي «يونيمايت»، برزت موجة كبيرة تحذر من خطورته على الوظائف.

ويشير يحيى إلى أن «الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على ملايين الوظائف، وهناك توقعات للمنتدى الاقتصادي العالمي بزوال 92 مليون وظيفة خلال السنوات الخمس المقبلة. لكن في المقابل، سيولد أكثر من 170 مليون وظيفة جديدة، ما يعني تحولاً جذرياً في بنية العمل، لا بطالة جماعية».

ومن هنا، يقول يحيى: «من المنطق أن فقدان الوظائف من دون تعويضها لا يخدم الشركات ولا الاقتصادات، ما يجعل توليد وظائف جديدة أمراً حتمياً. لكن ذلك يتطلب تعلم كيفية العمل مع الذكاء الاصطناعي؛ لأن تجاهل هذا التحول قد يترك كثيرين خارج سوق العمل المتغير».

توفير التكلفة وتعظيم الأرباح

ما يتعرّض له الموظفون لا يمكن فصله عن معادلة اقتصادية باتت تتكرر في آلاف الشركات حول العالم. فبدلاً من الاحتفاظ بموظفين ذوي خبرة، وما يصاحب ذلك من رواتب وتأمينات وحقوق نهاية خدمة، تتجه مؤسسات كثيرة إلى الاستغناء عن كوادرها لمصلحة الذكاء الاصطناعي.

وهذا ما يؤكده تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum)؛ إذ يفيد بأن 41 في المائة من الشركات العالمية تخطط لتقليص قواها العاملة بحلول عام 2030 نتيجة اعتمادها المتزايد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة.

وهنا يتحدث حجاز عن تأثير تبني الذكاء الاصطناعي على علاقة الشركات مع العملاء، فيقول إن «استخدام الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع العمل وتحسين جودته بشكل ملحوظ. انتقلنا من مرحلة سرعة الحصول على المعلومة إلى مرحلة (المعلومة في ومضة)، أي تحليلها وصياغتها لحظياً، مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقديم سيناريوهات متعددة للمحتوى، وتحليل اتجاهات الجمهور». ويستشهد بدراسة لـDeloitte تفيد بأن دمج الذكاء الاصطناعي في العلاقات العامة أدى إلى خفض زمن إنتاج المحتوى بنسبة 25-35 في المائة وتحسين دقته.

سوق بمليارات الدولارات

وهنا تتوزع المكاسب على جهتين، رجال الأعمال وشركاتهم وكذلك الشركات المنتجة للذكاء الاصطناعي التي تحقق عائدات مالية ضخمة، تتناقض مع واقع آلاف الموظفين. ففي منتصف عام 2025، حسب تقرير لـ«رويترز»، وصلت الإيرادات السنوية لشركة OpenAI، المطوّرة لنموذج ChatGPT، إلى نحو 10 مليارات دولار بنهاية النصف الأول من العام، متجهة نحو هدف يتجاوز 12.7 مليار دولار بحلول نهاية العام، مدفوعة بالطلب المتسارع على خدماتها وبرمجياتها الذكية.

ولا يقتصر هذا النمو المالي على OpenAI وحدها؛ إذ أظهر تقرير لـ«فوربس» أن شركات تقنية عالمية أخرى تمتلك وحدات ذكاء اصطناعي تُسهم في رفع إيراداتها السنوية بمليارات الدولارات، ما جعل الذكاء الاصطناعي أحد أهم مصادر الربح للشركات الكبرى في قطاع التكنولوجيا، حتى عندما يستغني بعضها عن موظفين بهدف تحسين كفاءة التكلفة التشغيلية.

اللاعبون الرئيسيون

وبناء على ما تقدم، يطرح سؤال جوهري هو: من هم اللاعبون الرئيسيون في هذا المجال؟ ويجيب الذكاء الاصطناعي نفسه بالتالي: شركة OpenAI، الأشهر عالمياً بفضل ChatGPT، رائدة في النماذج اللغوية الضخمة، ولديها شراكة استراتيجية مع Microsoft.

