أحمد مجدي همام ينصب «شَركًا» سرديًا لاصطياد الشخوص

في مجموعته القصصية «الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

أحمد مجدي همام ينصب «شَركًا» سرديًا لاصطياد الشخوص

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

باستعارة من «جون كوين» عن كيف تكتب رواية في مائة يوم، وومضات من أجواء «بورخيس»، يمهد القاص الشاب أحمد مجدي همام لفضائه الفني في مجموعته القصصية «الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة»، الصادرة حديثا عن دار «روافد» بالقاهرة، واصفا ما يكتبه بالتمارين على الكتابة، وهي حيلة ماكرة، أراد من خلالها أن يمنح نصوصه حرية أوسع على مستوى البوح والتجريب وتقمص سير الآخرين والحكي من وراء أقنعتهم، والنبش في حياتهم ومصائرهم من خلال مرآة الذات الساردة، أيضا توفر هذه الحيلة للغة القص أن تجري على سننها وعبلها الواقعي، متخففة من ثقل الرتوش والمجازات الفنية المراوغة التي تثقل المخيلة، وتعطل طاقتها على تفجير المعنى والدلالة من داخل نسيج القص نفسه، وهو ما تحقق في أغلب قصص المجموعة، حيث تطالعنا لغة ساخنة، عارية، تعي ثقل خفتها، محولة فعل القص إلى شرك، لاصطياد اللحظة والمشهد والواقعة، سواء في غبارها اليومي، وظلالها المتشعبة ما بين الماضي والحاضر والغد.
وما بين تمرين وآخر، وبتنويعات لغوية وفنية لافتة، يجدد الكاتب غواية شركه القصصي، لكنه يحافظ دائما على سقف من الفاتنازيا والسخرية والتهكم والمفارفة واللعب مع الذات والآخر، في مساحات تظل على اتساعها ضيقة وحرجة وخطرة أحيانا، لكنها في كل الأحوال تتمتع بقدر عال من الإثارة والطزاجة والحميمية، فنيا وإنسانيا، في الوقت نفسه.
يدفع الكاتب شخوصه إلى الحافة دائما، ليسقطوا بإرادتهم في الشرك (شرك القص)، حتى إنهم في أحيان كثيرة تنطلي عليهم حيل اللعبة القصصية، فيتقمصون الدور ببراءة شديدة، وكأنه مرآة لما بداخلهم، أو الزمن الهارب من ضغوط زمنهم الواقعي اللاهث، وهو ما يحدث في قصة «الحادثة النارشوجية»، حيث يوقع السارد، صديقه بطل القصة في مأزق إنساني خطر، محولا حبه لهواية المراسلة إلى شرك، بعد أن سرب له - عبر مقلب مدبر - رسالة مصطنعة من فتاة متوهمة من بلد مجهولة، تعبر فيها عن شغفها به، وحرصها على أن تكون صديقته المحبة.
يرد البطل على الرسالة المدعاة برسالة أخرى أكثر توهجا وشغفا، لكنه يواجه كثيرا من المفارقات المضنية؛ بداية من موظف البريد الذي يسخر منه والبلدة المتوهمة التي يريد أن يرسل إليها الرسالة، مصرا على أن صديقته تقطن بها، ثم تحاصره كنيته الجديدة التي شاعت على أفواه الناس في الشارع وفي المدرسة: «أيمن النارشوجي». الطريف أن البطل يتوحد بهذه الشخصية/ الوهم، ويناجيها كأنها موجودة بالفعل، حتى بعد اعتراف صديقه له بحقيقة الأمر، وهو ما يوقعه في كثير من المفارقات التي أثرت على مجرى حياته، كان أكثرها إيلامًا دخوله مصحًا للأمراض العقلية والنفسية.
في هذا الفضاء المحموم بالفانتازيا لا يخجل الراوي، وفي قصة بالعنوان نفسه، من أن يصف نفسه بأنه «حرامي ولاعات»، بل يتباهى بذلك، متقبلا مصائر فعلته وما ينجم عنها من مفارقات وورطات إنسانية. وبروح محارب مهزوم، يسلم سيفه طواعية للفائز، الذي يتصادف أنه أحد مدمني هذه السرقة أيضا، حين يخاطبه قائلا بعد أن كشف لعبته البائع في السوبر ماركت: «هو أنتَ.. ثم ضحك، حاولت أن أقول شيئا، فتلعثمت. مد يده، فوضعت الولاعة في كفه صاغرا، واستدرت لأغادر. استوقفني. طلب مني ألا أبالي، وقال لي إنه أيضا حرامي ولاعات، وإن هذه الولاعة بالذات مسروقة».
هذه الجرأة في احتواء المهمش والمسكوت عنه، وكسر الحواجز والعقد السميكة، على مستوى زمن القص واللغة والنبش فيما وراء الأشياء والعناصر، وخلخلة إيقاع الحياة الرتيب، لا تمنح مشهد القص طزاجة أو إثارة عابرة فحسب؛ وإنما تساهم فنيا في تضييق المسافة بين الضمائر الساردة والمسرود عنها، مما يجعل فعل القص نفسه بمثابة لحظة انفلات أو انفجار مباغت لطاقات وحيوات مكبوتة في الداخل، تمارس حريتها بتلقائية شديدة على مسطح الورقة في الخارج، وكأن فعل القص نفسه فعل انعتاق وتحرر من أوهام الذات والماضي والحاضر.
