داعية مصري في قلب مكافحة الإرهاب بلندن

الأنصاري لـ {الشرق الأوسط}: منهج الإسلام المعتدل أحد أهم مفاتيح محاربة التطرف في بريطانيا اليوم

د. صلاح الأنصاري («الشرق الأوسط»)
د. صلاح الأنصاري («الشرق الأوسط»)
TT

داعية مصري في قلب مكافحة الإرهاب بلندن

د. صلاح الأنصاري («الشرق الأوسط»)
د. صلاح الأنصاري («الشرق الأوسط»)

لطالما اتخذ الدكتور صلاح الأنصاري على عاتقه مسؤولية مقاومة الفكر المتطرف. وحرص الداعية المصري من خلال خطبه في مساجد بريطانيا، وعلى رأسها مسجد بالمرز غرين، ومن خلال عمله محاضرًا للدراسات الإسلامية في جامعة لندن، نشر هذا الخطاب التوفيقي الفتيل بين القيم الإسلامية والحضارة الغربية وتسليط الضوء على الوئام بينهما. وبعد مسيرة بدأت من قلب جامعة الأزهر بمصر، جرى ابتعاث الشيخ إلى بريطانيا من قبل وزارة الأوقاف المصرية. وثبت الدكتور الأنصاري قدميه أخيرًا في مؤسسة «كويليام» البريطانية لمكافحة التطرف ليصبح من محاربي الإرهاب والفكر البائس من الصفوف الأولى، إلا أن التهديدات المتكررة من بعض أفراد الجالية المسلمة أجبرت الأنصاري على التنازل عن منصبة كإمام والتركيز على عمله بالمؤسسة ككبير الباحثين في المواد الإسلامية المعاصرة.
«الشرق الأوسط» التقت الأنصاري في مقر مؤسسة «كويليام» لمكافحة التطرف بالعاصمة البريطانية وحول قراره للانضمام لها قال إنها «لفتت انتباهي منذ نشأتها بعد تفجيرات لندن في السابع من يوليو (تموز) 2005، وجذبتني بالدراسات الأكاديمية المتعلقة بأحوال المسلمين الخاصة بالتطرف والجماعات الإسلامية بصفة خاصة». وأضاف: «كان من بين الكتب الأوائل التي صدرت في ذلك الوقت هو كتابي مؤسسي كويليام ماجد نواز وإيد حسين: كتاب نواز (راديكال) تكلم عن التطرف، أما كتاب إيد حسين تكلم عن فكر الجماعات الإسلاموية». ومن ثم تم ترشيحه للعمل كباحث في مجال الدراسات الإسلامية ومكافحة التطرف وقبل الوظيفة.
ولكن فور إعلان الأنصاري الالتحاق بكويليام اشتعلت حملة شعواء في الإنترنت ومنابر التواصل الاجتماعي وانهمرت اتصالات هاتفية لمسجد بالمرز غرين، الذي يؤم به، تغلغلت فيها تهديدات. ووصلت إلى حد التكفير، بحسب الإمام السابق.
وقال موضحًا: «في نظر البعض أصبحت مرتدًا وبناء على تلك التهديدات التي قد تولد خطرًا علي وعلى عائلتي، قررت الانسحاب من هذا المشهد». ونوه الأنصاري بأن مؤسسي المسجد ومجلس الأمناء رحبوا بقرار انضمامه للمؤسسة، وطلبوا منه الاستمرار بوظيفته كإمام بالمسجد الذي يعتبر معتدلاً ويتبع المنهج الوسطي، إلا أن التهديدات من خارج إطار المؤسسين ومن قبل بعض مرتادي المسجد أجبروه على الانسحاب.
وعن عمله في مؤسسة مكافحة التطرف، قال الأنصاري إن دوره الأساسي سيكون كبير الباحثين في المواد الإسلامية المعاصرة والمشاركة في الندوات والحوارات البحثية داخل وخارج المملكة المتحدة والتواصل مع الإعلام والجمعيات الإسلامية. والجامعات والمدارس، إلى جانب التعاون مع السجون في بريطانيا بعض الأحيان. ومن خلال تعليمه الأزهري من بداية أيام الدراسة الإعدادية وحتى الدراسة الجامعية التي تلته رتبة الماجستير والدكتوراه في الدراسات الإسلامية والتخصص بمجال التوفيق بين الإسلام والحداثة في فكر الشيخ محمد أبو زهراء أحد أعلام ورواد التجديد في القرن العشرين، سيكون بمقدور الأنصاري الإضافة والإثراء لبحوث كويليام. وحول هذا، قال: «الخلفية الإسلامية والخبرة التي اكتسبتها في العمل مع المسلمين في خلال العشر سنوات في المركز الإسلامي البريطاني وفي مساجد أخرى في أماكن متفرقة بالمملكة المتحدة ستمكنني من تقديم نموذج يسهم في محاربة التطرف عن طريق العودة إلى أصول الفقه والاجتهاد، إلى جانب النظر للنصوص الجزئية في إطار القواعد الكلية ومقاصد الشريعة، وفي إطار السياق الاجتماعي الحضاري، وخصوصًا حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة، الذي هو أساس التجديد لأنه هو سياق تفسير الإسلام المعاصر». وأضاف شارحًا: «لا بد من إعادة النظر في هذه التفسيرات مرة، فبالتالي كثير من النصوص يحتاج المسلم إلى أن يعيد النظر فيها في إطار حقوق الإنسان والسياق الحضاري الحديث».