تليها Google DeepMind، التي طورت نماذج قوية مثل Gemini وAlphaGo، وتعد رائدة في الذكاء الاصطناعي العلمي والطب والبحث.

وMicrosoft نفسها أصبحت قوة عالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، مستثمرة مليارات الدولارات في OpenAI، ودمجت تقنيات الذكاء الاصطناعي في Windows وOffice (Copilot) وAzure AI.

في المقابل، تعمل NVIDIA على تطوير الرقاقات والمعالجات الأساسية للذكاء الاصطناعي، بينما تقدم Meta (Facebook) نماذج مفتوحة مثل LLaMA. وكذلك تعد Amazon (AWS) رائدة في الذكاء الاصطناعي السحابي، فيما تبرز Anthropic كمنافس قوي في مجال نماذج اللغة.

أما بالنسبة إلى حجم سوق الذكاء الاصطناعي فتفيد تقديرات حديثة بأنه بلغ في عام 2025 نحو 747.9 مليار دولار، مع توقعات بنموه ليصل إلى 2.74 تريليون دولار بحلول عام 2032، وفق موقع AffMaven.

القلق من التداعيات

هذا التباين الصارخ بين عائدات بمليارات الدولارات تحققها شركات الذكاء الاصطناعي، والخطر المتصاعد الذي يهدد ملايين الموظفين الذين يجدون أنفسهم بلا عمل أو في وظائف هشّة، يطرح سؤالاً أخلاقياً واقتصادياً مركزياً: لماذا تستفيد الشركات من التكنولوجيا لتقليل التكلفة الإنتاجية وتعظيم أرباحها، بينما تظل مسؤوليتها الاجتماعية تجاه الموظفين المستغنى عنهم غائبة أو مؤجلة في كثير من الأحيان؟

فهذا التوفير، كما يحذر خبراء اقتصاد، يتم غالباً دون تحمل الشركات لمسؤولياتها الاجتماعية، ولا يُقابل بإعادة تأهيل حقيقية للموظفين المسرّحين، ولا بتوليد فرص بديلة لهم، مما يسهم في تعميق أزمة البطالة عالمياً بدلاً من معالجتها.

إسلام الشافعي، الخبير الاقتصادي المقيم في نيويورك، يستهل حديثه لـ«الشرق الأوسط» بالإشارة إلى تصريح أدلى به رئيس الاحتياطي الفيدرالي (الأميركي) جيروم باول، في 20 ديسمبر (كانون الأول) وتضمن تحذيراً من «موجة الاستغناء عن الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي، أو توقف شركات عن الإعلان عن وظائف للسبب نفسه».

مخاوف من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد للإنسان (أ.ب)

ثم يقدم الشافعي رأياً مغايراً، لكنه يحمل تحذيرات عميقة. ويقول: «حتى هذه اللحظة، الرعب من الذكاء الاصطناعي هو رعب وقائي أو مسبق؛ إذ لم يبلغ مرحلة يحل بها محل الإنسان تماماً. ما هو حاصل الآن هو استعانة به، لكن لا يمكن الثقة به بشكل كامل». ويضيف: «صحيح أنه قد يؤدي إلى انخفاض عدد العمال، حيث يمكن لعمل كان يتطلب 5 موظفين أن ينجزه موظف واحد مع الذكاء الاصطناعي. هذا هو الخطر الحقيقي»، مشيراً إلى أن منظمة العمل الدولية لديها تحفظات كبيرة بشأن السلامة وقدرة الآلة على اتخاذ القرار. ومع ذلك، هناك أعمال لم يهددها الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، مثل الحرف اليدوية (السباك، الكهربائي، النجار، الخياط)، وستبقى لفترة طويلة تعتمد على القدرة البشرية والإبداع البشري».

كسر الاحتكارات

وفي هذا السياق يركز يحيى على كسر ثلاثة احتكارات رئيسية لمواجهة هذه التحولات:

احتكار الشهادات الجامعية في التوظيف: شركات كبرى مثل «غوغل» و«ديل» أسقطت شرط الشهادات الجامعية، لتركز على المهارات المكتسبة.