بهذه الطاقة يستعرض الكاتب نماذج من حياة أصدقائه ووالده، ويعري مساحات المهمش والمخفي في طواياها، فتبدو كشريط سينمائي متقطع، يختلط فيه الجد بالهزل.. لحظات الفرح وحيوية الروح والشباب، بلحظات المرض والشيخوخة والوحدة والانكسار. وأيضا لا يخجل من أن يدس في قصته التي يستهل بها المجموعة «كيف تثقب وجهك بقصيدة»، عبارات صادمة للقارئ على لسان بطلتها الناشطة الحقوقية، مثيرا من خلالها تساؤلات عن معنى الحياء نفسه، وهل هو مجرد صرعة للخروج عن المألوف، أم ضرورة فنية فرضها نسيج القص، ثم تبلغ ذروة هذه الجرأة في قصة «الأستاذة» حين تصبح مراوغة الخجل مجرد قشرة وقناع هش لحيوات مكبوتة، تكمن في ظلالها لذة هاربة من متاهة الجسد والروح، بين رجل وامرأة، تقودهما مصادفة الرغبة والحياة في صناعة مشهد خاطف، يظل أشبه بأيقونة استثنائية في هذه المتاهة.
وعلى هامش شرك القص، يوسع الكاتب أفق الحكاية، معنونا كل تمرين باسم شخص معين؛ ذكرا أو أنثى، أو رموزا لشخوص معينة؛ سياسيين وكتابا وشعراء وفنانين، وكأن شهوة الكتابة لا تتحقق إلا عبر وسيط، أيا كانت طبيعة وجوده وهويته، المهم، أن تتوافر فيه (الوسيط) نوازع للإثارة، صالحة لإثارة الدهشة والسؤال، حتى لو أسفرت محصلة التمرين في فضائهما عن اصطياد؛ نكتة أو قفشة أو مفارقة إنسانية عابرة، أو رسم صورة كاريكاتورية لمشهد ما، أو قنص حالة ما من حالات الوجود الحرجة؛ الناقصة والمبتورة دائما، في مغامرة القص والواقع معا.
يدرك القاص ذلك، ويبدو مستمتعا بلعبته السردية، وينجح في إيهامنا بأنها لعبة غفل، ابنة المصادفة، مثلما في قصة «الشطحة الأرمنية»، فأجواؤها تتشكل عبر محضر في الشرطة عن فقد البطل هاتفه الجوال، ومقابلته بالصدفة بطلة القصة المرأة الأرمنية الستينية، التي تزيد المشهد غرابة بإصرارها على تحرير محضر لجيرانها بدعوى أنهم يصدرون لها طاقة سلبية، وينتهي المشهد إلى رصد لتاريخ الأرمن، وتحولات زمنهم، والمذبحة الشهيرة التي تعرضوا لها على يد الأتراك.
وتكشف قصة «الجنتلمان يفضل القضايا الخاسرة» التي وسمت عنوان المجموعة، وجه الفن الحقيقي، المفتوح بعفوية على براح الواقع والحلم، في مواجهة الفن المعلب المؤطر لخدمة مصالح وغايات آيديولوجية محددة، فـ«شيكو» البطل المغني سيئ الحظ يتجاوز بغيتاره الأعزل عتمة شقوق كوخه الذي هو عبارة عن سرداب متهالك بإحدى بنايات وسط البلد، ويتحول بموسيقاه وأغانيه البسيطة إلى أنشودة لحلم جماعي عن معنى الحب والحرية والأمل.
من الأشياء اللافتة في المجموعة رحابة المشهد وبساطته، كما أنه ينمو ويتصاعد بشكل طبيعي، في ظل حراسة من الذات الساردة، التي تشبه عين طفل يراقب من بعيد بحيادية تامة، وهو ما يطالعنا في قصة «الرجل الذي أطرى عليه زي وانج»؛ حيث يتحول مشهد بطلها «أحمد محرز» وهو يدلي بصوته في الانتخابات الرئاسية، إلى محاكمة شديدة السخرية للواقع سياسيا وثقافيا واجتماعيا، تجري في ثوب استطلاع سردي على لسان مجموعة متباينة من الشخوص، بينهم شعراء وكتاب وفنانون وناس عاديون وأقرباء للبطل نفسه. تكشف المحاكمة الافتراضية، كيف يختزل الوطن في صورة مصطنعة، ومشهد عابر، هو في حقيقته معتم، شديد الالتباس والتناقض، فالبطل المثقف البسيط، الناشط السياسي المستقل الذي لم يكتب سوى ديوان شعر وكتاب آخر به بعض المقالات، ولم يصنع أي بطولة تذكر، ووقف كأي مواطن كادح في طابور الانتخابات مشعلا الأجواء بشعارات مرتجلة لمرشحه الخاسر النبيل.. هذا البطل الذي يخوِّنه اليمين ويشك فيه اليسار، أصبح نجم الفضائيات، وانتهى به المطاف «سفيرا للنوايا الحسنة».
ورغم أن مساحات التجريب والشطح والتناص تتسع معاولها بحيوية في هذه المجموعة القصصية المهمة، فإن هناك ازديادا في بعض القصص أفقدها كثيرا من دهشة المغامرة، فمثلا لم نكن بحاجة إلى استعراض تاريخ الأرمن في قصة «السيدة الأرمنية»، خصوصا أنه لا يذهب أبعد من التوثيق التاريخي، كما لم نكن في حاجة إلى اتساع أفق السرد في قصة «نوفيلا لأبي»، خصوصا أن كثيرا منه يندرج في سياق العادي والمألوف، لكن رغم هذا، فإنه نحت أمام عالم قصصي طازج يفتح نافذة حية، خصوصا لفضفضة الروح والجسد معا.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.