إلى ذلك، اعتبر الدكتور المصري أن منهج الإسلام المعتدل هو أحد أهم مفاتيح محاربة التطرف في بريطانيا اليوم وقال إن «جزءًا معقدًا من مشكلة التطرف هو الجانب الآيديولوجي وهي مشكلة فكرية بالأساس». ووفقا للأنصاري فإن «الخطاب المعتدل الذي ينطلق من منطلقات إسلامية بحتة سوف يساعد في محاربة التطرف، ولكن لا بد أن يعتمد على الأصول الشرعية وليس من خارجها».
ومن المقرر أن يوظف الأنصاري تلك المبادئ من خلال الأبحاث لتقديم أفكار تنقد وتهاجم الأفكار المتطرفة وتقدم خطابًا بديلاً وتبين الضعف والتناقض هذا الخطاب المتطرف. وأكد أنه سيواظب على التواصل مع أبناء الجالية المسلمة في الجامعات والمدارس. ومن الممكن أيضًا تنظيم مناظرات مع رموز أصحاب الخطاب المتطرف لفضح مخططهم وضعف منهجهم.
في سياق متصل، اتفق الأنصاري على أن بعض خطب المساجد في بريطانيا تميل لخطاب عدائي قد يؤول للتطرف. إذ قال: «بعض الخطب في بريطانيا وخصوصًا ما بين التيارات الإسلاموية لا يمكن وصفها بأنها تدعو إلى العنف مباشرة لكن من شأنها وفي فترة من الفترات أن تؤدي للعنف». وأضاف: «خطابها يدعو للانعزالية والشعور بالفخر واحتقار وأغلبها وعظي لا يمثل ولا يقدم أي معنى أو قيمة حضارية أو معنى ثقافي يتسق مع الحاضر الذي نعيشه». وعلل السبب بأن «الإمام نفسه عاجز عن تقديم حلول لأن تقديم الحلول يأتي عن طريق البحث والقراءة والتفاعل والاحتكاك وفرضية إعادة تفسير النصوص. أما إن ورث الإنسان تفاسير معينة لنصوص بعينها ويكررها فلا جدوى من ورائها».
وحول مقترح توحيد الخطب في مساجد البلاد للحد من هذه المشكلة قال إن «موضوع توحيد الخطب الدينية في إطار دولة علمانية حديثة كبريطانيا تقف على المسافة نفسها من كل الأديان يصعب تطبيقه على أرض الواقع». وأضاف: «ليس هنالك في بريطانيا وزارة أوقاف لتوحيد الخطاب وهنا يبات هذا الأمر صعبًا». ورأى الأنصاري أن الحل يكمن «بتقديم توعية وتدريب للأئمة في تطوير خطابهم الديني ليتواكب مع العصر الحديث، بعيدا عن البؤس والتطرف».
وعن مثاله الأعلى في الدعوة قال الأنصاري إنه «في الوقت الحالي برأيي الشيخ الشعراوي يقدم رسالة روحانية ممتازة ولكنني أختلف مع القرضاوي جملة وتفصيلا». وشرح بقوله إن «الخطاب الذي نرنو إليه لا يمثله طرف دعوي حاليًا، وجزئيا الشيخ محمد عبده أحد النماذج المجددة في بداية القرن التاسع عشر، ولكن أيضًا لا بد من نقله لتفسيراته. الأقرب لروحه هو الشيخ عبد الله بن بيه».
وأكد الأنصاري في حديثه أن توافد الشباب البريطانيين لسوريا والعراق للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي بات «مأساة نعايشها اليوم ومن أهم مسبباتها الخطاب البائس». ولمحاربة هذا الخطاب يخطط الداعية من خلال عمله مع كويليام أن يعيد تصحيح هذه الصورة الذهنية لمفهوم الدولة بالأخص.
واعتبر الأنصاري مقترح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الأخير للعائلات المسلمة حول مراقبة أبنائهم إذا ابدوا أية قابلية للانسياق للتطرف، وحتى التبليغ عنهم للسلطات، واجبًا أخلاقيًا على كل مسلم. وشرح بقوله: «التطرف مثل المرض هو عرض فكري مثله مثل الفيروس لا أعراض، ويمكن علاجه بالانتباه والتنبه لعلاماته». واستطرد: «لا يعني هذا التجسس على الأبناء، بل مساعدتهم لعدم الانزلاق في فخ التطرف الخطر لعيهم وعلى أسرتهم». وينهي كلامه بالاستشهاد بالآيات الكريمة: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين»، يعني أن الله يدعو الإنسان لاتخاذ موقف العدل ولو كان هذا الشخص هو الأقرب إليه ما دام يرتكب أعمال ظلم، وبهذا يجوز الوقوف ضده.