الاحتكار التقني: الذكاء الاصطناعي منح الأفراد قدرة أكبر على تنفيذ الأفكار من دون الحاجة إلى فرق كبيرة.

الاحتكار اللغوي: للمرة الأولى، أصبحت التكنولوجيا غير مرتبطة بلغة واحدة، ما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع الذكاء الاصطناعي بلغته الأم، ويفتح المجال لملايين الأشخاص للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

والاقتصاد الرقمي استمد من الثورة الرقمية التي غدت جزءاً رئيسياً من الاقتصاد العالمي، وتُظهر البيانات حجماً هائلاً يعكس تأثير التكنولوجيا والتحوّل الرقمي على الإنتاج والنمو؛ إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم الاقتصاد الرقمي العالمي في عام 2025 نحو 24 تريليون دولار، ما يعادل نحو 21 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، مع استمرار النمو بوتيرة أسرع من الاقتصاد التقليدي.

اضمحلال الرأسمالية

أما الشافعي فيذهب بعيداً في تحليله، بخاصة خلال حديثه عن الجوانب القانونية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية والدول المتقدمة التي تعتمد في مداخيلها على الضرائب التي تحصّل بمعظمها من الموظفين، ويقول: في حال فقدان الموظفين لوظائفهم مقابل الذكاء الاصطناعي الذي يعد أصحاب الأعمال المستفيد الأكبر منه، لن يبقى هناك وعاء ضريبي كافٍ للحكومات لتمويل خدماتها، مما قد يؤدي إلى انهيار هذه المجتمعات بسبب الفقر العام. في المقابل، قد تكون الدول التي تعتمد على نموذج التكافل والتعاون، حيث تكون الدولة هي المنتج، أكثر قدرة على مواجهة هذا التحدي.

ويشير الشافعي إلى أن «رجال الأعمال الذين كانوا يبنون مصانعهم في شرق آسيا للاستفادة من رخص الأيدي العاملة، قد يعودون إلى أوطانهم ليعتمدوا على الروبوتات في إنتاج سلعهم».

قلق أممي

ولما كانت مسألة خسارة الوظائف تأخذ بعداً عالمياً، فإنها بدأت تلقى صدى داخل أروقة الأمم المتحدة، وبخاصة في مقرها الرئيسي في نيويورك.

وهذا ما يؤكده الشافعي، الذي يمارس عمله من ذاك المقر الأممي، ويقول: «إن هناك قلقاً شديداً في الأمم المتحدة تجاه ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن يؤخذ عليها أنها أصيبت بمرض التغاضي والحالة النفسية التي تصيب المضاربين عندما تكون هناك فقاعة اقتصادية، وهو محاولة النظر إلى المكاسب والتغاضي عن حجم الخسائر».

ويلفت إلى أن النقاش في الأمم المتحدة يدور حول أحد جانبي الذكاء الاصطناعي، أي الإيجابيات، إذ يسرع 80 في المائة من أهداف التنمية المستدامة (التي اعتمدتها الأمم المتحدة)، ويدعم 27 في المائة من مجالاتها، ويساعد في الأمن السيبراني. لكن الجانب الآخر، أي السلبيات، فإنهم لم ينظروا إليها بشكل واسع بعد، مثل الهاكرز (المخترقين) الذين قد يستغلون الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تغزو الكوكب.