إصابة 7 شرطيين أوكرانيين بانفجار في ميكولايف

سيارات متوقفة في محطة وقود حيث أصيب سبعة من أفراد الشرطة بجروح إثر انفجار في ميكولايف أوكرانيا 23 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات متوقفة في محطة وقود حيث أصيب سبعة من أفراد الشرطة بجروح إثر انفجار في ميكولايف أوكرانيا 23 فبراير 2026 (رويترز)
TT

إصابة 7 شرطيين أوكرانيين بانفجار في ميكولايف

سيارات متوقفة في محطة وقود حيث أصيب سبعة من أفراد الشرطة بجروح إثر انفجار في ميكولايف أوكرانيا 23 فبراير 2026 (رويترز)
سيارات متوقفة في محطة وقود حيث أصيب سبعة من أفراد الشرطة بجروح إثر انفجار في ميكولايف أوكرانيا 23 فبراير 2026 (رويترز)

قال قائد الشرطة الأوكرانية إن انفجاراً وقع في منطقة ميكولايف، جنوب أوكرانيا، الاثنين، وأسفر عن إصابة سبعة من أفراد الشرطة، اثنان منهم بجروح خطيرة، في ثاني هجوم يستهدف الشرطة في غضون ثلاثة أيام.

وأضاف إيفان فايهيفسكي أن أفراد الأمن كانوا أوقفوا سياراتهم انتظاراً لتغيير نوبة العمل عندما وقع الانفجار، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

صورة لمجمع محطة وقود أصيب فيها سبعة من أفراد الشرطة بجروح إثر انفجار... في ميكولايف أوكرانيا 23 فبراير 2026 (رويترز)

وكتب على «فيسبوك» قائلاً: «قبل يومين، وقع هجوم إرهابي على أفراد شرطة في لفيف»، في إشارة إلى المدينة الواقعة غرب أوكرانيا بالقرب من الحدود البولندية.