ويؤكد الشافعي أن «المجتمع أصبح الآن مصاباً بمرض التعامي نتيجة هذه الفقاعة التكنولوجية، ويبحث عن المبررات، ويتغاضى عن السلبيات». وينبغي أن تكون هناك قوانين تنظم هذه البيئة؛ إذ أظهرت دراسات الأمم المتحدة أن 85 في المائة من الدول تفتقر إلى البيئة القانونية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي. لكن بعض الأصوات، وفي مقدمتها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تحذر بقوة من ترْك مستقبل البشرية للخوارزميات. وسبق له أن حذر في مجلس الأمن وغيره، من عسكرة الذكاء الاصطناعي. والسؤال هنا: إذا لم يكن الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، فهل كانت ستدعمه الدول؟ هناك مخاوف من أن يتحول إلى سباق وقيود أمنية جديدة تفرضها الحكومات على مواطنيها، بحيث يكون هو الرقيب وأن يتحول إلى آلة لعذاب المواطنين. يختتم الشافعي بأن أكثر المجالات التي ينطلق فيها الذكاء الاصطناعي هي المجالات العسكرية والأمنية وتقنيات التعرف على الوجه والتتبع، محذراً من احتمال تحول هذه الآلات إلى متخذة قرار بدلاً من أن تكون مجرد مساعد، وربما تقضي على الحياة على سطح الأرض.

تهديد أم فرصة؟

ومن هنا، فإن المخاوف من الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند حدود فقدان الوظائف أو إعادة تشكيل سوق العمل، بل تمتد إلى مستويات أكثر خطورة تمسّ جوهر الأمن الإنساني ذاته والشفافية، وبخاصة في مجال المعلومات.

وهنا يؤكد حجاز أن «الذكاء الاصطناعي يفرض مسؤولية أكبر لضمان الدقة والشفافية. نعتمد منهجاً واضحاً يشمل جودة المعلومات وموثوقيتها، والشفافية في الاستخدام، ونلتزم بالإفصاح عن دوره في عملياتنا».

لكن هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ يجيب حجاز: «رغم أن هذا السؤال بات هاجساً، فإن التجارب الحديثة تؤكد أن الذكاء الاصطناعي تطور حتمي يجب استثماره. فكما واجه العالم تحفظات مشابهة عند ظهور الحاسوب ثم الإنترنت، يتكرر المشهد اليوم، لكنه سرعان ما يتحول إلى عنصر تمكين بدل التهديد».

ويلفت إلى أن كثيراً من الدول، بينها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، أصبح التكيف مع الحداثة جزءاً من الثقافة المهنية فيها. لكن من المهم الإشارة إلى أن 90 في المائة من العاملين في القطاع عالمياً، وفق دراسة من Cornell ArXiv، يرون أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على موثوقية المعلومات ويزيد الحاجة للتحقق. كما يتوقع 59 في المائة من الجمهور الأميركي انخفاض عدد الصحافيين. في المقابل، تؤكد Muck Rack أن 75 في المائة من محترفي الإعلام والعلاقات العامة يستخدمون الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين الإنتاجية وتحليل البيانات وتطوير المحتوى، «ما يعني أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهنة، لا استبدالها»، طبقاً لحجاز.

القيمة الإنسانية

ويؤكد أن «الإبداع هو القيمة الإنسانية التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استبدالها تحت أي ظرف. في (حوار)، نحرص على تحفيز المبادرات الفردية وتشجيع الشغف المهني، وهذا يتسق مع (رؤية السعودية 2030) التي وضعت الإنسان في قلب عملية التحول». ويضيف أن التقنية تعزز الإبداع ولا تلغيه، والإنسان يظل مصدر القيمة الأساسية.

ليس بديلاً

والإبداع البشري لا يزال ضرورياً، حى الآن، وفق ما يؤكده أستاذ الترجمة الدكتور محمد خير ندمان لـ«الشرق الأوسط». ويتحدث عن تجربته قائلاً: «من تجربتي في مجال الترجمة والكتابة أستطيع القول إن أدوات الذكاء الصناعي أصبحت توفر حوالي ٦٠%؜ من الوقت على الأقل، وهي تدعم عمل المترجم والكاتب وتعززه، لكنها -حتى الآن- ليست بديلاً عن العنصر البشري بشكل كامل». ويضيف: «أحياناً يرتكب الذكاء الصناعي أخطاء (قاتلة)، ومهمة العنصر البشري أن يدقق ما ينتجه الذكاء الصناعي ويصحح ما يرتكبه من أخطاء. حتى عند البحث عن معلومات، يعطي الذكاء الصناعي أحياناً معلومات خاطئة تماماً. ويشير ندمان، وهو سوري، إلى أنه سأل الذكاء الصناعي مرة عن نفسه فـ"جعلني كاتباً وشاعراً تركياً!!!».