وأضاف: «هذه ليست مصادفة. العدو يحاول عمداً قتل الشرطيين الأوكرانيين الذين يدافعون عن الشعب والدولة كل يوم».

وأسفر انفجار يوم السبت في لفيف عن مقتل شرطية وإصابة 24 شخصاً.

Your Premium trial has ended


مخاوف من مصرع العشرات بانقلاب قارب مهاجرين قبالة جزيرة كريت

مهاجرون يُنتظَر نقلهم إلى ميناء أجيا غاليني بعد إنقاذهم من قِبل جهاز خفر السواحل اليوناني في جزيرة كريت الأسبوع الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يُنتظَر نقلهم إلى ميناء أجيا غاليني بعد إنقاذهم من قِبل جهاز خفر السواحل اليوناني في جزيرة كريت الأسبوع الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مخاوف من مصرع العشرات بانقلاب قارب مهاجرين قبالة جزيرة كريت

مهاجرون يُنتظَر نقلهم إلى ميناء أجيا غاليني بعد إنقاذهم من قِبل جهاز خفر السواحل اليوناني في جزيرة كريت الأسبوع الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يُنتظَر نقلهم إلى ميناء أجيا غاليني بعد إنقاذهم من قِبل جهاز خفر السواحل اليوناني في جزيرة كريت الأسبوع الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت السلطات اليونانية والمنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، إن هناك مخاوف من مصرع نحو 30 شخصاً بعد انقلاب قارب يحمل مهاجرين قبالة جزيرة كريت اليونانية.

وانقلب القارب الذي كان يحمل نحو 50 مهاجراً، على بُعد 20 ميلاً بحرياً قبالة ميناء كالي ليمينيس، في أقصى جنوب جزيرة كريت، يوم السبت. وتم العثور على جثث ثلاثة رجال في اليوم نفسه، وعلى جثة امرأة طافية في البحر، الأحد.

ولم يُعثر على ناجين أو ضحايا آخرين منذ ذلك الحين. وقال متحدث باسم خفر السواحل لوكالة «أسوشييتد برس»، الاثنين، إن السفن المارة تواصل البحث في المنطقة.

وكان القارب قد أبحر من مدينة طبرق الليبية يوم الخميس الماضي، وفقاً للناجين. وهبت رياح شديدة في المنطقة يوم السبت.

واعتقلت السلطات رجلين سودانيين 25 عاماً و19 عاماً، للاشتباه في أنهما قاما بتهريب المهاجرين.

وقال مكتب الأمم المتحدة، في بيان اليوم (الاثنين): «بعد شهرَين فقط من عام 2026، تم بالفعل الإبلاغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 606 مهاجرين على طول طريق البحر المتوسط، وفقاً لمشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة. وتُعد هذه أكثر بداية عام دموية في البحر المتوسط منذ أن بدأت المنظمة الدولية للهجرة في تسجيل مثل هذه البيانات في عام 2014».

مهاجرون وصلوا مؤخراً إلى جزيرة كريت تحت الحراسة في ملجأ مؤقت في قرية أجيا في الجزيرة جنوب اليونان 19 أغسطس 2025 (أ.ب)

وتابع البيان: «تحذّر المنظمة الدولية للهجرة من أن شبكات الاتجار والتهريب تواصل استغلال المهاجرين على طول طريق وسط البحر المتوسط، مستفيدة من المعابر الخطرة في قوارب غير صالحة للإبحار، في حين يتعرض المهاجرون لانتهاكات ومخاطر شديدة».

وأضاف أنه «من المهم للغاية أن يكون هناك تعاون دولي أقوى واستجابات تركز على الحماية، من أجل التصدي لهذه الشبكات الإجرامية وتوسيع المسارات الآمنة والنظامية للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح».


قمة جديدة لـ«تحالف الراغبين» وسط تمايز حول سبل دعم كييف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصافحاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب عند مدخل قصر الإليزيه في باريس الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصافحاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب عند مدخل قصر الإليزيه في باريس الاثنين (رويترز)
TT

قمة جديدة لـ«تحالف الراغبين» وسط تمايز حول سبل دعم كييف

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصافحاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب عند مدخل قصر الإليزيه في باريس الاثنين (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصافحاً نظيره الفنلندي ألكسندر ستوب عند مدخل قصر الإليزيه في باريس الاثنين (رويترز)

تلتئم، الثلاثاء، قمة «عن بُعد» لـ«تحالف الراغبين» الداعم لأوكرانيا الذي يضم 35 دولة، غالبيتها الساحقة أوروبية، إلى جانب مجموعة أخرى غير أوروبية؛ منها: كندا، واليابان، ونيوزيلندا، وأستراليا. ومن المنتظر أن يشارك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في إدارة الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على اعتبار أن مبادرة إطلاق «التحالف» العام الماضي جاءت من باريس ولندن معاً. كذلك، فإن رئاسة أركان «قوة التحالف» التي يتولاها راهناً الجنرال الفرنسي جان بيار فاغيه، ستكون متداولة بين الجانبين. ولم يعرف حتى عصر الاثنين ما إذا كانت الولايات المتحدة ستشارك في الاجتماع ومن سيمثلها. وتجدر الإشارة إلى أن المهمة الرئيسية لـ«التحالف»، بالإضافة إلى توفير الدعم المالي والسياسي والعسكري لكييف، تكمن في تشكيل قوة عسكرية لتوفير الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار أو اتفاقية سلام مع روسيا.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس في حديث مع المستشارة السابقة أنجيلا ميركل خلال 20 من الشهر الحالي بمناسبة مشاركتهما في مؤتمر الحزب الديمقراطي المسيحي الذي ينتميان إليه (رويترز)

صعوبات نشر «قوة الطمأنة»

ووفق التصور المعتمد، فإن هذه القوة لن تكون قتالية بل «قوة طمأنة» لأوكرانيا المتخوفة من أن روسيا ستعاود استهدافها رغم وقف النار أو التوصل إلى سلام معها. والمتفق عليه أن القوة سيتم نشرها أرضياً بعيداً عن خطوط القتال، كما أن لها جناحين جواً وبحراً. ومنذ العام الماضي، تدرس رئاسة أركان القوة الموجودة في قاعدة «مون فاليريان» العسكرية الفرنسية، الواقعة غرب باريس سيناريوهات مختلفة لانتشارها وللمهمات التي ستؤول إليها. وسبق لأطراف التحالف أن عقدوا اجتماعاً رئيسياً في باريس خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كان غرضه أن يكشف كل طرف عما هو مستعد لتقديمه إلى هذه القوة متعددة الجنسيات. وحتى اليوم ما زالت روسيا ترفض أي وجود لأي جهة أطلسية على الأراضي الأوكرانية، فيما لم تصدر عن واشنطن أي وثيقة رسمية تؤكد، عملياً، ما سيقدمه الطرف الأميركي لـ«حماية» القوة الأوروبية حتى لا تجد نفسها منفردة في مواجهة روسيا.

ويحل اجتماع الثلاثاء فيما طوت الحرب في أوكرانيا عامها الرابع. ورغم الاجتماعات الثلاثية المتنقلة التي تضم روسيا وأوكرانيا والوسيط الأميركي، فلا شيء في الأفق يدل على احتمال توصل الفريقين المتحاربين إلى وقف قريب لإطلاق النار. ومشكلة الأوروبيين الرئيسية -رغم تحولهم إلى الداعم الرئيسي لأوكرانيا بعد قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجميد المساعدات لكييف مع إبقاء الباب مفتوحاً لتزويدها بأسلحة أميركية يدفع ثمنها الأوروبيون- تكمن في أنهم مستبعدون عن المفاوضات التي لا تتناول أمن أوكرانيا وحدها بل أمن القارة الأوروبية والاتحاد الأوروبي بالدرجة الأولى.