من جهته، يقول بركات، إن «مستقبل سوق العمل لن يُقاس بعدد الوظائف التي تختفي، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على تطوير المهارات وتبني ثقافة التعلم المستمر. التحدي الأكبر يتمثل في مواكبة التحولات السريعة من خلال الاستثمار في التعليم، وإعادة التأهيل المهني، وتمكين الشباب من المهارات الرقمية».

الخبز والخباز

لكن الدكتور م. عبدالهادي، رئيس قسم علم الأمراض (Pathology) في أحد مستشفيات الولايات المتحدة، يرى أن «تسونامي» الذكاء الاصطناعي «لن يستمر طويلاً إذا وُضعت لوائح تنظيمية مناسبة له». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس كل من يقرأ معلومات طبية عبر الإنترنت أو يجمعها باستخدام الذكاء الاصطناعي يصبح طبيباً، ولا كل من ينقل أخباراً يصبح صحافياً، ولا كل من يقرأ عن محرك سيارة يصبح ميكانيكياً. على سبيل المثال، حتى لو جمعت معلومات واسعة حول القانون بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فلن تُقبل في المحكمة كمحامٍ»، مشيراً إلى الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الأشخاص على طرح الأسئلة الصحيحة لمتخصصيهم، وجعل الإجراءات أكثر فعالية، مع تعزيز مصداقية الخبراء وتقليل فرص الاحتيال أو التدخل غير المهني.

ويستعين الدكتور عبدالهادي بالمثل القائل «أعطِ خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه»، ليؤكد أن «الخبرة الحقيقية يجب أن تبقى في يد المختصين، فالتدريب المهني والتراخيص لا يمكن ولا ينبغي منحها للهواة، حتى لو كانوا مثقفين ومطلعين بفضل الذكاء الاصطناعي». ويختتم قائلاً: «نصف المعلومة قد يضر أكثر مما ينفع عند التطبيق، والأدلة الحقيقية تظهر في النتائج».

محاولة أخيرة؟

حامدة الشاكر لا تعد نفسها من الشباب، وهي تعيش في بلد (لبنان) يعاني من أزمة مالية كبرى ولا تقاعد فيه للعاملين في القطاع الخاص، وكانت تظن أن وظيفتها في شركة لها بُعد إقليمي تشكل لها ضمانة طويلة الأمد، لكن جاء من يهدد لقمة عيشها من حيث لا تحتسب.

وبعد فقدانها عملها، حاولت اللحاق بالركب المتسارع. أنشأت حساباً على «لينكدإن» وسجلت في منصات توظيف، وبخاصة الخليجية مثل «بيت.كوم»، وتتابع دورات مجانية على الإنترنت لتعلم أساسيات الذكاء الاصطناعي في الكتابة والتحرير، وأرسلت عشرات النسخ من سيرتها الذاتية. لكن الردود كانت قليلة، وغالباً آلية. وتوضح أن «الإعلانات تطلب مهارات لم تكن مطلوبة عندما بدأت مسيرتي. يريدون شخصاً يكتب، ويحلل بيانات، ويدير أدوات ذكاء اصطناعي، ومختص في حسابات (السوشيال ميديا)، ويعمل بثلاثة أضعاف السرعة».

قصتها تعكس معضلة جيل كامل وجد نفسه خارج السوق، لا بسبب ضعف الكفاءة، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت فجأة. وتختم بمزيج من السخرية والحسرة قائلة: «قبل نحو مائتي عام عندما جاءت الثورة الصناعية وحلت الآلة وخط الإنتاج محل الحرفيين، صدر النداء الشهير: يا عمال العالم اتحدوا... فهل يأتي الآن من ينادي: يا موظفي العالم اتحدوا؟».