ومن هنا، فإن القادة الأوروبيين شددوا، في تصريحاتهم أمس، على أهمية مواصلة الضغوط على روسيا. ومن جملة ما سعوا إليه، في سياق اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، الاثنين، في بروكسل المصادقة على السلة العشرين من العقوبات على روسيا التي تستهدف بشكل خاص قطاعَي البنوك والطاقة. بيد أن معارضة المجر وسلوفاكيا معاً أجهضت الخطط الأوروبية. فالمجر تربط قبولها بفرض العقوبات الجديدة بالعودة إلى تدفق النفط الروسي إليها. وتتهم بودابست أوكرانيا التي يمر خط الأنابيب الناقل للنفط في أراضيها بالحؤول دون ذلك، رغبة من كييف بمعاقبة المجر لمعارضتها انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وتتضامن سلوفاكيا مع المجر للأسباب ذاتها.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في صورة التقطت له في المقر الرئاسي بكييف يوم 20 من الشهر الحالي قبل مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب)

عقبة «منهجية»

حقيقة الأمر أنه، بالإضافة إلى ما سبق، ثمة عقبة «منهجية» تعوق عمل «التحالف»؛ ذلك أن دولاً أوروبية رئيسية، داعمة لأوكرانيا، ترفض المشاركة في قوة الطمأنة، لتخوفها من الوجود وجهاً لوجه مع القوات الروسية. وثمة ثلاث دول رئيسية تذهب في هذا الاتجاه (إيطاليا وبولندا ورومانيا)، فيما دول أخرى مترددة وعلى رأسها ألمانيا، كما أنها تضم إسبانيا وبلغاريا وآيرلندا... والجديد اليوم قيام تجمع يطرح مشروعاً مغايراً للمشروع الفرنسي-البريطاني (بخصوص قوة إعادة الطمأنة) وتقوده ألمانيا.

ويقوم المشروع البديل الذي يعتمد خطة «الانتشار في الدول المجاورة» على نشر قوات أوروبية-أطلسية في دول مجاورة لأوكرانيا وليس على الأراضي الأوكرانية حتى بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار. والسبب في ذلك تمسكهم بعدم «استفزاز» موسكو من جهة، وتفضيلهم من جهة أخرى مقاربة استراتيجية تقوم على تركيز أي وجود عسكري أو قوات استقرار في الدول المجاورة لأوكرانيا (مثل بولندا، ورومانيا، ودول البلطيق، أو غيرها من الدول الحدودية)، وذلك من أجل تعزيز الأمن الإقليمي وإنشاء نوع من الحاجز أو آلية ردع من دون وضع قوات على الأراضي الأوكرانية نفسها.

وثمة من يرى أن خياراً مثل هذا سيدفع الدول المترددة في إرسال قوات إلى الأراضي الأوكرانية للمشاركة في تعزيز الدفاعات الأوروبية-الأطلسية إذا كان خطر المواجهة مع موسكو مستبعداً، بعكس ما سيكون عليه الحال إذا وجدت قوات أوروبية وإن كانت بعيدة عن خط المواجهة داخل حدود أوكرانيا (فرنسا وألمانيا). وما سبق يعكس جدية المخاوف الأوروبية من مواجهة محتملة مع روسيا.

وفي الأشهر الماضية، صدرت تحذيرات استخباراتية رفيعة المستوى من أهم دولتين أوروبيتين تتوقع أن تعمد روسيا إلى معاودة استهداف دول أوروبية وإن كانت منتمية إلى الحلف الأطلسي، مثل دول بحر البلطيق الثلاثة (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) التي كانت سابقاً جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل نهاية العقد الحالي. وهذه التوقعات تدفع الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي وتعزيز قواتهم وصناعاتهم العسكرية، ولكن أيضاً تجنب ما من شأنه إثارة موسكو وتوفير الذرائع لها للقيام بمغامرات جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended